‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد العرفان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد العرفان. إظهار كافة الرسائل

27 مارس 2013

حكايا منتصف الليل


لم يكن اختيار الليل، كرمزية يستعملها كل متحدث عن الإنسان، اعتباطيًا، ففي الأدب والرواية والقصة وحتى الفلسفة والسير والسلوك وصولاً إلى العلم ونظرياته كلها ارتبطت درجات الوصول إليها بالليل، ولعل ظلامه الذي يعمي الأبصار عن رؤية كل شيء ما عدا ما يتكاثر داخل الذهن هو السبب، فإنك تحتاج للنور لتبصر ما حولك لكنك لا تحتاج إلا لذهنٍ لتبصر ما فيك، وسبحان من جعل التبصرة في عوالم الداخل للحظة كاشفة عن عوالم الخارج لدهور، كما تأمل "نيوتن" مع نفسه لثوانٍ فقفز بالعلوم لقرونٍ.

 إننا في النهارات نعيش مع الناس وللناس، نقول ما يقولون، ونفعل ما يريدون وتجبرنا بنوك الخدمات على أن نستهلك طاقاتنا فيها حتى نصل إلى الليل لنعيش مع أنفسنا التي توارت خلف جبالٍ من هموم كسب المعيشة قليلاً، والأسف كل الأسف حين نفرط بهذه اللحظات لأجل الاستعداد من أجل استقبال الآخرين في صباح اليوم التالي، وليس ذلك من العجب فإن الفرص التي يضيعها الإنسان أكثر من تلك التي يتحدث عنها والتي هي في الواقع أكثر من التي اقتنصها، إن حياة معظم الناس ليست سوى تراكمٌ للضياعات، في العمر والفرص والأهداف والغايات وما شئت فقل! نادرًا ما نلتفت إلى كمية الهدر الممارسة في حياتنا لأن سعينا خلف ما لا حاجة لنا به يفوق سعينا لما نحتاجه، فنهمل على حساب ذلك ذواتنا وأفكارنا.


قال لي أحد السائرين على درب السلوك مرة أن العارف لا يصيبه الأرق أبدًا، فالأرق نتيجة التفكير بالخواطر التي تفترس الذهن ليلاً، والعارف لا يستسلم لخواطره بل يتحكم بها، فإن أوقف ذهنه عنها هرب الأرق منه. لعلّه على حق ولكن جمال الأفكار بعفويتها وبكونها تبدأ من زاوية في أقصى اليمين لتجد نفسك في وسط بحر متلاطم يموج بك منها ينقلك من عالم محدود إلى فضاء رحب ترى العالم الواقعي منه على هيئته الحقيقية: كأنه عجلة موضوعة في قفص سنجاب لتعطيه إيحاءً بأنه يركض في البراري الواسعة لا في صندوق ضيق ومظلم!

والحقيقة ثقيلة على النفس دائمًا لا يرغب بحملها إلا من تعوّد عليها أمّا من يكتفي بالتحدث عنها فهو غالبًا يحبها كما يريدها هو، لا كما هي، لذلك لا ينفك عن إيجاد المبررات لنفسه لقبوله بأن يكون مجرد قطعة مؤقتة في هذه الدنيا ينشغل بمشاغلها ويكتفي بهمومها و{إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} فرضي بأن يجعل من ذاته آلة يستهلكها الزمن فتنتهي في مكب الخردوات بدلاً من أن يكون إنسانًا يُوّلدُ الزمن لينتهي في عالمٍ أسمى وأرفع.

 إن الليل بستائره التي يسدلها حولنا يحاول أن يعيد هذه الحقيقة إلى أذهاننا، وهي أننا بعيدًا عن  كل الملهيات والمشاغل نقبع في زاوية صغيرة من كونٍ واسع لا نرى فيه إلا أسئلة تبعثها الدهشة، وإن سحر الليل ليس سوى هدوئه الذي يصم آذاننا عن ضجيج الناس فنلتفت لما بداخلنا فنعيد إحياء أسمى معاني الإنسانية فينا وهي العقل، والسؤال، والحوار.

  •   رموز الشعر

قال لي ذات ليلة، بما تفسر هذا الهوس بشعر "فلان" رغم ركاكته؟

قلت له: رموزه الأنثوية. القهوة والليل والعشق والوحدة رموز أنثوية تحاكي مخاوف المرأة من الأرق والظلام وهيجان المشاعر والوحشة، أما الرموز الذكورية فهي تخاطب مخاوفهم المستمرة من العزلة والهجرة والقوة واللقمة وهي رموز سوقها مستتر، يصفق لها الرجال ويحبون شعرائها -القلّة- لكنهم يخجلون من ممارسة فعل التعبير عن ذلك حتى لا يتهموا بوجودهم، فأن يرى الناس شخصًا يخشى الأرق أو الوحشة أهون عنده من أن يُرى شخصًا يدعي القوة وهو يبحث في هامش الحياة عن لُقمة!
.. إن المرأة لا تمانع أن تكشف عن كوامنها لأنها سلاحها الذي تَصطاد به بينما الرجل يخشى ذلك لأنه السلاح الذي يصرعه!
  •   الخضوع

قلت له ذات ليلة: إن أغلب سعي الإنسان هو للبحث عن شيء يخضع له، إن طبيعته أنه لا يملك استقلالية ليشعر بالفقر الذاتي دائمًا ويبقى مندهشًا ومُنشَدِهًا لهذا الوجود يبحث عن الكمال فيه لكنه بمجرد ما أن يصل لأول الخيط يغتر بنفسه فيضيع، إن مثل الإنسان في هذا الأمر مثل الفراشة انجذابها الدائم للنور أحيانًا يجعلها تحرق نفسها حين تقترب من النار أكثر من اللازم.
 قيمة الإنسان بما يخضع له، فالخضوع أمر طبيعي لفكرة أو تيار أو جماعة أو ما يُسمى بالعقل والعلم وهو هوىً ورغبة وأعلى درجات الخضوع هو الخضوع للإنسان الآخر حتى ذاك الذي يدعي الإلحاد ويؤمن بالعلم يخضع لما يظنهم علماء، إن محاربة طبيعة الإنسان الفطرية هذه هي التي تقود إلى الشعور بعبثية الحياة، وما عظمة هذه الرسالة الإلهية إلا لأنها ربطت الخضوع بالكمال وجعلته الغاية، فالحب والبغض والفرح والجزع على الكمل هو انجذاب لهم، بينما أولئك ربطوا الخضوع بالحياة واختاروا "الإنتخاب الطبيعي" فصارت حتى أفعالهم القلبية عاريّة من كل قلب، تهيم في أودية التخبط تحمل أسئلتها على كفيها ولا مُعطٍ لها من جواب!
  •   العدالة

تعتقد أن الحياة عادلة؟
سؤال مباغت في منتصف الليل. فكان الجواب: العدل صفة الفعل، والحياة ليس لها أفعال إنما هي أفعالنا غير العادلة والحياة هي مجهر يكبّر الصورة لنراها بوضوح، إنّ الحياة لا تعطي لأحد شيئًا ولا تأخذ منه، الحياة هي كسكة القطار مسارٌ نمشي عليه وينتهي بالموت، أما العربة التي تسير بنا على هذا المسار فهي استعداداتنا وقابلياتنا وامكانياتنا وهي أشياء تصنعها أيدينا في كل عوالمنا من عالم الذّر والوجود إلى عالم النيّات والخواطر.
  •   بساطة الوجود

