30 مارس، 2009

سنـفـور سـفـيد

.
سنفور غضبان أو كريه شخصية كارتونية قديمة مضحكة لانها تعبر عن الوجه السلبي لكل شيء ، شخصية لا تحب أحد و لا تتودد لأحد و الأهم من ذلك كله أنها متصالحة مع نفسها ، لان هذا السنفور يعترف بكراهيته لكل شيء و يفتخر بقول ذلك أمام الكل .
.
على الرغم من كثرة الشخصيات المضحكة في ذلك المسلسل الكرتوني إلا أن الإبداع تجلى في فصل ما يعرض على الإنسان من مشاعر في شخصيات مستقلة تتصرف كل منها وفق الجانب الذي تحمله ، الكريه / القوي / الشجاع / الحكيم / الجميل / الشره / العالم / الجاهل / النائم / النشط / الشاب ... إلخ ، يا ترى ماذا لو فصلنا جوانب شخصياتنا إلى شخصيات منفصلة ؟
.
في حياتنا اليومية نملك جوهرًا واحدًا و هو الإنسانية و لكن لهذا الجوهر عوارض و هي الصفات المرتبطة بهذه الإنسانية ، رحم الله الشيخ الرئيس ابن سينا فقد أنجدني بهذا الوصف ، الجوهر عنده ثابت و هو ما يُدرك بالبديهة بينما العوارض هي ما تنشئ عن هذا الجوهر ، الجوهر هو أنا كإنسان ذو جسم غير قابل للإنقسام بينما العرض هو ما ينشا عن هذا الجسم ، أفعالي و تصرفاتي و اعتقاداتي و مشاعري الظاهرية و غيرها.
.
نتعامل يوميًا مع الناس بعوارض متعددة تارة نغضب و تارة نضحك و تارة نبتسم كلها أعراض نابعة من جوهرنا الإنساني ، و لكن ماذا لو تحولت هذه الاعراض إلى جوهر بحد ذاتها ؟
بمعنى ماذا لو تحول ( الغضب ) مثلاً إلى كيان منفصل ، إلى إنسان جوهره الغضب و لا شيء فيه غير الغضب ؟
.
و هكذا مع باقي الصفات الأخرى في الإنسان ، مثل السنافر حين تحولت كل شخصية إلى صفة إنسانية بحتة تمثلها بالكامل لا تحيد عنها ، فالشره يظل شرها على الدوام و الحكيم حكيمًا على الدوام و الكريه يظل كريهًا دومًا ، هل ستختلف الحياة ؟
.
أتوقع أن إجابتنا كبشر ستكون نعـم تختلف سلبيًا ، و لكن أنا أكره هذه الإجابة ، اعتقد أن الحياة ستكون أكثر سلاسة و تماشيًا و سلامًا ، ستكون كحياة السنافر لا تملك عدوًا إلا الإنسان وحده !
هل تساءلتم لماذا كان الإنسان شرشبيل هو عدو السنافر رغم أنها تملك صفاتًا بشرية كالتي يملكها شرشبيل ؟
.
كان الإنسان عدوها لأن الإنسان مركب من هذه الصفات بأجمعها هو شره و زاهد ، ضعيف و قوي ، حكيم و غبي ، جاد و مازح ، جميل و مثقف ، حتى يوافق فيما بينها فهو يلجئ للمداراة ساعة ، و للنفاق ساعة أخرى ، يلجا لان يكبت صفة و يظهر أخرى بحسب ما تقتضيه المصلحة ، و بحسب ما يقوده طمعه او حكمته او أي صفة أخرى يقع تحت تأثيرها في ساعة الحُكم تلك ، حتى يعدل فيما بينها فهو يلجأ للتلون بإحداها بما يناسب الموقف الذي يوضع فيه كالحرباء ، بينما لم تتعادى السنافر فيما بينها رغم أنها تملك القوي و الضعيف و العالم و الجاهل و العجوز و الشاب تمامًا كالبشر لأن تلك الصفات ظهرت منسجمة مع شخصية كلٌ منها ، لم يلجا أحدهم لأن يكبت صفاته أو يداري الباقي و ينافقهم أو يتمظهر بغير مظهره و يتطبع بغير طباعه حرصًا على آراء الآخرين أو مشاعرهم أو نظراتهم له ، سنفور غضبان كان غضبانًا على الدوام و يظهر غضبه دائمًا و الكريه يقف أمام الجميع و يعلن كراهيته لأفعالهم و صفاتهم ، و الأكول ياكل طعامهم و الحكيم يفيض عليهم بحكمته ، يقول كل شيء دون أن يحسب حساب تقبل الآخرين له ، تقبل السنافر أفراد مجتمعهم كما هم و لم يجبرهم المجتمع على أن يدفنوا حقائقهم داخل أنفسهم.
.
هذا الإنسجام و هذه الشجاعة في إبداء الآراء التي نحملها هي ما نفتقده نحن البشر ، في حياتنا اليومية نقول ما لا نؤمن به بحجة المداراة و نفعل ما لا نؤمن به بحجة عدم كسب العداوات ، ندعي حب ما نكره حتى نراعي الآداب الإجتماعية ، و نتحدث بغير ما نعتقد حرصًا منّا على الآخرين و لو كان على حسابنا ، هذا التصارع بين طباعنا التي نحملها ، و بين ما يكبحها ينتقل في غالب الأحيان إلى الأرض فيتحول من صراع داخل يجري نفوسنا إلى صراع فيما بيننا و بين الآخرين .
.
في الرواية عن الإمام علي عليه السلام : لو سكت الجاهل ما اختلف الناس.
.
لو انسجم الجاهل مع نفسه ، و كفَّ عن ادعاء ما ليس فيه كما انسجم السنافر مع أنفسهم و صفاتهم ولم يدع كل واحد فيهم ما ليس فيه لما اختلف الناس و لعاشوا في قراهم آمنين ، في احدى المقولات القديمة ورد معنى لطيف مقارب لهذه الرواية و هو لو أن كل شخص قال ما يؤمن به لانتهى كل جدال .
.
أنا معجب جدًا بسنفور كريه ، ربما سبب اعجابي كان لأن أصدقاء الطفولة لا زالوا ينادوني بهذا اللقب ( قبل يومين اكتشفت أن أحدهم سجل هذا اللقب كاسم لي في هاتفه ) أو ربما لأنني أقاربه بكراهية الكثير من الأشياء حولي و أعترف بذلك ، و لكني اليوم اكتشفت شيئًا جديدًا و هو أن اعجابي به هو لشجاعته و لثبات موقفه ، لم ترغمه طباعه الشرسة على أن يخفيها و يدعي ما ليس فيه لو كنت في محل المسؤولية لوضعتُ له في كل طرف نصبًا و تمثالاً حتى يتعلم منه الناس ألا يجاملوا على حساب أنفسهم و أن يتعملوا منه الثبات على مواقفهم و أن يكفوا عن المجاملات على حساب أنفسهم و ما يعتقدون به كرامة لشخص أو شخصين أو ألف أو مليونين ، و أن يعرفوا أن طمس طباعهم و آرائهم داخل انفسهم لا ينفي وجودها .
.
و حتى يتعلموا منه أن ينسجموا مع أنفسهم ، أن يوجهوا طاقتهم لما يفيدهم بدلاً من صرفها في التفكير بالحفاظ على صورة غير واقعية لهم بأنظار الغير ، و الأهم من ذلك كله أن يتعلموا منهم أن الناس يتقبلون المنسجمين مع أنفسهم بنفس القدر الذي يكرهون به المتلونين في أقوالهم و مواقفهم و إن لم يظهروا ذلك علانية .
السنـافـر .. هم منهج حياة :)

