10 أبريل، 2011

الطائفية الإيجابية

الإنسان كالبصلة من كثرة قشورها لا تعلم ما هو لُبّها، فكُلما أزحت قشرة رقيقة ظهرت تحتها قشرة أسمك منها حتى آيس البشر وباتوا يسمون ويصنفون البصل على حسب ألوان قشرته، وأرض منبته. كذلك هم البشر، لا يمكن الإشارة لهم إلا بهوياتهم ولا نستطيع الوصول إلى لُبهم، فذاتهم مجهوله، وأثوابهم معلومة، وعليه بات من المتعارف تصنيف الناس بحسب أفكارهم: شيوعيين، ليبراليين، أو أديانهم: مسلمين، مسيحيين، أو أعراقهم: قوقازيين أو صينيين. فهذا «الإنسان» ليس صورة مادية كالبدن ولا جنبة روحية فقط بل هو كيان متميّز ناتج من اختلاط الإثنين ما يعطي له التفرد في وسط هذا العالم الذي يموج بالبشر ويضفي عليه هويته، ودونها فلن يكون إلا نسخة كربونية مكررة عن الآخرين.

لا يمكن لأي إنسان أن يعيش في أي محيط إذا فقد هويته وتنازل عنها، فهو بذلك يتنازل عن «إنسانيته» التي يُشار لها من خلالهما، ومصيبة أن تكون المطالبة هي بمسخ الهوية أو فقد الذات، ومصيبة أكبر منها هو إضاعفها لحساب تقوية هويّة أخرى، فأكبر خطأ في مسألة الوطن و الوطنية هو أن تتنازل مكونات هذا الوطن عن ذواتهم ، لايوجد شيء «يَضعُف» ليقوى شيء آخر إلا في المفاهيم البائدة ، هذا الضعف تعريفه الوحيد هو الهزيمة، و من ينهزم في وطنه و أرضه ومجتمعه، ما هي فائدته؟

تمثل الطائفة أو الفئة التي ينتمي لها الإنسان إحدى أهم هوياته، إلا أنّ مفهومها تعرّض لضربات عديدة بالتفسير وفق رؤى شخصية غالبها هي رؤى إقصائية ترى فيها طرفًا يقف في مقابل الوطن أو ندًا للوطنية بمعنى الإنتماء أو الولاء كما هو دارج على الألسن، وفي خضم ذلك يتم اهمال أهم نقطة في هذه المسألة وهي أن المجتمع الذي يقصي مكوناته يفقد هويته وفقدانها يعني تحوله لمسخ لا يملك قيمة بين باقي المجتمعات. فالطائفية قيمة إيجابية في معناها الصحيح، أما حين يتم تفسيرها سلبيًا فإن القيمة التي تُعطى لها نابعة من هذا التفسير لا منها هي ذاتها.

الطائفية التي تُطرح هي أن يصبح ميزان الحكم بناء على «الفئة / الطائفة/ الأصل» ، حين يتم إدخال هذه التصنيفات المذكورة في إطلاق أحكامٍ على الآخرين تُعتبر مبررًا لإقصائهم، أو إبعادهم طالما انتموا لها، أو بجعل التقييم لأي شخص نابع من النظرة الخاصة بهذه الفئة بغض النظر عن فكره و عمله و أثره الإيجابي. هذا المفهوم المطروح يختزل السلبية في كلمة الطائفة وهي لا تتحملها، كما أنّ الوطنية ذاتها يمكن اعتبارها طائفية بهذا المعنى إذا كانت لا تقوم إلا على عزل وإضعاف كل إنتماءٍ آخر يشارك الوطن، بتصورهم.

الوطن لا يتعارض مع الطائفة ، و لا خدمة الوطن تتعارض مع الطائفة احتفاظ كل فئة بتفردها هو الذي يعطي القوة للمجتمع لأنه يثبت أنه مجتمع قادر على احتواء الجميـع دون أن يحارب طرف أو يقصي طرف ، هذا يعني أنه مجتمع حي قادر على مواجهة كل عقبة أمامه و ليس مجتمعًا جامدًا ميتًا، فاعتزاز كل فرد بهويته طبيعة إنسانية، لماذا نحول هذه الجنبة إلى رمح نتصوره يطعن بظهر الوطن؟

حين تصبح الطائفة فوق الوطن لا معه، أو حين يكون الوطن مجرد أرض نمارس عليها إقصائنا و نحارب مكونات المجتمع باسمه حينها تتحول لرمح أما دونها فلا.