البساطة شيء نفتقده في رؤيتنا. قال لي كيف؟
قلت له: وجودنا، إننا نحاول الهرب من حقيقة أننا موجودون بأن نفلسف الوجود ثم نبدأ باستذكار المعاناة والفقر والفساد والحقيقة هي أننا موجودون وهذا يكفي، والمعاناة والفقر والفساد لا يمكن لها أن تختفي لأننا بحكم أننا موجودون بدار اختبار فهذه الأمور من شأن هذا الاختبار، وجوداتنا مثل أسئلة أكمل الفراغ، دائمًا فيها نقص كي يصبح ذلك دافعًا نحو التكامل والنجاح لكن الكثير منّا يفضل أن يعيش مع الأسئلة أو يستأنس بالفراغ كانسًا إيّاه تحت سجادة مشاغل الحياة، أو عدم الاهتمام، فتظل هذه الأمور تتفاقم وتستمر، إنه من المضحك حقًا كيف أنّ معظم النّاس يسأل عن أفضل مطعم أو مسرح أو فيلم لكنه يتهرب من السؤال عن السبب الذي يجعله دائمًا ما يسأل ويبحث عن "الأفضل" ولماذا؟
  •   تسلية الموت

في آخر عمره سألوا مسكويه عن الموت، فكتب رسالة صغيرة عنه وأنه أمر لا خوف منه.
كلما نبغ واحد أتى النّاس وأوّل ما سألوه عن الموت، فعلت ذلك، وسألت أحدهم مرة عنه فقال لي: نحن خلقنا لنموت.
في العقل شيئان ظنٌّ ويقين، إننا متيقنون من الموت لكننا نظن أننا سنعيش أكثر من معاصرينا، فنغلّب الظن على اليقين، أرأيت استهزاءً بالعقل أكثر من هذا؟ هاجس الموت الذي يحوم فوق رأس كل إنسان يجعله دائم البحث عن أسباب الحياة لكنه لا يتوقف لحظة ليتساءل لماذا يريد الحياة؟ والواقع أننا نريد لكن كيف ولماذا فهي أسئلة أخرى تنضم لقافلة الأسئلة الضائعة في صحراء التيه.

*   *   *

قال سعدي شيرازي في غزلياته: هذا الإنسان إذا وصل لمكان لا يرى الله فيه كيف سيحسّ بآدميته؟
إنّ حوارات الليل لا تنتهي لكنها ما دامت لم تصل لمكانٍ ليس فيه الله - سبحانه - فإنها ستظل نعمة تزيح التعب عن كاهل الإنسان .. وهي نعمة لا نوفيها ما تستحق من الشكر. 

27 مايو 2012

[||] حين يحدثني الحلم


* * *

الأحلام لا تعترف بزمانٍ ولا مكان، قد يكون الحلم في الواقع لا يتعدى أجزاء الثانية لكن الحالم يستصحب شعوره به لأزمانٍ متوالية. هناك لحظات في الحياة تمر سريعًا كأحداث، لكنها كحديث لا تفارق لسان الإنسان على مدى الدهر، ولعلّ ذلك لأنّ الكلمات بزخمها وحروفها غير قادرة على أن تصف تلك اللحظات بدقة فتستمر الكلمات بالتوالد والتكاثر لأنها لا ترتاح للمعاني التي تنتجها التعبيرات المختلفة والصياغات المتنوعة في رسم تلك المشاهد.
إنّ الحلم يغنيك عمّا في أيدي النّاس، «وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس»[1] ألا ترى أن الناس يتناقلون بشوقٍ ولهفة قصص الحالمين، ويصبون اللعنات على الطامحين؟ يعشقون من يخرجهم من دائرة الواقع، ويكرهون من ينافسهم في الاستحواذ على ما في الواقع؟
أحيانًا، أن تمدّ حلمك لأيام وأشهر، خير من أن تعيش الواقع لثوانٍ وأنت تنظر، فالحلم ليس فقط ما يراه النائم في نومه، في بعض الأحيان، هو ما يراه المبصر فيما وراء وعيه وإدراكه. وليس الحلم هو الحالة التي يعيشها الإنسان بل الحالة التي يفهم بها الأشياء.
كان الحلم يحدثني قبل أشهر، على تعدد شخصياته، وحديثهم لا يزال مستمرًا.

(1)

أقف أمام قبر مندرس في الطريق، تحته كان في يوم من الأيام إنسان حمل آماله وطموحاته ورؤاه فوق رأسه، فاستبدلتها الحياة بتراب غطّى وجهه، مفارقة جعلتني أتأمّل هذا القبر كيف أنه يختصر عليك فهم الواقع: نحن نشكل جزءًا، بل نقطة، إن لم يكن أصغر في هذه الأرض القابعة في أقصى زاوية من الكون الفسيح، ومع هذا نعيش معه إنطلاقًا من أنفسنا، نرى الأشياء بمنظورنا، ونفسّر الأحداث بأهوائنا، ونتصادم مع الناس لأنهم تعدوّا على ممتلكاتنا، ولا نتساءل يومًا: كيف لنا أن نبذل هذه النفس المتضخمة لأجل ممتلكات لا تمثل في هذا الكون إلا ما تمثله الذرة للجبل، ولربما أصغر؟
غريب كيف يُفني الإنسان هذه الأنا المتضخمة التي تتصور أنها وسعت كل شيء لأجل هوامش متصاغرة في هذا الكون حين المقارنة هي لا شيء!

(2)

على أبواب البيوت العتيقة تشاهد وجوهًا استبدلت ملامحها بقصص تختزل في تجاعيدها غِصَص البشرية بأكملها.
كل أثر، وندبة، وتجعيدة هي سطرٌ خطته الحياة على صفحات الوجوه، وكلما زادت سنين الحياة زادت أسطرها، وكأنها تتحدّى اندفاعنا نحوها بتسجيل انتصاراتها على جباهنا!
تتساءل: كم حلمٍ تحمله جفون هؤلاء؟ ثم تعجز عن الإجابة حين تتذكر أنّك مثلهم، وأن عقلك الذي تظنه قادرًا على إجابة كل شيء في الحقيقة لا يكشف لك الأشياء بقدر ما يهيؤك لتجرّع الغصّة[2] من عدم قدرته على إجابة أسئلة الحياة.

(3)

لا بدّ للشمس من مغيب، ورغم هذا ننذهل من كل صورة ترسم لنا مشهد الغروب، ونقف أمامها وقوفنا بالحضرة، خاشعين صامتين .. متأملين.
شيئان رغم تكرارهما لا نمل منهما: الغروب والشروق.
هما يحاكيان طبيعة هذه النفس البشرية، الرغبة والألم، الغروب هو الألم أكثر ما يؤثر في الإنسان، والشروق هو الرغبة التي تغيّر فيه.. كثيرًا ما نصطنع الألم للآخرين ونظن أننا نعلمهم بينما نحن نُصلّبهم على ما هم عليه، وكثيرًا ما نختلق الرغبات عندهم لعلنا نستميلهم وننسى أنّ التغيير بذرة يضعها الله فيمن حرث نفسه واستعدّ لإنباتها {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
كنت أحدث نفسي بذلك، وأنا أرى طوفانًا بشريًا يعيش بجانب شمس لا تغيب، ولا يتغيّر، قد تتعب نفسك في مصارعة الأذهان ومقاومة الأفهام وتتصور نفسك قادرًا بالحجة والبرهان على الإقناع لكنك تنسى أن الأمر ليس بالحجة والبرهان بقدر ما هو قبول بهما، إن الألم والرغبة شيئان ينبعان من داخل النفس ولا يصنعان خارجها، وكل محاولة لذلك هي حجاب نضيفه على الحجب الموجودة، تأملت ذلك حتى عدت للمنزل فوقعت عيني على: «يا ابن النعمان: إن الله جل وعز إذا أراد بعبدٍ خيرًا نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب يطلب الحق، ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره»[3]

