25 أغسطس، 2009

الطائفية و سؤال : الحريـّة أم النظـام؟

.
مع تزايد دعوى الطائفيّة، و ارتفاع عقيرة المنادين بها، و تحولها إلى حلبة يتصارع عليها الناس، بغض النظر عن تعريفها الحقيقي المجهول عند الغالبية، إلا أن المعنى العام لها هو ما يتم تداوله الآن من صراع مذهبي بين طوائف المجتمع الكويتي. وجدت عدة من الكتّاب يشيرون إلى دولة مجاورة و تجربتها في وأد الطائفية، و كيف أنّ هناك ثلاث فرق إسلامية تملك جعبة مملوءة من العداء المذهبي و العقائدي صارت منصهرة في مجتمع واحد لا تسمع به صوت المذهب، و أنا شخصيًا كنت من المتعجبين من هذا النجاح المذهل في اخفاض صوت الطائفية إلى هذا الحدّ في ذلك المجتمع، و هذا ما دعاني إلى البحث.
.
فماذا اكتشفت؟
.
قبل عدة أشهر – و ربما سنة الآن – نشر أحد الصحفيين في تلك البلاد وثيقة على الإنترنت تدين أحد المدراء بإحدى شركات الإتصالات، لم ينشرها بصحيفة، و لم تكن الوثيقة مزوّرة، و مع هذا فقد حُكم عليه بالسجن، و سُجن لمدة 6 أشهر و لم يفرج عنه إلا بعد وساطات و ترضيات و تدخلات كثيرة. هذه الحادثة دفعتني لاستقصاء الواقع هناك، و منها بدأت الإتصالات بمن أعرف انطلاقًا من هذه الحادثة.
.
منها عرفت أنّ تلك الدولة ليست (دولة تسلطيّة) كما هو الحال عندنا، إنما (دولة استبداديّة) بمعنى الكلمة، ليست هناك حريّة كما نفهمها، و لا هناك مشاركة أو صوت شعبي حقيقي، و مجلس الشورى هو مجرد ذريعة تُسدّ بها أفواه الغرب و مهمته أن يشير للشوارع التي بحاجة للإصلاح! الشعب لا يهتم كثيرًا بعدد الوزراء و طوائفهم، المهم هو إرضاء كافة القبائل بدفعهم للواجهة فقط و هذه هي سياسة السلطة الداخلية هناك، بينما سياسة الدولة و مسيرتها المتحكم بها قلّة قابعون على رأس السلطة، يقودهم شخصٌ واحد، و الشعب ملتهٍ بأكل عيشه، و ممارسة طقوسه اليومية، الوحيدة التي يملك القرار فيها.
.
ليست هناك طائفيّة بسبب عدم وجود صراع على السلطة، ليس هناك حاجة للتجييش الطائفي، أو القبلي بصورته المعهودة عندنا، لأنه ليست هناك حريّة تسمح للطائفة أو القبيلة أن تتبوأ مكانًا في مجال اتخاذ أبسط القرارات، تحولت الوزارات إلى عمل 'وجهائي'، فاقدة لمعناها في ظل المركزيّة الشديدة في إدارة الدولة، ليس معنى ذلك أنّ الحريّة بكافة أشكالها ممنوعة، و لكن كحريّة رأي في السياسة و الإقتصاد فهي شبه معدومة، أما باقي الحريّات سيّما العقائدية فهي متوافرة، ليس هناك تضييق على أحدٍ منهم في ممارسة شعائره، كلهم يمارس ما يريد و ما يشاء دون مضايقة، طالما أنها تبقى في إطار الممارسة و الشعار بعيدًا عن مركز القرار. النظام الشديد الموجود في تلك البلاد، و انعدام التجاذب الطائفي بين أبناء البلد هو بسبب هذا الشيء: فعاليّة القانون الصادر من جهة واحدة غير القابل للمناقشة.
.