22 مارس، 2009

الملحدون الجدد




كثيرًا ما تطرأ كلمة للشيخ جعفر الإبراهيمي على بالي و هي : أننا أمة "نـُخبها" فاشلون حتى باستيراد المفاهيم و العلوم ، الواقع يؤيد هذا القول من خلال متابعة ما يتم بثه و كتابته في مختلف العلوم و الفلسفات ، في الآونة الأخيرة شدتني رؤية الموجة الإلحادية التي تطل برأسها على الإنترنت متوهمة أنها تقدم رؤية جديدة وفق فلسفات غربية رزينة في مسألة الإلهيات و وجود الخالق التي أصبحت اليوم بحسب تعبيري المتسامح به من قبلي " منتهية " ، العلامة سيد كمال الحيدري على سبيل المثال و هو أحد كبار الفلاسفة الإسلاميين في العصر الحديث اعتبر أن الإنطلاق في كتابه (التوحيد) من إثبات وجود الله خطأ ، فهذا أصل فطري لا يناقش به أحد إنما تكمن المشكلة في تأسيس الإيمان بالخالق على قواعد معرفية صحيحة و هذا هو الهدف من فلسفة الإلهيات ، مورد النزاع الذي لم يتطور ملاحدة الشرق الاوسط لاستيعابه حتى الآن.

.
لذلك عندما رأيت الملحدين الجدد و طريقة نقاشهم و تعبيرهم عن أنفسهم في مجتمعنا و في الانترنت و غيره انتابتني موجة من الضحك و أنا أستذكر تلك المقولة التي صدَّرتُ بها الموضوع ، لأنهم حتى في مفاهيم إلحادهم تاهوا و ضاعوا و أنا على ثقة بانه لو قرا احد الغربيين المطلعين على كتاباتهم لضحك أيضًا على مدى التفاهة الفكرية التي يقدمونها و يصورون بها مفهوم كالإلحاد .
.
هناك شيئان في العصر الحالي لادينية و إلحاد ، منكرة للدين و منكرة للخالق ، لاحظ أن الإنكار هو بمعنى النفي الجازم و ليس بمعنى ' التردد ' في وجوده ، و القول بإنكار الخالق أي بمعنى نفي وجوده هو مضحك بحد ذاته و لا أعتقد أن هناك صاحب عقل يقول به ، نعم بالإمكان انكاره من قبل شخص إذا كان يجادل في 'هيئة ' الخالق بالرأي الآخر ، مثل انكار المسلمين لمفهوم الخالق عند المسيحين (الثلاثة واحد ، و الواحد ثلاثة) ، و هذا لا يعني انكار الله سبحانه و تعالى الواحد القهار .
.
ملاحدتنا الأعزاء لأسباب نفسية بحتة انكروا كل شيء و خلطوا عباس بدرباس في مسألة الدين و الخالق ، حين يناقش الغربيون مفهوم اللادينية أو الإلحاد فهم يناقشون قضيتين منفصلتين الاولى هي قضية الله سبحانه و تعالى كخالق بغض النظر عن صفاته و الثانية قضية الشريعة أو الدين ، انتقادهم للدين هو نقد لتلك الشرائع و المفاهيم المقدسة التي يرون فيها فيها تناقضًا مع وجود الخالق العادل سبحانه ، سواء اتفقنا مع نتائجهم او اختلفنا معها فإن مهنية ' النقاش ' الدائر حول هذه المسألة إلتزم بإطارات علمية بحتة و فصّل القضايا بحيث لا تختلط فيما بينها ، لأن الهدف منها هو مناقشة الوجود و أسبابه و غايته و هذا كله مترتب على مسألة وجود الخالق سبحانه ، و هذا هو المفقود عند الملاحدة العرب أو الشرقيين بصفة عامة ، الحوار الدائر هناك ليس اعتراضًا على وجود الخالق بل على الأحكام المنسوبة له ، بينما الدائر عندنا هو كتابة فصول كوميدية في نقد الروايات و النظرات الدينية لبعض المسائل .
.
الذين عندنا يريدون إنكار الخالق سبحانه لأنهم لا يريدون أن يتصوروا حدودًا لمتعهم الحسية في الأرض ، و لا وجوبًا للإلتزام بالفضائل ، و لا حسابًا يسيرًا كان أو عسيرًا ، هو نوع من الهروب عن القيود التي تصوروا أن الدين يفرضها ، و نوع من الهروب للأمام من عجزهم عن هضم الشرائع الدينية ، و تنصلاً من الأدوار المرتبطة بهم وفق هذه الشرائع ، هي عدم رغبة بإلإلتزام بالدين و لكن يغطونها تحت أطنان من المساحيق التجميلية كالتي يكتبونها لتبرير عدم إلتزامهم ، و لكنهم اخطؤوا الطريق كالعادة لانهم فشلوا في " الاستعارة الناجحة " من المفاهيم الغربية ، و أصبحوا عارًا عليها.
.
تخيّـل أن هناك شجرة تفاح في مزرعة ما ، انت جالس بالقرية و لم تشاهدها أو تقرب بيوم من الأيام منها رغم أنك تعيش بمحيط يملك العناصر المناسبة لنمو تلك الشجرة ، و في مجلسك ياتي زائر يدعي أن طعم التفاح في تلك الشجرة لا يماثله أي طعم آخر و أنه هو الوحيد الذي يدل الطريق لها ، عقلانيًا لا يوجد ما يمنع وجودها لكن من في مجلسك انقسموا ثلاثة أقسام : أحدهم ركز همه بنفي وجود الشجرة بحجة أن هذا الدليل [الرجل] كاذب ، و أحدهم ركز على نفيها بحجة أن هذه الشجرة لم يرها أحد و لا يظن بانها ملكت أسباب النمو و العناية بها ، بينما القسم الثالث فضل اتباع الرجل بعد الإقتناع بعدم وجود المانع من وجود الشجرة و سار مع الرجل على الدرب.

