24 أكتوبر، 2012

تأملات في سمات المجتمعات المرفهة

الطبيعة الإنسانية محيّرة، يمكن التنبؤ بأفعالها لكن نادرًا ما يمكن استباق رد الفعل على تلك الأفعال. تتكرر كثيرًا كلمة أنّ التاريخ يعيد نفسه، وبتأمل بسيط يمكنك أن ترى كيف أنّ هذه الجملة تحتوي مقدارًا كبيرًا من الصحّة وفي الاتجاه المعاكس سترى مقدارًا أكبر من الفشل في التعامل مع الأحداث المتكررة ممّا يجعلنا –كبشر– نكرر نفس الأخطاء. إنك ترى عشرات الثورات في التاريخ وتقف متسائلاً مستغربًا: كيف تكثّفت كل هذه العوامل وتجمعت ولم يرها ويستوعبها أصحابها؟ لكنّك في نفس اللحظة تنسى أنك ترى الصورة كاملة من موقف الشاهد لا من موقف الفاعل والمؤثر، بينما أولئك كانوا مشغولين بإحدى زواياها فلم يروا حقيقة الصورة إلا بعد دفعوا دفعًا لخارجها.

إنّ هذا التكرار حقيقة لا ينكرها إنسان بل وتجري على كل لسان لكن كما أنّ حفظ الحِكم لا يجعلك حكيمًا، كذلك تكرارها لا يجعلك بالضرورة عاملاً ومستوعبًا لها، ولعلّ هذا يعود في إحدى مسبباته إلى الشعور الذي لا يمكن تغافله في كل إنسان وهو الشعور بالنقص والمحدودية فهو يخوض كل يوم تحديًا جديدًا لانكار هذا الإحساس، وغالبًا ما يكون ذلك بالإدعاء، ليعطي لنفسه اثباتًا جديدًا في برهان الوجود، ويتعاظم هذا الإحساس ضمن علاقة طردية مع مستوى رفاهية الفرد، فكلما زادت رفاهيته كلما إزداد الشعور بالنقص والمحدودية لأنّ الغنى والرفاهية يقلّصان مجالات التحدّي المتاحة أمامه فلا يعود كذلك الكادح أو الفقير أو المسحوق الذي تشغله لقمة عيشه أو السقف الذي سيأويه ليلته عن التطلع إلى رفاهيّات المعيشة فما بالك برفاهيّات الأفكار ونُظمها.

دراسة المجتمعات المرفهة هي دراسة في الواقع لحالة انسانية مكبّرة، هي حالة ذلك الإنسان الذي يمتلك كل شيء ولكنه في ذات الوقت يتملكه الافتقاد لمعظم الأشياء، وليس الفقد هنا بمعنى عدم الحيازة إنما بمعنى عدم الإحساس بالقيمة. إن الأشياء تفقد قيمتها بمجرد الاعتياد عليها، وأحيانًا كثيرة بمجرد الشعور الوجداني بضمان الحصول عليها وإن لم يحزها ومن ثم يمكن تفسير الكثير من سلوكيات المجتمعات المرفهة بناءً على هذه القاعدة، غير أنّ هناك عوامل أخرى كثيرة متدافعة ومتشابكة تتقاطع معها مثل أصالة الشعوب وطروئها (المجتمعات المكونة من شعوب أصيلة والأخرى القائمة بناءً على تجمع الهجرات)، وكذلك المسار التاريخي الذي أدّى إلى إيجاد حالة الرفاهية، وهذان موضوعان يستحقان البحث كل على حدة.

المجتمعات المرفهة تظن أن رفاهيتها كفيلة بحصولها على كل ما تريد فتصبح المثاليات مقياسها لكل شيء وهي أبعد النّاس عنها سيّما إن كانت هذه الرفاهية ليست منتجة بقدر ما هي متولّدة بلا مجهود، فافتقاد السعي يؤدي إلى افتقاد الإحساس باستحقاق الملكية، وشعور عدم الاستحقاق هذا يتعاظم عند الطبقات المرفهة لشعورها بسهولة الحصول على ما تريد، ومن ثم يصبح الصراع في المجتمعات المرفهة مختزلاُ بالصراع على الماديات، الأموال والممتلكات تحديدًا. وكل القضايا الأخرى تندفع لأن تكون مؤطرة ضمن هذا الإطار، وتكتسب أهميتها بقدر اقترابها أو بُعدها منه، فهو صراع أناني ينطلق من أساس أن الثروة والرفاهية هي هبة السماء وهمُّ كل فئة أن تستحوذ على أكبر قدر منها قبل أن تزول لأنهم كمجتمع لا يملكون وسائل إدامة هذه الرفاهية.

