22 مايو، 2009

صـح النـوم


« قبل سبعين سنة حين نزل – رحمه الله – للدراسة في النجف الأشرف كان على عكس أقرانه يبحث عن الأساتذة الكبار بالسن الذين تذكره رؤيتهم بالله عز و جل ، الذين تكون حركاتهم و سكناتهم امتثالاً لطاعته و استعدادا لملاقاته – سبحانه – بعيدين عن الدنيا و ما فيها ، أحدهم كان يجلس قبيل صلاة المغرب في الصحن الحيدري و يلتف حوله الطلبة الصغار و الجدد كل يوم يعطيهم كلمات بسيطة في ظاهرها عميقة بمعناها عن حقيقة الوجود و صيرورته ، كلمات نورانية فيها العبودية الخالصة لله سبحانه، كانت تصنف على انها مواعظ و ليست دروسا حوزوية ، و لكن كثرتهم حوله حولتها لدروس توقظهم من سبات الدنيا »

.

هذا جزء من كلمة انقلها بالمعنى عن السيد إمام الجزائري سمعتها منه في تأبين المرجع الراحل الشيخ محمد تقي بهجت رحمه الله قبل أيام قليلة، حين وصل لهذه الكلمة توقف ذهني عن متابعته و بدأت أسرح فيما بدأ يطرأ ببالي ، تذكرت قوله تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر.
.
فالله سبحانه و تعالى يُسمي النوم وفاةً ، يعني أن النوم هو ' بروفة ' مصغرة للموت ، تغادر النفس فيها البدن ثم ترجع أو لا ترجع فالروح باقية و البدن ميت[1] و معنى التوفي : قبض الشيء على الإيفاء و الإتمام ، يعني أن زمان بقاء هذه الروح حبيسة الدنيا قد انتهى ، وأن مهمتها قد أُتمّت دون اختيار منّا بل اختيار من قذفنا فيها، لا أعلم و أنا أضع رأسي على الوسادة كل ليلة إن كان ما سأراه طيفًا يمر أمام عيني بروجعها أم واقعًا جديدًا سأستيقظ عليه !
.
هنا بدأ فكري يغوص في هذه الآية على رغم كل المحيطين بي كنتُ كذلك الأعمى بين المبصرين ، هم يبصرون به و هو 'يتبصر' بهم ، و كلٌ بما لديهم فرحون .. لا أذكر الكثير مما قاله السيد بعد ذلك في التأبين لكني أذكر أنني تذكرت كلمة تروى عن أمير المؤمنين عليه السلام تزامنًا مع الآية يقول فيها : « الناس نيّـام ، فإذا ماتوا انتبهوا »[2]
.
و هنا بدأت أضواء الإشراق تتلألأ اما ناظريّ، كيف يُسمي الله سبحانه النوم وفاة و موت و يسميه الإمام – عليه السلام- الإنتباه ، أي اليقظة بعد النوم !
كيف أوفق ما بين نقلين فيهما معنى كبير ..
.
بدأ عقلي يجري معي ، حين ننام تنام عيوننا و تخرج أنفسنا و لكن تظل إدراكاتنا ، أحاسيسنا و أفكارنا حبيسة هذا البدن ، يستمر العقل بالعمل ، و تقوم أجهزة الجسد بوظائفها ، شهيق و زفير ، دورة دموية ، شعري ينمو و أظافري تطول ، و عيني تسبح تحت أجفانها يمينًا تارة و يسارًا تارة أخرى ، عجيب هو كمُّ القضايا التي يحلها عقل الإنسان و هو نائم ؟
و الأعجب منه هو استجابة هذا العقل و الإدراك لرغباته ليغذيه في أحلامه بما افتقده في واقعه، أحلامٌ تصور لنا المستحيل حقيقة ، و حقيقة بسيطة ، و البساطة سعادة!
.
النوم عن الواقع .. هو واقعُ النوم ، النوم ليس غيابًا عن الوعي و لكنه تغييرٌ له[3] يستجيب خلاله الإنسان لكل شيء و يتعامل مع كل الظروف التي تحيط به بلاإرادية ،يحتكم فيها لما سكن بنفسه و استقر بوجدانه، تخرج منه التصرفات على السجية،دون أن يعصف ذهنه وصولاً للفكرة،دون أن يتعب نفسه بتحريك بدنه و يكتفي بإدارة عقله لكامل وجوده و هو مغمض العينين ،و يحاول غالب الأحيان أن يصم أذنيه عن صوت المنبه ،أو يجعله جزءًا من حلمه حتى لا يستيقظ من فراشه الوثير.