.
رغم أن هذا المثال هو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس و لا يخلو من اشكال بحد ذاته ، إلا أنه يفيد في تقريب الصورة للذهن ، هؤلاء الملاحدة يريدون نفي الإلوهية من خلال مهاجمتهم للديـن ، بينما الدين ليس سوى طريق يدل الإنسان على منهج (المعرفة) بهذا الإله لا أكثر كمن حاول نفي وجود الشجرة بناءً على تكذيب الرجل ، و هو الخطا المنهجي الذي وقعوا به و هو انهم ركزوا هجومهم المضحك و السخيف على الإسلام بحجة أن مهاجمة الإسلام و نفيه هو نفي للخالق بالتبعية ، و لكن فاتهم أنه لا يوجد تلازم بين الإثنين فمهاجمة المسيحيين أو اليهود أو الزرادشت للإسلام لم ينف عندهم الخالق و وجوده ، و لا نفى رسالة الخلق و الغاية منه ، جلَّ ما نفاه هو طريق مؤدي إليه سبحانه.

.
أعتقد أنهم يعيشون بين نار عقدهم الذاتية من الإسلام و ما بين مقارناتهم المضحكة لانظمة الحياة الغربية مع الإسلام و منها يتوصلون إلى الرابط العجيب في نفي الإلوهية و اعتبارها سبب دمار الامة ، و الحال أن مشاكلهم و انتقاداتهم للإسلام هي أيضًا ليست انتقادات قائمة على (المقصد) من الدين ، مفهوم الدين الواسع هو مرحلة متطورة لم يتوصلوا إليها حتى الآن لذلك ترتكز انتقاداتهم أو بالاحرى انزعاجاتهم من الدين في باب المجالات السياسية و الإجتماعية ، يعتقدون ان الدين هو نظرية سياسية / اجتماعية ، و يحاولون نقضه من خلال النظريات الغربية في هذا الباب ، و لكن الدين في حقيقته لا يقتصر على هذين المجالين المرتبطين بـمسألة 'عقلانية الدين' فقط.

.
متابعة بسيطة لمدوناتهم و أطروحاتهم و ما يكتبونه ينبئ عن شخصيات متوترة حائرة لا تعرف هي ماذا تريد ، هي تائهة ما بين ما يقدمه الغرب الملحد و الغرب اللاهوتي و ما بين ما يقدمه الإسلام ، استعارتهم لمبادئ الغرب في الموضوعَيْن و محاولة إلباسهما على الشرق دليل على عدم إطلاعهم و وقوفهم على الفارق بين فلسفة الدين في الغرب و فلسفته في الإسلام ، تركيزهم الإنتقادي على الفلسفات الإجتماعية و السياسية و علاقتها بالدين و محاولة الوصول من خلالها إلى نفي الخالق هو كمن يحاول نفي وجود الشمس لأن هناك كهف في الهمالايا لا تدخله أشعتها !

.
أنا في الحقيقة أستغرب من هؤلاء الذين يعدون أنفسهم ملحدين و يقدمون و يدعون صورة الإلحاد و هم يقعون بمثل هذه الإشكاليات التي تهدم أركان ما يدعون إليه ، مجرد استهزائهم بالدين و اعتبارهم له عدوًا في كل شيء هو استصغار لعقول البشرية جمعاء و إساءة للملحدين الغربيين قبل كل شيء ، و عدم تفريقهم ما بين الخالق و الشريعة و ما بين الدين و الفلسفات الإجتماعية و السياسية هي كلها هفوات لا تغتفر ذكرتني بكلمة لطيفة لـ جورج سميث و وجدتها و أنا ابحث في تعريف بعض موارد الإلحاد في ويكيبيديا و هي : الملحد الحقيقي يجب أن يكون غرضه الرئيسي هو الموضوعية و البحث العلمي وليس التشكيك أو مهاجمة او إظهار عدم الإحترام للدين .

.
ما عندنا ليسوا ملحدين حقيقيين ، يمكن ان أقول أنهم زائفـون بكل ثقة ، هم مجرد أصحاب مواقف مسبقة و مضحكة من الدين و الخالق سبحانه ، يبررونها بتفاهات خلطت بين كل شيء يحسبها الظمآن ماءً و هي سراب .

17 مارس، 2009

خاطرة : من أنا ؟





من أنت ؟

سؤال يتكرر كثيرًا ، هو نوع من أسئلة الهروب إلى الامام ، متى ما قلت أو فعلت شيئًا خالف السائد تبادر السؤال إلى لسان المستنكرين!

على انه سؤال ( استصغاري ) إلا أنه لجوابه بحاجة لتعمّق في نفس الإنسان ، قبل أن تقول ( من أنت ؟ ) ، يجب ان تسأل ( ما أنت ؟ ) .

ما هي ' ماهيتك ' ؟

هذا السؤال هو المقدمة ، و عليه تُبنى النتائج .


الإنسان بوجهة نظري هو مجرد " فكر " ، أي ( ذهـن ) ، ما يدركه كصفات بشرية تصنف هذا المخلوق على أنه ( بشر ) و يظل باقي ما يملكه من اعضاء أدوات مساعدة لتطبيق هذا الفكر الذي يحمله ، فالأصل بالإنسان شيئان : عقل / قلب ، حقيقة أدركها القدماء منذ اليونانيون إلى ان خرجت بالفطرة من لسان زهير بن أبي سلمى قبل الإسلام :

. . . . لسان الفتى نصفٌ و نصفٌ فؤاده .. فلم يبق إلا صورة اللحم و الدمُ

و خيطٌ رفيع هو الذي يفصل هذا الإنسان عن كينونته الإنسانية ، و كينونته الحيوانية .

