14 يونيو، 2011

شخـصية الـدولة


الصورة مأخوذة من شارع الحمرا في بيروت - 2009

مع اشتداد حرب الشعارات في بيروت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري انتشر في ضواحي بيروت خصوصًا في الحمراء شعار «يا عمر» كرد فعل على ما حدث في ضواحي أخرى بانتشار شعار مقابل هو «يا علي» والذي من طريف الأمر أنّ أصحابه تم اتهامهم بالشرك بسبب هذا الشعار من قِبل أصحاب الشعار الأوّل! والأطرف منه أنّ أكثر المتحمسين لصبغ الشوارع بهذه الشعارات، كلاهما لا يعدو التزامه بالدين في الحقيقة هذه المظاهر والشعارات التي تفرقهم نهارًا قبل أن تجمعهم السهرات ليلاً! ومن شأن هذا تبيين أن الهوية المذهبية في لبنان هي حالة «انتساب» أكثر من كونها حالة «انتماء» حيث يتمحور الدين أو المذهب حول الشعار الدال عليه بغض النظر عن مدى مقبوليته الدينية أو توافقه مع الشريعة التي ينتمي إليها مُطلِقه.. بل يكفي كونه يدل على الإنتماء لفئة ما حتى لو لم يكن قائله مؤمنًا به.

هذه الازدواجية في التمسك الشديد بإظهار الانتساب المذهبي في نفس الوقت الذي تُهمل فيه شرائعه، يُظهر أن الدين تحول إلى حزبٍ أو قاعدة تمثّل هوية موازية للدولة ولا تندرج تحتها، وبدل أن تكون الدولة حوضًا حاضنًا للجميع باتت سهلاً منبسطًا أفردت الجميع. مُشَّكلةً بذلك ما يصح تسميته بـ«شخصية الدولة».

في دراسته للشخصية العراقية يقول الوردي أنّ الشخصية هي صفة للإنسان وحده. وعليه لا يمكن انتزاعها من الإنسان الكائن الحي الفريد من نوعه ومن ثمّ تعميمها على كيانات أخرى وإضفائها عليها. أثارت هذه النقطة جدالاً واسعًا قبل عدة سنوات في الولايات المتحدة حين حكمت المحكمة العُليا بأن الشركات الضخمة هي «شخصيات حقيقية» وبالتالي فإن لها الحق من هذا المنطلق في دعمها لمرشح على حساب آخر أو التداخل في الحملات الانتخابية، لكن سؤالاً طُرح هناك لا زال بلا إجابة: إذا كانت الشركات تعامل معاملة «الشخصية» فهل لها صوت في الانتخاب؟ أم أن لكل موظف فيها صوت؟ وكيف تكون الشركة شخصية واحدة في الدعم، وشخصيات متفرقة في التصويت؟. ولازال الجدال مستمرًا، وتدفق المال من الشركات أيضًا مستمرًا.

الخطأ يكمن في محاولة خلق مقاربة لشخصية الدولة انطلاقًا من شخصية الفرد، وحسابها بحساب النفس البشرية بطباعها وصفاتها، بينما هي شخصية جديدة منتزعة من مجموعة شخصيات الأفراد المكونة للدولة، شخصية تأخذ الخطوط العامة لهم وتعيد تشكيلها وفق روح تمثل الصفة الغالبة لأفرادها، ففي حين نصف شعبًا ما بالثقافة أو بالاجتهاد فإن هذه الصفة ليست لازمة لجميع الأفراد فيه، ولا يستوجب ذلك وجودها بصورة متساوية فيهم إنما هي صفة وجدت بفعل ما فرضته الدولة من أفعال فانصاع لها الشعب، فشخصية الدولة هي شخصية مركبة من عناصر مختلفة تنتج «عنصرًا جديدًا» وليست مخلوطة -بحسب التعبيرفي الكيمياء- وهي تُوّلد طبيعة وصفات تنتقل إلى الشعب وتُغرس في وجدانهم.