.
نحن هكذا،نعيش كما يعيش النائم أحلامه ، نعتقد أننا نتحكم في دنيانا بكل شيء كما نتحكم بأحلامنا و الحلم الذي يرعبنا سينتهي بمجرد أن نفتح أعيننا !
.
نعيش هذه الدنيا كما لو أنها واجب لا نحبه و لكن نحله! نطفو مع أمواجها ،نمارس أعمالنا اليومية بروتين قاتل و نتصور أننا ملكنا أسباب كل شيء و نحن في الحقيقة لا نملك سوى أوهام نخدع بها أنفسنا، نقتل أيامنا بنومنا، و نعطل عقولنا بحجة أننا لسنا بحاجة للوعي طوال اليوم، و ما نمارسه فيه الكفاية لطاقة عقولنا على التحمّل.
.
نعتقد أننا أفضل من أولئك النائمين ، نومة صغرى كانت أو كبرى ،بسبب أننا قادرون على التصرف و الفعل و هؤلاء سُلبوا هذه القدرة و لكن لا نسأل ما فائدة هذه القدرة إذا كانت بلا جدوى؟
أو كانت موجهة لغير مقصدها؟
ما فائدة الفعل إذا كان منحصرًا فيما 'يفرضه' الواقع عليه، لا ما نفرضه على الواقع ؟
فيما يجبرنا عليه لا ما نجبره نحن عليه؟
.
أولئك النائمون يرسمون ما يشاؤون على لوحات أجفانهم، و نحن نكسر أحلامنا على صخرة 'جمودنا' ،اولئك يعلمون أنهم نائمون و لكن نحن غافلون عن هذه النومة، الأسوء من تجاهل الحقيقة بعد معرفتها هو التغافل عن وجودها!
كما يكره النائمون صوت المنبه ،كذلك نحن نكره المنبه الذي يذكرنا بحتمية الرحيل.
.
النائمون حقيقة أرواحهم نشطة ، و النائمون مجازًا أرواحهم مكبلة بقيود الإنخداع باليقظة ،هكذا نعيش حياتنا نمارس روتيننا اليومي و نجابه مصاعب الحياة على أنها مسائل بقاءٍ أو فناء ،ثم بعد أن تنتهي مهمتنا بالدنيا تتجلى الحقيقة أمامنا و هي أننا كنا نائمين و الآن نحن مستيقظون .. و أن الفناء و البقاء لم يكن أبدا متعلقا بأي من مصاعب حياتنا!
.
كنا نائمون لاننا نعتقد أن هذه الدنيا مثل ذلك الفراش نحن عليه كالنائم في حلمه، الذي يصنع ما يريد رؤيته ليشغل نفسه به هربًا من واقعه:الضعيف يتصور نفسه قويًا و الفقير يتصور نفسه غنيًا و الغني يتصور نفسه سعيدًا حتى إذا استيقظوا علموا أن ذلك ما كان إلا حلم من صنعهم.
.
هكذا نحن في حياتنا ،نائمون عن أنها دار عمّرناها لألاّ نمكث فيها ،كالقصور في أحلامنا نبنيها و لا نسكنها، هكذا تجلت عظمة تلك الكلمة عندي ، نحن نائمون عن حال هذه الدنيا و أنها دار ضيقة،و نخدع أنفسنا بأنها (الأجمل) و (الأفضل)، نتصور أن ما يكون بيدنا و نلمسه دائمًا خيرٌ من ذلك البعيد عنّا و نسمع عنه،لذلك هي أحسن على الأقل نحن نعيش بها و تآلفنا معها على عكس ذلك المجهول.
.
و لكن إذا مات الإنسان استيقظ و انتبه إلى أنه كان يعيش في محيط الخداع و الوهم،محيط الدار الضيقة التي سعى لأجلها مقابل الدار الواسعة التي لم يشأ رؤيتها أثناء نومه .
.
الله سبحانه و تعالى يرينا الموت كل يوم في أنفسنا قبل أي أحد آخر ،و مع هذا نحن ' نائمـون' لا ندرك هذه الحقيقة لأن إدراكنا تحول للأحلام و ترك الواقـع .. حتى ننتبه له فجأة .. كما ينتبه النائم على صوت منبه الاستيقاظ معلنًا له نهاية أحلامه!
.

