1 يناير، 2013

عام المعاني

دمعة المرأة العجوز وهي تلامس أرضٍ احتوت شبّانٍ فقدتهم، والتجاعيد التي تحيط عين الجدٍّ وهو يبتسم في وجه أحفاده، وأصوات أولئك الأطفال وهي تعزف موسيقى في خلفية الحياة، وأحلام شباب يرسمونها على حيطان مدارسهم كلها تحكي عن أمنيات يزرعونها كل عامٍ في قلوبهم ويتأملون قطف ثمارها، ومع انتهاء السنة تفضل معظم تلك البذور الذبول بين طوايا القلب على أن تطل برأسها كشجرة فوق تراب الحياة.

ليس أكثر من الإنسان، من ينسج الآمال طوال حياته ليبقيها معلّقة على مشاجب الأيام، مركونة في الزوايا المظلمة يستدعيها كلما أراد أن يُري الآخرين قصة الحلم الذي لم يكتمل، وأحيانًا يحكي بها قصة الأمنية التي خاف أن يحققها لتهرب منه فحبسها في صدره. هو هكذا الإنسان، لشدّة توّلعه بأمانيّه يخاف أن يراها حقيقة فتضيع منه كل الاعتبارات التي يُلبسها لوجوده، ويبقى بعدها وحيدًا لا يدري كيف يصنّف وجوده. أليس العجب أن حالات الانتحار جرّاء الكآبة في السويد تسجل نسب مرتفعة رغم ارتفاع مستوى المعيشة ورفاهية الحياة؟ اكتفى الناس باتهام الليل الطويل الذي يتسرب بظلمته في شرايين الحياة فيحولها لثقوب سوداء أوّل ما تبتلعه هو صاحبها! قال لي صاحبي يومًا محاولاً شرح الحالة: {وَجَعَلْنَا اَللَّيْلَ سُبَاتًا} حين يطول الليل، يكثر السبات، فتتزاحم الأحلام، وتتوالد الأماني، تصطدم احداها بالأخرى، فلا تنتظم على دفتر الحياة، والإنسان بطبعه كلما رأى الفوضى آثر التذمر منها، فيتذمر ويتذمر حتى تصبح قضيته التخلص من هذا التذمر على ترتيب تلك الفوضى لينتهي به الأمر إما مكتفيًا بالتعايش مع تلك الفوضى وآثارها وإما أن يسحب نفسه من المساهمة فيها .. فينتحر! يضع حدًا لحياته، كما نرى، وما لا نراه هو أنه قرر أن يُلملم أمانيه وأحلامه ويأخذها ليزرعها معه في باطن الأرض لعلّها تنبت هناك بعد أن عجزت عن الإنبات في قلبه.

يمكن للإنسان أن يبرر كل أفعاله، سيئها وحسنها دون أن يرف له جفن. خذ هذا المثال: كنت أبحث في بعض كتبي يومًا فوجدت رسالة كتبها أحد الفلاسفة الإنجليز لصديق له يعمل بالتبشير يحثه فيها على عدم مجادلة الآخرين ووالدخول معهم في نقاشاتٍ عن الحق والباطل فما أن تصنف الأمور هكذا حتى تخسر بل حاورهم عن الراحة والتوتر، الروعة والعظمة، سكّن نفوسهم ثم ادفعهم في دائرة الحياة. كأنه كان يقول لصاحبه ليس هناك حق، ذهب الحق مع أولئك الذين كانوا يعتقدون بالوصول إليه أما في زمن صنع الحق بالقوة فاقنعهم بعظمة ما يفعلون! أ رأيت خداعًا للنفس أكثر من هذا؟ يقول لك بأن الحياة لا معنى لها إلا المعنى الذي تعطيه أنت لها هي كالماء ينتظر النكهة التي تصبها فيه، من تعجبه الكلمات الوهّاجة سينسى أنّ الماء بعد ذلك لا يعود ماءً ومن ثمّ لا يروي العطش وإن سكّنَهْ! مرّت على ذهني إلتفاتة «زِنْ» نحن نشرب الماء فلا نحس بلذته ولا نستمتع به لأننا نركز على "ازالة" العطش أكثر من "شرب" الماء ذاته، فتضيع لحظات من حياتنا دون أن نشعر بها، نستعجل اللّذة في "إشباع" الحاجة دون الإلتفات إلى أن اللذة في "قضاء" الحاجة، والفرق بين الشباع والقضاء هو الفرق بين الأخذ والعطاء، ما قاله ذلك الفيلسوف لا يختلف كثيرًا هنا، هو يريد أن يقول لا بد لك من دين فكن على مثل ديني لأنه يشبع حاجتك لا لأنه دين! أعطني كأس الماء الذي بيدك وخذ كأس عصير البرتقال .. إنّه يأخذ ما تملك به قوام الحياة ويعطيك ما يبقي عودك قائمًا. ومن قال بأنه لا بدّ من نكهة للماء؟ ولابدّ للحياة من طعم؟ قد يكون طعمها أنها «بلا طعم» لتختبرك في اختياراتك، أليست هي دار الابتلاء والاختبار؟ حمّالة الهمّ وصانعة الغمّ؟