نحن في الكويت، نوعًا ما، نملك هامشًا أوسع و أكبر من الحريّة، و ليس هناك بحسب ما أعرف من هو على استعداد للتنازل عنها و التحول إلى رقم في التعداد السكاني فقط. الطائفية عندنا هي بسبب هذه الحريّة. هناك صراع على السلطة في الكويت، و مشاركة – اتفقنا أم اختلفنا على حجمها – في القرار، و هناك سياسات يرسمها الشعب حتى لو كانت على الصعيد الداخلي وحده، هذا الصراع على مراكز السلطة يستلزم أن يستعمل أصحابه كافة اوراقهم فيه، و أهمها الورقة الأقدر على تحفيز الجموع وهي ورقة "الطائفية" أو بمعنى آخر الآيدلوجية، عندنا في الكويت هي شيعة و سنة، الكيانين البارزين.
.
قد يقول قائل بأن هذه الحريّة متواجدة منذ القدم، و لكن هذه الصورة الطائفية حديثة، والجواب أنّ هذا وهم، ليس هناك طوال التاريخ محركٌ للأحداث سوى الطائفية بمختلف أنواعها، و قد وقفت على شواهد تاريخيّة كثيرة ليس هذا مجالها، و لعلّني في يوم من الأيّام اتوفق لأجلعها دراسة مفردة. محصلة الحديث أنّ هذه الطائفية كانت موجودة في الكويت وليست وليدة اليوم، مجلس 1938 و الكانتونات المقسمة داخل السور، هي إثبات جليّ له، الفارق أنّ الطائفية ذلك الوقت كانت محصورة بطبقة واحدة، هي الطبقة السياسية أو الوجهائية الفاعلة، و كانت بعيدة جدًا عن عامة الشعب الملتهين بالبحث عن لقمة عيشهم، لأنّ السلطة كانت مركزيّة و لم يكن دور هؤلاء الوجهاء بمثل الدور الذي أعطاهم إيّاه الدستور بعد الإستقلال*.
.
ما نراه الآن، هو نتيجة حتمية للحريّة، رفضنا إيّاه هو رفض للحريّة، أن نريد النظام و خلع 'الطائفة'، فهذا ممكن، و لكن في الدول التي تعتبر الحرية ترفًا زائدًا، أو في الدول التي تسير على رأي واحد، رغبة واحدة، و مشيئة واحدة، لاغير.
لا يمكن أن ننزع الطائفة أو الطائفية طالما أنّ مراكز السلطة تُقسم و تُعطى بناءً على الثقل الطائفي، وفق آليات مشاركة شعبية حرّة، وطالما أنّ الحصول عليها هو من قِبل رجال لا يمكن لهم أن يصلوا لها دون إمدادٍ طائفي، حتى تفعيل القوانين للقضاء على هذه الظاهرة أصبح شعارًا خاويًا و مضحكًا لأن المسؤولين عن تفعيلها وصلوا لمراكزهم بسبب الطائفية، و لن يحاربوها إذا كانت هي السبيل الوحيد أمامهم!
.

نحن في مجتمعنا الآن، تشكل الدعوات الطائفية أبرز سلالم الصعود، و تحقيق المكتسبات، خصوصًا ما يتعلق منها بما يمكن فرضه و تحقيقه، و التجاذبات الحاصلة حول مناهج وزارة التربية تغني عن ألف كلمة. الصراع الطائفي عندنا انتقل من صراع (الوجهاء) إلى صراع العوام (البسطاء)، بسبب تغذية اولئك للشارع به و دفعهم له و الهدف هو شحنهم للحصول على دعمهم في الإنتخابات، و منها إلى المناصب و مراكز القرار.. و هذا هو الخطر الأكبر، أن ينتقل الصراع إلى العوام الذين هم بمعظمهم مجرد جموع تسيّرها العاطفة، و تدغدغها الكلمة، و لا تلتفت للأهداف الحقيقية لمحركيها إلا نادرًا.
.
أمامنا خياران،و علينا أن نحدد أولوياتنا: إمّا أن نتحول إلى دولةٍ استبداديّة و لكنها نظامية، لا طائفية و لا دعوات طائفيّة بها، أو نبقى في الحريّة و نتحمّل عواقب هذه الحريّة، ونعمل - على أقل تقدير - لتقنينها بجعل الصراع ينحصر مجددًا في طبقة 'الوجهاء' بعيدًا عن 'البسطاء' مثل ما هو الآن.