_________________________________

[1] في إحدى دراساته يقول العلامة الطباطبائي :
« الموت بالمعنى الذي ذكر إنما يتصف به الإنسان المركب من الروح و البدن باعتبار بدنه هو الذي يتصف بفقدان الحياة بعد وجدانه ، أما الروح فلم يرد في كلامه تعالى ما ينطق باتصافها بالموت .. »
" ماذا بعد الموت ؟ " للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله – ص 13

[2] رواها العلامة ابن ميثم البحراني في " شرح المئة كلمة " ص 54 و كذلك الميرزا محمد تقي سبهر في ناسخ التواريخ.


مصدر الصورة : اضغط

14 مايو، 2009

[ II ] : البحث عن الوطنية



.
هذا الخلل الذي تحدثتُ عنه سابقًا هو تحول فكرة الوطنية إلى "كرة مشتعلة" يحاول كل شخص قذفها على الآخر هربًا من سخونتها و خوفًا من حرقها له ، و السبب هو أنه حين تضعف الدولة أو كما عبر عنه ابن خلدون ( نزل الهرم بالدولة و تقلص ظل الدولة عن القاصية )* فإن الناس يفقدون الثقة بها و بقدرتها على رعاية مصالحهم دون تفرقة فيلجؤون إلى البحث عن سند آخر يكفل لهم حقوقهم هنا "ينتكص"** كل شخص لإنتمائه الذي يقويّه و يعطيه القدرة على مواجهة العقبات التي تظهر في طريقه فالبعض يلجأ لقبيلته و الآخر لعائلته و الثالث لطائفته و الرابع لتيّاره السياسي الذي يملك تأثيرًا على الساحة و كل هذا لحماية أنفسهم و مكتسباتهم أو ينتكصون للصعود على أكتاف الدولة لفرض مكتسباتهم و رغباتهم عليها.
.
و لأنهم يشعرون بهذا الخلل فهم يحاولون ايهام أنفسهم بأن الخلل في الآخرين و ليس فيهم ، بحيث تصبح كل فئة تشعر بانها مهددة من الآخر لذلك يضطر كل منهم إلى الإختباء خلف مصطلح (الوطنية) و يستعمله كفزاعة يخوّف بها أي متحدث عن واقع هذا الخلل ، فنحن جيدون و نحن ملائكة و الله لا يغير علينا و من يتكلم عن وجود طائفية و عنصرية و قبلية هو شخص مستورد لا يريد الخير للبلاد!
.
التعارض الذي يشعر به هؤلاء ما بين ما يمارسونه و ما يعتقدونه في دواخلهم يُظهر عدم انسجامهم مع أنفسهم ،و حتى يبعدوا عن أذهانهم هذه المعاناة يلجؤون لتعيير الأطراف المقابلة بها ، فالراحة تكمن في ابعاد النظر عن المعاناة الشخصية إلى معاناة الغير كما يقول نيتشه ،و لم يعد من المستغرب الآن أن يتسربل بلباس الوطنية كل مارق و سارق ،و أمسوا حتى يبعدوا الشبهة عنهم يلقلقوا ألسنتهم بالأغاني الوطنية كي لا يتهموا بأنهم "لا وطنيون" .
.
التساؤل الذي يُطرح هو لماذا أصبح الحال كذلك؟