أليس غريبًا أن الأماني معظم ما وردت في القرآن الكريم كانت في محل الذم؟ والقرآن لا يذم إلا ما يُبعد هذا الغافل عن الحق؟ يحكى أنّ فارسًا بخيلائه كان يمشي في غابة فمرّ على بحيرة وحين أراد عبورها توقف الجواد ورفض، انهالت السياط على ظهره وجنبه حتى عجز جبروت الفارس أن يفرض الحركة على الجواد فرآه عابرٌ رثّ الثياب، شعث الشعر فأخذ حفنة من تراب الأرض ورماها في الماء أمام الجواد فتحرّك، تعجب الفارس وسأل هذا العابر: كيف فعلت ذلك؟ فأجابه: إنّ الجواد رآى انعكاس صورته على الماء فمنعه غروره أنّ يدوس صورته ولو كلّفه ذلك فقدان رقبته.

{وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، طوّر الإنسان الأماني كي ينسج غروره، غرور البقاء والسعي نحو الخلود، وغرور تحقيق المعجزات، وغرور عظمة الذات، تارة يتمنى الحياة لغيره وهو الذي لم يوهبها لروحه، وتارة يطلب الكمال لغيره وهو الناقص في ذاته وأخرى يتمنى بقاء خيلائه ولو كذبًا على نفسه ولا تخرج أمانيه عن تلك الدائرة فهو يهرب من «المعاني» إلى «الأماني» التي صنعها هو في قبال الأولى. رأيت اليوم شخصًا كان يكتب ويشتكي من تفاهة الحياة ومن ضآلة وجوده فيها ومن الشغف الكبير بها عند النّاس الذين تصرعهم الصرعات وتقودهم "الهبّات"، سألته: لمَ تكتب شكاويك؟ فاكتشفت أن «أمنية» بإيضاح حقيقة الحياة للنّاس هي من تحركه! الأمنية تصنع ارتباطًا خفيّا من الصعب فكّه بمجالها وتوهم صاحبها بحقائق لا تملك واقعيات، إنه على الرغم من كل ما يقوله عن الحياة ليس على استعداد لترك أي لذّة فيها بل له الاستعداد لأن يترك «بديهيات الإنسانية» لكي يبقى فيها ويكمل رسالته في كشف الوجه الحقيقي للحياة! وهذا هو الفرق بين صاحب الرسالة وبين مدّعي الرسالة، فصاحب الرسالة صاحب معنى لا يتمنى لأنه مذكّر وليس بمسيطر، ومدّعي الرسالة يتصوّر أنه الموّكل ببثها وهو الأعلى والنّاس الأدنى ويتمنى أن يعوا ذلك!

النّاس بأمانيهم يريدون حياة غيرهم، ليجعلوها امتدادًا لحياتهم وسرّ ذلك حبهم للبقاء. في رأس كل سنة، وفي صبيحة كل عيد، وباقتراب كل مناسبة تكثر الأماني فلا تكاد تسمع سواها، إنهم يهربون من «اللحظة» بواسطتها لأن التوقف عند اللحظة توقظ الأسئلة الغافية في الإنسان، والأسئلة كلها تدور عن المعاني، معنى الحياة، ومعنى الوجود، ومعنى القيمة، ومعنى الإنسان. أسئلة ملّحة تثيرها غريزة حب الفهم عنده، ولو ترك وذاته لأراد تفسير كل شيء بفهم من عنده، لذلك كان «للحقيقة» وجود، فما وُضع السؤال فيه رغمًا عنه إلا ليذكره بالبحث عنها.

لقد قررت التوقف عن صناعة الأماني منذ وعيت أنّ المعاني بعكسها لا نصنعها إنما نطلبها لأننا أعجز من صنع ذاتنا، فكيف وُضعت فيها تلك الأسئلة؟، وبدأت بالبحث عن المعاني لأن من وضع هذه الغريزة فينا أراد لنا أن نختبر أنفسنا، هل ننساق خلف أصنام التمر التي نصنعها لنأكلها أم نستمع لنداء الحقيقة التي ندفنها؟ وقد ورد عن الصادق عليه السلام «.. اطلُب أوَّلًا في نَفسِكَ حَقيقَةَ العُبودِيَّةِ، واطلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِهِ واستَفهِمِ اللهَ يُفهِمكَ».