هذا المجتمع الأمريكي* -كمثال- يستمد قوته من تعدده العرقي و من قدرته على احتواء كل أنواع البشر فيه رغم اختلاف أعراقهم وأديانهم وأفكارهم. يجب علينا أن نتعلم منهم كيف نحول الطائفة إلى عنصر تعزيز للوطن بدلاً من دفعها لخانة العداء له. في سنغافورة هناك 23 لغة تنبئ عن الإختلاف ولم يجبر أحد عن التخلي عنها!، فوجودها ليس المشكلة، إنما جعلها هدفًا لسهام التفرقة هي المشكلة.

من أساسيات مفهوم الوطن أنه غطاء قادر على استيعاب الجميع وهذه هي روحية القانون الذي ينادى بحرية التعبير والبحث العلمي و العقيدة، هذه الحريّة الثمينة التي يريدون انتزاعها بحجة أنها تتحول لخطر على المجتمع ومخطئ من يظن أنّ الحرية خطر، سلبيات الحرية إن وجدت تُعالج بمزيد من الحرية المسؤولة ولا تعالج بالقمع والتضييق والإقصاء وعين الريبة.

الطائفية لا تعني نكران الوطن، والاعتزاز بالمذهب لا يعني محاربة الآخرين، فمحاولة تخويف الناس من هذه الأمور أشد خطرًا من من هذا التخويف لأنه يقوم على الظن والإفتراض المسبق. نحن نقول لدينا هذا التراث العظيم و لدينا هذا الفكر الرائع و لدينا هذه المفاهيم العميقة تعالوا نضيفها لما يملكه الباقون لصنع مفهوم جديد يستوعب الكل دون حاجة لاسكات طرف على حساب طرف آخر.

الشخص الذي لا يملك هوية تميزه هو شخص خاوي من الدخل و حين يريد أن يتحد مع آخر يملك هوية و يدافع عنها سيكون بمثابة توقيع وثيقة الاستسلام له لأن الممتلئ يستولي على الفارغ، الذي يملك شيئا سيغلب الذي لا يملك شيئًا. هذا النوع من الطرح يخلق «توحيدًا» قسري لا «وحدة» وطنية، وما يتم فرضه غالبًا يرفضه الإنسان ولو بعد حين لأنه مجبول على الحرية والاقتناع بالفكر لا بالاجبار على فكر.

وجود التنوع، و وجود هذه المكونات القائمة بذاتها هي التي تدفع لتطور المجتمعات و تقضي على الجمود فيها**.

أما الوطنية فهي أن أربط هذه الأرض و هذا الوطن بهؤلاء جميعا بأن أشعرهم بالإنتماء لها، بان أشعرهم بأنهم فيها وعلى أرضها يملكون ذواتهم، أنهم أحرار وأن لهم وطن يكفل حريتهم هذا ما سيجعلهم يقدسون هذه الأرض و يدافعون عنها ويجعلونها حجر الزاوية في اعتقادهم. الإنسان يقدس قيمة الحرية بصرف النظر عن تعبيره لها، ويعشق ما يشعره بهويته و أنه كيان متميز وليس مجرد رقم مطلوب منه أن يتنازل عن كل ما يمثله لخلق صورة وهمية عن المجتمع.

الوطنية هي أن أشعر الجميع بأنهم سواسيه في المعاملة، وأنّ الفارق بين المواطن و الآخر ليس هويته و ليس مذهبه وليس فكره أو أصله بل هي كفاءته، الكفاءة هي التي تحدد مقامه ودوره في المجتمع المدني وليس شيئ آخر، هكذا يُصنع التعايش، وهكذا يتم زراعة مفهوم الوطنية في نفوس الجميع، أما الشعارات عن «الوحدة» فهي وهمٌ لا يمكن للبشر أن يجعلوه مطبقًا يومًا ما.

« ..إن العودة إلى ثقافتي و الفقه الذي أنتهجه هي التي تمنحني شخصية إنسانية و تبدلني من محلي [أي إنسان عامي] إلى إنسان [بمعنى الكلمة] ومن همجي إلى متحضر، ومن مفتقر إلى صاحب ثقافة، و من مقلد إلى مبتكر، و إلى إنسان أصيل .. »***

ملاحظة: هذه مقالة قديمة لي، أعيد نشرها بعد إعادة صياغة بعض أجزائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*راجع:
نجحوا هم وفشلنا نحن

**راجع:
 البحث عن الوطنية I

البحث عن الوطنية II

*** علي شريعتي