.
و جوابه بسيط جدًا ، السُلطة هي صراع و لكنه في الدول الحضارية يُمارس كصراع فكري تكون نتيجته دعامة إضافية لقيم المجتمع بينما تحول عندنا إلى صراع إقصائي و هو أسوء أنواع الصراع ،في مرحلة من مراحل الدولة أصيبت بـ"الشيخوخة المبكرة" كان من نتيجتها أن أصبحت الحكومة خوفًا من أطراف معينة تساند بعضها على حساب الآخر ،أصبحت هي ذاتها طرفًا في الصراع مع مكونات الشعب و بدلاً من أن تقف على مسافة واحدة من الجميع و أن تكون كما المطلوب منها في خدمة الشعب أصبحت تثقل ميزان بعض الأطراف على حسب مصلحتها ليصبح الشعب أو ( نوابه ) في خدمتها! ،هذه الشيخوخة أدت إلى حالة من التفسخ أصبح بموجبها الناس قادرون على التملص من واجباتهم بالرشاوى و الوساطة و غيرها و الحكومة لا تهتم بذلك بل و تشجعه في بعض الأحيان و تسهل أموره طالما أنها تتوهم أنها بذلك تحفظ قوتها.
.
حين تصبح الحكومة في محل اعتقاد شعبي أنها ندٌّ له و أن التعامل على مبادئ الرشوة و المحسوبية و الواسطة و التنفيع و المحاصصة جارٍ بها و لا يكون هناك مجال للكفاءة و المساواة و العدل كما هو المرجو منها أو حتى تطبيق سليم للعهد الموثق ما بينها و بين الشعب و هو الدستور، من الطبيعي أن تبرز نغمات الطائفية و القبلية و الحزبية ، كذلك حينما تدخل الحكومة في طرف المساومة مع بعض مكونات الشعب ،أو تدخل في حرب تضييق شديد عليهم أو توزع المناصب بناءً على الحسابات السياسية لا الكفاءات دون وجود قانون يسوّغ لها أي من ذلك ، بل و حتى في تسترها على النهب المتواصل و سكوتها عن التراجع الرهيب و التهلهل في مفاصل الدولة فإنها تضع نفسها في موضع المحارب لمصالح الشعب و منطقيٌ أن لا تكون هناك ثقة عند الشعب بمن يحاربه.

.
نحن إلى الآن و بعد 48 سنة على الإستقلال لا نعلم إن كنّا سندخل السنة القادمة و نحن نعمل بنصف مواد هذا الدستور أم لا ! و لا زال الشعور السائد هو التخوف من لحظة الإنقلاب عليه، فهو و إن كان لم يدخل حيز التطبيق الكامل إلى اليوم إلا أنه لازال يعطي شعورًا و لو ضمنيًا بالأمان من ناحية كونه ينص بصراحة على الحقوق المكفولة، و أن هناك مستند قانوني في نيل هذه الحقوق من خلال التحاكم إليه في النهاية، هذا الذي يحيي الأمل و الرجاء ببقائه عند الناس فهم بحاجة لمن يوليهم الثقة بكفالة حصولهم على حقوقهم ، و هذه الثقة أصبحت مهزوزة من كثرة الحديث عن تعطيل الدستور مما يعمق الشعور بعدم الأمان و الإطمئنان.

.
هذه الحالة التي نراها اليوم هي نتيجة منطقية و معروفة بعلم الإجتماع فيما يسمى بدائرة الإنحطاط، دائرة تمر بها كل الدول التي تعاني من (ضعف الدولة) و لا أدل من حال العراق في نهاية الدولة العثمانية و غيرها العشرات من الأمثلة على مدار التاريخ البشري ،حينها يشعر الناس بأنهم بحاجة (لشيء آخر) يقوم بالمهام المفترض من الدولة أن تقوم بها.
.

