26 يناير، 2009

أنا أقول و أنت تقول !

سفيد الطائفي [ 3 ]



يقولون بأن النتيجة عيال المقدمة و بصيغة قواعد الأصول يُعبر عن هذا المعنى بقولهم ( الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره ) ، و معناه أن أي نتيجة نراها لا يمكننا الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب دون أن ننظر للمقدمة أو الآثار التي أُخذت في الاعتبار حتى تركبت لتصل إلى هذه النتيجة ، و بمعنى القاعدة الأصولية يُمكن التعبير بالقول أن أحكامنا في الغالب هي نابعة من فهمنا الشخصي و بحسب ما نتصوره عن هذا الشيء و اللازم أنها يجب أن تنطلق منظور فهم الأدلة التي بُنيت عليها قبل إدخال تصورنا و ذائقتنا الشخصية في الحكم .

الأحكام الفقهية و كذلك مبادئ الأفكار سواء الروحانية أو المادية و من ضمنها السياسية أيضًا لا يجب الحكم عليها من خلال استحساننا أو استقباحنا منها و على مبنى البغض أو المحبة لها و هذا ما ينفي صفة العلمية عن أغلب النقاشات الدائرة لأنها تنضوي تحت إطار الاستحسان الشخصي و الانتصار الذاتي و ليست من باب النقاش العلمي ، الذي ينظر للمسألة من ناحية علمية مجردة و بحثية صرفة ، يمكن تقريب القضية للذهن في بيان أنه من النادر أن يصدر أحدهم حكمًا على ثمرة ما لشجرة ما بناءً على ما تغذته من جذورها بدلا من الحكم عليها مباشرة بالحموضة أو المرورة ، فالأسهل دائما عندنا هو إطلاق الحكم على الذائقة لذلك يشير أبو الفرج الأصفهاني إلى أنه مع الأيام يكتشف الإنسان نقصان حكمه !

أمران يجب الإلتفات لهما في مثل هذه النقاشات و الحوارات :

1) اختلاف المسلمات .

و معناه أن لكل طرف قواعد و نُظم أصولية يبني عليها اعتقاداته ، هذه النظم تتفرع من قواعد مُسلّم بها أي أنها الأصل الذي عليه تبنى باقي النتائج ، لكل طرف مسلماته أو ما يمكن أن يطلق عليه ( قوالبه ) لا يمكن لأي شخص أن يدخل نقاشًا أو حوارًا و هو غير مطلع على المسلمات عند الطرف الآخر و غير آخذٍ لها بالاعتبار ، لا يمكن لأي حوار أن يكون منتجًا إذا كل طرف يُصر على أن مسلماته هو فقط هي الأرضية الوحيدة التي يجب أن يبنى عليها كل الحوار و ما ينتج عنه .


2) تباين الإلزامات .


و هو يُشير إلى أن الحجة في الحوار حتى تكون ملزمة للطرف الآخر يجب أن تكون مبنية وفق قواعده و أصوله بحيث أنها تصبح مقبولة عند الطرف الآخر و العكس صحيح ، من ثمة يُمكن لهذا الإلزام أن يقوم بدوره ، و لا يصح أن أحاول إلزام غيري بما أؤمن به أنا و بناءً على نظرتي الشخصية ، لاختلاف المسلمات كما سبق و أن ذكرت .


مثلاً : قضية الإلحاد و الإيمان في الغالب مباني الملحدين الغربيين قائمة على ما توصلت له الفلسفات الإنسانية و نظرياتها مع اجتذابها لبعض النظريات العلمية الأخرى ، لا يمكن أن يتم اثبات الخالق سبحانه في حوار مع هذا الشخص بأن يتم الاستشهاد عليه بنصوص دينية هو لا يراها سوى كتابات غيبية لا اعتبار لها ، هذا الإلزام قد يفيد مع المؤمن بديانة سماوية أخرى لأنه يعتبر الألوهية أصلاً موجودًا فالنقاش يكون في عرضه لا جوهره .


أما هذا الشخص الملحد فهو لا يرى الألوهية لذلك يكون إلزامه من نفس الباب الذي اعتقد به و هو باب العلوم العقلية و الطبيعية و أدلتها استقراءً حتى الوصول للنتيجة النهائية ، فما يصح عندي قد لا يصح عند غيري فلا يجوز أن أحاكمه على أساسه [1].


....


هذا المثال الأخير ضربته حتى أبين من خلاله أنه لو تنزّلنا إلى ما دون مباحث الخلق و الألوهية ، إلى ما يندرج تحتها فإن القواعد العلمية لمثل هذه الحوارات تظل ثابتة فهي بمثابة مقاييس متعارف عليها ، لذلك تكون نقاشات أهل العلم مثمرة لأنها قائمة على هذه المقاييس ، بينما ما يحدث للأسف بين العوام هو ( خوارات ) تقوم على مبادئ التعصب [2] لما نشأ عليه و اعتبره أصلاً لا يرتضي عنه بديلا و إن كان يحاور من لا يعتقد به بالأساس و هذا ما يدخله في باب الفضول الذي هو ضياعٌ للعقول .


مسائل الإعتقادات و الأفكار هي مسائل عقلية بحتة لا تخلو من جانب عاطفي فمناقشتها على غير هذا المحمل هو إساءة لها و للعقول و بالتالي إساءة لمن يؤمن بها و لمن يناقش فيها كلٌ على حدة ، صحيح أنه من الواجب أحيانا على الإنسان أن يتنزل لهذه المدارك حتى يزيح بعض الشوائب إلا أن هذا لا يعني إعطاءها صبغة ( الحوار ) فضلا عن الفائدة و العلمية فهي ستظل إن لم تكن مبنية على الأصلين السابقين مجرد معارك طفولية تبين عدم ' وعي ' أصحابها .



يتبع إن شاء الله ..



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] كيف نفهم ما يريده الطرف الآخر ؟


الإجابة في الحلقة القادمة إن شاء الله :)


[2] لماذا يتعصب الناس لعقائدهم ؟


الإجابة لكونها احدى الأضلاع التي تشكلهم كـ"ـبشر" ، أما كيف هذا ؟


فستكون إجابته في حلقة أخرى إن شاء الله .



21 يناير، 2009

صـوتُ الثـورة .

وحي عاشوراء [ 12]

كل ثورة ، بل كل حركة إن لم يتبعها موقف و صوتٌ يظهرها لانتهت دون أثر ، فلا يبقى لها ذكر و لا اعتبار بعد ذلك ، و كذا كانت حادثة الطف حين استشهد الحسين عليه السلام ، صوته و صوت أصحابه و مبادئهم التي أرادوا إظهارها و سقوها بدمائهم لكي تغدو نامية أمام الناس يلتفتون لها لم تكن لتصبح كذلك لو انتهت تلك الثورة في كربلاء ، و هذا من لطف الله سبحانه و تعالى و من دقائق فعله بأن جعل لها جناحًا آخر يُكملها ، و هو لسان الصدق الذي نطق بالحق فأزاح ما أراد الأعداء إلباسه على هذه الثورة من شبهات .



يذكر التاريخ أن ثورة الحسين عليه السلام تعرضت لتشويه كبير منذ بدايتها و لازالت إلى هذا اليوم كذلك ، و أهم ما تعرض فيها للتشويه هو شخوصها فالحال أنه لولا ظهور صوتها و وصوله لما أمكن أبدًا تحديد السقيم من الصحيح فيها ، هذا الصوت دوره لا يقل أبدًا عمن بذل روحه و نفسه في سبيل تلك المبادئ العظيمة التي زلزلت كيان الظالمين ، و مثلت الإتجاه المعارض للتسلط و الطغيان ، في أغلب المنازل التي نزل بها السبايا في رحلتهم من كربلاء إلى الشام كان الناس يخرجون ليستقبلوا سبايا ( الخوارج ) فالدعاية الأموية حينها قد قامت بواجبها على أكمل وجه في تشويه المبادئ النقية التي خرج لأجلها الإمام الحسين عليه السلام ، و ما أوضح من ذلك إلا موقفهم في الشام حين طلب الإمام زين العابدين عليه السلام صعود ( الأعواد ) و لم يسمها منبرًا لأنها كانت موضوعة لمن اشترى مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فلما أُذن له صعد عليها و أول ما ابتدأ خطابه بعد الحمد و الثناء على الله و الصلاة على النبي الأكرم و آله الأطهار أن بدأ بتعريف نفسه بقوله : " أيها الناس أعطينا ستا و فضّلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين وفضّلنا بأن منّا النبيّ المختار ومنّا الصدّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسد الله وأسد رسوله ومنّا سيّدة النساء ومنّا سبطا هذه الأمة .
أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى ...
" ، و أكمل بالخطاب حتى وصل لتفاصيل ما جرى و حدث في كربلاء ، يروي الشيخ بهاء الدين العاملي رضوان الله عليه في الكامل أنه ما أكمل الخطبة حتى ضج الناس بالبكاء بعد أن عرفوا هويّة السبايا و حقيقة ما جرى على الحسين عليه السلام في كربلاء بعيدًا عن تزييف الدعاية الاموية التي أضلتهم ، ثم يكمل رحمه الله باقي تفاصيل ما حدث في كتابه .


محل الشاهد أنه عليه السلام إنما بدأ بالتعريف بنفسه ليبين للناس هويته و هويّة والده الشهيد و أصحابه حتى يؤسس بمكانتهم المعلومة الأرضية التي سيُلقي فيها الحجة البالغة على الناس و ليهيء لهم ما يمكنه فيه استيعاب مبادئ الحسين عليه السلام التي صاغها يوم عاشوراء في خطابه : " .. و إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه و آله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر .. " ، و هذا ما كان .

أخرج الإمام زين العابدين عليه السلام عاشـوراء من صيغتها الفعلية إلى صيغتها المبدئية فصاغ مبادئها بأقواله و أفعاله و نشرها بين الناس مُبينًا في ذلك أسبابها و مسبباتها ، في مؤلفاته رسم عليه السلام مكنونات عاشوراء بحروف الأدب ليحفظ تراث كربلاء بكل جوانبه واضعًا بذلك دستورًا تُقاس به حقوق الأفراد و نظم الثورات و أهداف الدعوات ، وضع ذلك كله في واحدة من أكثر المراحل حرجًا بتاريخ الامة الإسلامية بعد أن توسعت لتنفتح على ثقافات الإغريق و الفرس و غيرهم و مزاحمة هذه الثقافات للأفكار الإسلامية الأصيلة و ما تدعو إليه فكان دوره عظيمًا في اثباتها بل و مجابهة ما شذ منها ، كان تأصيله لـ " رسالة الحقوق " دليلاً على المبادئ السامية التي مثلت نبراس النور في عهود الظلام و اثباتًا لعظمة الدعوة و ترسيخها لنظام حقوقي يندر مثيله .


أما " زبور آل محمد " كما أُطلق على صحيفته السجادية فهو الأثر الواضح على مراعاته للجانب الروحاني الذي يفوق في الأثر الجانب العقلي ، العقل الذي قد يرى في الشجاعة تهورًا و لكن القلب يرى فيها تساميًا و لا أدل من موقف عابس بن شبيب في عاشوراء ، إن شعور القلب كما يقول جان جاك روسو هو فوق منطق العقل ، فلا عقل دون قلب ، لذلك كانت الصحيفة السجادية ملاذ الباحثين عن اليقين في تغذيتها لأرواح المؤمنين فهي تمثل " المعرفة المستقلة بعيدًا عن معرفة التجربة و الحواس الخارجية " كما وصفها كانط ، و هذا ما مثل جدارًا منيعًا أمام الأفكار التي بدأت تغزو العالم الإسلامي بعد الرخاء الكبير الذي حدث في تلك الفتوحات ، فكانت تذكرة للمسلمين لروحانيتهم و إعادة ربط لصلتهم بخالقهم عز و جل بأدعية و مناجاة عالية المضامين لا يوجد لها مثيل ، هذا الدور العظيم الذي أنيط به في اكمال مسيرة عاشوراء لم يكن ليقوم به أحدٌ سواه لأنه يحتاج لرجل بمواصفات أسبغها الله عز و جل على شخص واحد في زمانه كان هو زين العابدين عليه السلام .