 (4)

«ويح ابن آدم ما أغفله، وعن رُشده ما أذهله»
- الإمام علي عليه السلام

روائح الجص والطين، وعطور الغادين والرائحين، سيرة الماضين وأنفاس المستقبلين، كلها تجتمع في أزقة ضيقة تلتوي كبطون الحيّات بعد أن تشويها حرارة الشمس، قال لي: الأوضاع ليست على ما يرام، قبل أسبوع كان هناك صدام مسلح ولا تزال الأمور متوترة.
ومضينا صامتين نخترق تلك البطون قاصدين مطلبنا .. وتلفتني بالطريق تلك الوجوه المستعدة وأصابعها على الزناد تنتظر استقبال رصاصة أو إطلاق أخرى، تحمل أرواحها يوميًا على أكتافها لتبيعها بسوق سقفه طمع الإنسان وأرضه خوفه.
لا جديد، يعيش الناس مع الخوف منذ ولادتهم حتى يعتادون عليه فإذا زال الخوف من حولهم خافوا من أنفسهم، وطالما وجد إنسان في مكان فإن التوتر والخشية يوجدان معه، إنهما يشغلان الإنسان ويعطيانه الغفلة؛ فإما أن تتعب نفسك بهما وإما أن تتعب غيرك فيهما وهذا هو الكدح {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} .. أن تغافل الغفلة، وأكثر ما نتصوره حياة .. هو غفلةٌ تُغافِلُنا!

(5)

لقـد قلتُ: أي عذر سـوف أقـوله للملك؟
الملك نفسه قد جاء حاملاً بيده العذر لنا[4]

على بابه نظر إليّ، وأخبرني أنني حضرت قبل عام مع أناس آخرين غير الذين أقف معهم، ليست هناك علامة مميزة ولا إشارة منبثقة تميزني، قد تتفاجأ في بعض الأحيان من شدة التشابه بين البشر على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأصولهم حتى لا تعود قادرًا على تمييز نفسك من بينهم، جدًا أدهشني الأمر، أثار فيّ تساؤلات عن قدرات هذا الإنسان الكامنة كيف أنه استطاع التمييز من بين هذه الجموع التي تمر أمامه يوميًا، مدّ يده في جيبه، أخرج ورقة صغيرة مطوية فيها ذرّات من التراب ودسها بيدي، لم أعلم كيف أشكره، ثم علمت أنه لا يحتاج للشكر فاستئناسه بالناس يكفيه، ألا ترى أنك تنشغل مع ما تحب وتنفر مما تكره حتى يشتبه عليك، هكذا هو أحب الناس والحب قيمة ثمينة لا تُشترى، وحين تتعامل مع الثمين بقَدَرِه يغنيك هو بثمنه.

(6)

إذا كان الكأس جميلٌ صُنعهُ
فلـمَ يشوهـه الرجـلُ بثـمـله؟[5]

قد تضفي أنت القيمة على الأشياء تارة، وتارة أخرى تكتسب الأشياء قيمتها من ندرتها، في كل الأحوال يتطلب الأمر أن توجد هذه الأشياء قبل أن تأخذ قيمتها، ولكن قليل جدًا من الأشياء ما توضع قيمته قبل وجوده، ومعرفته.
إنّ سجل الخلود يحتوي الأضداد، ولا يسجل في صفحاته طرفًا واحدًا فقط، إنه كما يسجل القديسين في صدر أوراقه، يسجل على هوامشها الطغاة والمجرمين، ليس الأمر عبثًا إنما غاية الاختبار هي أن ترى الطريقين {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} لتختار من بينهما، وقبل ذلك أن تعرف قيمة ما تختاره، بل أعتقد أن الاختبار الأكبر هو في معرفة القيمة بحقيقتها، فما فائدة اختيار طريق لا تعرف قيمته؟
«هذه الحياة هي موتُ مرتقب في كل لحظة»، هكذا قرأت مرة في أحد الكتب، ما يعني أنك في كل لحظة في موضع اختبار لأي خانة ستضع نفسك فيها؟
مودعًا له، أقرأ: اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا دينَ اللهِ الْقَويمَ، وَصِراطَهُ الْمُسْتَقيمَ.
وأتذكر كلمته لكميل بعد جملة من الوصايا أوصاه إيّاها: «أطفئ السراج فقد طلع الصبح»
فما قيمة ضوء السراج أمام ضوء الشمس .. لقد بان الصبح لذي عينين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقتطف من رواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله هي(.. إرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) مشكاة الأنوار للطبرسي، 207.
[2] سئل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: ما العقل؟ قال: التجرُّع للغُصة، ومداهنة الاعداء، ومداراة الأصدقاء.
[3] من وصية الإمام الصادق عليه السلام لأبي جعفر بن النعمان المعروف بـ مؤمن الطاق.
[4] تعريب بيت لجلال الدين الرومي
[5] تعريب بيت من رباعيات عمر الخيّام

29 فبراير 2012

[I] حين يحدثني الحلم


كانت الأيام المنصرمة بمثابة الحلم، وإن كان البعض يعتبر الأحلام هي تعابير مصورة عن الرغبات الداخلية المكبوتة فإنني على يقين بأن الحلم هو انكشاف للإنسان في هذا العالم على نفسه في العوالم الأخرى، ولكن لأننا حشرنا أنفسنا في زاوية الظواهر من هذا العالم غابت عن أعيننا لغة الباطن، فاعتبرنا رموزها وحروفها طلاسم أدّت بنا بالنهاية إلى تفسيرها وتأويلها بالظواهر والرغبات التي لم نعد نفهم سواها!، وَرّد في الرواية عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: «ما من شيء تراه عينك إلا وفيه موعظة»، وكما أنّ هذه الجارحة التي نرى فيها الموجودات عين، فإن تلك الباصرة داخل النفس التي نحس بها بالوجودات هي عينٌ، كذلك، وكلاهما مختصان بعالم يصل ما بينهما الحلم، وبقدر فهمك لما تراه، بقدر ما تكون رسالة العوالم، لعالمك، واضحة.
وما أكثر العبر، وأقل الاعتبار.
(1)

قبل سنتين تقريبًا كان أحد الأفاضل من العلماء يتجاذب أطراف الحديث معنا، ومن باب (اللطيفة) بتعبير طلبة العلم أخبرنا عن زيارته لأحد العلماء العاملين المحققين، تجاوز أو قارب التسعين من عمره، فسأله: سيدنا، كيف أحوالكم؟ فكان جوابه: إنني زرع ينتظر قطافه!
كانت هذه الطرفة، في نفسي، أشدّ من الموعظة، كيف لإنسان أن ينتظر ما يهرب منه الآخرون؟
كان أملي أن أصل لإجابة، وحلمي أن أراه.
حدث ذلك، لم تفصلني عنه سوى أمتار قليلة، وعن دجاجاته وديكه في ردهة بيته المتواضع ستارة خفيفة، بقيت لدقائق استمع لأحد بحوثه، وما أن انتهى، برزت حروف الرسالة من حلمي: لو جمعت ألف عقل، فإنك لن تهرب من حقيقة واحدة: أنها ستفنى في يوم من الأيام، لكنك لو زرعت ألف عقل، فإن كل ثمرة تقطفها من هذه العقول ستحمل في بطنها بذور آلاف العقول الأخرى، إنّ الزرع يستمر باستمرار قطف ثماره، ويموت بتركها.