الوطنية هي شعور وجداني و مبدأ عقلاني و ليقر بالنفس فهو بحاجة لأن يتحول وجدان الشخص إلى الإعتقاد بأن الدولة قادرة على ضمان حقوقه كما هي دون الحاجة لتهديدها أو لسلوك الطرق الملتوية، الشعور الوجداني يحتاج لان يكون في الوجدان أي كامنٌ بالنفس و يظهر بسلوك الفرد و اختياراته لخدمة وطنه ،أما ابتذاله بكثرة الحديث المجرد عنه و تحويله لسيف تحاكم به النوايا فهو أمرٌ مستقبح لأنها محاكمة تستمد شرعيتها من محاكم التفتيش سيئة الذكر.

.
البحث عن الوطنية عند الأفراد وحدهم خطأ فهؤلاء تحركهم غريزة الشعور بالأمان و يطلبونها حيثما كانت، البحث عن الوطنية يجب أن يكون في السلطة فهي الوحيدة القادرة على بث الحياة فيه و هي الوحيدة القادرة على إبقائه كغطاء يسحب أي تعالي للطائفة أو القبيلة أو العائلة أو التيّار فوق مصلحة الدولة ،رمي تبعية المواطنة و الوطنية على كاهل الشعب وحده لا يستقيم مع دور الدولة في حفظ مصالح الشعب و رعايته ،تنازلها عن دورها و تسليمه لفئات أو لأشخاص في بعض الموارد و اصطفافها أو رضاها بصراع أطراف ضد الأخرى في سبيل الحفاظ على (وهم القوة) الذي تعتقد أنه بيدها هو الذي يمزق شعار الوطنية ،ويجعلها ملجئًا لكل من يفتقدها لكي يستغلها في محاربة الآخرين ممن يخالفونه بالرأي و التوجه.

.
حب الوطن ليس بالكلمات و لا بالأغاني و لا الشعارات وحدها بل هو بالسلوكيات و الأفعال و من يفتقدها يحاول التعويض عنها بمثل هذه الأشياء ليستر فقدانه لها، إن أرادت الدولة جعل الوطنية سلوكًا فعليًا يؤمن به جميع الشعب كأولوية فعليها قبل كل شيء أن تـُشعر هؤلاء بأنها ضمانهم الوحيد لحقوقهم قولاً و الأهم من ذلك فعلاً و أن الدستور هو المحتكم إليه و أن الكفاءة و العدالة و المساواة هي منهجها الوحيد في التعامل ، دونه فلا عجب أن تكون جميع الإنتماءات الأخرى مصلحتها فوق مصلحة الوطن عند البعض و أن لا تكون الوطنية سوى شعار يتذكرونه في الإنتخابات و في الأعياد الوطنية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الفصل الـ 20من مقدمة ابن خلدون ( الـ21 في النسخة المطبوعة عندي ).

** النكوص : الرجوعُ إِلى وراء وهو القَهْقَرَى. ( لسان العرب )

12 مايو، 2009

[ I ] : البحث عن الوطنية

مقدمة :
.