في الخامس و العشرين من شهر المحرم تمر ذكرى استشهاده عليه السلام ، بعد خمس و ثلاثين سنة من محضره في كربلاء ليحمل أمانة نقلها و بث رسالتها للعالم أجمع .. فسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يُبعث حيا .



على هامش هذه الذكرى ، في الثالث و العشرين من شهر محرم الحرام مرت ذكرى ' فاجعة سامراء الأولى ' الثالثة .

مدللة على بعض ما جرى عليهم حال حياتهم عليهم السلام و امتد لبعد وفاتهم .

19 يناير، 2009

غزة .. شيء من السياسة و التعاسة .





أسوء ما في التاريخ أن أحداثه لا تُكتب إلا بأحبار حمراء من دماء الأبرياء ، منذ قتل قابيل أخاه فأهلك ثلث البشرية إلى اليوم ، لا زال الإنسان يرسم ملامح قوته و يثبتها بقدرته على سفك الدماء ، هكذا يحقق مطالبه ، لم يتعلم طوال هذا التاريخ أن تاريخه دون البشر لا معنى له ، و أن الدماء التي يسفكها ستكون أول اسفين يدق في نعش ما يحاول بناءه ، كلهم يقتلون ليبنوا مجدهم فيتحول هذا المجد إلى لعنات تنصب عليهم بعد سنوات لأنه مجدٍ بني على عظام الموتى الهشة .


على رغم كل هذا التطور المادي و الإرتفاع في المستوى العقلي لا زالت سنن البشرية كما هي " و لو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى ، غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الإجتماع ، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقة الفنية " [1] ، هكذا تحول القتل من وسيلة في عصر قابيل إلى غاية و هدف في عصرنا الحالي كل ما اختلف بينهما هو أنّ قابيل لم يعطي المبررات و لم يغلف ما فعله بالحجج و البراهين حتى يغسل الدماء من يده بتلك الحجة ، و هذا ما لا يحدث الآن ، تحول القتل إلى غاية تساق له المبررات و تصفق له الجموع البشرية و تنطرب لأصوات أزيز الطائرات و المدافع لأنها تظهر عنصر التجبر و الاستكبار الكامن في نفسه ، يندفعون لتأييد القاتل و يصفقون له لأنهم أجبن من أن يقتلوا بأيديهم و قام القاتل بما عجزوا عنه .


سألوا يوما الإمام الرضا عليه السلام عن ثأر القائم عليه السلام من أبناء قتلة الحسين عليه السلام فكان جوابه : و من رضى شيئا كان كمن أتاه و لو أن رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل [2] .


هذه هي الحقيقة البديهية التي لا يريدون استيعابها ، لو لم يجد القاتل من يعطيه القابلية لعمله ما استمر بفعله ، فكل فعاليته هي نابعة من قابلية من يمهد له الطريق ، و يسبغ عليه الثناء ، و يعطيه المبررات ، و يكتب له التأويلات ، بل و يعتبر نفسه ناطقًا باسمه قائمًا بفعله لأنه في داخل نفسه أجبن من أن يتخذ موقفًا يثبت فيه استقلاليته و حريته ، مثل ما كان في الحرب الأهلية الأمريكية حين وقف بعض العبيد ضد القوات الإتحادية لأنهم لم يتصوروا أن يتمكنوا من الحياة دون أسيادهم.


الهجمة الصهيونية على غزة و ما يحدث فيها لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي المزري الذي وصلت له الأمة ، و لا يمكن فهمها بدون استقراء واضح للتاريخ حتى وصولنا لهذه اللحظة و لكن لا يمكن اختزال تاريخ أمة ببضعة سطور للأسف .


بتجريدٍ بحت حين ننظر لقضية غزة بعيدًا عن شقها المأساوي ، نرى أنها قضية مفصلية لرسم واقع المنطقة خلال السنوات القادمة ، السياسيون لا يهتمون بمقدار التضحيات و المقدمات بل تهمهم النتائج و ما يُبنى عليها ، بداية ما حدث لغزة يعود لنهاية عهد كلينتون حين تم القرار بإنهاء القضية الفلسطينية و تسويتها و لكن كان لياسر عرفات موقف خالف فيه التوجه الذي أرادته الإدارة الصهيونية بسلب حقوق الشعب الفلسطيني على رغم كل مواقفه وسلبياته إلا أنه استوعب أن أوسلو لم تكن سوى ألعوبة ، لذلك رمى كلينتون تبعية عدم انهاء القضية على رأسه عند انتهاء ولايته ، و قرروا التخلص منه كعقبة موجودة في طريق طي ملف هذه القضية .


انتهوا من عرفات و ظلت سوريا و إيران و حزب الله و الفصائل الفلسطينية في المرصاد ، حاول الصهاينة كسر حزب الله عام 2006 فكانت هزيمة ساحقة لهم و لمخططهم الذي أبلغوه لدول الاعتدال العربية [3] قبل إعلان الحرب على لبنان ، هذه الحرب التي حدثت تحت مبرر " الطائفية " كما عبر ذلك شيمون بيريز : " حزب الله سيكون أداة لبسط النفوذ الفارسي لإيران الشيعية على الشرق الاوسط المعروف بغالبيته العربية السنية، ومن ثم من حق الدول السنية الكبرى في المنطقة أن تشعر بالقلق. " ، و هي الحرب التي وصفتها رايس بأنها المخاض للشرق الأوسط الجديد ، إن أسوء ما الحروب ليس بشاعتها و دمويتها و لكن تبريرها لهذه البشاعة و الدموية تحت ذريعة الخوف من ( هويّة ) الطرف المقابل .


تحت هذه الذريعة برروا حرب لبنان ، و برروا همجية الصهاينة في غزة ، و برروا كل المواقف الدوليّة المتخاذلة و فضلوا أن يرموا بتبعات الدماء على رقبة الضحيّة ، لأنها أضعف من الجلاد و لأن التبعية له أهون على نفوسهم من الإقرار بـ " هويّة " الضحية ، دماء هؤلاء الأبرياء سيتشارك فيها كل آثر أن يقبع بزاويته مبررًا و مدافعًا عن السفاحين و لو بكلمة بحجة أنّ فأسهم أكبر من سكين الضحايا ، و كأن على الناس أن يقبلوا شرب الهيم من الحميم لأنهم لا يجدون الماء المعين !


و الآن برغبة و إرادة الدول العربية المعتدلة تم شن الحرب الأخيرة على غزة كخطة بديلة عن الفشل في لبنان لمحاولة إعادة إحياء عملية طي الملف الإسرائيلي الفلسطيني نهائيًا برغبة عربية وفق الشروط الإسرائيلية، و لكنهم صدموا بالهزيمة تتكرر مجددًا لتضع بصمة جديدة على درب الفشل الصهيوني في العهد الجديد ، فهذه المرة لا بارود فاروق و لا ماكو أوامر غلوب باشا هي من تحاربهم ، و رجعت نفس المبررات مجددًا .


الصراع الآن هو صراع بقاء إسرائيل لذلك هي تتوحش في كل يوم أكثر بهجومها على غزة قبل الهدنة و بعد سقوطها كما توحشت في هجومها على لبنان لأنها تعلم أن القوى الكبرى لا يمكن لها أن تغفر لها انكسارين بعد هذا الغطاء الدولي المفتوح ، و هي تعلم يقينا أن فشلها يعني انفاذ المطالب التي تريدها إيران و سوريا رغما عنها بموافقة أمريكية ، لأن أمريكا الحالية بانتظار النتائج لما يحدث في غزة و بناء عليها سيرسم أوباما السياسة التي دعا إليها بالمفاوضات ، طبيعي انه يريد أن يفرض شروطه في تلك المفاوضات و لكن ما يحصل على أرض الواقع لا يبشر بهذا الشيء ، و ايقاف إطلاق النار هو شهادة وفاة جديدة للعسكرية الصهيونية الهمجية ، إيذان بفشل جديد يضاف لسجلات الفشل العربي في المراهنة الخاطئة على البيدق الخاطئ.


النتائج التي ستترتب على ما حدث في غزة ، و ما حدث في لبنان قبل ثلاث سنوات ستأتي أكلها قريبًا ، و قريبًا جدًا .


و ستبقى دماء الأبرياء شاهدًا على همجية الإنسان الكامنة فيه ، و إن تمظهر بالتمدن و التحضر .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] من كلمات العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان ج 4.


[2] الرواية كما رواها الشيخ الجليل الصدوق قدس سره في " علل الشرائع " ج1 :


عبد السلام بن صالح الهروي قال : قلت لأبي الحسن علي ابن موسى الرضا " عليه السلام " يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال : إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين " ع " بفعال آبائها ؟


فقال " ع " : هو كذلك.


فقلت : فقول الله عز وجل ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ما معناه ؟


فقال: صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضى شيئا كان كمن أتاه ولو أن رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.


[3] BBC- طائفية" حزب الله بين إسرائيل ولبنان"

  • تحديث لا علاقة له بأصل الموضوع:

تم اليوم الحكم ببراءة سماحة السيد الفالي من التهم المنسوبة له :

- لقراءة التفاصيل : اضغط .

- لقراءة ما يتعلق بالموضوع : اضغط .

15 يناير، 2009

شـو بيـو .

سفيد الطائفي [ 2 ]


في موضوعي :


كان الخطاب يتوجه تقرير حال هؤلاء الذين الذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام بـ الهمج الرعاع ، بوصف الجمع بينما أركز العالم الرباني و المتعلم على سبيل النجاة بوصف الإفراد ليُظهر أن الصفة الغالبة هي النعيق مع كل ناعق عند الناس و أن القلة هم الذين يبحثون أو يحاولون البحث عن الأهداف السامية لوجودهم و علة إيجادهم في هذه الحياة .


من الدروس اللطيفة التي تعلمتها من والدي - رحمه الله - أن أسأل نفسي قبل كل عمل : و بعدين ؟

ما هي النتيجة التي أريد الوصول إليها أو الغاية التي أريد تحقيقها من عملي لهذا الفعل أو ابتدائي لذاك الفعل ، معرفة خط النهاية تحدد لي طريقة البداية ، في الفورميلا 1 تُعزى أغلب الهزائم إلى : الإنطلاقة الخاطئة ، حياتنا و أهدافنا و غاياتنا هي مشابهة لهذا السباق كلها تعتمد نفس المبادئ و لكن بصور مختلفة ، تبقى الروح واحدة و تختلف الأجساد كما يقول أصحاب تناسخ الأرواح .

ما يحدث في ساحات ما يفترض أنها حوار من تراشق و تقاتل طائفي يعود إلى سببين برأيي الخاص الاول هو العلو و الثاني هو الجهل و لكل منهما تعريفه و تصانيفه .

لان الإنسان هو مجموعة نقائص متراكبة و مع هذا يتسيد الكون و يوظفه في خدمته فإنه يُصاب بالعلو و الكبر ، فرعون عندما طغى لم ينكر الألوهية و وجود الآلهة و لكنه وصف نفسه بانه ( ربكم الأعلى ) فهو رب مع الأرباب - و العياذ بالله - و لكنه أعلى منهم ، في علم الأخلاق يقولون بأن كل إنسان يوجد في داخله فرعـون ، كل ما يحتاجه هو الأرضية القابلة لنموه حتى يظهر ، هذه الأرضية يشكلها الجهل ، فالعلو و الجهل متصلان لا يمكن فصل انفكاكهما لسبب و هو أن كلاهما مكمل للآخر .