القلب بالمفهوم الإسلامي تتعدد تعريفاته بعضهم يصفه بأنه الحاكم على الروحانيات ، المسائل الروحانية و ما يدخل تحتها من الرجاء و القصد و العفة ، و بعضهم يقول بأنه منبع الشعور كالحب و البغض و الخوف و الشجاعة ، و لكن الشيخ ابن سينا يقول بأنه آلة الإدراك و الوعي و العقل هو الواسطة ، بمعنى أن الإنسان يدرك الأشياء بقلبه و لكنه لإخراجها لحيز الفعل فهو بحاجة لتوسيط العقل حتى يامر حواسه بتنفيذها ، و هذا التوسيط يُعرّف على أنه فقه الشيء أي معرفة ذاته على حقيقتها و طبيعتها .

.
المستفاد من هذا كله أن القلب و العقل الذي يرتبط به كما سبق هو المسؤول عن اضفاء الهويّة الفكرية التي تميز الإنسان عن سائر أقرانه ، و هذه الهويّة لا تعرف إلا إذا تم التعبير عنها ، و هو ما قصده ابن أبي سلمى باللسان ( أداة التعبير) في بيت معلقته السابق ، أما البدن او اللحم و الدم كما عبّر عنهما فالمقصود ليس سوى الصـورة الظاهرة للناس التي تجمع هذه الأشياء في باطنها.
.
إذًا حين أسأل نفسي : من أنا ؟
.
فالإجابة تكون : هويتي .
و هويتي يحددها فكري ، و فكري يحدد بقابليتي للتشبع بهذا الفكر ، و قابليتي تتحدد بواسطة قدرتي على السعي نحو النهل من هذا الفكر.

ممّا يُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام : قيمة كل امرئ ما يحسنه .
.
و الإحسان يعني الإجادة أو بمعنى آخر المقدرة على فعل شيء ما بتمامه ، و لكن الإنسان لن يعمل شيئًا إذا لم يشعر بالحاجة له و الحاجة معناها إحاطة الإنسان بنقصه او عجزه ، و بذلك يتولد الدافع لسد هذا النقص ، بعض الناس يشعرون بنقص الروحانية بعضهم بنقص الاموال ، آخرون بضعف الشخصية و آخرون بما لا ينتهي من الأشياء ، كل هذه النقائص حتى يسدها الإنسان فهو بحاجة لمنهج عمل يسير بمقتضاه لتحقيق الحاجة عن ذلك يعبر أمير المؤمنين عليه السلام في احدى وصاياه لتلميذه كميل بن زياد رضوان الله عليه : يا كميل ، ما من حركة إلا و أنت محتاج فيها لمعرفة . .

هذه المعرفة توفر الأرضية السليمة لتحرك الإنسان ، و تعطيه الأساس لعمله ، و أفضل معرفة هي النورانية ، في سورة الأعراف وصفها الله سبحانه { .. فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ الــنـُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .

و في الرواية عن الإمام الصادق – عليه السلام - : إن الله خلق المؤمنين من نوره وصبغهم من رحمته .

أن أحمل فكر ( النور ) هذا يعني أن هويتي و قيمتي نورانية ، لان كل فعلٍ صادر و كل عملٍ حادث إنما هو ناتج من اتباع النـور فهو بمقتضى القاعدة العقلانية نـورٌ بالتبعية ، من ثمة قيمتي تصبح نورانية لأني أتممت سداد نواحي النقص وفق منهج النـور الإلهي و هذا احد مصاديق كلمة أمير المؤمنين عليه السلام عن قيمة المرء ، فالإنسان هو الذي يملك بيده صنع الإجابة على هذا السؤال ، و هو الذي بيده ينحت صورة الهوية التي يريدها لنفسه .
.
الخلاصة : إذا اعتقد الإنسان بفكرة و آمن بها كمنهج يُسيّر حياته بمقتضاه ، إجابته عن هذا السؤال حاضرة و بسيطة و يسيرة ، مهما كانت هذه الفكـرة ( نورانية / ليبرالية / اشتراكية / إلحادية / مادية .. إلخ ) طالما أنها أتت باقتناع كامل و إيمان تام منه ، منهجه الذي اختاره هو الذي يعطيه هويته و هو الذي يحدد ماهيته و منه يقدم الإجابة على السؤال عن ( أنويته ) التي يريدها .

.
غالب البشر لا يحبون الوصول للفكرة و التعقل ، لما فيه من مشقة البحث و التمحيص و صرف طاقة العقل و القلب في الإدراك و الإقتناع ، لذلك يتبعون آباءهم و أجدادهم بما وجدوه عليهم ، هم مجرد حشد كما يقول نيتشه مهمتهم أن يلتهموا ذلك ' المتـوحـد ' ، و حين تسألهم عن هويتهم ؟

يخجلون من الإجابة أو يتهربون منها لأنها هوية موروثة و ليست من يقينهم ، و الموروث لا يقوم إلا على قاعدة من العاطفة و التبعية فقـط .

و من هذا الموضوع تتفرع مواضيع
.