رغم اختلاف البشر الذي هو طبيعة إنسانية بحتة ، فإن هذا الإختلاف يتقلص في سبيل سد الحاجة إلى التعايش و الإجتماع مع الآخرين، هذا الإختلاف بينهم هو الذي يولد الدولة و السلطة لأنهما أساسًا يقومان على الصراع ، الصراع بكافة أشكاله العلمي و الأدبي و الفكري و الديني و غيرها هذه الصراعات تنتج أسئلة و الأسئلة تبحث عن أجوبة تكمن فيها درجات التطور ، و يستحق الذكر أن كونفوشيوس انتبه لهذا الإختلاف و جريانه في الناس منذ زمن بعيد و أقره كشيء يجري في الطبيعة ككل وفق مقولته : لا يمكن للرجل أن ينزل في وسط نفس الماء بالنهر مرتين.
.
نحن كذلك مختلفون و لكننا لا زلنا نصنّف هذا الإختلاف على درجة أقل في سبيل الإجتماع ، نتغاضى عن كثير من الإختلافات حتى نعيش في جماعات تكفل لنا حقوقنا أو "حاجاتنا" البشرية الأمن و الامان و الغذاء و المشاركة و غيرها و هذه الجماعات تحولت في العصر الحديث إلى (دول)،ظهر فيها مفهوم الوطنية ليكون كالحكم العقلي ، شيء ثابت ، بديهي لا يختلف عليه اثنان ليجتمع عليه كل البشر ثم تبقى الخصوصيات المختلفة محفوظة إنما تقع تحت الوطنية ، هناك حادثة ليهودي مع أمير المؤمنين عليه السلام حيث استشكل عليه بإختلاف المسلمين بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مباشرة ، فقال عليه السلام :
«إنّما اختلفنا عنه لا فيه ، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم اجعَلْ لنا إِلهاً كما لهم آلهة، فقال إنّكم قوم تجهلون»[1].
.
النتيجة التي أريد الوصول إليها هي أن (الوطنية) كمفهوم وضعت لتكوّن غطاءً يجمع الناس تحته على اختلاف ألوانهم فهو الأصل الذي يتفقون عليه و ليختلفوا – بحسب طبيعتهم البشرية – بعد ذلك و لا مشكلة إطلاقـًا ، كما اختلف المسلمون في تفسيرهم لما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و لكن ظل اتفاقهم عليه لا يختلفون فيه أبدًا.
.
و حتى تؤدي هذه الوطنية لـ"الحضارة" يذهب د. علي الوردي إلى أنها بحاجة لما يعرف بـ (قوة الدولة)[2]، فالدولة القويّة هي التي بإمكانها زراعة مفهوم الوطنية و اعتباره الأصل الذي لا يعلو عليه شيء لكافة الشعب ، الدولة القويّة و المركزية و العادلة التي تمد كل شخص بالإيمان في أن هناك سندٌ يستند إليه في نيل حقوقه كاملة غير منقوصة دون حاجة لاستعمال أية أساليب ملتوية أو قوة ، و متى ما شعر الفرد بأنه قادر على أن يعيش في ظل سيادة مبدئي المساواة و الكفاءة التي يكفلها الوطن فهو سيصبح تلقائيًا منصهرًا مع باقي المكونات و إن احتفظ بخصوصياته ، و هذا يسحب منه أي ذريعة لإعلاء أي قيمة أخرى فوق قيمة الوطنية.
.
نحن الآن على رغم كل ما يُقال عن انسجام الكويتيين و تعايشهم فإن العين لا يمكن اغماضها عن واقع الحال و هو أن هناك ردة واضحة إلى التذرع بقيم الطائفة و القبيلة و التيّار فـوق الوطنية ،يُقال بان أفضل من يتحدث عن الأمانة هو السارق لأنه يفتقدها ، و الفاقد للشيء هو أفضل من يصفه و يحنّ إليه و يتحدث عنه أو كما يذهب صامويل جونسون إلى أن الوطنية هي ملاذ ' الأوغاد ' الأخير[3] لأن كثرة الحديث عنها من قِبل من يحاربها بسلوكه ينبئ عن افتقاده لها و أنه يستغلها كحجة يبرر بها الممارسات التي يقوم بها ،فحين يتحدث من يسرق الوطن عن الوطنية أو من يتعدى على مفهوم (الدولة) عن الوطنية أو من يحاول دس فكرة أن الوطنية هي مضادة للقبيلة أو الطائفة ثم يطالب غيره بها فهذا كله يشير إلى أنّ هناك خلل واضح بحاجة للإشارة إليه بدلاً من تخبئته تحت السجاد.


.


يـتـبع إن شاء الله ..
نظرًا لطول المقالة ، فضلت نشرها على جزئين.