يؤكد "نويل سيمز" أنّ الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي يُنتج أكثر مما يستهلك. فالقانون والالتزام به تتصاعد أهميته طرديًا مع تصاعد مساهمة المجتمع في تمويل الدولة وتشغيلها لحفظ الحقوق وعدم بعث الإحساس بالظلم عند الناس، بينما يتم القفز على القانون وكسره مع تزايد ميل الدولة نحو «الريعية»، ففي الحالة الأولى هناك إحساس عام بأن الدولة كيان قائم على الأفراد ومن ثم فإن تغالبهم على بعضهم البعض يؤدي لانهيار هذا الكيان، بينما في الحالة الثانية يتعمق الإحساس بأن كيان الدولة قائم على مقدار ما تهبه لسكانها وهي هبة محدودة الزمن لذا يكثر التغالب بين الناس لتحصيل أكبر قدر ممكن منها.

هنالك خيط رفيع يفصل ما بين رفاهية الاثنين ولكن هناك فجوة كبيرة تفصل ما بين «شخصية الدولتين».

لم تعد دول العالم اليوم قائمة على عرق واحد أو دين واحد أو حتى انتماء فكري –أيدلوجي- واحد بل باتت كُلاًّ متنوعًا تحتوي بداخلها على طيف متعدد من المشارب والاتجاهات وكلما زاد التنوع زادت مساحة التقبل للآخرين وهذا التنوع مشروط بالانسجام بينما الإبقاء على التنوع بـ«خندقته» وهو تحويل الشعب إلى «كانتونات» مغلقة ومستقلة يؤدي إلى حالة انفصالية ترى في وجود الآخر تهديدًا لها.

إن طبيعة شخصية الدولة تتحدد بمدى قدرتها على خلق الإنسجام والتعايش بين عناصر مختلفة يجمعها إطار واحد يكفل لكل منها استقلاليتها بينما تعميق الإنفصالية يعني تحويلها إلى صراع بقاء بين هذه الطوائف المختلفة. يتجلى هذا الأمر بوضوح في اعتبار وصول أي فرد من الأقلية لمنصب حساس على أنه تهديد صريح للأكثرية، كما أن المساواة بالحقوق في مفهوم كل طائفة تعني المساواة بين أبنائها في الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المناصب أو الفوائد بينما المساواة مع الآخرين هي –بمفهومهم- انتقاص من مستحقاتهم.

يتم استرجاع الهويات المختلفة لا على أنها خصائص أو مميزات لأفرادها أو أنها استجابة لحوائج نفسانية أو عقلائية بل على أنها رابطة تجمع أبناء الفئة المختلفين وتضفي عليهم وحدة اسمية تجعلهم ككيان في مقابل الآخرين، فهي عودة للاستقواء بهم وهذا هو الدافع الوحيد للإيمان بهذه الهويّات واستحضارها الدائم واستخدامها كسلاح في الصراع على الاستحواذ على أكبر قدر من المكاسب.

إنّ الدولة كيانٌ مصطنع، وشخصيتها مصطنعة وعلى قدر ما تتشّكل من خلال انتزاع صفات شخصيتها من الأفراد فإنها تعيد صبغهم بها ولهذا فإنها لا تتناقض معهم بل تتجانس إلى حدِّ كبير وتدفعهم إلى التماهي معها. في المجتمع اللبناني كمثال سابق وهو ينطبق عندنا هنا بدرجة ما، فإنّ الواقع الاجتماعي والسياسي يدفع الفرد دفعًا نحو التمترس خلف هويته الاجتماعية أو العقائدية، فشخصية الدولة هناك شخصية مفككة تفرض على الداخل فيها التفكيك ولهذا بمجرد خروج الشخص منها إلى دولة أخرى فإنه يتطبع بطبائع شخصية الدولة الجديدة وتراه يتناسى التخندق الذي كان يمارسه في بلاده، وتتغير صفاته لتتجانس مع شخصية الدولة الجديدة.

الدول الفوضوية ليست منعدمة الشخصية إنما متذبذبة لا تحتوي على ثوابت عامة، لأنّ شعوبها لا تملك ما يُمكنّها من خلق هوية جامعة أو على الأقل تصدير صفاتٍ مميزة تكون كعلامة حضارية لها. وإذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة، وعليه يُحكم عليها بالانقراض*، لذا فإنّ شخصية الدولة التي يمكن استشفافها من الطبيعة التي تُجريها على سكانها هي التي تحدد قدرة هذه الدولة على البقاء والاستمرار فهي إما تكون ذات شخصية أصيلة تكون علامة مميزة في التاريخ البشري، وإما ذات شخصية مستعارة لا تختلف عن "المهرج" الذي يعيش هذه الشخصية أثناء وجوده داخل حلقة العرض فقط.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*عبدالله العروي، مفهوم الدولة.