14 مارس، 2009

مـشـرق النـور

ظهور النور للبشرية - 17 / ربيع الأول المعظم

في منظومة الاخلاق الهندية هناك إيمان عميق بارتباط أفعال الإنسان بالطبيعة ، بحيث أن للطبيعة تأثير مباشر في بيان العواقب الأخلاقية لهذه الأفعال ، مثل هذا الإعتقاد وجدته عند بعض المكسيكيين في الولايات المتحدة و اصغائهم و انتباههم لكل شيء يحدث قبل ان يتخذوا قرارًا لانهم يؤمنون بأن هناك علامات تدل على العاقبة لأفعالهم ، او علامات تعطيهم الإشارة للمضي قدمًا أو التوقف ، هذا الارتباط ما بين الطبيعة و الإنسان أظنه بحسب بحثي القاصر هو نتيجة إرث سماوي تداوله البشر ، و أضفوا عليه بعض نظرياتهم كما حدث مع الهنود في منظومتهم الأخلاقية .
.
يؤكد ذلك ما وجدته في الإسلام و الاحتفال بالنيروز ( او النوروز ) و هو يوم انقلاب الطبيعة ، و انتهاء الشتاء و ابتداء الربيع ، رغم أن تعامل الفرس و الاكراد مع هذا العيد من منطلق قومي أضفى عليه بُعدًا جعل الكثيرين ينقبضون من المشاركة فيه أو الإطلاع على حقيقته ، و ما يُنسب لهذا العيد إن صح التعبير من أعمال ترجع لإضافات الساسانيين و غيرهم شوهت مفهومه و جعلته مؤطرًا بإطار من العنصرية التافهة و الافتخار السخيف بتاريخ امبراطوريات و دولٍ زالت عن الوجود ، بحيث نسوا أن هذا اليوم هو مجرد رمز اتفق عليه معظم البشر لحال الطبيعة و ما يمثله من حتمية التغيير و التحول، إلا أن الإسلام تعامل معه بحسب الروايات من باب ما يمثله هذا اليوم من إشارة للإنقلاب و التبدل لذلك ورد في أعماله صلاة ركعتين لله سبحانه و تعالى و الدعاء بعدها بـ : '' يا مقلب القلوب والأبصار يا مدبر الليل والنهار يا محول الحول والأحوال حول حالنا إلى أحسن حال " .
.
إذن فالتعامل معه أتى من باب ما يرمز إليه هذا اليوم من تحول و تغيير و الإنسان كما قال ابن خلدون مرتبط مع الكون ( أو العالم ) ، لذلك سُن فيه دعاء الثبات حتى لا تزل قدم العبد بعد أن اهتدى { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب }.
.
هذا التعامل الرمزي نراه يتكرر كما في الدعاء عند رؤية أمطار نيسان ( ابريل ) ، و كما يحدث حين تحدث الظواهر الطبيعية المخوفة كالزلازل و الفياضات و الكسوف و الخسوف ، كلها علامات رمزية تدل على ارتباطات معينة بالإنسان .
.
مولد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو واحد من تلك الرموز إن صح التعبير بل أعظمها بما أضفاه على البشرية ، في ( منتهى الآمال ) ، رواية طويلة عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ينقلها المحدث الشيخ عباس القمي - قدس سره - ج 1 ، منها :
.
« .. و أصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبي - صلى الله عليه و آله - ليس منها صنم إلا و هو منكب على وجهه ، و ارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى و سقطت منه أربع عشرة شرفة ، و غاضت بحيرة ساوة ، و فاض وادي السماوة ، و خمدت نيران فارس ، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام ، و رأى الموبذان ( حاكم المجوس ) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعابًا تقود خيلاً عرابًا ، قد قطعت دجلة و انسربت في بلادهم ، و انفصم طاق كسرى من وسطه ، و انخرقت عليه دجلة العوراء ، و انتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق ، و لم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا ، و الملك مخرسًا لا يتكلم يومه ذلك ، انتزع علم الكهنة و بطل سحر السحرة ، و لم تبق كاهنة في العرب إلا حُجبت عن صاحبها .. »
.
صبيحة مولده الطاهر عليه و آله الصلاة و السلام كانت علامة للبشر كافة بأن البشرية مقبلة على نقطة تحول و إعادة ولادة جديدة للحضارة الإنسانية بأكملها .
.
لم تكن الحوادث التي رافقت مولده الطاهر - صلى الله عليه و آله - اعتباطية أو وقعت مصادفة بل هي مختارة بعناية و دقة لتوصل الرسالة المطلوبة، لقد كانت بمثابة إعلان مدوي أن اليوم هو البداية الحقيقية للبشرية ، و أن الأقلام السابقة قد رفعت معلنة ابتداء العهد الجديد ، انتكست حضارات العالم القديم ، و ارتجست صحون ملوكهم ، و انطفأت نار عبادتهم الضالة لوجود نور الهداية الذي حُمل في أصلاب أبناء إسماعيل عليه السلام.
.
مولد النبي الأكرم - صلى الله عليه و آله - كان تلك النقطة التي شكلت فارقًا ما بين عالم كان يسبح في ظلمات الجاهلية ، و عالمٌ أوجد لينير العالمين ببركة الرسالة الخالدة لرسول الله الأعظم - صلى الله عليه و آله - ، ذكرى ولادته الشريفة يجب أن يحمل تزامنًا مع الإحتفال به روح التجديد لعهود الإنسان ، هذه العهود التي قاسى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الأمرين لتبليغها ، عهود النور التي أوصلها للناس ، عهود اخراجهم من عبثية البهيمية إلى الصراط المستقيم للبشرية ، ارتباط الإنسان بالظواهر الكونية لا يجب أن يقل عن ارتباط هذه الظواهر كلها بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله ، إن كان بحسب النظريات و المنظومات الموضوعة مطواعًا لهذه الظواهر ، فهي أصبحت في يوم ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مطيعة له ، مفتخرة بمولده ، معلنة مشرق النـور على البشرية .
.
يوم مولده الطاهر يجب أن يكون رمزًا نحاسب فيه أنفسنا لمعرفة مدى ارتباطنا الواقعي بصاحب هذا اليوم ، مدى معرفتنا بدعوة صاحب هذا اليـوم ، و إلى مدى نحن ندعي اتباعه قولاً و أفعالنا تنكر ذلك تمامًا ، هذه المناسبة الشريفة هي يوم فرح و سرور بمولده الطاهر ، و يوم حساب و شعور بواقعنا المؤلم ، فكما أشرق النور بمولده بعلاماتٍ أوقعت الحجة على البشرية تهيئةً لمقدمه ، يجب أن يشرق النور كعلامة في ذكراه العطرة حتى نعيشها و هي توقع الحجة على أنفسنا القاصرة ، و تبصرنا بأفعالنا الناقصة .
.

نبي أتى من كل وحـي بخـطبـة .. فسماه ربي في الكتاب محمدا
أغرٌ كضوء البدر صورة وجهه.. جلا الغيم عنه ضوءه فتوقدا
أمين على ما استودع الله قلبــه .. وإن قال قولاً كان فيه مـسددا

السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَفْوَةَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ .
أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ نَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ ، وَ جَاهَدْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَ عَبَدْتَهُ حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ ، فَجَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيّاً عَنْ أُمَّتِهِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

9 مارس، 2009

مكاشفة في مطعم باكه

صورة من الإرشيف لزيارة سابقة لـ مطعم باكه

يقولون بأن الكلام نوعين : 1 ) كلام فاضي ... 2) كلام مليـان كلام فاضي ! .