(2)

بجانبه جلست، أتى أحدهم يناجيه بالسر، لم أسمع شيئًا، لكنني حلمت بالسؤال، فسمعت جوابه، لمن أسرّه الحديث: تفاءلوا بالخير تجدوه، التفاؤل ليس بمجرد القول والإعتقاد، تفاءلوا يعني أن تراه، ليس بقلبك فقط ولكن أمام عينك أيضًا، وإذا آمنت بالله فعلاً، فإنك لن تجد إلا خيرًا.
قلت في نفسي: والشرور؟ الآلام؟ المصاعب؟
طفقت أتصفح الوجوه لعلّي أرى تساؤلي على لسان أحد آخر، فسمعت شبه تساؤل على كلامه ابتدأ بـ: ولكن ....
ابتسم كعادته حين  يسمع اعتراضًا مرّ جوابه في ثنايا حديثه، فتذكرت: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ»

(3)

«قل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك»
- الإمام الكاظم عليه السلام
قبل أن نتشرف بالدخول عليه، كنت قد أخبرت بعض الأصدقاء عمّا قاله لي في زيارتي الأخيرة له: «لا تكذب».
لماذا يصر الإنسان على تكرار بعض الكلمات؟
هذه المرة أيضًا، ضمن حديثه، أعاد ذكر هذه التوصية وشدّد عليها.
بعدها، ابتسم بعض الأصدقاء من تكرار هذه الوصية، آخرون انشغلوا بالنزاع في مراد باقي كلامه، وانشغل خلدي بمغزى هذه الكلمة وسبب تكرارها دائمًا، كان حلمي دائمًا أن أقرأ ما وراء حروف الكلمات، ليس الحلم ما تراه في نومك حين تتجرد روحك من ثوب البدن الثقيل بل الحلم هو كل ما تعجز أن تصل لمعناه كما هو، بدلاً من أن «تكذب» على نفسك بربطه بما تعرف معناه، خذ الحقيقة كما هي، لا تكذب، أي اصبر على ألم الحقيقة، لأن الصبر وحده يحول الألم إلى كنز.
كان بوصيته التي دائمًا ما يكررها يريد أن يرشدنا إلى طريقة الوصول إلى الكنز الذي نضيعه حين ننشغل في طريق الحياة، عن الحياة.

 (4)

أمر على المقابر والقبور، أرى بعضها يضفي الوحشة على ظلمة الليل، وبعضها يأنس الليل لأن موعده أتى ليحيطها.
هل تساءلت يومًا: لماذا لا تخاف من هذا الإنسان الحي، مصدر الشرور والخطر لمن حوله، حين تنفرد معه، بينما يغمرك الخوف حين تنفرد بجثة هامدة لا حياة بها؟
حلمت مرة بالإجابة، لكنني ركزت على الباب، ونسيت المفتاح، وما تنساه في الحياة ينساك،  ولأننا نركز على تجاوز الحياة أكثر من سبرها، نتعطش دائمًا لسفك الدم، والميّت لا دم له فلا يروي عطشنا لذلك نخاف منه، ونأنس بالحي الذي يذهب الظمأ عنّا بدمه.
إن الإنسان يخاف ممن يستغني عنه، أكثر ممن يحتاجه، لذلك يحارب الأنبياء والأولياء فهم مستغنون عنه، ويمّجد بالطغاة والبغاة لأنهم يحتاجونه.
وقفت أمام باب المدخل الأيمن لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام فوجدت مقولته محفورة على أعلاه: قيمة كل إمرئ ما يحسنه.
أحسن الحياة، تحسن الموت.

(5)

أسرّني، بأن كل ما فعلته شاهده بحلمه، بل إنّ حضوره كان بسبب حلم رآه.
كانت لحظة، هي بذاتها، كالحلم، قرر فيها أن يوجه فيها مفتاح الصمت لقفل القلب.
يملك الصمت القدرة على أن يخترق العوالم، وبعكس الضجيج، فإن اختراقه يبعث الراحة والطمأنينة، وإن كان – كما في الإنجيل – في البدأ كانت الكلمة، فإن ما بعد أي كلمة هو الصمت الذي يفصل ما بين الكلمات ليعطي كلاً منها المعنى، تخيّل لو كانت الكلمات متصلة بلا صمت بينها ما سيكون حالنا حين نسمعها؟
أخبرني بهاتين الجملتين، وصمت، حاولت أن استخرج المزيد منه فاكتفى بالصمت والابتسام.
"في هذه الدنيا أي راحة يحصل عليها ذلك المرء الذي يتخذ له فراشًا من الشوك؟"
 جعلتُ من الصمت شوكًا سلب راحتي، ومنعني من الحلم، إن الأحلام تهرب من الشوك لأنها أرق وألطف من أن تكون قرينة التعب والضنك، فالأحلام تزور من يصمت حين يَسْكُن وينام، ولا تزور اليقظ لكثرة كلامه، كان يريد أن يريني أننا قادرون على رؤية كل شيء، وأي شيء، وما نحتاجه هو «أذُنٌ واعِيَةٌ» تترقب الصمت لتقتنص الفائدة، ولا تترقب الكلمة لأن ذلك يُعوّج المفتاح، وإذا انعوج المفتاح لم يُفتح القفل. 

.. ولا يزال حديث الأحلام مستمرًا


(اضغط هنا لقراءة حين يحدثني الحلم، الجزء الثاني)

4 سبتمبر 2011

الـسـؤال

كل يوم في حياتي يعني المزيد من الأسئلة، عنّي وعمّا حولي. طبيعة الحياة أنها مليئة بالتساؤلات ونكهتها تأتي من الغموض الذي تقود إليه هذه الأسئلة، تخيّل رواية بوليسية كُتبت على نسق الأخبار في الصفحات الوسطى من الجريدة، أسلوب إنشائي يكتفي بالوصف وصولاً للنتيجة، من سيقرأها؟

مهما كانت مبدعة في محتواها فإن خلوها من الأسئلة يعني أنها لم تكتب للأذهان بل كتبت للأسماع، شيءٌ نمر عليه مرورًا عابرًا ثم ننساه كما ننسى معظم الأخبار التي نسمعها في الإذاعة ونحن في طريقنا بالسيارة لأي مكان.

والسؤال نفسه في الحياة نوعان، سؤال سطحي وآخر عميق. معظم الناس يكتفون بالسطوح من الأشياء لأنهم يعيشون على سطح الحياة مكتفين بما هو في واقعهم من ارتباطات وأحداث يتفاعلون معها تارة وأخرى يهملونها حتى تأتي لحظة النهاية، وقليل يلتفت إلى الأسئلة العميقة التي لا تريد منك العودة إلى التاريخ لتكتب الحاضر وتستشرف المستقبل، أو تريد منك أن تضع ذهنك في حالة استقبال لكل الآراء والكلمات والمقالات بحجة انتخاب الأحسن، ولا تريد منك في ذات الوقت أن تعيش التوّتر في صراع الذات مع المجتمع، وصراع الـ أنا مع الـ نحن، والوقوف مشدوهًا أمام كل كلمة لأن المعرفة أوسع من أن تحيط بها، واشتمالها كلها يفوق قدرات الإنسان.

إنّ الإجابات، كما يقول أحد الأفاضل، في كل مكان، ومن السهل جدًا الوصول إليها، لكن من الصعب جدًا أن تطرح السؤال الذي يقودك إلى هذه الإجابات المطلوبة. كأنك تملك مكتبة فيها من كل شيء إنما امتلاكك لها لا يعني أنك عرفت كل شيء طالما أنّ هذا الامتلاك لم يتحول إلى استحواذ على ما في بطونها، واقتدارٍ على هضم ما فيها. وهذه هي مشكلة المعرفة في هذا العصر أنّها ركزت على الاجابات أكثر ممّا ركزت على الأسئلة فتحولت المعرفة إلى أغلفة كتب تزيّن الأرفف وإلى مجرّد مصطلحات ومسمّيات تتناقلها الألسنة وعلى قدر ذكرها تباهيًا بها أمام النّاس يكون تقييمك عندهم.