و لا يُنسب الجهل إلا للإنسان " خاصَّة لأنَّه يمتلك قابليَّة التعلّم ومن شأنه أن يكون عالماً. " [1] ، و رغم تقسيم المناطقة لهذا الجهل تحت صنوف البسيط و المركب إلا أن هناك تقسيمًا آخر أفضل استعماله لأنه يخدم هذا الموضوع و هو تقسيم ثلاثي غير مشهور :

- جهل القصور : و هو من يبحث و يحاول الوصول إلا أنه لضعف أدواته يتيه دون أن يضع ركابه على الدرب السليم ، يمكن تمثيله بالتائه في الصحراء الذي يعتمد على تحديد موقعه بجهة شروق الشمس و لكنه مهما يسير لا يصل لمقصده لضعف درايته و قصور إدراكه عن الإحاطة بالدرب الصحيح .

- جهل التقصير : و هو الجهل النابع من الشخص ذاته لعدم رغبته في البحث و التعلم ، و اكتفائه بما تلقاه و اكتسبه فآمن به كمسلمات ، دون أن يعرف مقدمات هذه المسلمات و على ماذا بُنيت ، و لا يهتم بمعرفة هذا، فهو يحاول و لكن لا تهمه نتيجة المحاولة إنما يقوم بها إبراءً للذمة . .

- جهل العناد : و هذا من أسوء أنواع الجهل ، فهو يأتي بالإنكار رغم العلم { وجحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما وعلوا } استكبارًا منهم على الحقيقة و المعرفة ، و هذه من أسوء المصائب و الطامات .

فالجهل لا يعني عدم المعرفة فقط ، بل هو في معناه يتعدى هذا الأفق إلى الإشارة لعدم إدراك الحقيقة ، أو العلم بها و محاربتها ، أو عدم الاستيعاب التام لمفاهيمها ، كلها يصطلح عليها لفظ الجهل بالشيء ، لأن صورة هذا الشيء إما أنها غير حاضرة عنده أو حاضرة و لا تعجبه لأنها لا تناسب ما يريد الإيمان به من فكر يناسبُ هواه ، و يحقق مصالحه الذاتية .

المجتمعات المنغلقة التي ترى في الثقافات الأخرى ثقافات معادية لها ، لأنها تقدم تفسيرات بعيدًا عن القوالب التي تريد الإعتقاد بها و لأفرادها أن يؤمنوا بها تشكل عقلاً جمعيًا لا يحترم النظرة الفردية و لا يقيم لها وزنًا و لا تدرك بديهياتها ، هذا العقل الجمعي هو الذي يشكل الغوغاء و هم النسبة الأكبر قياسا بالمجتمعات .

لذلك لا أتعجب عندما أرى الكثير ممن يحاول أن يناطح الأفكار الإعتقادية بأساليبه الطفولية و " المسخرية " لأنه بطبيعة الحال وليد بيئة لا تحترم التعدد و لا تعترف بالإختلاف لكونها بيئة أحادية تخشى أن تقوم أي مفاهيم أخرى من خارج محيطها بتهشيم أساستها ، و تخشى من عدم قدرتها على مجابهتها ، فهي ترى في التعدد إفناءً لمنظورها الذي رسمته لهذا العقل الجمعي البائس لذا تعاند في جهلها و طغيانها .

في قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلتفاته رائعة ، هناك أشخاص ( يشترون ) => ( لهو الحديث ) .. لماذا ؟

( ليضل عن سبيل الله و يتخذها هزوا ) .هناك اشارة عميقة في الآية إلى استعداد البشر ليبذلوا الغالي و النفيس في سبيل خلق مضادات فكرية و كلامية تؤيد فكرهم الباطل لتغطي على الفكر الصحيح .. لأنهم لا يملكون الإرادة أو الرغبة في أن يتركوا ما تربوا عليه و اعتادوا عليه تماما كما هو حال معظم الناس في زمننا هذا الذين لا يتوافقون مع ما يخالفهم و لا يريدون حتى مجرد الاستماع إليه و لا يمانعون في بذل كل شيء لاخماد اصواتهم حتى لا يعلو صوت سواهم [2] .

معظم هذه الحوارات التي تقوم على قاعدة أفحمني أو أفحمك ، هي حوارات قائمة على مبدأ مصارعة الثيران إما أن ينجو الثور أو أن يغدو وجبة شهية لعشاء اليوم ، بينما الأصول الفكرية و الإعتقادية لا يجب أن يتم التعامل معها على هذا الأساس لأنها أصول تستخدم لتحديد هويّة الوجود في هذه الدنيا و ما بعدها بحسب العقيدة ، و لا تستخدم لبسط مناطق نفوذ على لوحة " المونوبولي " ، المؤسف أنها تصنف تحت باب " في سبيل الله " [3] بينما الواجب أن تتوجه هذه الحوارات إلى باب توسيع المدارك للإنسان حتى ينتخب ما يراه صوابًا مأمورًا به.

موئل هذه المشاكل و التسطيحات الطفولية في التعامل مع هذه القضايا هو فساد الأخلاق ، و إن كان يرتدي ثوب ( العقيدة ) فهذه النقائص مولودة من العناد و المكابرة و العلو و كلها مشاكل أخلاقية تتعلق بنفس الإنسان و إن حاول أصحابها نسبتها إلى الإختلاف العقائدي و أكدوا عليه و حاولوا التمترس خلفه ، فإن هذا الذي يختبئون خلفه لا يعدو كونه ناشئًا من مشكلة أخلاقية أيضًا ، كلها تنبع من هوى النفس و حبها و عدم الرغبة في إصلاحها .


هؤلاء يعانون مشكلة أخلاقية مزمنة ، أثرت على معتقدهم و على حياتهم بل و أضفت أثرها على وجودهم أيضًا لذلك كان التوجيه الإلهي بعدم مجادلتهم و لا مناقشتهم لأن قلوبهم الواعية قد خُتمت ، هذه هي الحقيقة البديهية التي استوعبها صاحبنا العزيز وقتها فلخصها بقوله ( شو بيو ) كما في الحادثة أدناه ، و لم نصل نحن لها إلا متأخرًا و غيرنا لا يزال في غمارها يسبحون تائهين .


ما قصة " شو بيو " ؟


قبل ست سنوات و على كوبري الملك خالد بمنى ، كنا جلوسا ننتظر منتصف الليل الشرعي أخذني الحديث مع أحد الأخوة المصريين المؤمنين أنا و عدة آخرون ، فجأة تناهى لسمعي أحد كبار السن و هو يتناقش مع أحدهم من الجالسين بجنبه في مواضيع خلافية ، و كلما تحدث بشيء أتى ذاك بالأعاجيب حتى صادف وقت الأذان مع سؤال طرحه صاحبنا العزيز على محاوره فأجابه بإجابة مضحكة .. فجأة انتصب واقفا صاحبنا العزيز و هو ينفض الغبار من ملابسه قائلاً مستهزءًا بما قاله من أمامه : صــج ؟ .. شـو بيـو [4] !
و مضى ليُصلي .
تذكرت هذه الحادثة المرتكزة في وجداني لأنني يومها تركت كل شيء و ظللت طوال اليوم أضحك دون قدرة على ايقاف الضحك على هذا الموقف ، كان تعاملاً عفويًا و لكنه في الصميم مع أمثال هؤلاء الذين يخادعون أنفسهم .


يتبع إن شاء الله ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] دروس المنطق للشيخ إبراهيم الأنصاري ، تقرير المحاضرة السادسة " الجهل " .


[2] من تعقيب على استشهاد الفاضلة ZooZ - اضغط .


[3] يقول الإمام الخميني قدس سره في مواضع مختلفة :


- " اذا اردتم ان تصلوا بأعمالكم التي هي في سبيل الله الي نتيجة فيجب ان تتجنبوا الأهواء النفسانية، ان الشيطان لا يترك الانسان. "


- " حاذروا من ان يفسد قلوبكم غرور الانتصارات والشهرة والخيلاء والاعتزاز، فان هذا المرض النفساني من فخاخ الشيطان ليحرف انتباه عبيد الله عن التوجه له ومن مكائد النفس الأمارة بالسوء التي تجر الانسان الي الشرك وعبودية الاصنام وخصوصا الاصنام الذي هو صنم النفس. "

[4] من ألفاظ " العيم " المستخدمة للتعبير عن حالة الاستهزاء بالردود اللامنطقية .

11 يناير، 2009

لكم مذهب و لي مذهب .

سفيد الطائفي [1]
بداية لسلسلة من الأحاديث .. لا أعلم كم ستستمر أو كم ستطول فهي قابلة لأن تتمدد أو تتقلص على حسب المزاج " الكتابي " .

.

في الموضوع السابق ( اضغط ) تعمدت أن آتي على ذكر هشام بن الحكم رضوان الله عليه لسبب ، فهو يعتبر أحد أجلاء الطائفة الشيعية و من ثقات الأئمة عليهم السلام و الرواة عنهم ، و كان مرجعًا للشيعة في زمنه يرجعون له بالمسائل إن أغلقت السلطات الطريق أمامهم عن ورود المنهل الطاهر للأئمة عليهم السلام ، إلى جانب هذا كان مناظرًا و مناقشًا سمعته مشتهرة في الآفاق من مناظراته مع أبي حنيفة إلى أبي شاكر الديصاني الملحد و زملائه إلى غيرهم في كل المواضيع و المذاهب و الأديان .

.

ما لا يعرفه الكثيرون عنه أنه لم يكن شيعيًا منذ الولادة ، بل كان جهميًا مجسمًا من أتباع جهم بن صفوان [1] لكنه تشيّع بعد مقدمه على الإمام جعفر الصادق عليه السلام و صار من خُلص أصحابه و من معتمديه ، و كذا كان مع ابنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، فهو ممن امتلك يقينًا بصحة اعتقاده و آمن بتمام الحجة عليه فاتبعه اقتناعًا و ليس اتباعًا.

.

رغم ولائه الشديد و عظم مكانته و جدالاته مع رجال باقي المدارس الاسلامية و غير الاسلامية ، رأيت في سيرة حياته أمرًا يثير العجب ، كما أثار عجب أهل الكوفة في زمنه ، فهشام رضوان الله عليه كان خرازًا له دكان يشترك فيه مع عبد الله بن يزيد الإباضي و هو أحد علماء و كبار الإباضية [2] ، و كان الناس يأتون لهشام يسألونه و عبد الله يسمع و لا يتدخل ، و العكس معه ، و رغم اختلافهما لم تنفض شراكتهما أو يؤثر اختلاف مذاهبهما الشديد على علاقتهما الشخصية و التجارية .

.

الإختلاف طبيعة بشرية ، و الناس على دين ملوكهم في الغالب ، فتغير مذاهب الدول غيّر مذاهب شعوبها ، إيران لم تعرف هذا التشيّع إلا في عهد الصفويين و مع مقدم العلامة حسين بن عبد الصمد العاملي من لبنان بدأ بالإنتشار بشكل واسع ، بينما مصر الشيعية تحولت لدولة سنية مع قفز الأيوبيين على السلطة هناك ، بل العجيب أنه في أحد الأيام و أثناء بحثي وجدت نصًا لأحد العلماء القدماء في بدايات العهد الصفوي يقول بأنهم كانوا يتعجبون عندما يمرون بروايات الأئمة عليهم السلام و التي تذكر تحول بلاد الفرس لمناصرتهم لشدة عداوتهم للشيعة و يعتقدون أنّ هذا ربما هو من علامات الساعة أو أنّ هذه الروايات غير تامة و لكنها تحققت أمامهم و في أيامهم فأسقطت ما بأيديهم .

.