ربما هذه الكلمات هنا هي من النوع الثاني ، فهي إما وليدة الجلوس على طاولة في مطعم باكه وسط الروائح الزكية او هي وليدة شيء وضع في فطيرة اللحم من مطعم تاوه المجاور التي أكلتها و أنا جالس انتظر انتهاء هذين الاثنين ، لانني لا أحب أكل الـ باكه !

...


قرابة أسبوع من شبه العزلة الإختيارية ، موضوع كتبه الفاضل مطعم باكه لا زال يدور في ذهني تارة أقلبه ذات اليمين و تارة ذات الشمال ، في بعض الأحيان يدخل الإنسان بشبه غيبوبة من التسليم بكل شيء ، من عدم الإلتفات إلى الحقائق التي وصل لها و سلم لها طوعًا و أصبحت مألوفة لديه لدرجة حرمته من التساؤل عن كنهها و جوهرها ، و عن الغوص في بحرها ، ثم فجأة تبدأ بالدوران في ذهنه.

  • هل أنا مهم ؟



  • من شبه المسلمات ارتباط مفهوم الأهمية بمفهوم الإنجاز ، أي أن أهمية الإنسان مكتسبة من تمام فعله ، كلما ارتقى فعله أو أصبح مؤثرًا بأفعال غيره زادت قدرته الإنجازية و بالتالي زادت أهميته ، إن أهمية حكم المباراة مثلاً لا تنبع سوى من قدرته على ضبط اللاعبين و التأثير بسير المباراة ، بينما أهمية الحاكم تنبع من قدرته على التحكم بموارد شعب و دولة باكملها بما في ذلك تأثيرها على الساحة الدولية أو الإقليمية ، و تأثير العالم أو القائد الفكري ينبع من قدرته على تكوين الأفعال عند المتأثرين به أو المتبعين له في مذهبه الفكري ، لكل هؤلاء تأثيرات متفاوتة تكتسب أهميتها من ظروفها و حيثياتها .

    .


    أهمية رئيس دولةً لا توازي أهمية حكم المباراة النهائية لكأس العالم في تلك الـ 90 دقيقة ، هذا معناه أن قيمة الشيء لا تحدده حقيقة قدرته العامة ، بل خصوصية تأثيره في تلك اللحظة ، إن قطعة خشب يمكن إشعالها للحصول على الدفء في ليلة باردة بالصحراء تملك قيمة أكبر من مئة قيراط ألماس إذا وضعت مقابلها.

    .
    جورج باركلي الفيلسوف الإنجليزي يقول بأنه لا توجد مادة في هذا الكون ، أي لا يوجد شيء مادي ملموس كل ما نعتبره ملموسًا أو محسوسًا هو بسبب إدراكنا الذهني له ، ما يريد الوصول إليه ان حكمنا على الشيء بانه حقيقي و ذو وجود ليس لكونه موجودًا بل لكوننا نحن أدركناه بعقولنا فوضعنا له صورة في أدمغتنا ، فصار موجودًا ؛ تقريبًا هي نفس الفكرة التي أراد فيلم Matrix أن يصيغها بأن ليس كل ما نراه هو حقيقة بل غالب الأحيان هو وهمٌ تصوره عقولنا حقيقة .

    .
    هذه النظرية لا زالت في محل شد و جذب و إثبات و نفي ، لا يعني هذا سقوطها و في نفس الوقت لا يعني مطلق الإيمان بها ، أنا أراها تحمل جانبًا من الصحة و جانبًا خاطئًا لعله أتوسع في بيان هذه النظرة يومًا إن وفقني الله ، محل الشاهد أن هذه النظرية لها تطبيق واقعي ، نحن كبشر من نضع القيمة الإعتبارية للأشياء ، نحن من نجعل بعض الأشياء ثمينة و بعضها رخيصة ، و نحن من نقر هذا الأساس ثم و يا للأسف نتقاتل من أجله .

    • لماذا يتفق الناس كلهم على اهمية الذهب و ثمنه ؟


    لأنهم تعارفوا بما يشبه العقد الإجتماعي على إعطائه هذه الأهمية ، و لم يعطوها للحديد أو النحاس ، هذه القيمة الإعتبارية للذهب أتت من الإدراك الذهني عند البشر و تصورهم لثمنه الغالي ، إذن فقيمته هي إعتبارية و ليست ذاتية أي أنها من تقدير الإنسان و تقييمه له و ليست لكونه هو غالي و ثمين لمجرد أنه ذهب ، تمامًا مثل بعض الصور القديمة أو الأغراض العتيقة التي ترتبط بذكريات مع الإنسان أو كانت في وقت من الاوقات من متعلقات شخصيات مشهورة هذه الأشياء حين تُباع تعطى لها قيمة تفوق قدرها الحقيقي لمجرد تصور الناس أنها أصبحت قيّمة لأنها ارتبطت بأشخاص أخذوا قيمتهم من الناس .

    .
    في عهد الإمبراطورية الرومانية صعد الملح لمصاف السلع الثمينة لدرجة أن رواتب الجنود الرومان كانت تدفع بكميات من الملح ، و في فيتنام أثناء الحرب تنامت ظاهرة البيع و الشراء بالسجائر ، قد نضحك على هذه المعاملات فالملح لا يستحق هذا الثمن و لا السجائر تستحق أن تعامل معاملة الورقة النقدية ، و لكن الأمر في حقيقته غير مضحك إنما مؤلم لانه يبين أن هذه الأشياء نحن من أسبغنا عليها الثمن و نحن من أعطيناها هذه القيمة ، ثم جعلنا من ذلك كله سببًا للحروب و التقاتل و إسفاك الدماء ، فتأمل !


    • الإنجاز و الأهمية .. و الإدراك .