أما هذا العمل الوجهائي، فهو حكاية بحالها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع مذكرات د. أحمد الخطيب، خصوصًا ج2،ص80-81.

20 أغسطس، 2009

سـنـة

.
من حسن حظي أنني وصلت متأخرًا، و من سوء حظه أن المصعد امتلأ قبل أن يصل دوره لركوبه فظلّ وحيدًا بخارجه، عندما وصلت ألقيت عليه التحيّة "بلغة القوم" و ردّ عليّ بمثلها، لكن نظراته كانت تتفحصني من كلّ جانب "ليبط الجربة" و يسألني:من أين أنت؟
كانت الإجابة:من الكويت.
.
رغم شقار شعره، و لون عينيه، و جسمه الرياضي، الذي لم يوح لي بأي صلة تربطه بي، إلا أنّه كان كويتيًا مثلي أيضًا في تلك البلاد الغريبة، و لأكتشف بعدها أننا نملك عددًا لا بأس من الأصدقاء المشتركين و أصبح أحد الأصدقاء الأعزّاء لي إلى اليوم، و لكن هذا كله يتضاءل أمام ما اكتشفته من خلال 'السوالف' فيما بيننا ذلك اليوم..
.
كان حديثه عن 'أحد المواقع' و ما أضافه له، و اهتمامه الشديد به و "ترفيعه" الكبير له و أثره العظيم عليه، و كيف أنّه كان سببًا في إعادة توجيه حياته، ليصبح مشروعًا لباحث رصين أتوسم فيه الخير الكثير. لا أخفيكم أنّ مشاعري لو تمثّـلت على هيئة إنسان لكانت رجلاً "يطق أصبع" لحظتها من الفرحة، لأنّ هذا الموقع الذي عملت عليه قبل عشر سنوات و سهرت الليالي لأجله، و قضيت الساعات أكتب و أشذّب فيه، و جلست بالأيام أعمل عليه، مع كوكبة من الشباب المخلصين تحوّل اليوم إلى موقع ضخم يُشّكل علامة بارزة على الإنترنت، على الرغم من أنني ابتعدت عن إدارته منذ قرابة 4 سنوات، إلا أنّ السنوات التي قضيتها هناك لم أندم عليها يومًا، أهملت دراستي لأجلها، و ربما تغيّر مستقبلي من جرّاء ذلك، و لكن معرفتي بأنّ هذا الموقع كان له تأثير إيجابي و لو بنسبة 1% .. يكفيني و يغنيني عن كل الإفتراضات!
.
عندما كتبت عن تلك المكاشفة في مطعم الباكه، كان التساؤل يدور في ذهني عن حقيقة الإنجاز، متى يكون الإنسان صاحب إنجاز؟ و ما هو الهدف الذي بتحقيقه يعتبر نفسه قد أنجز شيئًا؟
.
مهما تتعدد الإجابات يظل واقع (النسبيّة) يتحكم بتعريف الإنجاز، ما أراه من وجهة نظري قد يُخالف ما يراه غيري، و هذه من النِعم، أن تتعدد التعريفات لتتعدد المهن و الأعمال، و بالتالي تستمر الحياة. و لكن اليوم و بعد مرور سنة على هذه المدونة أعيد طرح السؤال مجددً، مستذكرًا في نفس الوقت تلك المكاشفة.طارحًا سؤالاً جديدًا : لماذا نكتب؟
.
على الصعيد الشخصي، فإجابتي على هذا السؤال تتولد من أسئلة أخرى: لماذا نتكلم و نسولف؟ و ننظم القصائد؟ و نهتم بجمع و تخزين التعابير اللفظية لاستعمالها؟
كلها تقود لنفس الإجابة، هناك حاجة عند الإنسان – أيّ إنسان- لأن يعبّر عمّا بداخله، و أن ينّفس عمّا يضطرم في صدره، بمعنى آخر أنّ أفعاله هذه ليست سوى نتيجة لباعث المشاركة القوي عنده. الكتابة لا تختلف عن الحديث من هذه الناحية، هي نوع من أنواع التعبير الذاتي، و تتشابه مع الأحاديث من نواح كثيرة، كما أن هناك من يتكلم لإضفاء طرافة، أو التعبير عن مشاعر، أو لإعطاء محاضرة، أو للتحدث عن يومياته و تفريغ همومه و طرح تساؤلاته، هناك من يكتب تحت نفس هذه الذرائع، ليظهر هذا التنوع الكبير خصوصًا في مجال المدونات.