تحديث : الجـزء الثـاني (اضغط)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] نهج البلاغة - فصل قصار الكلمات.


[2] يقصد بقوة الدولة : مركزية السلطة القوية القادرة على حماية أرواح الناس و ممتلكاتهم و العناية بمصالحهم و خدمتهم.


[3] Patriotism is the last refuge of a scoundrel

2 مايو، 2009

ليش معـقـد ؟

" البساطة هي ما تجعل غير المتعلمين أعظم تأثيرًا في الحشود من المتعلمين "
أرسطو
.
لماذا يحب الإنسان التعقيد ؟
.
باعتقادي لأنه مخلوق معقد ، يرى في نفسه الضعف مقابل باقي المخلوقات الأخرى و مع هذا يتفوق عليها بسبب خاصية العقل، الذي يعمل بطريقة غامضة و معقدة في تحليل الأمور، هذا التفاوت الذي يعيش فيه الإنسان يجعله يتصور نفسه فوق الطبيعة فإن كانت الطبيعة بنماذجها الحيّة بسيطة في طريقة عملها و مباشرة و يُمكن التنبؤ بها ، فالإنسان قطعًا متلون يملك القدرة على تغيير المواقف و الآراء ما ظهر منها و ما بطن ، و هذا ما يضفي عليه التعقيد أنه غير قابل لأن يكون في محل تنبؤ دائم بأفعاله و أقواله فكلها عرضة للتغيير و التحول و التبدل وفق ما يراه و يحكم به ذلك العقل (الغامض)، أو وفق ما تميل له روحه (العاطفية) غير المحسوسة، و من البديهي القول بأن كل ما هو غير محسوس يفسره معظم الناس على أنه مركبٌ و معقد لأنه لا يملك أول أساسيات البساطة و هو الظهور و الإحساس.
.
و الإنسان طوال حياته يمر بمراحل و منعطفات لا يمر بها الحيوان أو الأشجار أو أي مخلوقات أخرى تؤدي ما عليها بالحياة ثم تموت فالإنسان كما يقول إريك فروم :" يعيش حياته ، لا يعيش من خلالها " لأنه يفتقد تلك الآلية الغريزية مثل باقي الكائنات الحية الأخرى ،و بالإضافة لكل ذلك يملك غريزة (الإجتماع) أي الأنس مع الغير و يرتبط مع أقربائه بروابط وثيقة أقرتها الحاجة إلى السند و الظهير عند الإنسان البدائي و كذلك النصوص الدينية التي اعتبرت هذا الارتباط نوعًا من أنواع الأخلاق الممدوحة و المستحسنة ، و عقليًا لم يحدث اختلاف طوال تاريخ البشر في هذا الأمر و ضرورته، و لأن قدراته التواصلية تختلف عن الحيوانات كان ارتباطه أوثق بكثير مع أقرانه من ارتباط الحيوانات فهو قد تعدى مرحلة الحاجة للإجتماع للبحث عن الماء و الطعام إلى مرحلة البحث عن المصلحة ،و هذه المصلحة بفعل تطور الحياة و تشابكها تطورت و تشابكت فهناك مصلحة اقتصادية و مصلحة اجتماعية و مصلحة سياسية و مصلحة علمية إلى آخر هذه التقسيمات العديدة التي تقود كلها بالنهاية إلى نتيجة واحدة : أن الحياة الإنسانية ازدادت تعقيدًا ، و أن هذا التعقيد سببه قدرة الإنسان الرهيبة على تكوين أسبابه بعكس باقي المخلوقات.
.