    الموضوع الذي كتبه الفاضل مطعم باكه ، كان يدور بذهني حتى تخمر بعدة إلتفاتات حضرتني مكاشفةً و أنا جالس في أحد مطاعم الباكه بالديرة ، إن ما نتصوره إنجازًا هو في الأصل كالقمة للجبل ، لا يمكن أن يكون دون سوابق و أساسات يُشيّد عليها ، و أساس الإنجاز هو العمل ، و هذا العمل لا يحدث إلا إذا أدركنا ذهنيًا قدراتنا على فعله ، فالإنجاز في حقيقته ليس سوى حدٌ وضعناه نحن ليحدد نهاية قدراتنا بعد أن تصورنا أنه لا يمكن أن نتخطى هذا الحد .


    .
    هنا أتساءل .. ماذا لو لم نقدر أنفسنا حق قدرها ؟
    هل يمكن اعتبار أي من هذه الإنجازات ( إنجازًا ) ؟



    لا أعتقد ذلك .



    القول بأن المتعة تكمن في السير نحو هذا الإنجاز و لا تكمن في تحقيقه ينطبق عليه نفس هذا التساؤل ، هل تبقى المتعة متواجدة إذا علمنا أن ما نسير نحوه هو خط نهايةٍ وهمي خططناه لأننا لم نعرف أنفسنا جيدًا ؟



    أيضًا لا أعتقد ذلك .
    .
    هذا التصوير لمفهوم الإنجاز يوضح قصوره و أنه لا يعتبر إنجازًا في حقيقته بل هو وهمٌ اعتبرناه إنجازًا لأننا أدركناه في أذهننا بهذه الصورة ، اعتبار الإنجاز على أنه نتيجة حتمية للعمل الذي هو بدوره نتيجة لقدرتنا على إدراكنا الشخصي هذا العمل هو اعتبار ناقص لأنه يولد فراغًا قيميًا ( أي لا تكون هناك قيم نستطيع أن نقدره من خلالها ) ، أي أن هذا الإنجاز لن يمتلك أي قيمة تعطيه أهميّة لغيري ، فهو إنجاز أناني بحت ، نحن لا نكذب لأن للصدق قيمة يتعارف عليها كل الناس و يقدرونها ، لأن الصدق أثره يرجع عليّ و على غيري ، بينما هذا الإنجاز الذي أفنيت حياتي بالسعي له ليس سوى هدف شخصيٌ أو رغبة شخصية استهلكتُ لها جميع طاقتي .

    .
    هتلر كان حلمه بأن يحكم و يؤسس ألمانيا و العالم وفق نظرته ، بحسب هذه الزاوية فهو استمتع بالمسير نحو إنجازه لأنه وصل إلى تحقيقه و لكن هل ما فعله طوال رحلة الحلم هذه كان إنجازًا ؟
    بالنسبة له نعم ، و لكنه للغير كان كارثة ، هذا الإنجاز لم يحصل على قيمة موحدة جعلت العالم يتعارف على تصنيفه في خانة الإنجاز كما تعارف سابقًا على قيمة الذهب الثمينة ،و السبب هو أنه إنجاز شخصي / ذاتي / اعتمد الانانية و على هذا قس باقي ( الإنجازات ) الشخصية .
    .
    أي عمل حتى يصنف في خانة الإنجاز يجب أن يكون له قيمة ، هذه القيمة تأتي من خدمة هذا الإنجاز لشيء ما ، الإنسان ، البيئة ، الحيوان .. إلخ ، قيمة الإنجاز تتمثل في أن العمل الذي حدث طوال المسير إلى هذا الإنجاز كان له هدف أو نتج عنه هدف و هو خدمة باقي الناس من ناحية إيجابية .
    حتى أطلق على نفسي صاحب إنجاز : يجب أولاً أن أدرك حقيقة نفسي جيدًا ، أن أعرف نفسي قدراتها و طاقاتها معرفة كاملة ثم أعمل على هذا الأساس لأن يكون لإنجازي القدرة على أن يرسم صورة إيجابية في أذهان الناس ، و هذا يكون حين يصبح قادرًا على أن يتم إدراكه بصورة حسنة عند الناس ، و لن يكون ذلك إلا إن كان له فائدة ترجع للناس .

    .
    هكذا يكتسب هذا الإنجاز أهميته ، بكونه قادرًا على أن يؤثر في الناس بإرادتهم و رغبتهم في جميع لحظات حياتهم و ليس للحظات قليلة كحكم المباراة ، و ليس بالقهر و الخضوع كالحاكم .
    صاحب الإنجاز الحقيقي هو صاحب القدرة على إحداث إنقلاب إيجابي في نفسه و في الناس طـوال الوقت ، و هو وحده الشخص المهم.

    1 مارس، 2009

    رائحة بطعم الموت

    صفحـة من « مذكرات الديوانيـة »

    « ... و اعلم أنك تطلب الدنيا و الموت يطلبك . »

    عجيبة هي الحياة بما تشكله في نفوس البشر و كيف تخطط حياتهم و سيرها ، و الأعجب هي البيئة التي تصقل الفرد و تعطيه هويته المنفردة ، نولد كلنا لا نختلف بشيء عن باقي المواليد و لكن خلال سبع سنوات يصبح لكل منّا هويته بعض علماء الاجتماع يقولون بان هوية الانسان الاجتماعية مثل بصمته لا يمكن أن تتشابه مع الآخرين ، عندي .. كذلك رائحته.
    .
    رائحة الموت ليست كريهة دائمًا رغم أنها تختلف أيضًا كاختلاف البصمة ، هناك من يتعايش معها حتى يألفها و يتعود عليها و يُصبح جزءًا منها ، و هناك من يأنف منها ، أعرف أشخاصًا لا يزورون المقابر و يكرهون المآتم و يشعرون بالخوف من مجرد ذكر كلمة ( الموت ) ، لم يشعروا به و لم تكن لهم به صلات قربى فخوفهم يمكن أن يكون منطقيا ، ليس من السهل أن تفكر في الموت على أنه نهاية رحلة !

    .
    خوفهم منه لانهم لم يُعايشوه ، لم يشعروا بانه محيط بهم أو قريب منهم و أن أذرعه مثل خصلات الشعر تحيط برقابهم ، في طفولتي كان احد رواد الديوانية يملك "شنبًا" أعتقد انه لو علّق طُعما في نهاية شعيراته و رماها بالبحر لاصطاد بها سمكًا !
    شكله مضحك و لكنه يصر عليه ، احدى المرات تجرأت و سالته : ليش شواربك جذي ؟

    توقعته أن " يصرخ" بوجهي و لكنه رحم سني و سؤالي الطفولي و ابتسم مجيبًا : تعودت عليه .. ما احس بطعم لحياتي بدونه.