تنتج الرفاهية «طبقات فراغية» في مجتمعها، تجعل جلّ همها ابتكار أعرافٍ ومظاهر مكلفة وصعبة وثقيلة على النفس حتى تميّز نفسها بأي وسيلة كانت عن الطبقات الأخرى. حين تكون الرفاهية المبالغ بها سمة المجتمع العامة، ويكون الدخل كبيرًا في مقابل الجهد المبذول، فإن قيمة العمل تتدنّى إلى الدرجات السفلى، وفي مجتمع ليس فيه عمّال، بمعنى الطبقة الكادحة العمالية فهو ليس بالمجتمع الزراعي ولا الصناعي، فإن الطبقات الاجتماعية لا تعود طبقات اقتصادية «بروليتاريا وبرجوازية وارستقراطية» إنما طائفية وعرقية وفئوية تحاول من خلال هذه الأمور إيجاد التمايز فيما بينها بعد أن تساوت الكثير من الرؤوس طبقيًا، وفي مجتمع يفتقر بوضعه الحالي للعمق التاريخي المنسجم يكون البحث عن شيء آخر يعوض عن هذا الإحساس بعدم القدرة على الانسجام فيتم اللجوء لتقسيمات أخرى يعايرون بها غيرهم ، تقسيمات قد تبدو سخيفة ولكنها موجودة للأسف لأنها الوحيدة المتوافرة والتي يمكن الجهر بها :هذا من القومية الفلانية والآخر من تلك القومية، وهذا من أبناء هذه المنطقة وذاك من تلك.. إلخ!

هناك طبقات اجتماعية ذات ملامح مميزة لكل منها، بدوية وحضرية ومذهبية وفئوية، في المجتمع المرفه، لكنها غير قادرة على الإندماج لأنها لا تشترك بشيء غير ثروات الأرض، فلا رسالة حضارية ولا انتاج ولا قوة، لذلك يتم الحديث عنها كمكونات منفصلة حين الحديث عن وحدة المجتمع، هي تعيش في كانتونات منفصلة لا يجمع أفرادها إلا المدارس أوالوزارات أومدرجات كرة القدم وفيما عدا ذلك تستمر الحياة منفصلة داخل كل كانتون، وإذا تنزّل فرد من طبقة لمشاركة أخرى يُنظر له من قِبل فئته بعين الريبة وكأنه ارتكب جريمة، بينما تتسابق وسائل الإعلام –وتبعًا لهم المتكسبون- لاعتباره نموذجًا للمواطنة والوحدة الوطنية ومحاولة «ترميزه»  في إشارة واضحة إلى ندرة هذه الحالات! ومجتمع بمثل هذه الصفات لا يمكن له أن يعيش ويستمر دون قضية يقتات عليها، قضية تعمل عمل المحفز الكيميائي (catalyst) حيث تساعد على اتحاد فئة مع أخرى في مقابل الثالثة مرحليًا، ليتم تصوير الأمر على أنه اتفاق وطني، فالفعل في هذا المجتمع ليس غايته تحقيق مصلحة إنما إيجاد زخم للتغلّب على رتابة الحياة ومن ثم إمكانية القول للآخرين: أنا موجود.