ليس من مهمة السؤال أن يكشف كل المعرفة لك إنما مهمته أن يضعك على الطريق السليم الذي يوصلك لها، فالمعرفة التي تعتمد على حاسة البصر لا يمكن إدراكها بحقيقتها بحاسة السمع فقط فلكل شيء أداته التي تناسبه. قد يفهم الكثيرون من عبارة السؤال العميق هو التساؤل عن الوجود، الأسئلة الثلاثة المشهورة: من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟

من أين أتيت، وفي أين وُضعت، وإلى أين أتجه؟ هذه الأسئلة هي رأس الجبل وما وراءها هو ما يُضفي عليها القيمة وإلا فإنها بذاتها طرحها المؤمن والملحد والمادي والروحاني على حدِّ السواء. السؤال الأهم وراء الأسئلة هو: لماذا أسأل هذه الأسئلة؟ معظم المفكرين والفلاسفة أهملوه وانطلقوا في إجابة الأسئلة الثلاثة السابقة ومنها وصلوا له بينما أرى أن تبدأ منه ومنه تنطلق نحو اجابتهم. لماذا قُدّر لي أن أعيش معاناة طرح الأسئلة؟ ولماذا قُدّر لي أن أكون متسائلاً؟ في جلسة مع أحد الأصدقاء اكتشفت أن جميع الأجوبة التي تتناقل عن امتياز الإنسان بالعقل، ودور الفطرة في حياته، وانجذابه نحو المطلق، وسعيه نحو الكمال، وغيرها صحيحة لكنها اجابات وصفية تصف لك «ماهيّة هذا الإنسان» أي أنها تُبيّن لك أنّ هناك ما يدفعه قهرًا نحو السعي، وأنّ من طبيعته التساؤل لأنه لا يحب أن يتصور نفسه جاهلاً فهذا نقص في حقه، ولا يهمه مدى صحة اجاباته أو معرفته طالما أنه يمتلك اجابة تُسكت الأسئلة عنده، ولو كانت ساذجة .. المهم أنها اجابة وكفى.

الوصف يقدم لك طريقة توّلد السؤال، ولا يقدم لك سبب وجوده في الأساس، كما أن التفسير العلمي يقدّم سبب تحوّل الماء إلى ثلج لكنه لا يقول لك لماذا صار ثلجًا ولم يصبح غازًا تحت نفس الظروف؟ ما أراه أنّ هذا التساؤل في الإنسان إنما وُجد حتى يكون تذكيرًا دائمًا بـ الغاية عند الإنسان، شيء أُجبر عليه الإنسان ولم يوجده هو بنفسه فيه لذلك يتملل معظم النّاس من كثرة الأسئلة في أذهانهم فيجعلونها في خزائن النسيان، وطوايا الإهمال، أتخطر أن نيتشه في «هذا الإنسان» يذكر أنه لم يشغل نفسه يومًا بالبحث عن إجابة لهذه الأسئلة!

التساؤل هو تذكير دائم بالغاية التي هي تذكير دائم لهذا الإنسان لأن يبحث عن مهمته الحقيقية ودوره الواقعي، دون أن يتقمص دور المسؤول عن مهمات الآخرين أو ينفذ  أدوارهم أو ينتظر نقطة ليبدأ فيها الإحساس بوجوده. كالذي يتصوّر أن مسؤولية العالم ملقاة على عاتقه وأن كل ما يجري هو خاطئ وأن الظلام هي محطة النفق الأخير للأرض وكأنّ حكمة الله الذي يؤمن بها لا وجود لها، أو كأنه يريد ازاحته لأن يرى في نفسه الأقدرية –والعياذ بالله- على تصريف أموره وأمور الدنيا التي لا يعجبه جريانها.

إذا كانت الأسئلة السطحية التي تتعلق بأمور المعيشة هي التي يشغل بها الغالبية من البشر أذهانهم عن الأسئلة العميقة خوفًا مما تتطلبه من مجهود في اكتشاف الذات وعلاقتها بما حولها، فإنّ هذا التعريف للأخيرة هو بحد ذاته هروب من تعريف الأسئلة العميقة. سألت أحدهم يومًا وقد عكف كما لم أر أحدًا مثله على كتب التاريخ ليُجيب بواسطتها عن الكيفية التي سيكون عليها المستقبل: وبعدين؟ ولا زلت انتظر اجابته!

لماذا يشغلنا المستقبل بهذه الصورة؟ ببساطة لأن الموظف البسيط يُحب أن يفكر بنفسه وهو على كرسي المدير، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بالمستقبل! يطمع بدور أكبر من دوره حتى يمكن أن يرى لوجوده قيمة، وفائدة. ينتظر نقطة في مكانٍ ما، أو زمانٍ ما حتى يبدأ الإحساس عنده بأنه موجود.

معظم الناس يأتون للدنيا ببكاء، ويغادرونها بنحيب، رغم كل ما اكتسبوه من علوم ومعارف، لأنّ العلم بلا نور القلب* لا يختلف عن العلم بأحوال الحيوانات، قد تأمنك من خطرهم وتُعرفك التعامل معهم لكنه لن يُعرفك أبدًا كيف تعيش حياتك.

التساؤل العميق ليس عن سبب الوجود، ودورك الذي ستلعبه فيه أو أثرك الذي ستتركه بعدك هذه كلها أشياء فرعية من الأهم وهو الغاية من الوجود، والتساؤل هو اثبات لاستمرارية هذه الغاية في كل لحظة وكل مكان. فالغاية ليست في معرفة «كيف تعبد» التي يتيه الناس وهم يتصارعون مع أنفسهم والآخرين لتحقيقها، ويطلبونها في الأشياء والعلوم والناس، إنما الغاية في معرفة «من تعبد؟» .. إذا عرفت اجابة هذا السؤال، سيُعرفك هو كيف تعبد دون تعب.
  السؤال العميق لا يطلب منك إجابة، إنما يطلب منك معرفة .. والمعرفة هي التي ستنجيك من كل صراعاتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن الإمام الصادق عليه السلام: لَيسَ العِلمُ بِكَثرَةِ التَّعَلُّمِ ، إنَّما هُوَ نورٌ يَقَعُ في قَلبِ مَن يُريدُ اللهُ أن يَهدِيَهُ ، فَإِذا أرَدتَ العِلمَ فَاطلُب أوَّلًا في نَفسِكَ حَقيقَةَ العُبودِيَّةِ ، واطلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِهِ واستَفهِمِ اللهَ يُفهِمكَ.

24 نوفمبر 2010

دروشة النفس


تظل النفس إلى اليوم لغزًا لم يُحلّ، ولا أظن أنّ لهذا اللغز حلاً يلوح بالأفق.

سر أركع البشر إلى يومنا هذا، علماء نفس، حكماء، فلاسفة، عرفانيون، متكلمون إلى آخر ما ظهر من اصطلاحات تشير إلى متخصصين بعلمٍ من العلوم التي تقع النفس في دائرتها، كلهم لا يزالون عاجزين عن فهمها وإدراكها. فكان من درسها عن طريق تحليل الحالات التي تعتريها كما فعل ويفعل معظم علماء النفس والتحليل النفسي، وهناك من حاول دراسة ماهيتها، ومعنى الماهية هو تحقق الوجود، أي دراسة هذه النفس من حيث كونها موجودة ودلائل وجودها كالفلاسفة أو الحكماء بالإصطلاح الإمامي. وما بين الإثنين عشرات المصنفين والتصنيفات.