شخصيًا جذوري تنحدر من منطقة تقع الآن على حدود روسيا مع آذربيجان المستقلة و عائلتي كانت سنية المذهب تشيعت بعد نزولها إلى تراكمة على مشارف شيراز الحديثة بفضل الصفويين رحمهم الله ، فالتحول و التبدل من صفات الأحياء في هذه الدنيا و راجع للانتخاب الذي يقوم به الإنسان على الأساس الذي يُحكّمه سواء كان عقله أم قلبه أم خلافهما ، و لا أظن أنه دار في بالهم بيوم من الأيام أن يكون ابناؤهم " روافضا " و أن سفيد هذا سيكون حفيدهم !

.

الدين ينبع من القناعة الشخصية للإنسان و كذا الفكر ، و ليس لباسًا يرتديه أو حلة يخلعها بل منهج يؤطر حياته بأكملها و يلتزم به برغبته و إرادته ، اختلاف المذاهب و الأديان لم يكن يومًا مورد خلاف بحد ذاته فهو اختلاف في استيعاب الحقائق و ليس اختلافًا فيها ، المشكلة تكمن حين تستغل هذه الخلافات في تغذية صراع سياسي / إثني / اجتماعي معين ، و هذه الصراعات إنما تقوم بالأساس لسببين الأول هو العلو[3-أ] عند الإنسان و الثاني هو الجهل [3-ب] ، و تجد في الحمقى و المغفلين غايتها لتوافر عنصري العلو و الجهل فيهم فيعملون بإرادتهم كحطيبات تنفذ تلك المخططات [4] ، يعني أنهم مستعدون لإلغاء دورهم في الحياة و الإكتفاء بكونهم رؤوس حِرب بيد غيرهم .
لم يجد هشام رحمه الله مشكلة في التعامل مع عبد الله بن يزيد فهو صديقه و زميله و شريكه من باب التعايش لم يدعوه إلى التوحد معه تحت إطار الشعارات و الإستجداءات و التنازلات و لا اعتبر خلافه العقائدي معه حربًا و تهديدًا على معتقده ، بل عمد إلى التعايش معه وفق متطلبات هذه الدنيا و ما تفرضه على الإنسان أما المعتقد و الحكم عليه فهو كائنٌ يوم الحساب أو إلى الاستقراء العلمي لها ، لذلك لم يزجا به في شؤونهم .

.

لم يرغب ابن يزيد بالمناظرة و لم يناظره هشام رغم مجالسه الشهيرة ، و السبب أنها لا تكون إلا لإثبات الشيء أو توضيحه و بما أنّ كلاهما جازمٌ بصوابية اعتقاده فلا حاجة للمناظرة لذلك لم يتعرض لها أحدهما ، و فضلا التعايش و قبول الاختلاف كما هو ، فلن ينام أحدهما في قبرِ الآخر .

.

ما يعاني منه البعض هو أنهم آمنوا لا بالإعتقاد و لكن بالوراثة ، فمكمنهم الاعتقادي غير ثابت و أساسه هش ، لذلك عمدوا إلى الضحك و الاستهزاء و المسخرة تارة و إلى التلون و التذبذب تارة أخرى ، فبصراخهم هذا يعتقدون أنهم يمكن أن يغيروا من واقع الإعتقادات أو أن يسجلوا نقاطا لصالحهم كما اعتقد المشركون أن سد آذانهم عن دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ستجعل دعوته تتلاشى ، أو أن مكاءهم و تصديتهم عند الكعبة ستغطي على صلاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله عندها ، و لكنهم نسوا أن هذا كان هو توقيعهم على صك جهالتهم و ضعفهم.

.


يتبع إن شاء الله ..

___________________

[1] مرآة العقول ج 2 - العلامة المجلسي قدس سره

[2] مذهب إسلامي منبثق من فكر الخوارج ، أسسه عبد الله بن أباض

و يعتبر عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليه السلام ، أحد أئمة المسلمين عندهم .

راجع ( السير و الجوابات ) لأبي مؤثر الصلت بن خميس الإباضي ج 2 .

[3-أ/ب] ستكون هناك وقفة مختصة بهم إن شاء الله .

[4] مالك بن نبي المفكر الجزائري ناقش هذه القضية و لكن من منظور الاستعمار

و خدمته و أسماها بقابلية الإستعمار ، و لكن أظن أن قاعدته يمكن استعمالها أيضًا في هذا المجال.

و لنا فيها وقفة أخرى إن شاء الله

9 يناير، 2009

ثمرة من ثمار الأفكار .

وجد هشام بن الحكم رضوان الله عليه المشهور بمناظراته و بأبحاثه مع شتى الأصناف من الملحدين إلى المخالفين نفسه في أحيانًا كثيرة وحيدًا بفكره و بفهمه وسط قطعان البشر الذين يشكلون الغالبية ، كان يرى الناس يتناولون الجهالات و يحاربونه على أساسها لعدم رغبتهم في تغيير وضعهم الحالي ، فهم كانوا كمن قال فيهم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله : يدعوهم إلى الجنة ، و يدعونه إلى النار [1] ، كان يدعوهم للعقل و المنطق ، فيدعونه للهوى و يعيبون عليه فكره المغاير لسائر المجتمع ، كانت وصمة عاره بنظرهم أنه من ( الأقلية ) ، تلك الأقلية المجهولة التي ما عرفوا عنها إلا ما خطته يدُ الخؤون .
.
مخالفة الحق رغبة بالهوى ، و طاعة لإمرة السوء بالنفس أصلٌ أصيل في الإنسان ، فالهوى ملذات ، و مجاهدة اللذات مجهدة و مكروهة لاستبدالها اللذة بالمشقة ، لذلك قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله : حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات .
.
الحُسن لا يعرف طعمه إلا بتذوق طعم الكراهة ، و قلة من هم سائرون على الكراهة طمعًا بحسن الآخرة ، في كتاب الله عز و جل مدحٌ كثير للقلة { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } ، و في كلمة أمير المؤمنين عليه السلام : لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه ... .
.
فالحقيقة هي شمس ساطعة لكن لا ينعم بنورها إلا من يتعرض لها ، و قلة من هم كذلك لهذا تخاصمهم الأغلبية.
.
عانى هشام من هؤلاء الكثير جرّاء حربهم النفسية و البدنية الشعواء ، دخل يومًا على الإمام موسى الكاظم عليه السلام يشكو له ذلك و ما يمر به من مضايقة .. فكان مما قاله الإمام عليه السلام في وصيته و هو يبين حجية العقل التي رفضها معظم الناس في إحدى روائع محاسن الكلام [2] : " يا هشام : لو كان في يدك جوزة ، وقال الناس : لؤلؤة ما كان ينفعك ، وأنت تعلم أنّها جوزة ، ولو كان في يدك لؤلؤة ، وقال الناس : أنّها جوزة ، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة ".
.
أهم الدروس التي خطتها كربلاء و أحداثها ، هي ثبات الفكرة و المعتقد رغم كل المضايقات ، و الاستعداد للتضحية في سبيلها دون التنازل عنها ، لكل منّا معتقده و فكره و لكنّ المهم ليس امتلاك هذا الفكر أو إدعائه ، الأهم هو مدى قابلية المرء للتعبير عن فكره و دفاعه عنه و قناعته به ، القناعة التي تنبع من داخل وجدانه حتى يعتبر وجودها وجودًا له في حد ذاته ، و إلا فإن التنظير أسهل من سلق البيض !
.
يوم عاشوراء وقف الحسين عليه السلام و قال أمام جموع الأعداء : ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، الا واني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر [3].
.
هكذا كان الحسين عليه السلام و أهل بيته و صحبه ، آمنوا بأحقيتهم فلم يرهبهم عدوهم بل مضوا في سبيلها ليثبتوا أن كيانهم مرتبط بهذا الحق و لولاه لا معنى لهذا الكيان و وجوده ، الاستشهاد لم يكن بعيدًا عن أنظارهم و لكنه ثمن قليل مقابل المثمن الأعلى و هو نقش الاعتقاد في عرش القلوب الواعية .
.
هويّة الإنسان لا تشكلها ملامحه الخارجية فهو متشابه بها مع باقي أقرانه ، إن اختلفت أشكالها فإن مهامها واحدة قائمة بلا فرق بينها ، هويّته يشكلها مذهبه الفكري و عمله الإعتقادي المبني على هذا الفكر أو ما يسمى بباعثه للعمل، الشخص الذي يستحي من معتقده أو يستجدي من غيره أن يعطيه صكوك القبول به هو شخصٌ مذبذب و فكره أكثر تذبذبا بحيث أنه غير قادر على اثبات نفسه و أحقيته داخل المؤمن به فما بالك باثباته قبال باقي المدارس و المشارب ؟
.
من يعتقد أنّ تمام عمله يكون بطيّ هذا الأمر و تلطيف ذلك الأمور يعني أنه ليس سوى نسخة ممن قالوا ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) فهو يخجل من معتقده و فكره و يحاول تبريره لغيره ، لأنه بالأصل استورثه دون أن يستقرأه ، إن أردت لغيرك أن يحترم فكرك فاحترمه أنت أولاً ، و لا تستجدي احترامه طمعًا بكلمة عرفان هنا أو شكر هناك أو بضع مجاملات تصدر لذر الرماد ، يروى عن أبي ذر رضوان الله عليه قوله : ما ترك لي الحق من صديق .
.
و ما هذا إلا لأن هويته كانت ( ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء .. أصدق لهجة من أبي ذر) [4] و الناس يانفون من الحق فتركوه وحيدًا يجابه الباطل ، وقف يومًا أمام أحد قصور معاوية فصاح : يا معاوية ! إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الاسراف [5] ، إذن مكانته هذه استحقها لأنه آثر الجهر بما يراه حقًا و لم يخش شيئًا في إعلان اعتقاده حتى مات وحيدًا في الربذة بعد أن نُفي إليها .
.
إنّ قناعات و اعتقادات الناس تجاهي و تجاه فكري -مثلاً - لن تؤثر به طالما أن هذا الإعتقاد وصلت له بفكري و بحثي و استقصائي ، كل ما يقولونه بعد ذلك في باب التهجم و الاستهزاء موعوز لجهلهم به و قلة اطلاعهم عليه أو لتأثرهم بمحيطهم السائد ، و التاريخ يشهد أنّ من أثّروا فيه هم من آثروا تحدّي السائد ؛ لا أدعي أنني أغيّر مسار التاريخ و لكني على الأقل لا أجامل فيما أعتقد كرامة لمن لا يستحق و في هذا كفايتي.
.
خلاصة الكلام من ثمار الأفكار: اليقين بالشيء عند المرء ضمانٌ له ألا يضره كل ما يُقال حوله ، فاللؤلؤة لن يغير كُنهها اللؤلؤي وصف الناس لها بأنها جوزة .
.
هذا اليقين بذرته البحث و منبته العقل و منزله الإطمئنان ، ثلاثة أضلاع تشكل الهويّة التي يريدها الإنسان لنفسه ، دونها لن تكون هناك هويّة إنما علبٌ فارغة تملأ في الصباح و ترمى فارغة في الليل ، دورة حياتها مقتصرة على حمل ما بداخلها و متى ما انتهى .. انتهت .
.
الجاذبة لما كتبت هو حالة الهستيريا التي حدثت في الأيام الماضية فدفعتني لأن أعود للماضي قليلاً أستحضر منه بعض ما تعلمته ، لأهيء بذلك لما هو قادم إن شاء الله .
_____________
[1] ورد الحديث الشريف في عمار بن ياسر رضي الله عنه ، و مقاتلته للبغاة .
و قد استشهد رضوان الله عليه في صفيّن .
[2] من محاسن كلام أهل البيت عليهم السلام ، و كلامهم كله نور .
لقراءة باقي الوصية : اضغـط .
[3] معالم المدرستين ج 3 ، السيد مرتضى العسكري .
[4] من حديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في أبي ذر رضي الله عنه.
[5] أنساب الأشراف ، البلاذري .