إن أهم شعور إنسانيّ هو الإحساس بالمظلومية، وهو – بخلاف أي عامل آخر – السبب الرئيسي الذي ينسب لأي ثورة وعادة ما يكون هو، والبحث عن "الكرامة" والتي هي للمناسبة لا تملك تعريفًا جامعًا متفقًا عليه إلى اليوم، شعارات أي ثورة تخرج، أو خرجت. لكنّ المظلومية لا تنشأ في المجتمعات المرفهة عادة من سلبها حقوقها إنما مردّها إلى الإحساس المتجذر بعدم الرغبة بمشاركة الرفاهية مع الآخرين، إنّ دعاوى المظلومية في هذه المجتمعات لا تقوم على المطالبة بالحقوق بقدر ما تقوم على التذمر من مشاركة الآخرين لهم بأموالهم، وهو أمر لا بدّ منه في اللعبة السياسية لكن النّاس لا يهتمون بحسابات السياسة الدوليّة فهم يعيشون بفقاعة تعزلهم اجتماعيًا عن باقي الشعوب وإن ارتبطوا معها برابطة فكرية أو تعاطفوا معها سياسيًا ومذهبيًا ويتبدّى هذا واضح بطريقة تعبير أفراد المجتمع عن باقي المجتمعات وعدم استحقاقهم لما "يمنّون" عليهم به من أموال، وأسهل طريقة لإثارة النّاس هي التركيز على هذه القضايا وتصوير الأمر على أنه تزاحم ما بين هذه الهبات وتوفير الخدمات التي كثيرًا ما يُستغل النقص فيها لخلق مادة للصراع  واستخدامها لإلقاء اللوم على طرف بدلاً من طرح الحلول لها والاعتراف بقصور المشاركة الذي أدّى لها، فزرع الشعور بالمظلومية عند الناس أعظم أثرًا من وقوعها عليهم.

الشعوب المرفهة غالبًا غير ناضجة فتجاربها لم تكتمل نظرًا لاختزال المراحل التطورية مع هبوط الرفاهية المفاجئة عليها، وحين يكون المجتمع منقسمًا على ذاته وفئاته فإنّ العقلية الفئوية هي عقلية عاطفية بالدرجة الأولى وهي عقلية لا تتساءل بقدر ما تتجاوب، ويغيب عقلها لكون رفاهيتها الماديّة، بزعم أفرادها، قادرة على صنع أي موقف وشراء واحتقار أي رأي ومن ثمّ لا حاجة لاتعاب العقل بالتفكير والتحليل فتتصور أن حلول مشاكلها هي بتوفير المال وتُهمِل توفير الخطط وكل ما تفعله هي أنها تسلّط مجهرها على ما تعانيه بحياتها اليومية، وحين يغيب العقل لا تعود هناك حاجة للبرهان، فالقضايا الكبرى التي تحرّك الشارع هي في الواقع قضايا هامشيّة ولا معنى لها عند الآخرين إنما تكتسب أهميتها في هذا المجتمع لكونها تعطي الذريعة لفئة لإقصاء الأخرى حتى لا تشاركها في "رفاهيتها" فتسجّل امتيازًا للفئة الأولى عليها، ومن هنا ينحصر دور السياسي غالبًا في إثارة الشارع وتزويده بالقضايا اليومية بدلاً من التشريع والمراقبة، ولا يحتاج لمهارات كثيرة حتى يقوم بهذا الدور.

افتقاد المهارة سمة أساسية في المجتمعات المرفهة، وحين تفتقد المهارة فإن الشخصية المميزة لا يعود لها وجود لذلك يتميّز المجتمع المرفه بالمحاكاة والتقليد، فقضاياه وشعاراته وأهدافه وتحركاته هي مجرّد محاكاة لواقع الشعوب الأخرى، وغالبًا ما تكون تقليدًا مطابقًا وليس مطورًا حتى في مطالباته عنها، فهو يثير الناس بما يمس حياتهم من سوء الخدمات ثم يستغلهم في تدعيم قضايا أخرى لا تتعلق بها إنما تتعلق بأهداف السياسي وتياره في الوصول إلى نسبة أكبر من التحكم بموارد السلطة. إنّ حال المجتمع المرفه في هذا الأمر كحال الطفل الذي يُعجب بشكل السيجارة في يد البالغين فيقلدها دون أن يعلم أن البالغين إنما أدمنوا عليها لحاجتهم الملّحة لما فيها لا لحبهم لها ورغبتهم بها، والإنشغال بالمحاكاة يجعل الذهن مشغولاً بأدق التفاصيل لتقليدها بينما لا يلتفت إلى القضية الكلية وهي أن كل ما يفعله هو مجرد صناعة للوهم لا صياغة للواقع.