من هنا أصبحت المشاكل و العقبات التي تعترض الإنسان ذو الجنبتين العقلية / النفسية متعددة و تعدت مرحلة عقبة البحث عن الأولويات من طعام و ماء إلى أوليات أخرى كالأمن و الإستقرار و إثبات القوة و العِلم و الإنتماء و غيرها، و لكن ظل عقله مبرمجًا على أن ما ينتج من الشيء المعقد هو معقد بدوره و بسبب هذا أصبح يبرر وقوفه أمام كل عقبة و رفضه لأي حل لها تحت مبررات عديدة ، وقفة مع النفس و استرجاع الذاكرة في أي مشكلة صادفتنا و تدخل الآخرين لحلها سترينا الأمر بصورة واضحة :
.
كم مرة قلنا :
إنت شعرفك ؟
أنا وين ، و إنت وين !
رووح زين ..
و الله إنك على نياتك ..
شلون شايفها بهالبساطة ؟
و غيرها من الألفاظ الدلالية على أن ما نحن به هو أعقد من الحلول المطروحة .
.
هذا العقل يخدعنا في هذه الأمور ، يخدعنا لأننا أجبرناه على أن يفسر كل ما نمر به بصورة معقدة التركيب لأننا كائنات حيّة معقدة بذاتها ، أجبرناه على أن يرى أن البساطة لا تليق بالإنسان و لا تليق بأسلوب حياته و تفكيره ، فكما أنّ مشاكلنا و عقباتنا وُلدت من رحم تعقيدنا فكذلك حلولها يجب ألا تقل تعقيدًا عنها!
.
معظم الأحيان تكون الإجابات و الحلول البسيطة هي التي فيها الحل و لكن لشدة بساطتها و وضوحها لا نراها ،لأننا نبحث في ذلك (البعيد) عنّا و لا نلتفت (للقريب) منّا ، فزامر الحيّ لا يُطرب.
.
إحدى القصص الطريفة و المشهورة عن حرب الفضاء هي قصة القلم الفضائي حين واجه رواد الفضاء الأوائل مشاكل في الكتابة بأقلام الحبر لإنعدام الجاذبية في الفضاء ، بينما خاض الأمريكيون صراعًا رهيبًا في المختبرات حتى اخترعوا قلمًا يكتب دون الحاجة للجاذبية بملايين الدولارات اكتفى الروس بالقلم الرصاص !
.
هذا الوهم الذي صنعه الإنسان بأنّ البساطة هي عدوٌّ له جعله يصنع من كل العقبات و المشاكل التي تواجهه مشاكلَ معقدة حتى لو كانت بسيطة فهو يضفي المزيد من الغموض عليها حتى لا يُظهرها بهذه الصورة أمام الآخرين ليبرر لنفسه خوفه و خشيته من بساطة ما يُعاني أمام الآخرين ، و هكذا يفعل الآخرون فيظلون محصورين بدائرة من الوهم صنعوها بأنفسهم، فيها خاسرون و فيها رابحون سيما أولئك الذين يقتاتون على موائد الذين يُعانون.
.
وحدها الخشية من نفاذ الوقت هي التي تنبههم إلى تفاهة ما أوهموا أنفسهم به ، و هي التي تعطيهم (الطراق) الذي يوقظهم من غفلتهم ، بعض الأشياء لشدة بساطتها لا نلتفت لها و إلى قيمتها في حياتنا و إلى أثرها العظيم عليها، كما أنّ السر وُضع في أضعف المخلوقات كذلك الحلول وضعت في أبسطها ، هناك عقباتٌ كثيرة يمر بها الإنسان و لا يتخطاها و يقف بمكانه حتى ييقفز عليه الزمن لأنه يعتقد أن حلولها أصعب من أن يصل إليها بينما هي تحت سمعه و بصره و هي أسهل و أبسط مما يتوقع و لكن خشيته منعته من النظر إليها.
.
خلاصة الموضوع : لا تعقدوا حياتكم و مشاكلكم ، ابحثوا عن البساطة و عيشوا من خلالها ، و جربوا الأجوبة المباشرة فهي غالبًا صائبة أكثر من المعقدة.
و تذكروا أن الأمور إن كبرتموها تكبر و إن صغرتموها تصغر، و إن عقدتموها تعقد و إن بسطتموها تبسط .
.


هذا الموضوع كتب من وحي هذا الفيلم : Our Time Is Up