    هكذا تصبح حين تتعود على شيء ما ، لا تحس بطعم الحياة حتى تعرف أن الموت هو بداية رحلة لا نهاية معدومة.

    .
    عندما تولد في أسرة كبيرة جدًا و متشابكة كثيرًا لا تستطيع ان تفرق فيها بين أهل الأم و أهل الأب و الاهل المشتركون بينهم و تكون هذه الأسرة مقارنة بك كأشجار الصنوبر بجانب اشجار البونساي فإنك تصبح مجرد قطعة إضافية في لوحة التركيب و تشعر بوحشة كبيرة لمجرد أن تتخيل نفسك في غير هذا الوضع ، و هذا ما حدث معي حين ولدت في الوقت الضائع أنا و ابن خالتي و ابن شقيقته ثلاثة أصدقاء نعتبر استثناءً في الأسرة لذلك كنّا دوما الثلاثة الذين لا ننفصل ، عمقنا الوحيد هو نحن فقط ، ليس من السهل أن تولد في محيط يكبرك أصغر أبناء أعمامك فيه بعشر سنين أو ترى أبناء خالاتك الآخرين أعمارهم مثل أعمار أعمامك أما اخوانك يملكون أولادًا مقاربين لسنك .
    .
    أن تقضي طفولتك وسط " الشيّـاب " كما قضيتها أنا يعني أنك ستصبح منحوتة تصقلها الخبرات ، محيط فيه الذي عاش خارج الكويت معارضا و الذي عاش خارجها ( ... ) ، الذي قضى زهرة شبابه ينتقل من مكتبة إلى مكتبة و من درسٍ إلى درس و بين من قضى كل خميس في بداية كل شهر تحت مسرح ام كلثوم ، أظن لو أن لينين كان حيًا إلى اليوم لما وجد مثالاً يؤكد نظرية الديالكتيك في جمع النقيضين إلا في المحيط الذي عشته !
    .
    لو عاد بي الزمن لما وجدت أجمل من أن أقضي لياليَّ كما قضيتها بين أشخاص يكبرني أصغرهم بـ 15 سنة على الأقل ، في هذا المحيط تشعر بقيمة هذه الدنيا و ما تمثله ، و فيه تستنشق عبير الدروس و تستخلص رحيقها ، و تعرف أن الرابط الذي نبرر به أعمالنا في هذه الدنيا و انجذابنا لها هو رابط وهمي نصنعه نحن فرارًا من واقع أن الحياة منتهية ، و أن الموت يبدأ و لا ينتهي .
    .
    منهم تعلمت أن الإنسان هو الذي يحدد مصيره ، و أن التعب الذي يشعر به و هو ينتظر مصيره ليس سببه الخوف من العذاب أو انتظار النعيم بل بسبب عدم تقبله لفكرة أن لحظة هي من تفصله عن مواجهة ما اقترفه و مارسه طوال حياته ، لذلك هو يستهلك طاقته في الإنكار ، بدلا من القبول ، فيتعب .
    تعلمت منهم أن اغماض العين عمّا اقترفته لا يعني أنني مسحته أو أنه اختفى ، بل يعني أنني أعطيته البيئة المناسبة ليزيد و يكبر و ينمو دون أن أشعر .
    .
    حين تراهم كبارًا بالسن تتساءل : هل هم مهيئون للموت ؟
    تشغل بالك بهم ، و تنسى نفسك مع هذا سألت أحدهم يوما هذا السؤال .. أشار لصورة تعود لمنتصف السبعينات على الحائط فيها أوائل الرواد للديوانية ، نصفهم الآن تحت الثرى ثم قال : من وفاة فـلان و أنا ناطر دوري .
    كان فلان صديقه منذ أكثر من 40 سنة و مات منذ 7 سنوات ، أما نبرته فكانت نبرة استسلام للواقع ، نبرة طمأنينة بأن النجاح يُمكن أن يكون في أي شيء إلا بالهروب من الموت .
    .
    اليقين بأن هناك وجهة على كل إنسان أن يسافر لها نفتقده كثيرًا في حياتنا اليومية ، نحن مغرورون بعمر الشباب و نعتقد أن طول الأمل الذي نتمتع به سيعطينا الوقت اللازم حتى نختار الترتيبات التي نريدها لتلك الوجهة ، و نسقط من ذاكرتنا أن عملنا الحالي يقودنا لوجهة أخرى مغايرة ، نقوم باعمالٍ نوافق عليها في هذه الدنيا و لكن نرفض أن يتم محاكمتنا على أساسها في الآخرة ، هذا ما يمزقنا : عدم قبولنا للوجهة التي اخترناها بقلوبنا ، و مطالبتنا بالوجهة التي ابتعدنا عنها بأعمالنا ، أعتقد أننا لو كنّا قضاة و وقف أحدهم يُطالبنا بهذا الشيء لما ترددنا بانزال أشد عقوبة على استهزائه بحُكمنا بمثل هذه الصورة ! و لكن هل نعتبر؟ .
    .
    في ساعات الليل أحيانًا أتذكر ' بو عبد الله ' و سؤالي لنفسي : هذا شيبي يسوي بقبره ؟ .
    زرته حين كان على فراش مرضه الأخير ، أشعل سيجارته و انبوب الاكسجين في انفه كان متصالحًا مع نفسه مقنعًا أنه وصل إلى نهاية الطريق حينها اكتشفتُ أنه عاش جنبًا إلى جنب إلى هذه الحقيقة لذلك كان مستعدًا و منتظرًا لمصيره بكل صبر و جلادة ، الشجاعة ليست في حمل سيف أو قول كلمة ، الشجاعة في أن تدرك عاقبة أمرك و تقبلها .
    .
    هذا هو أهم درس تعلمته أن الإنسان ينظر للحياة كالهواء لا يكتفي من شهيقٍ و زفيرٍ و مهما طال عمره سيستمر بذلك ، و لكن وحدهم " الشيّـاب " يرون هذه الحياة كالماء ، في ساعة من ساعات الليل أو النهار يكون الإنسان قد ارتوى بما فيه الكفاية ليُبعد كأس الماء عن فمه ثم يغلقه للأبد .
    و هذه هي الحقيقة التي قالها لي بو عبد الله لأحفظها ، أن تكون حياتي مثل كأس الماء .