7 يناير، 2009

عـاشــوراء .. و نقاط أخرى .

وحي عاشوراء [ 10 ]



عظم الله أجوركم



إنّا لله و إنا إليه راجعون



لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم



و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون






( 1 )



لم يكن قراري أن أكتب هذه الحلقات في وحي عاشوراء ، كل ما كان في بالي موضوعان أردت الإشارة لهما ضمن هذه العشرة الحزينة من باب الإحياء ، و لكن نشاء و الله يفعل ما يشاء فكانت هذه الحلقات ، كلها كتبت دون إعداد و دون فكرة مسبقة بل إن معظمها كتبته قبل نشرها بمدة قصيرة جدًا لا تتعدى الدقائق المعدودة و نشرت آليا على كثرة مشاغلي هذه الأيام و عدم التوفيق في تقاسم الوقت ، و الحمد لله على هذا التشريف .

في هذه الحلقات كان السير فيها بطرف أحيانًا ، و بطرفٍ آخر أحيانٌ أخرى لذا فأنا استغفر الله سبحانه و تعالى على أي زلة فيها ، و أعتذر لمن تشرفت بالكتابة عنهم إن كان فيما كتبت منقصة بسبب قصوري في إدراك هذا الوجود النوراني أو تقصيري في البحث عن مطالبه ، و كلي أمل بأنها كانت ذات فائدة و لو قليلة بمضمونها .



( 2 )



ورد في المعتبر عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام حال احتضاره قوله لأخيه : لا يوم كيومك يا أبا عبد الله .

ثورة كربلاء المقدسة ليست حدثًا قابلاً للمقايسة مع أي حدث آخر ، و إن اشترك معه بعنوان المظلومية و غيره من العناوين الثانوية.
ما يحدث في غزة اليوم مصيبة ، و كارثة إنسانية مفجعة ، مهما كان الفكر الذي يحملونه أو الأحقاد الموجودة إلا أنهم يظلون بشرًا يملكون نفس المشاعر و الأحاسيس و التكوين الذي نمتلكه ، إن كنّا لا نستطيع ضمان أقلاً حتى الدعاء لهم فعلينا مراجعة أنفسنا لنرى هل نحن حقًا من بني البشر ؟


ما يحدث في غزة فاجعة ، تستحق التضامن و الوقوف بجانبها بكل ما أمكن ، و عنوان مظلوميتهم مرسوم في جبين العصر الحاضر ، و لكنّ كربلاء هي واحدة كانت في الغاضرية و الحسين عليه السلام واحدٌ استشهد فيها سنة 61 هـ ، إن ظلامة أهل غزة و كربتهم على وقعها المؤلم لا يجب إقرانها بكربلاء و ما حدث فيها ، فهذه ليست من سنخ تلك .. فلا يوم كعاشوراء و لا أرض ككربلاء و لا شخص كالحسين عليه السلام ، و هذا ما فاتني التذكير به و التنبيه له في موضوع : لماذا إحياء الثورة ؟.

و أستغفر الله سبحانه عن هذا الزلل .

انطباق مفهوم المظلومية على كليهما ، لا يعني انطباق معيارها ، و هذا مما يجب الإلتفات إليه ، نعم بلاشك أن القيم التي حملتها معركة كربلاء توجد بعض مصاديقها هناك و هذا مما لاشك فيه ، كل ما يمكننا أن نقوله في الوصف يجب أن يكون من ناحية التمثيل لا القياس .



أسأل الله عز و جل بفضله و منّه أن يفرج عن هؤلاء المظلومين المستضعفين بحق شهيد كربلاء عليه السلام ،

و هذا أقل ما يمكننا أن نعمل و هو الدعاء لهم بالفرج و النصرة ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .



( 3 )



حالة ( المنافقية ) ، هي حالة يستلهم فيها بعض الناس سمة من سمات المنافقين على أنّ هذا الأمر - أي النفاق - قد لا يكون متأصلاً بهم .



هذه الحالة عبّر الله عز و جل عنها بقوله { .. كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ .. } فهم لضعفٍ يجدونه في أنفسهم يعتبرون كل ما يحدث موجه في الأصل لهم ، و أنّ الكلام عليهم ، في هذه الأيام الحزينة نوع من الهستيريا أصابت بعض هؤلاء المصابين بفوبيا عاشوراء فأعادوا تصوير حالة المنافقية لتظهر آيات الله في الآفاق تبين لنا أن كلامه سبحانه و تعالى عنهم حق .



و لنا وقفة أخرى إن شاء الله في هذا المجال .



( 4 )



يقول الشاعر :



كل من تلقاه يشكو دهره .. ليت شعري هذه الدنيا لمن ؟



ما يجمع كل البشر هو أنهم مشتركون بهذه الحياة ، بكل ما فيها من تناقضات من أفراح و أحزان و راحة و تعب و خلافها ، لا يوجد هناك سعادة تامة عند البشر فهي منقوصة مهما طالت أقلاً بالموت ، فالسعادة الدائمة في هذه الدنيا هي وهم يقترب من الواقع أحيانًا و لكنه اقتراب حذر لا يدوم ، لان الديمومة ليست من طبع من كتب عليه الفناء .


إذن فهناك مأساة يعيشها كل البشر ، كلهم يشتكي من شيء ما ، فالجانب المأساوي يشكل جانبا كبيرًا من خلقة الإنسان و حياته و هذا ما يقوده بالتبعية إلى الإستئناس بمصائب غيره لأنه يعتبرها بمثابة السلوى لمصيبته و مأساته ؛ كم شخص يحفظ الأمثال و ابيات الشعر فيما جرى و يجري على المرء من تعب و كد و هموم و غموم تلبد سماء حياته ؟


مردّ القضية إلى أن هذه المآسي تشكل جاذبًا للناس لانهم من خلال يشعرون بألفة الاشتراك في المصاب مع غيرهم ، و هذه الألفة تعطيهم القناعة في هذه الحياة و الاستمرار بالقتال فيها ، و من هنا كان قول العرب : من راى مصيبة غيره ، هانت عليه مصيبته .


المآسي تقاس بآثارها ، بما تبقيه من آلام في صدور المطلعين عليها و كلما كانت كبيرة كلما كان قرّها في النفوس أكبر ، فمأساة القضايا أحد أسباب بقائها و توارثها ، و انظر لتاريخ البشرية منذ أول كتاب كتبه هيرودوتس إلى يومنا هذا ، و انظر بعين المقارنة فيها بين احتوائها على التأريخ المحزن لبني آدم و لحظات الفرح و السلام فيها .. لا وجه للمقارنة !


مُصيبة الحسين عليه السلام في مثل هذا اليوم سنة 61 هـ لعظمها و تفردها بتلك الظلامة التي ما عرفها بشرٌ من قبل فاقت في ذكرها و خلودها كل مأساة أخرى ، لقضيته عليه السلام تفرد خاص كفل لها البقاء فأهدافها السامية التي آمنت بها البشرية كمبادئ أخلاقية رفيعة شكلت الجانب العقلي الذي اتفقت عليه جموع البشرية على اختلاف مشاربهم في الإيمان بها ، لأنها كانت إحياء و مطالبة لحقوقٍ لا يختلف عليها الناس .


بينما شكلت المأساة الجانب العاطفي من هذه الثورة الخالدة ، الجانب الذي يخاطب البشر من حيث كونهم بشرًا يملكون أحاسيس التعاطف و مشاعر التأثر ، لذلك ظلت حرارة هذه المأساة مشتعلة في قلوب الناس يتأثر بها كل من استمع لها أو قرأ عنها بعين النفس الإنسانية .


من مصائب كربلاء الخالدة التي تدمي العيون هي مصيبة عبد الله الرضيع بن الحسين عليه السلام .فقد كثر نحيبه يوم عاشوراء بعد أن جف الحليب في ضرع أمه ، و أخذ العطش مأخذه منهم فوقف الحسين عليه السلام على باب الخيمة و طلب من أخته زينب عليها السلام أن تأتيه بطفله ليودعه فأخذه في حجره و قبله و أتى به قبال معسكر الأعداء و هو يقول :


« يا قوم إن ترحموني ، فارحموا هذا الطفل »


فاختلف القوم فيما بينهم ، فمنهم من قال : لا تسقوه .


ومنهم من قال : أُسقوه .


ومنهم من قال : لا تُبقُوا لأهل هذا البيت باقية


عندها إلتفت عُمَر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي ( لعنه الله ) وقال له : يا حرملة ، إقطع نزاع القوم .


فقال : أ أسقيه ؟


فقال : ويحك ، أما ترى بياض نحره .


فرماه حرملة بسهم ذي ثلاث شعب أصاب نحر الطفل .


فبكى الحسين عليه السلام و تلقى دمه بكفه و رمى به نحو السماء و قال :


« هوّن عليّ ما نزل بي أنه بعين الله »


مصيبة الرضيع عليه السلام هذه ليست سوى نقطة صغيرة من بحر المصائب التي شكلت يوم عاشوراء عديم المثال في التاريخ إلى يومنا هذا و حتى تقوم الساعة ، لا يمكن لأي قلم مهما برع أن يرسم لوحة هذا المُصاب بدقائقه ، يبقى ما نكتبه مغلفٌ بشعور السامع لا بمصيبة الرائي ، ما تشكله هذه الفاجعة الكبرى في الوجدان كان أحد أسباب بقائها خالدة لأنها المصيبة التي ينظر لها كل إنسان و يستلهم منها عبر الصبر و الرضا بقضاء الله سبحانه و تعالى ، فيها قدم الله حجة للناس لا تكون لهم بعدها حجة عليه سبحانه في بيان كيف أنّ هذه الدنيا و ما نمر به فيها لا يُعد شيئًا قبال هذه الرزية العظيمة .


السلام على الحسين الشهيد ، و على ابنه الرضيع



و على أبنائه و اخوانه و سائر المستشهدين بين يديه .



  • زيارة :

جاء في زيارة الناحية المقدسة :

السَّلامُ عَلى المُغسَّلِ بِدَمِ الجِرَاحِ ، السَّلامُ عَلى المُجَرَّعِ بِكاسَاتِ الرِّمَاحِ ، السَّلامُ عَلى المُضَامِ المُستَبَاحِ .
السَّلامُ عَلى المَنْحُورِ في الوَرَى ، السَّلامُ عَلى مَن دَفنَهُ أهْلُ القُرَى ، السَّلامُ عَلى المَقْطُوعِ الوَتِينِ ، السَّلامُ عَلى المُحَامي بِلا مُعِينٍ .
السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .
السَّلامُ عَلى الأجْسَامِ العَارِيَةِ في الفَلَوَاتِ ، تَنْهَشُهَا الذِّئَابُ العَادِيَاتُ ، وتَخْتَلِفُ إِلَيها السِّباعُ الضَّارِيَاتُ .
السَّلامُ عَليْكَ يَا مَولاَيَ وعَلى المَلائِكَةِ المَرْفُوفينَ حَولَ قُبَّتِكَ ، الحَافِّينَ بِتُربَتِكَ ، الطَّائِفِين بِعَرَصَتِكَ ، الوَاردِينَ لِزَيَارَتِكَ .

6 يناير، 2009

ضوء الأكبر في التاريخ .



وحي عاشوراء [ 9 ]

.

.

قبل أن يتوفى ' ويل ديورانت ' المؤرخ و الفيسلوف الأمريكي الشهير و صاحب السفر النفيس " تـاريخ الحضـارة " ، كان هو و زوجته ' آريل ' يعملان على ثمرة مشاريعهما و هو تلخيص تاريخ الحضارة بتأريخ عدة شخصيات اعتبروها أبطال التاريخ ، و الهدف من ذلك كما يقول ديورانت نفسه :




" التاريخ جزء لا يتجزأ من الفلسفة .