وقد اعتبرت النفس على الدوام أنها طريق الكمال، والبدن على أنه منبع النقص والخسران. فـ"الإنسان ينتظم ذاته من جوهرين: أحدهما نوراني، والآخر ظلماني. أما النوراني فهو النفس، وأمّا الظلماني فهو الجسد. فالنفس حيّة علاّمة فعّالة خفيفة، والجسد ميّت جاهل ثقيل"[1].

حاجات البدن في الإنسان كلها محدودة، ومقيّدة بشهوات واستمتاعات قائمة على دفع الألم الحسي، وكلها تدور في دائرة الماديّات الحسيّة التي تعتبر أخلاقيًا مبتذلة لكونها تمثل الجري خلف أشياء فانية تستهلك العمر لأجل الدنيا مهملةً كل الأخلاقيات وحاجات الروح، فتطغى النفعية وتبرز الأنانية ويتشتت الانتباه عن التجربة الجمالية في هذه الحياة.

بينما حاجات النفس ليست ماديّة، لذلك هي تنجذب نحو الكمال والجمال، الإبداع والتأمل والسمو، وهي مفاهيم وأشياء ذهنية/عقلية بحتة، وإنما تكون قوى البدن المادي آلة لتحصيل تلك الكمالات، وبحسب العلامة الطباطبائي "فالنفس جوهر مجرد من المادة ذاتًا متعلّق بها فعلاً" أي أنّ «النفس في مقام فعلها محتاجة إلى المادة: فتبصر الأشياء بواسطة العين (الأداة الباصرة) وتسمع الأصوات بواسطة الأذن (الأداة السامعة) .. إلخ»[2]

وبحسب "أفلوطين" فإن النفس ذات وجهين: أعلى وهي التي تعلو على المادة، وأدنى وهي التي ترتبط بالجسم وهي ما تُسمّى بالطبيعة[3] ففجور النفس هو بجانبها الذي يتعلق بالطبيعة التي تسيطر عليها القوى الغضبية والشهوية والسبعية (الحيوانية)، ورفعتها أو تقواها هو بقواها العقلية التي تستغني بها عن البدن، لذلك اشتهر الدراويش والكهنة بأجسامهم الناحلة وعيونهم الغائرة في كل زمانٍ ومكان.

«ولهذا يُرى الإنسان كلما كمل عقله وازداد في عمره وحصل له تجاربه التي كانت في قوته، ازداد في بدنه وهنًا وفي قواه كلالاً وضعفًا –لاستغنائه عنه شيئًا فشيئًا- فكلّما ازداد الروح حياةً في تحصيل الكمال، ازداد البدن موتًا، إلى أن يحيي ها كلاً، ويموت هذا كلاً- سواء كانت كمالاته مُسعدة أو مُشقية»[4]

ومعنى ذلك، أنّ ارتقاء النفس نحو الكمال الذي هو غاية الجمال يتطلّب تجريدها من متطلبات البدن، فمجاهدة النفس تعني محاربتها، وتقليل حاجات البدن يؤدي إلى ضعفه، وإذا ضعف قل ارتباط النفس بالبدن، وتوجهت إلى تلبية الكمالات الأخرى (الأخروية). وعليه مضى المتصوفون بقولهم: (التخلية قبل التحلية) أي اخلاء النفس من ارتباطها بهذه الدنيا، «فأما الفضائل أنفسها فليست تحصل لنا إلا بعد أن نطهر نفوسنا من الرذائل التي هي أضدادها، أعني شهواتها الرديئة الجسمانية ونزواتها الفاحشة البهيمية»[5] وتلك هي الخطوة الأولى للوصول إلى مرتبة "المَحْق"[6] في النهاية، كما يعبر عن ذلك الجنيد البغدادي:

وجودي أن أغيب عن الوجودِ .. بما يبدو عليَّ من الشهودِ

والحلاّج:

منية المتمني غيبتني بك عني .. أدنيتني منك حتى ظننت أنك أني

ومنذ عهد أفلاطون وما تلاه ترسخت هذه النظرة حتى باتت مشاهدة في كل الأديان، والطرق، والمذاهب في أنّ الوصول إلى الكمال والجمال هو بالزهد في الدنيا، وتركيع حاجات البدن، ومجاهدتها حتى تتروض فتطيع النفس، لا أن تتروض النفس لتطيع البدن. فتميّز كل فكر إنساني بجانبٍ تصوّفي يجذب الإنسان بعيدًا عن دوامة الحياة الخانقة التي تحجبه عن الوصول إلى درب الإرتفاع عن سفاسف المتناهيات.

يقول "بوذا" في (الداماباد):

«في التخلّي تُنشد المتعة،

حيث المتعة تبدو صعبة.

في التخلّي عن المسرّات كلها،

في التخلي عن الممتلك كله.

يتطهر الحكيم مما يُثقل ذهنه.»[7]

ولكنّ ترويض البدن، بمنعه وحبسه، لا يعني الوصول أبدًا إلى الطريق الصحيح. والسعي نحو الإشراق[8] أو حتى الوصول إليه ليس دليلاً على السلامة، ولا دليل أوضح من رهبان التيبت وكهنة الصين ودراويش الهند الذين مع عظم مجاهدتهم لأنفسهم ما وصلوا إلى «البرهان العرشي» الذي يراه أصحاب القلوب الصافية المتجلية بنور الدين وطاعة الشرع المبين، فإذا كان عملهم غير مقارن برؤية البرهان ومؤيدًا بتأييدٍ إلهي ومؤكدًا بالعناية الأزلية، «لم يزدهم إلا عجبًا، وحسبانًا، وغرورًا، وقساوة وطغيانًا»[9].فليس سلوك الطريق هو المهم، إنما اختيار الطريق الصحيح القائم على البرهان هو الأهم.

يقول المولى النراقي: «الأمراض النفسانية هي انحرافات الأخلاق عن الاعتدال»[10]. فالزهد والبعد عن ملهيات الحياة الدنيا والإنعزال عن الناس وترويض النفس ومجاهدة الشهوات هي أرقى الأفعال الإنسانية، ولكن كما يُعطي الغني رغبة بالسمعة، كذلك يروّض بعضهم نفسه طمعًا بها. وكلهم تحكمهم الأنانية وهي رأس الإنحرافات الأخلاقية وهم لا يشعرون. فالنفس الدنيا خدّاعة[11]، «إن كثيرًا من الأشخاص يحيون الليالي في السهر والإعتكاف، لا يحصّلون أكثر من الهم والغم والنحول واصفرار الوجه، ومع ذلك لا يُعدّون من أهل الله، وذلك لأنهم غافلون منذ البدء عن حقيقة التصوّف، واعتقادهم لا يخلو من الخداع وحب الدنيا..»[12].

لا أظن أن زمنًا يحرم فيه البدن ويروّض مرّ كزمننا هذا، فجلّ الناس يعملون ويعانون ويقاسون ويصبرون لذلك، ولكن لا تهذيبًا للبدن ولا ابتعادًا عن الرذائل حتى تنعتق النفس فيصلون إلى قمة السعادة بقربهم من الكمال ولا ترويضًا لشهواتهم، ولكن إما اتباعًا لأهواءهم في "الريجيم" و "الموضة" لمسايرة مقاييس المجتمع الشكلية وإمّا طمعًا في الحصولهم على الثناء من أفراده!
فصارت الدنيا أكبر همهم ولو على حساب أنفسهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كسر أصنام الجاهلية – الملا صدر المتألهين. ص49

[2] بداية الحكمة – العلامة الطباطبائي. ج1 ص 365

واللفظ للعلامة الحيدري في شرحه للمطلب.