.
يُقال بأن عمل الأشياء الصحيحة أولى من عمل الأشياء بطريقة صحيحة، الباعث لإنشاء هذه المدونة كان لغاية صحيحة بنظري هناك مواضيع كتبتها و ندمت على نشرها، و هناك بعضها أجدها الآن ناقصة و استعجلت بنشرها، و بعضها يبدو أنني في وقت كتابتها كنت اعيش بـ"النرفانا" لأنني لا أرى نفسي قادرًا على كتابتها مجددًا!
الباعث كان أنني وجدت هناك مجالاً ناقصًا في خضم هذه المدونات، مجالاً ثقافيًا ليس له وجود كبير على الساحة الكويتية، لا أدعي أنني سددت هذا النقص فهذا مستحيل و هو ثوبٌ أكبر منّي بكثير، و لكن أقول بأنني غامرت لعمل الشيء الصحيح – من وجهة نظري- و هو شيء و إن شابته نقائص أفضل من عمل الأشياء التي تمتلأ الساحة بها، بطريقة صحيحة.
.
في تلك المكاشفة، كانت الفكرة كلها تدور حول الإنجاز، يمكنني أن أقول الآن و أن أُعيد مجددًا أنّ : قيمة الإنجاز تتمثل في أن العمل الذي حدث طوال المسير إلى هذا الإنجاز كان له هدف أو نتج عنه هدف و هو خدمة باقي الناس من ناحية إيجابية؛ بعد سنة ليس هناك رضاء تام، و لكن يكفيني أن يكون فيما كتبت فائدة، كانت فيها استفادة و لو قليلة، في دراسته للحزب الثوري يقول د.نديم البيطار ما مضمونه، أنّه لإحداث دافع يدفع الناس للثورة يجب أن يكون هناك هدف يفيد الجميع، و هو الذي يعطي القيمة لهذه الحركة، و منها يُقاس إنجازيتها.
.
لستُ ثوريًا، و لا أدعو لثورة، و لكن أقف اليوم مقيّمًا لسنة مضت، أرى أنني حاولت فيها قدر الإمكان أن أجعل لهذه المدونة هويّة متفردة بين الباقين، و لأكشف أن سعادتي الحقيقية كانت و تكون في مثل الموقف الذي ذكرته بأول الموضوع، أن أرى أثرًا إيجابيًا عند الآخرين لعمل قمت به، أو لكلمة كتبتها، ليس مهمًا أن أُعرف فيه، في الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: « إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا، و ما عليك إن لم يثن الناس عليك...»، و للرواية بقيّة أتركها لوقتها، فهي موضوع قائم بذاته، و لعلها تكون إحدى الزخات الرمضانيّة. و لكن المهم أن أعرف أنني غرست 'بذرة' قد يكون لها ثمر في يوم من الأيّام، أو أنني ولدت باعثًا و دافعًا عند الآخرين، و ربّ حامل فقهٍ لمن هو أفقه منه، كل ما كان بحاجة له هو هزة خفيفة تكشف عن قدراته الكامنة و كانت هذه الكلمات هي هذه الهزّة، و رغم أنّ هذه ليست أوّل مدونة، سبقها العديد، لكنها الأولى التي استطاعت أن تتعدى سنتها الأولى بانتظام، و الله وحده العالم إلى متى؟.
.
  • شهر رمضان الكريم
في خطبة النبي الأكرم -صلى الله عليه و آله- في استقبال شهر رمضان الكريم:
أيها الناس،
إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله من أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله.
أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعائكم فيه مستجاب. فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم.
واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس،
إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم. واعلموا أن الله تعالى ذكره أقسم بعزته ألا يعذب المصلين والساجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين ..
(لقراءة باقي الخطبة:اضغط).
مـبـارك عليـكم الشهــر، أجمعين، و عساكم عوّاده إن شاء الله.