الفلسفة محاولة لتحقيق منظور رحب ، منظور وسيع للحياة و الواقع ؛ منظور ضخم يُحدد لاحقًا موقفك من أي جانب من جوانب الواقع أو الحياة . هل سيجعلك هذا المنظور أكثر تفهمًا و تسامحًا مثلاً ؟

بإمكانك أن تحرز منظورًا كبيرًا بطريقتين على الأقل : الأولى عبر العلم و ذلك بدراسة شتى العلوم التي تصبغ كافة أوجه الواقع الخارجي لكن بامكانك كذلك التوصل إلى ذلك المنظور الكبير من خلال دراسة التاريخ ... إلى أن يقول معبرًا عن طريقته : فقلت لنفسي ، عليّ أن أدرس التاريخ لأعرف ما كُنه الإنسان الذي لن أجده بأي حال من خلال العلم. "

يرى ديورانت أن القواعد و المبادئ الأخلاقية متعارضة مع الطبيعة البشرية المزعجة , التي تميل لغيرها رغم وجودها بها ، و لكنه يعتقد بان هذه المبادئ ترسخت بالإنسان بفضل مؤسسة من عدة أضلاع هي : العائلة ، الدين ، المدرسة ، القانون ، الرأي العام .


العائلة من خلال قيمها و اسهامها ، المدرسة من خلال نشرها للقوانين الإلهية ، الدين من خلال سنه لهذه الشرائع الإلهية و النظم الاخلاقية ، و القانون من خلال استعمال القوة في تدعيم هذه النظم أما الرأي العام أو المجتمع فمن خلال ازدرائه بصورة عامة للإنحلال .


يعتقد ديورانت أن العالم و التاريخ البشري بأجمعه يتأرجح ما بين الفسوق و التطهير ، فكلما ضعفت واحدة من هذه المراكز المذكورة سابقة اقتيد المجتمع نحو الإنحلال الأخلاقي و يتبع ذلك تطهير المجتمع من خلال توجهه نحو الدعوات الاخلاقية مجددًا و يضرب أمثلة كثيرة منها على سبيل المثال انحلال روما في عهد نيرون و كومودوس ثم ظهور المسيحية بما مثلته من طُهر و اعتناقها رسميا من قبل قسطنطين .


هذا كله يقود ويل ديورانت أنه من بين التذبذب الدوري بين الإسراف و نقيضه في التاريخ البشري ، هناك مشاهد ثابتة تبعث على الابتهاج ، تمثل الصحة العقلية للمجتمعات ، و منها رؤيا الأنبياء و القديسين التي بحسب قوله " تحدونا على الاتصاف بالنبل و الشهامة " ، حيث تمده بالقوة و التشجيع لمحاربة الشرور التي تتربص بنا .


هكذا كان علي الأكبر عليه السلام في كربلاء ، نورٌ مضيء وسط الظلام يستمد منه كل شخص عِبَر الشجاعة و الشهامة و القوة ، و الأهم من ذلك الوقوف مع الحقيقة و الدفاع عنها بأي ثمن ، في وجود الحقيقة حياةً للإنسان و لكنّ ما يحدث في عصور الظلام هو تحول هذه الحقيقة للنقيض فهي لكونها حقيقة تصبح تهديدا مباشرًا لكيان هذا الإنسان كما يراها هو ، لأن قيمتها غيرُ متعرفٍ عليها .


في طريقهم لكربلاء أخذت الحسين عليه السلام غفوة على فرسه ثم انتبه منها مسترجعًا ، فمضى الأكبر لأبيه يسأله عن رعبة الانتباه هذه ، فقال الحسين عليه السلام : رأيت كأن هاتفاً يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نُعِيت إلينا


فسأل الأكبر : يا أبه أفلسنا علـى حق ؟


قال : بلى . يا بني والذي اليه مرجع العباد .


قال : إذاً لا نبالي بالموت أ وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا .



يروي أبو الفرج الأصفهاني عن المغيرة أن معاوية في أيام مُلكه ، سأل : من أحق الناس بهذا الأمر ( أي الخلافة ؟ ).


قالوا : أنت .


قال : لا ، أولى الناس بهذا الأمر عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، جده رسول الله ، و فيه شجاعة هاشم ، و سخاء بني أمية ، و زهو ثقيف .


جمع علي الأكبر صفات الأضداد فاستحق بذلك الكرامة بين أوليائه و أعدائه ، فضائله أعطته المديح بين كل من عرفه فسلب بذلك حجة أعدائه ، كان علي الأكبر عليه السلام ثمرة التكامل بين كل المؤسسات التي رسخت القيم الفاضلة ، و أحيت الاخلاق النبيلة و على رأسها كان الدين .


في ذكر حوادث استشهاده سلام الله عليه ، عِبر لا يكتفي المرء من النهل منها فهي ينبوع مُستمدٌ بقاؤه النقي من تذبذب المجتمعات البشرية التي كلما انحلت أو واجهت الإنحلال توجهت نحو مصاديق العظمة لتدل منهم على طريق عظمتها مجددًا ، فـ علي الأكبر هو تعبير عن كُنه الإنسان الذي يذكره التاريخ و لا يصنعه العلم.


حين استأذن للقتال نظر أبوه نظرة آيس إليه و بكى و رفع شيبته إلى السماء و هو يقول :


« اللهم اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقًا و خُلقا و منطقا برسولك ، و كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه ... »


فتوجه إليهم على فرسه ' ذو الجناح ' و هو يرتجز :


أنا عـلي بن الحسـين بن علي .. نحن و بيت الله أولى بالنبي


أضـربكم بالسـيف حـتى ينثني .. ضرب غلامٍ هاشميّ علوي


و لا أزال اليوم أحمي عن أبي .. تالله لا يحكم فينا ابن الدعي


و اشتد به العطش حتى رجع للمخيم مرة أخرى و هو يقول : يا أبه ، العطش قد قتلني ، و ثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟


فبكى الحسين عليه السلام و هو يقول : وا غوثاه ! قاتل قليلاً ، فما أسرع ما تلقى جدّك رسول الله ، فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدًا .


و هذا ما كان حين ضربه مرّة بن منقذ العبدّي على مفرق رأسه بالسيف ، فانحنى على فرسه الذي أعمت عينه كثرة الدماء ليأخذه إلى معسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إربًا إربا .


في الرواية حين ضُرب الأكبر عليه السلام صاح :


« يا أبتاه ، هذا جدي رسول الله - صلى الله عليه و آله - قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا ، و هو يقول : العجل العجل ، فإنّ لك كأسًا مذخورة حتى تشربها الساعة »


ديورانت يرى في القديسين أنهم العلامة الذين حافظوا على الصفحة النقيّة للتاريخ البشري بين مدلهماته هم العترة الذهبية في رحم التاريخ و التراث المذهل للجنس البشري بأكمله ، عليٌ الأكبر بلا شك هو أحد هذه العلامات الفارقة بما مثلّه و لا يزال بأثره في الزمان ، يقول المؤرخون بأن سيرة الإنسان تختلف عن أثره ، فالسيرة هي حياته بمراحلها و لكن آثاره هي موقفه أو مواقفه التي تغدو محجًا يقصده الناس ليستلهموا منه القوة ، إذن الآثارُ هي لحظات من الحياة .


في عليٍ الأكبر كانت حياته هي أثره ، و أثره هو حياته و مماته ، فكلها علامات متصلة تبين أن الطهر موجود ، و إن تمرد عليه البشر.

السلام على علي الأكبر الشهيد بكربلاء

أشبه الناس بجده رسول الله - صلى الله عليه و آله - .

  • كلمة :

في علل الشرائع ، للشيخ الصدوق قدس سره :

عن أبى الحسن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال :

من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه يجعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرت بنا في الجنان عينه ، ومن سمى يوم عاشوراء يوم بركة وادخر لمنزله شيئا لم يبارك له فيما ادخر وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله ابن زياد وعمر بن سعد ( لعنهم الله ) إلى أسفل درك من النار .

5 يناير، 2009

القاسمُ بين الأفعال !



وحي عاشوراء [ 8 ]




كانط الفيلسوف الألماني الشهير له قول في الأخلاق يخالف فيه نظرة الفلاسفة ، و تعتبر نظريته من ناحية مجردة رائعة جدًا لولا أنه غفل عن نقطة مهمة سيأتي ذكرها لاحقًا .


في قوله ينص كانط ( كانت ) على كون الفعل الأخلاقي يقوم على أساس " الباعث و القيم " ، أي أنه حتى نطلق على فعل ما بانه فعل ( أخـلاقي ) فإننا يجب أن ننظر له بصورة مجردة منزهًا عن أي ظروف محيطة به ، ثم نقيسه وفق القيمة التي يشكلها ، أما الباعث فمعناه أن نأخذ هذا الفعل ثم نبدأ بتصوره بشكل عالمي [ كوني ] بحيث أنه لو طبق لأصبح الوضع أفضل إذن فهذا الفعل حسنٌ ممدوح فهو فعل أخلاقي .


بصياغة أخرى مبسطة يُمكن أن نقول أنّ هذا الفعل الأخلاقي هو الفعل المطلق ، أي أن الإنسان يقوم به على أساس أنه تكليف أو فرض صادر من نفسه ، أي وجدانه ( فطرته ) ، و لا ينتظر منه فائدة أو غرض .


الشهيد مطهري رحمه الله ، يذكر نظرية أخرى لبعض الفلاسفة المسلمين يستشكلون بها على رؤية كانط هذه بسبب أنها قائمة على محاولة تفسير الأخلاق بعيدًا عن الدين ، و بالتالي تهمل سبب هذه الفطرة و لا تقدم لها تفسيرًا واضحًا ، و ينقل تحليل القائلين بهذه النظريـة إلى كون الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يصدر ابتغاء رضا الله سبحانه و تعالى ، أي أنّ أيّ فعل يصدر من الإنسان هدفه المنفعة العامة أو الفائدة دون مقابل أو جزاء هو فعل أخلاقي و يُعتبر فعلاً حسنًا يؤدي إلى راحة النفس لكون هذا الفعل يرضي الله سبحانه و تعالى الذي وضع به هذه الفطرة المستأنسة بهذا الإندفاع اللا ربحي لكي يعتق نفسه من الإنحسار على " ذاته " و يُصبح عضوا فاعلاً في مجتمعه البشري .


في كربلاء و تحديدًا قبيل زوال الشمس من يوم عاشوراء نحن على مشارف إثبات هذا الأمر ، بعد أن استشهد أنصار الحسين عليه السلام و بدأ الهاشميون بالبروز واحدًا تلو الآخر ، بعد آل عقيل و بنو جعفر بدأ أبناء الحسن عليه السلام فكان أولهم عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام المكنى بأبي بكر ، بكر رملة زوجة الحسن عليه السلام و الشقيق الأكبر للقاسم الذي كان بحسب المشهور لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره الشريف.


في خروجه للقتال يذكر أرباب المقاتل أنه استأذن عمّه في المبارزة فأبى أن يأذن له ، فلم يزل يتوسل إليه و يقبل يديه و رجليه إلى أن أذن له و في رواية أخرى أنه أتى للإمام الحسين عليه السلام بوصيّة أبيه الحسن عليه السلام يطلب فيها خروجه للقتال دفاعًا عن عمه الحسين عليه السلام يوم عاشوراء .


يُكمل المحدث القمّي رحمه الله ذكر الوقائع كما في منتهى الآمال نقلاً عن حميد بن مسلم :


خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر ، في يده السيف ، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ، ما أنس أنها اليسرى ، فقال عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي : والله لأشدن عليه ، فقلت له : سبحان الله ، وماتريد إلى ذلك يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب .


قال : و الله لأشدن .


فما ولى وجهه حتى ضرب الغلام بالسيف ، فوقع الغلام لوجهه وصاح : يا عماه !


قال فأته الحسين كالصقر المنقض ، و تخلل الصفوف ثم شدّ شدّة الليث إذا غضب ، حتى إذا وصل إلى عمرو اللعين ضربه بالسيف فاتقاه عمرو بيده فأطنها - أي قطعها - من المرفق ، فصاح صيحة عظيمة.


وحملت خيل عمر بن سعد عليه ليستنقذوه فاستقبلته بصدورها و وطئته بحوافرها حتى مات.


فلما انجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه ، وحسين يقول : عزّ على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك ثم لاتنفعك إجابته ، يوم كثر واتره ، وقل ناصره .


ثم احتمله على صدره ، وكأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض ، حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين ، فسألت عن الغلام ، فقالوا : هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، صلوات الله عليهم أجمعين .



  • خروج القاسم عليه السلام و حثّه السؤال له يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذا الفعل ؟

الإنسان بطبعه كما يقول د. علي الوردي ( أنوي ) يعني أنّ الأنا بانواعها هي من تتحكم به و تدفعه للعمل لمصلحتها ، بينما طلب القاسم عليه السلام لم تكن فيه مصلحة له حسب الظاهر ، فهو غلام لم يصل لسن التكليف ، و ليس عليه قتال ، و لا يُقاتل لأجل دفع ضرر يلحق به يتعدى على أنويته الذاتية ، بل إن طلبه لو قسناه بالمقاييس الماديّة هو ضد نفسه و شخصه و كان فيه موته أي فنائه في هذه الدنيا ، فماذا كان الدافع ؟


لعلّ الدافع برأيي هو ما قال عنه كانط ، و أصلّه الفلاسفة المسلمون ، الفعل الأخلاقي المجرد ، الفعل الذي لا يقوم بناء حسابات الفائدة و المصلحة ، الفعل الذي يقوم على الفطرة الإنسانية البحتة ، لأنها مجبولة على ' الراحة ' فيما تقوم به إذا كان به رضا الله سبحانه و تعالى ، الفعل الذي يُصوبه الدين و ينادي به ، كان القاسم عليه السلام يضحي لأجل الحسين عليه السلام و ما يمثله من نور في هذا العالم ، يبحث عن رضا نفسه في مرضاة الله سبحانه و تعالى في وجدانه و هو يعلم يقينًا بأن لا جزاء يعود له في عالم الماديات هذا .


هذا الوجدان لا يرتقي إلى الإحساس به بتمامه إلا من ارتفع بنفسه ، كان أستاذنا السيد الفالي حفظه الله يقول بأن نفسك ذات أنويتين ، أنا علوية و أنا سفلية ، هاتان الإثنتان لا ترتبطان بسنٍّ معين و لكنهما تنبعان من تربية الفرد ، فالتربية ليست إنشاء أو بناء ، بل هي توفير الجو المناسب لتنمية القابليات أو كما يُعبّر عنها « إحياء القابليّات الباطنيّة الموجودة بالقوة في الشيء و إخراجها إلى الفعليّة » ، بحيث تتحول من شيء كامن في الوجدان إلى فعل مُلازم للإنسان ، و أنه حين تكون أفعاله نابعة من الأنا العلوية يستظهر المدح و الحُسن كما هم المصلحون الخيرون الذين أسبغت عليهم البشرية صفات القداسة، و حين تكون نابعة من الأنا السفلية يستظهر الذم والقدح كما يحدث مع المجرمين و الظالمين و من سار عل نهجهم.


القاسم عليه السلام تربى يتيمًا ، و لكنه تربى بشكل صحيح فاليُتم أو فقدان ركن من الوالدين لا يعني انعدام التربية لأنها قائمة بالأصل على فطرة الإنسان و كل ما تحتاجه هو التوجيه السليم لها ، في قصة حياة القاسم عليه السلام عبرة لنا نستلهم منها أنّ مشاكلنا الأخلاقية مصدرها اعتمادنا على الأنا السفلية و أنها مصدر الشرور بما فيها من طغيان و أنانية و بحث عن مصلحة شخصية خالصة و كيف أننا نقيس تضحياتنا بما تعود به من فائدة علينا نحن فقط و لا نقوى على التضحية لأجل الفعل الأخلاقي الصحيح المجرد و هذا هو سبب قصورنا في الحياة ، القاسم عليه السلام قدّم لنا كيف يكون الإنسان نجمًا ثاقبًا في أفق الزمان و أن طريق هذا الخلود موجود داخل كل إمرءٍ فينا و لكننا بحاجة لأن نبحث عنه في دواخلنا قبل أن نطلب طريق الخلود و نتلمسه من غيرنا .


السلامُ علَى القاسمِ بنِ الحسنِ بنِ عليّ، المضروبِ هامتُه، المسلوبِ لامَتُه


  • كلمة :

من حديث الإمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - لابن شبيب كما رواه الصدوق في الامالي :

يا بن شبيب ان سرك ان تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالعن قتله الحسين(عليه السلام).
يا بن شبيب ان سرك ان يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين بن علي (عليه السلام) فقل متى ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً.
يا بن شبيب ان سرك ان تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو ان رجلاً، احب حجراً لحشره الله عز وجل معه يوم القيامة

4 يناير، 2009

بطلٌ توّرث من أبيه شجاعة.

وحي عاشوراء [ 7 ]


العتبة العباسية المطهرة في كربلاء - العراق

من تصويري



التاريخ يُعتبر متحركًا غير ثابت ، و لحركته معايير كثيرة تتحكم بها ، في دراسته لفلسفة التاريخ يرى السيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي – قدس سره – أنّ من أهم معايير حركة التاريخ هو القوة ، و لكنه -رحمه الله - يعتبر أن الدلالة على القوة بالقوة العسكرية هو خطأ منهجي ، لأن فاعلية القوى تختلف من زمان إلى زمان و من مكان إلى مكان ففي عصر قد تكون القوة العسكرية حاكمة و لكن في زمن آخر قد تكون القوة الاقتصادية أو الدعائية .. إلخ .
و لكنه يؤكد على قوة واحدة ظلت ثابتة في مكانها ، لا تزال تحتفظ ببريقها و هي القوة الإعتقادية ، النابعة من الدين ، مع النظر إلى تبدل مراكز تلك القوى و على هذا الأساس يشير إلى وجوب تقييم الحركات التاريخية وفقها لمعايير حقيقية بعيدًا عن النصر و الهزيمة حتى لا تضطرب هذه المقاييس .

الدين بشقه الأخلاقي هو موئل الصفات الحسنة ، فهو يختزل كل صفات الفطرة الإنسانية السليمة التي تعتبر القوة الجاذبة ، فهي مثل شجرة العود تنثر عطرها الفواح في كل مكان حتى الفأس الذي يقطعها تعطره ، و في المجمل لا يتعارض الدين مع الأخلاق بل يمثل خطا متوازيًا يسير إلى جانبه و يحث عليه ، بحيث أن الإلتزام بأحدهما يؤدي غالبًا إلى الإلتزام بالآخر لما فيهما من ارتباط ، و إن كانا أحيانا لا يجتمعان بسبب خلل في التطبيق .

هذه الأخلاق تشكل أهم مفاصل القوة الجاذبة [1] ، و هي التي توفر لصاحبها التقدم في الحياة ، رجال التاريخ الذين يُشار لهم بالبنان الآن ، لا تذكر كراماتهم أو ملامحهم بقدر ما تذكر مآثرهم الأخلاقية ، فبالغالب يُشار لهم على أنهم كرماء ، أو زُهاد أو ذوي صفات حسنة أخرى ، و تركز المنقولات على هذه الأشياء أكثر من غيرها لأنها هويّة الإنسان التي تعامل على أساسها مع مجتمعه و باقي الناس حوله .

العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على رغم صفاته الكمالية الأخرى كما يذكر المحدث القمي رحمه : كان العباس وسيمًا جميلاً حتى كان يُدعى بقمر بني هاشم ، يركب الفرس المطهم و رجلاه تخطان في الأرض لطوله [2] ، إلا أنّ هذه الصفات تأتي في مرتبة متأخرة عند الحديث عن كُنه العباس عليه السلام .

بعض المؤرخين يشيرون إلى أن الشخصيات التاريخية هي تجسيدٌ لزمنها أو محيطها ، أي أنّ الإشارة لها كافية لأن تعطي صورة من كل الزوايا عن البيئة التي خرجت من رحمها ، كان إيمان العباس و يقينه إيمانًا فيوضيًا مكتسبًا من أمه أم البنين - رضوان الله عليها - و مستمدًا من والده أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال : لو كشف لي الغطاء ما ازدت يقينا .

و معنى الفيض أنه إيمان يقر بالنفس و يندك فيها حتى تصبح معالم الإنسان و حركاته كلها معبرة عن حقيقة هذا الإيمان ، أي أن خارجه و ظاهره كباطنه لا خلاف في ذلك ، هذا الإيمان شكل القوة الإعتقادية للعباس ، في كربلاء سلمه الإمام الحسين عليه السلام راية اللواء ؛ و اللواء هو أعلى الرايات في التقسيم العسكري القديم ، لذلك حين استأذن للنزول لساحة المعركة بكى الحسين عليه السلام و قال : « يا أخي ، أنتَ صاحبُ لوائي ، و إذا مضيت تفرّق عسكري».

و رفض أن ينزل لساحة المعركة و وجهه إلى طلب الماء للأطفال ، فركب فرسه و قصد الفرات مخترقًا أربعة آلاف فارس وضعهم ابن سعد ليمنعوا معسكر الحسين عليه السلام من الماء ، و لم يجرأ أحدهم على الصمود في وجهه حتى وصل للشريعة فأخذ غرفة من الماء و قربها من فمه ليشرب فتذكر عطش أخيه الحسين عليه السلام ، و رمى الماء من يده معبرًا عن قوله :

يا نفس من بعد الحسين هوني .. و بعده لا كنتِ أن تكوني

هـذا الحسـين واردُ المـنونِ .. و تشربــــين بارد المعــينِ

و الله مــا هــذا فعـــال ديــنـي .. و لا فعـــال صادق اليقيـنِِ

فحمل القربة قاصدًا المخيم بعد أن ملأها و كان نوفل الأزرق مع حكيم بن الطفيل كامنين وراء نخلة ، فضربه حكيم على يده اليُمنى فقطعها ، فحمل القربة بكتفه الأيسر و أخذ السيف بشماله و هو يقول :

و الله إن قـطعـتـم يميـني .. إنـي أحـامي ابدًا عن ديني

وعن امام صادق اليقين .. نجل النبي الطاهر الامين ِ

و بدا بالقتال حتى كمن له حكيم بن الطفيل مجددًا خلف نخلة أخرى ، ثم ضربه على شماله فقطعها من الزند ، فمضى يقول :

يا نفسُ لا تخشي من الكفار .. و ابشري برحمة الجبار

مـع الـنـبي الـسيّـد المختـار .. قد قطعوا ببغيهم يساري

فاصلهم يا ربّ حر النار [3]

و أخذ القربة بأسنانه قاصدًا المخيّم فجاء سهمٌ أصاب القربة فأريق ماؤها ، و سهمٌ آخر أصاب صدره ، و ضربه أحدهم بعمودٍ على رأسه فسقط عن جواده و هو يصيح « أدركني يا أخي».

ليصل له الحسين عليه السلام و هو يقول : « الآن انكسر ظهري ، و قلت حيلتي ».

في بعض المقاتل يروى عن سبب دفن العباس عليه السلام بعيدًا عن أخيه أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، أنّ ذلك تم بوصية من العباس لأنه استحى أن تُرجع جثته للمخيّم و هي خالية من قربة الماء بعد أن وعد الأطفال بها .