[3] خريف الفكر اليوناني – عبد الرحمن بدوي. ص 146

[4] الإنسان في منازل خلقه وموته وبعثه – الملا الفيض الكاشاني. ص 25

[5] تهذيب الأخلاق – ابن مسكويه. ص 91

[6] المحق: المرتبة الأخيرة بعد (المحو) و (الطمس) وتعني فناء وجود الشخص في وجود الله تعالى، أي أنه لا يرى –بالمعنى المجازي- سوى الله عز وجل، حتى نفسه لا يشعر بها في حضرة الجليل عزّ وجلّ.

[7] الداماباد – الكتاب المقدس لبوذا. ص 30.


[9] كسر أصنام الجاهلية – الملا صدر المتألهين. ص 46.

[10] جامع السعادات – محمد مهدي النراقي. ج1 ص 92.

[11] [12] «..إنّ من يعد نفسه من أهل الحقيقة يجب أن يبتعد عن دنس الدنيا ومنازع النفس الأمّارة والهوى، لان أنفاس الدنيا الشيطانية وتجلياتها المتنوعة تخدع الناس كل ساعة بأسلوب، وكل لحظة بشكل مختلف، تنقلهم من حال إلى حال دون علم منهم أو معرفة ..» التدين والنفاق.. – العلامة البهائي. ص 78 و ص116.

6 نوفمبر 2010

رؤى ربع قرن


«منذ خمس وعشرين سنة خطتني يد الزمان كلمة في كتاب هذا العالم الغريب الهائل. وها أنا ذا كلمة مبهمة، ملتبسة المعاني، ترمز تارة إلى لا شيء، وطورًا إلى أشياء كثيرة»*

***

يحزن الناس حين ينقص شيءٌ مما يملكون.

ويعتبرون يوم الفقد هذا، يوم حزن ذي شجون.

ولكنّي – وياللعجب – أراهم يفرحون،

حين تنقص من أعمارهم، سنةٌ ممّا

يعدّون!

***

زميلي في العمل قصير، صلعته دخلت في سباق تسارع مع كرشته، كلماته أقرب للهمس، يحب الجلوس متكورًا على نفسه. قرر يوم الخميس البدأ في الشكوى من مسؤولياته الأسرية، ومتطلبات زوجته وأولاده، وهي اسطوانة مللت من سماعها منه يوميًا، فقررت أن أقطع الشريط من بدايته بالحكم الفصل من لسان المعري:

تعبٌ كلها الحياة فمـا .. عجبي إلا من راغبٍ في ازدياد.

انسحبت شكواه لداخل حلقه، وبلع باقي كلماته وهو يمسح صلعته بأصابعه القصيرة المنتفخة، لينظر لي قائلاً: هوّه إنتَ تصوفت ولا إيه؟

لا أعلم.

لكنّي أرى تساؤل الفأر الحكيم جديرٌ بالبحث عن إجابة: ما هي فائدة معرفتك أمورًا عن التصوف، إن لم تصل أنت إلى مرتبة الكمال والوصال، وتنكشف أمامك الحجب؟**

***

أصبحت الحياة بالنسبة لي كفيلم، تشاهده للمرة العاشرة. مشاهدٌ تعيد نفسها، مناسبة لتضييع الوقت حتى تصل إلى النهاية: نهاية الفيلم، أو نهاية انتظارك.

تحوّل كل شيء إلى مشهد مكرر، تولد وتكبر وتموت وأنت تعيش في نفس الحلقة التي عاش فيها والداك، وسيعيش فيها أبناؤك، وأحفادك. شاهدت برنامجًا لـ نبي الملحدين ريتشارد داوكينز، قلت لنفسي لعلّه يقدم اكسير العلاج لهذا الأمر، فيما يدعيه من علم، لكنه كان يكذب عليّ وعلى نفسه بقوله: يكفي للإحساس بالسعادة –وسط هذه الأمواج المتلاطمة من التعاسة- أننا أحفاد الأقوياء الذين نجوا!

هل تكون سعادة الحياة باستعارة انتصارات الماضين؟

وهل يحق لنا الشعور بالسعادة، لأن جدًا من جدودنا كان قويًا واستطاع أن يتغلب على الشمبانزي؟

برأيي، وحدهم العاجزين عن خلق الانتصار، والشاعرين بالضعف، يعتقدون ذلك.

***

أجد نفسي اليوم واقفًا على مفترق الطرق، أنبش فيها بحثًا عن مستقبل، ولا أرى سوى الماضي!

وعلى أنغام أبيات الخيّام:

ﭽون حاصل آدمي در اين شورستان .. جز خوردن غصه نيست تا كندن جان

خرّم دل آنكه زين جهان زود برفت .. وآسوده كسي كه خود نيامد به جهان ***

تبدو الحياة وكأنها لا تملك جديدًا!

بل هي بابٍ في بطن باب حتى أسأمتني الأبواب المغلقة، كلما فتحت بابًا وجدتُ آخر، فقررت الاكتفاء بالنظر من خلال النافذة.

أراقب الناس وأنبهر من تصرفاتهم وشغفهم المبالغ به تجاه الحياة، وصراعهم الذين يحول كل شيء إلى وقود يحرق لأجلها: أوقاتهم، أفكارهم، أنفاسهم، وأبناءهم، صحتهم وسقمهم، أحلامهم وآمالهم. من المفترض أن ينتهي الشغف بمرور الوقت، فهو مثل الحزن يولد كبيرًا ويتلاشى مبقيًا الذكريات تسبح في الوجدان.

إلا أنني أرى شغف الحياة، يولد كبيرًا ولا يموت.. والناس يموتون.

***

حاول "سارتر" أن يستعجل الجحيم، فقرر أنه في الأرض، وأن الجحيم بعينه هو وجود الإنسان مع الآخر، وهذا هو العقاب الأبدي!

هكذا يهرب هؤلاء ممّا وراء الموت. بوصفهم الحياة على أنها شغبٌ، وعبث، وهربٌ، ولهثٌ.

فهل هناك جحيم أكبر من كون «الحياة كلها ألم ومشاق لا تتخلص منها ما دامت الروح في بدنك؟»****

لكن لا يخبرون النّاس أنّ هذه الأشياء هي وليدة طمعهم في الحياة، وليست طبيعة الحياة.

فهل يتذمر من النقص، إلا الذي يشعر به؟

لذا أراهم، يزّهدون الناس بحياة، على قدر تذمرهم منها، يتشبثون بها!

***

- ماذا تقرأ؟

- كل شيء

-اممم .. لماذا؟

-لأنجح في الإختبار

- أي اختبار؟

- اختبار الحياة!

- الحياة تختبرك بالعراك، فهي معركة، حرب، مصارعة المهم أنّها قتال وسعي مستمر.

- هكذا تراها أنت!

- وأنت، كيف تراها؟

- أراها كسؤال متعدد الاختيارات في اختبار مدرسي: إجابات متعددة، و واحدة صحيحة.

الإعتماد على الحظ، أو العضل، أو الغش لا يفيد في الوصول إليها.

والخطأ في اختيار الإجابة لا يتحمله واضع السؤال، بل أنا.

لذلك أقرأ، صحيح أنني أسلب بالقراءة متعة الإكتشاف،

ولكنّي أفضل اختيار الإجابة الصحيحة بلا متعة، على أنّ أعيش إثارة الكفاح في الجهة الخاطئة!

***

قبل أن أضع رأسي على المخدة، أعدت تشغيل ساعة المنبه في الهاتف.

تذكرت أن رسالة وصلتني ولم أقرأها، فتحتها..

وبعد 8 ساعات كنت أتفق مع مرسلها على مرافقته للحج.

رحلة فجائية، أرى أنها إشارة  لإعادة اكتشاف 'شغف الحياة'

فالرتابة فيها كالذبابة .. لا يقتلها إلا صفعة مفاجئة!
________________________

*جبران خليل جبران، يوم مولدي، من كتاب (دمعة وابتسامة).

**عن "التدين والنفاق بلسان القط والفأر" للعلامة البهائي (رحمه الله).

*** من رباعيّات عمر الخيام، ومعناها:

لا يحصد المرء من هذه الأرض الملحية إلا الغصص.

فهو حليف الغصة حتى تفارق روحه بدنه. فالسعيد من يرحل عن هذه الدنيا بسرعة، وأسعد منه من لم يولد فيها أبدًا!

*** جملة مقطتفة من نصّ لـ شوبنهاور.

11 أغسطس 2010

الطقس الرمضاني


لا أعلم كم وصل عددها إلى الآن، لكن من المؤكد أنها تعدت حاجز العشرة، مرة تلو الأخرى يُطرح ذات السؤال وكأنه كُتب عليه ألاّ يقنع بإجابة أبدًا، ما هي طقوسك في شهر رمضان؟

.
يحب الناس أن يدسّوا أنفسهم في مقارنات مع غيرهم. لا يريد السؤال إجابة لأنه لا يبحث عنها، بل يبحث عن معرفة ما تمارسه في هذا الشهر الفضيل ليتم إدخاله في أحد جداول المقارنة مع ما يمارسه الآخرون، ومن خلال ذلك، وبكل بساطة، يتم التخلص من الشعور بذنب التقصير حين يُتصور التفوّق لطرف على حساب آخر.

.
نحصر أنفسنا في خيارين، نتصور التضاد بينهما لأننا لم نعرف التوفيق بينهما ولم نفهمها جيدًا، بين الدين والدنيا، وحين نرى الآخرين لا يقدمون على فعل ما نفعله نشعر بالرضا لأننا كفرنا عن ذنوبنا وبتنا أكثر إيمانًا. مصيبة هذه المقارنات أنها تقدم المبررات لكل شيء، وتجعلنا ننجر للتهوين بلا مبالاة، وتمتلئ نفوسنا بالكدورات دون أن نشعر. فنقدم جميع الأعذار لتبرير تقصيرنا وتهوينه، بمقارنته مع تقصير الآخرين.

.
ليس أسهل من أن نتصور أفضليتنا لمجرد أننا صلينا ركعتين أكثر من الآخرين، أو قرأنا جزءًا قرآنيًا إضافيًا، ولا أيسر من اعتقادنا بأفضليتنا لمجرد أننا لم نرتكب جرمًا ما ارتكبه الآخرون. فـ"على الأقل ما سويت اللي سواه فلان"!. هذا الدس للنفس بين خيارين هو كذب عليها، نوع من الكذب الذي يبحث عنه، فالإنسان المملوء بالنواقص لا يحب أن يستمع لمن يشير إليها، لذلك يفضل المدح على الذم و إن كان كذبًا لأنه يمثله بصورة الكمال، بعيدًا عن نواقصه و سوء طباعه.

.
وهكذا بدأ العجب في نفوس البشر، منذ الخليقة، يستتر تحت السلوكيات المخادعة.

.
لا أظن أن طقوس شهر رمضان الخاصة يمكن تعميمها، ولا تفيد معرفتها، لطالما كان اعتقادي أنها تفقد كل معانيها إذا خرجت من كونها حالة فردانية إلى طقوس جماعية. فهي مثل العرفان والتصوف حالات روحانية فيها إشاراتٌ وتنبيهات، وعوارض تعرض على النفس فتحولها من حال إلى حال، لتصل بها إلى الاستكمالات الجوهرية، كما وصفها صدر المتألهين رحمه الله.

.
ليست الطقوس الجماعية إلا جزءًا يربط ما بين هذا العالم الخارجي، وما بين العالم الداخلي. هي جسر للتناغم بين العالم الذي يحيط بنا، والعالم الذي يعيش داخلنا، فهي المدرج، الذي تعرج به النفس من ارتباطها الدنيوي إلى ملكوتها الأخروي، ومن ثمّ يكون المسير منوطًا بطقوس الفرد وحده.

.
«معظم من تحت الأرض كانوا يظنون أن برحيلهم سيتوقف العالم»*، ولم يتوقف جريان العالم على أحد. أعتقد أن أحد عشر شهرًا من كبت أصواتنا لحساب أصوات الآخرين، واستعارة كلماتهم، ومتابعة أفعالهم، ومن عيشنا لأجلهم لا لأجلنا .. يكفي. ويأتي الدور في هذا الشهر لنستمع فيه إلى صوتنا، وإلى خطاب ذاتنا المنسية وسط أكوام الحياة اليومية التي نعيشها وسط النفوس الشهوية، والنفوس الغضبية، والشيطانية، وكل همها إرضاء الشهوات، وتلبية رغبات القهر والإنتقام، بالمكر والشر.

.
نحاول التخلص من هذه القبائح كلها بأن نخدع ونناور أنفسنا بوضعها قبال الآخرين، الأقل منّا غالبًا، ولا نفكر بأن نضعها أمام الأفضل منّا، خشية من اظهار عيوبنا.

.
هذا الشهر هو فرصة، للتعرف على نفوسنا. للعودة إلى الذات وإعادة اكتشافها، هذه الذات التي فقد الاتصال معها طوال السنة، وطمرت تحت شتى أنواع الكدورات مستترة بعناوين مختلفة: مداراة الآخرين،و تتبع هفواتهم. ومحاكمة السياسيين، والبحث عن تصريحاتهم، والتشكي من ردود الفعل تجاهنا، والتذمر من كل شيء حولنا، من الطعام إلى الطقس إلى العمل وحتى ممن يتقاسمون معنا هموم اليوم.

.
دون إلتفات إلى أن الاهتمام بأسرار الغير، يغمض العين عن أسرارنا، وبحثنا عن نقائص الآخرين، يجعلنا نهمل نقائصنا، وشيئًا فشيئًا نفقد الارتباط مع نفوسنا، ونكتفي بظواهر سلوكنا، ونعتقد أن السلوك وحده يمكن أن يبرر لنا كافة خطايانا، لأننا لم نعد نتعرف على ذواتنا، ولم نعد نعرف عيوبها، التي اندست تحت أقنعة مختلفة لتصيبنا بالإزدواج.

يُحكى أنه « كان لمعلم مئات التلاميذ، يصلّون جميعهم في الساعة المحددة باستثناء واحد يكون ثملاً طوال الوقت.
في أحد الأيام شعر المعلّم أن ساعته اقتربت، فدعا السكير ونقل إليه أثمن معارفه ممّا أثار سخط الباقين، فاحتجوا قائلين:
يا للعار! لقد ضحينا بأنفسنا من أجل معلّم معتوه يعجز عن الإقرار بمزايانا.
فأجابهم المعلم:
كان عليّ أن أكشف عن أسراري لرجل أعرفه حق المعرفة. أولئك الذين تبدو عليهم التقوى، غالبًا ما يستتر فيهم التكبّر والأنانيّة والتزمت. ولهذا السبب اخترت الرجل الوحيد الذي يُظهر عيبه علنًا: عيب الثمالة.
»**

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من كلمات الإمام الخميني - أنقلها بالمعنى بحسب ما علق بذاكرتي.

** كويلو، مكتوب، 143.