كفل التاريخ للعباس الخلود ، لأنه انطلق من قوته العقائدية في رسم ملامح وجوده الدنيوي هذه القوة التي شكلت ريشة خطت صفحات التاريخ دون أن تتبدل مكانتها فمنها يستمد الإنسان وجوده و يبني نفسيته لكي يرّسخ إسهامه الحضاري .

الدور الذي لعبه أبو الفضل عليه السلام في كربلاء اختزل موارد 34 سنة هي عمره الشريف ، ليكون لنفسه نموذج الشخصية التاريخية التي تعتبر جاذبة بسبب صفاتها و مآثرها الأخلاقية ، موقفه عند الوصول للعلقمي ، و ثباته عند الجدال الذي دار بينه و بين الشمر يوم عاشوراء ، و إصراره على الوفاء بوعده في أسمى صور الأمانة هي كلها جزءٌ بسيط قد يفسر سبب هذه المكانة التي احتلها في قلوب الناس ، لم يكن العباس عليه السلام معصومًا و لم يكن شيخًا كبيرًا بعد أن وصل لأرذل العمر اكتشف حقيقة دور الأخلاق ، لكنه كان شاباً في مقتبل العمر أثبت أن بيئته و قوة إيمانه صقلت فكره و أرست قيَمه حتى غدت مضرب المثل يتطلع إليها كل من يريد أن ينهل من ينبوع الخلود في موارد ذكر التاريخ .

قوة العباس القتالية لا تقارن اليوم بأثرها مع الأثر الأخلاقي الذي أرساه ، فمحاربته و شجاعته كانت في زمنه الذي لا نرى تطبيقه الآن ، و لكن خُلقه و سلوكياته التي تُعتبر تمثيلا واقعيًا للدين نتلمسها لتنير لنا الطريق القويم الذي نبني عليه سلوكياتنا في ظلمات هذه الأيام .

كل ما يُمكن أن يُقال عن العباس عليه السلام ، لا يُحاط به فهو لم يكن مجرد رجل قاتل لقربة ماء ، و لكنه كان مؤسسًا لمنهج يوضح لنا كيف أن نطالب بحقوقنا دون أن نتنازل عن أخلاقياتنا .. و هذا هو أهم معيار في قياس حركة التاريخ .



  • كلمة :

يقول السيد هادي المدرسي ، واصفًا العباس عليه السلام :


لقد اشتمل العبّاس بالوفاء ، و اشتمل به الوفاء..


و تسربل بالايثار ، وتسربل به الإيثار..


و تخندق بالشّجاعة، وتخندقت به الشّجاعة..


لقد مثّل كل الفضائل، فتمثلت كل الفضائل فيه..


و زادت في القيم، قيمة جديدة اسمها:


" العباس "


___________


[1] راجع : لماذا ينجذب الناس للحسين عليه السلام ؟


[2] منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الشيخ عباس القمي


[3] وردت هذه الأبيات بصيغة مختلفة قليلاً :


قـد قطــعـوا ببغيـهم يسـاري .. فاصلهم يا رب حر النار


يا نفس لا تخشي من الكفار .. وابشري برحمة الجبار


...............مع النبي السيد المختار

3 يناير، 2009

حُـر بني رياح

وحي عاشوراء [ 6 ]


يتحدث الشهيد مرتضى مطهري في محاضراته عن الحريّة بمعاني كثيرة يُمكن أن تُقسم لها و تُعرف من خلالها ،، تارة يُمكن أن تُعرف من خلال الزهد و ترك الدنيا كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام : العبد حرٌ ما قنع . فالقناعة أولى درجات سلم الحريّة لان فيها تتمثل الإرادة بترك الملذة رغم القدرة عليها .

و تارة أخرى تُعرّف الحرية على أنها إزالة العراقيل و العقبات أمام الإنسان ، أي بمعنى آخر فتح الطريق أمامه ليتسامى إلى الكمال عن طريق الإختيار في عوالم التنازع ما بين الرغبات و الإرادات و الملذات و المُهلكات .

و لكن ما يُركز عليه الإسلام كأحد مصاديق الحرية هو اتباع الإنسان للطريق القويم نحو التكامل على الصعيدين الإنساني و العقائدي ، و هذا ما يَلزم احترامه .

فلا احترام للعقائد التي يصفها الشهيد مطهري بقوله " تثبط قواه الكمالية و تحبسها حتى و لو كانت هذه العقيدة من انتخاب الإنسان نفسه " ، و يستدرك بذلك بقوله " الذي يجب أن يحرر و تهيأ أرضية تحرره هو حرية الفكر و تنمية التفكير ، و هذا هو غير حرية العقيدة " .

و لكن من أجمل ما خطه الشهيد مطهري في هذا الباب إشارته للتقسيم الثنائي في الإسلام للحرية :


  • حريّة باطنية :

الإنعتاق من الخرافات الفكرية و الأهواء النفسيّة .


  • حريّة ظاهرية :

عدم تقييد الإنسان و وضع العراقيل في طريقه .


و تنقسم هذه التقسيمات إلى تفريعات و شروحات كثيرة ، تناول العديد منها بكتبه بالبحث و التمحيص ، و لكنّي في هذا المقام أكتفي بهذا القدر كمدخل إلى فهم الحرية بصورة بعيدة عن النصوص الجامدة التي ندعيها ، و عن الشعارات التي نرفعها و نحن أبعد الناس عن تطبيقها سواءٌ مع غيرنا أو حتى مع أنفسنا و دواخلها .

إن الباطن هو طريق الظاهر ، فكل ما فيه ينضح على المظهر الخارجي حتى يلون صاحبه بمثل لونه ، فالسفيه لا يكون سفيهًا إلا إن كانت دواخله و نواياه تنبع من هذه الصفة السيئة ، و مثلها العكس .

الحريّة ليست كلمة تُقال و لا شعاراتٍ ترفع ، فهي بذلك تصبح جامدة لا معنى لها و تُدخل صاحبها في مدخل الجموع القطيعية التي لا تعرف في هذه الدنيا سوى السير وفق طريقٍ مرسوم واحدٍ مسلوبة الإرادة فيه ، حتى يصبح الناس كأنهم نسخٌ واحدة مكررة .

قلة هُم من ينفردون بمعاني الحرية و يقرونها بالعمل وفقها ، لذلك يسجلهم التاريخ في صفحاته المضيئة ، و لا يخبو ذكرهم لأنهم أمام هذه النسخ المكررة للملايين يُعتبرون شواذًا عن القاعدة ، شواذاً من ناحية إيجابية ينظر لهم المعادي و الموالي نظرة الإحترام و التقدير لأنهم اختاروا طريقا آمنوا به و لم يُرغموا عليه فأصبحوا كفوًا كريمًا لكل مثلٍ يُضرب .

يروى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام :

« الحرُّ حر على جميع أحواله ، إن نابته نائبة صبَر لها ، و إن تداكّت عليه المصائب لم تكسره ... »

فإن سُلب الإنسان حريته الظاهرية ، لقهرٍ أو لغَلبة او لغيرها من الأسباب و الأحكام ، فإن حريته الباطنية تظل كامنة فيه تظهر بفعله و حركاته و الأهم من ذلك كله بقراراته و أحكامه ، إن الباطن لا يمكن لأيٍ كان أن يمد يدهُ إليه و يسلبه من الإنسان لأنه شعورٌ وجداني لا يَصل إليه إلا من رغب الإنسان بفتح الطريق لهُ ليصل له .

هكذا كان الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله عليه ، فهو قد سُلب حريته الظاهرية و قاد الجيش الأموي بعدد يقدر بأربعة آلاف فارس و جعجع بالحسين عليه السلام نحو كربلاء حتى نزل بها ، ثم منعه من الماء تنفيذًا لأوامر عمر بن سعد - لعنه الله - و أوامر ابن زياد الدعي بن الدعي ، هذه التصرفات التي ظهرت من الحُر كانت سالبة لحريته الظاهرية ، لأنه بها ارتضى أن يجعل أحكام غيره و إن لم يقتنع بها تحكمه حفاظًا على منصبه و دنياه .

في يوم عاشوراء و أثناء حوار الإمام الحسين عليه السلام مع عمر بن سعد قبيل المعركة ، عرض الإمام عليه السلام على ابن سعد الأمان على أن يترك هذا الأمر خوفا من مصيره الأسود فتحجج ابن سعد تارة باولاده و تارة بإمرته و تارة بداره ، ربط نفسه بالدنيا حتى سلبته حريته ، و أسكن في نفسه حبها حتى سلبته حريته الباطنية أيضًا ، و لكنّ الحر وقف يوم عاشوراء مطرق الرأس و هو يدنو من معسكر الحسين عليه السلام شيئًا فشيئا ، فرآه المهاجر بن أوس و قال له : أ تريد أن تحمل يا أبا يزيد ؟

فلم يجبه ، و أخذته مثل الرعدة ، فقال له المهاجر : و الله إنّ أمرك لمريب ، و الله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن ، و لو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟

فقال له الحرّ : إنّي و الله أخيّر نفسي بين الجنّة و النار ، و لا أختار على الجنة شيئًا و لو قطعت و أحرقت .

فضرب فرسه و اتجه نحو الحسين عليه السلام ، طالبًا العفو و المغفرة ، و سأل الخروج للقتال بين يديه فأذن له ، و خرج و هو يرتجز :

إني أنا الحُـر و مـأوى الضـيف .. أضـرب في أعناقكم بالسيفِ

عن خير من حلّ بأرض الخيفْ .. أضربكم و لا أرى من حيفِ

و قاتل حتى عقر فرسه ، فاستمر راجلاً إلى أن شدت عليه جماعة فصرعته ، فأتى له الحسين عليه السلام و به آخر رمق و قال له :

" أنت الحر كما سمّوك ، حر في الدنيا و حرٌّ في الآخرة "

و أنشـد :

لنـعم الـحر حر بني ريـاح .. و نعم الحر عند مختلف الرماح

و نعم الحر إذ نادى حسينًا .. فـجــاد بــنـفسـه عـنـد الـصيــاح


هكذا كان الحر حرًا ، و تجسدت به معاني الحرية بأكملها ، لم تمنعه الدنيا ، و لم تبطئ خطاه الإمرة ، و لا كان سلب حريته الظاهرية سببًا في سلب حريته الباطنية .

الحريّة بأسمى معانيها لا تكمن في التنظير بل تتجسد بالتطبيق ، و خير تجسيد هو ما يقوم به الإنسان على نفسه أولاً ، و أفضل دلائل الحرية قدرة الإنسان على تحديد هويته و مصيره برغبته و إرادته حتى يصل إلى أسمى معاني الكمال ، لا يتأثر بقراراته بما يُفرض عليه من عادات البيئة و قيم المجتمع و أسباب الدنيا ، بل يتخذها بكامل قناعاته وفق رؤاه و أدلته و لا يلتفت إليه أي مؤثرات أخرى تشوش عليه رؤيته لدربه المرسوم ، قيمة الحريّة تكمن في أنها موجودة بداخل الإنسان و تظهر عند مفترق الطرق ، و ليست قيمتها في حجم التنظير لشعاراتها .

هكذا كان الحر ، و لاسمه فيه نصيب ، حرًا عَرف معنى الحرية فتسربل بردائها و اختار طريقه الصحيح دون أن يلتفت لأي عاقبة تسلب منه حريته ليبرر بها قعوده و تخاذله ، كما نفعل نحن و أغلب البشر .


السلام على الحر بن يزيد الرياحي ، صاحب الحسين عليه السلام ، و المقتول بين يديه .
  • كلمة :

في بحار الأنوار ، عن الإمام الحسين عليه السلام :


« أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى »