‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد الكشكول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد الكشكول. إظهار كافة الرسائل

27 مارس 2013

حكايا منتصف الليل


لم يكن اختيار الليل، كرمزية يستعملها كل متحدث عن الإنسان، اعتباطيًا، ففي الأدب والرواية والقصة وحتى الفلسفة والسير والسلوك وصولاً إلى العلم ونظرياته كلها ارتبطت درجات الوصول إليها بالليل، ولعل ظلامه الذي يعمي الأبصار عن رؤية كل شيء ما عدا ما يتكاثر داخل الذهن هو السبب، فإنك تحتاج للنور لتبصر ما حولك لكنك لا تحتاج إلا لذهنٍ لتبصر ما فيك، وسبحان من جعل التبصرة في عوالم الداخل للحظة كاشفة عن عوالم الخارج لدهور، كما تأمل "نيوتن" مع نفسه لثوانٍ فقفز بالعلوم لقرونٍ.

 إننا في النهارات نعيش مع الناس وللناس، نقول ما يقولون، ونفعل ما يريدون وتجبرنا بنوك الخدمات على أن نستهلك طاقاتنا فيها حتى نصل إلى الليل لنعيش مع أنفسنا التي توارت خلف جبالٍ من هموم كسب المعيشة قليلاً، والأسف كل الأسف حين نفرط بهذه اللحظات لأجل الاستعداد من أجل استقبال الآخرين في صباح اليوم التالي، وليس ذلك من العجب فإن الفرص التي يضيعها الإنسان أكثر من تلك التي يتحدث عنها والتي هي في الواقع أكثر من التي اقتنصها، إن حياة معظم الناس ليست سوى تراكمٌ للضياعات، في العمر والفرص والأهداف والغايات وما شئت فقل! نادرًا ما نلتفت إلى كمية الهدر الممارسة في حياتنا لأن سعينا خلف ما لا حاجة لنا به يفوق سعينا لما نحتاجه، فنهمل على حساب ذلك ذواتنا وأفكارنا.


قال لي أحد السائرين على درب السلوك مرة أن العارف لا يصيبه الأرق أبدًا، فالأرق نتيجة التفكير بالخواطر التي تفترس الذهن ليلاً، والعارف لا يستسلم لخواطره بل يتحكم بها، فإن أوقف ذهنه عنها هرب الأرق منه. لعلّه على حق ولكن جمال الأفكار بعفويتها وبكونها تبدأ من زاوية في أقصى اليمين لتجد نفسك في وسط بحر متلاطم يموج بك منها ينقلك من عالم محدود إلى فضاء رحب ترى العالم الواقعي منه على هيئته الحقيقية: كأنه عجلة موضوعة في قفص سنجاب لتعطيه إيحاءً بأنه يركض في البراري الواسعة لا في صندوق ضيق ومظلم!

والحقيقة ثقيلة على النفس دائمًا لا يرغب بحملها إلا من تعوّد عليها أمّا من يكتفي بالتحدث عنها فهو غالبًا يحبها كما يريدها هو، لا كما هي، لذلك لا ينفك عن إيجاد المبررات لنفسه لقبوله بأن يكون مجرد قطعة مؤقتة في هذه الدنيا ينشغل بمشاغلها ويكتفي بهمومها و{إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} فرضي بأن يجعل من ذاته آلة يستهلكها الزمن فتنتهي في مكب الخردوات بدلاً من أن يكون إنسانًا يُوّلدُ الزمن لينتهي في عالمٍ أسمى وأرفع.

 إن الليل بستائره التي يسدلها حولنا يحاول أن يعيد هذه الحقيقة إلى أذهاننا، وهي أننا بعيدًا عن  كل الملهيات والمشاغل نقبع في زاوية صغيرة من كونٍ واسع لا نرى فيه إلا أسئلة تبعثها الدهشة، وإن سحر الليل ليس سوى هدوئه الذي يصم آذاننا عن ضجيج الناس فنلتفت لما بداخلنا فنعيد إحياء أسمى معاني الإنسانية فينا وهي العقل، والسؤال، والحوار.

  •   رموز الشعر

قال لي ذات ليلة، بما تفسر هذا الهوس بشعر "فلان" رغم ركاكته؟

قلت له: رموزه الأنثوية. القهوة والليل والعشق والوحدة رموز أنثوية تحاكي مخاوف المرأة من الأرق والظلام وهيجان المشاعر والوحشة، أما الرموز الذكورية فهي تخاطب مخاوفهم المستمرة من العزلة والهجرة والقوة واللقمة وهي رموز سوقها مستتر، يصفق لها الرجال ويحبون شعرائها -القلّة- لكنهم يخجلون من ممارسة فعل التعبير عن ذلك حتى لا يتهموا بوجودهم، فأن يرى الناس شخصًا يخشى الأرق أو الوحشة أهون عنده من أن يُرى شخصًا يدعي القوة وهو يبحث في هامش الحياة عن لُقمة!
.. إن المرأة لا تمانع أن تكشف عن كوامنها لأنها سلاحها الذي تَصطاد به بينما الرجل يخشى ذلك لأنه السلاح الذي يصرعه!
  •   الخضوع

قلت له ذات ليلة: إن أغلب سعي الإنسان هو للبحث عن شيء يخضع له، إن طبيعته أنه لا يملك استقلالية ليشعر بالفقر الذاتي دائمًا ويبقى مندهشًا ومُنشَدِهًا لهذا الوجود يبحث عن الكمال فيه لكنه بمجرد ما أن يصل لأول الخيط يغتر بنفسه فيضيع، إن مثل الإنسان في هذا الأمر مثل الفراشة انجذابها الدائم للنور أحيانًا يجعلها تحرق نفسها حين تقترب من النار أكثر من اللازم.
 قيمة الإنسان بما يخضع له، فالخضوع أمر طبيعي لفكرة أو تيار أو جماعة أو ما يُسمى بالعقل والعلم وهو هوىً ورغبة وأعلى درجات الخضوع هو الخضوع للإنسان الآخر حتى ذاك الذي يدعي الإلحاد ويؤمن بالعلم يخضع لما يظنهم علماء، إن محاربة طبيعة الإنسان الفطرية هذه هي التي تقود إلى الشعور بعبثية الحياة، وما عظمة هذه الرسالة الإلهية إلا لأنها ربطت الخضوع بالكمال وجعلته الغاية، فالحب والبغض والفرح والجزع على الكمل هو انجذاب لهم، بينما أولئك ربطوا الخضوع بالحياة واختاروا "الإنتخاب الطبيعي" فصارت حتى أفعالهم القلبية عاريّة من كل قلب، تهيم في أودية التخبط تحمل أسئلتها على كفيها ولا مُعطٍ لها من جواب!
  •   العدالة

تعتقد أن الحياة عادلة؟
سؤال مباغت في منتصف الليل. فكان الجواب: العدل صفة الفعل، والحياة ليس لها أفعال إنما هي أفعالنا غير العادلة والحياة هي مجهر يكبّر الصورة لنراها بوضوح، إنّ الحياة لا تعطي لأحد شيئًا ولا تأخذ منه، الحياة هي كسكة القطار مسارٌ نمشي عليه وينتهي بالموت، أما العربة التي تسير بنا على هذا المسار فهي استعداداتنا وقابلياتنا وامكانياتنا وهي أشياء تصنعها أيدينا في كل عوالمنا من عالم الذّر والوجود إلى عالم النيّات والخواطر.
  •   بساطة الوجود

البساطة شيء نفتقده في رؤيتنا. قال لي كيف؟
قلت له: وجودنا، إننا نحاول الهرب من حقيقة أننا موجودون بأن نفلسف الوجود ثم نبدأ باستذكار المعاناة والفقر والفساد والحقيقة هي أننا موجودون وهذا يكفي، والمعاناة والفقر والفساد لا يمكن لها أن تختفي لأننا بحكم أننا موجودون بدار اختبار فهذه الأمور من شأن هذا الاختبار، وجوداتنا مثل أسئلة أكمل الفراغ، دائمًا فيها نقص كي يصبح ذلك دافعًا نحو التكامل والنجاح لكن الكثير منّا يفضل أن يعيش مع الأسئلة أو يستأنس بالفراغ كانسًا إيّاه تحت سجادة مشاغل الحياة، أو عدم الاهتمام، فتظل هذه الأمور تتفاقم وتستمر، إنه من المضحك حقًا كيف أنّ معظم النّاس يسأل عن أفضل مطعم أو مسرح أو فيلم لكنه يتهرب من السؤال عن السبب الذي يجعله دائمًا ما يسأل ويبحث عن "الأفضل" ولماذا؟
  •   تسلية الموت

في آخر عمره سألوا مسكويه عن الموت، فكتب رسالة صغيرة عنه وأنه أمر لا خوف منه.
كلما نبغ واحد أتى النّاس وأوّل ما سألوه عن الموت، فعلت ذلك، وسألت أحدهم مرة عنه فقال لي: نحن خلقنا لنموت.
في العقل شيئان ظنٌّ ويقين، إننا متيقنون من الموت لكننا نظن أننا سنعيش أكثر من معاصرينا، فنغلّب الظن على اليقين، أرأيت استهزاءً بالعقل أكثر من هذا؟ هاجس الموت الذي يحوم فوق رأس كل إنسان يجعله دائم البحث عن أسباب الحياة لكنه لا يتوقف لحظة ليتساءل لماذا يريد الحياة؟ والواقع أننا نريد لكن كيف ولماذا فهي أسئلة أخرى تنضم لقافلة الأسئلة الضائعة في صحراء التيه.

*   *   *

قال سعدي شيرازي في غزلياته: هذا الإنسان إذا وصل لمكان لا يرى الله فيه كيف سيحسّ بآدميته؟
إنّ حوارات الليل لا تنتهي لكنها ما دامت لم تصل لمكانٍ ليس فيه الله - سبحانه - فإنها ستظل نعمة تزيح التعب عن كاهل الإنسان .. وهي نعمة لا نوفيها ما تستحق من الشكر. 

1 يناير 2013

عام المعاني

دمعة المرأة العجوز وهي تلامس أرضٍ احتوت شبّانٍ فقدتهم، والتجاعيد التي تحيط عين الجدٍّ وهو يبتسم في وجه أحفاده، وأصوات أولئك الأطفال وهي تعزف موسيقى في خلفية الحياة، وأحلام شباب يرسمونها على حيطان مدارسهم كلها تحكي عن أمنيات يزرعونها كل عامٍ في قلوبهم ويتأملون قطف ثمارها، ومع انتهاء السنة تفضل معظم تلك البذور الذبول بين طوايا القلب على أن تطل برأسها كشجرة فوق تراب الحياة.

ليس أكثر من الإنسان، من ينسج الآمال طوال حياته ليبقيها معلّقة على مشاجب الأيام، مركونة في الزوايا المظلمة يستدعيها كلما أراد أن يُري الآخرين قصة الحلم الذي لم يكتمل، وأحيانًا يحكي بها قصة الأمنية التي خاف أن يحققها لتهرب منه فحبسها في صدره. هو هكذا الإنسان، لشدّة توّلعه بأمانيّه يخاف أن يراها حقيقة فتضيع منه كل الاعتبارات التي يُلبسها لوجوده، ويبقى بعدها وحيدًا لا يدري كيف يصنّف وجوده. أليس العجب أن حالات الانتحار جرّاء الكآبة في السويد تسجل نسب مرتفعة رغم ارتفاع مستوى المعيشة ورفاهية الحياة؟ اكتفى الناس باتهام الليل الطويل الذي يتسرب بظلمته في شرايين الحياة فيحولها لثقوب سوداء أوّل ما تبتلعه هو صاحبها! قال لي صاحبي يومًا محاولاً شرح الحالة: {وَجَعَلْنَا اَللَّيْلَ سُبَاتًا} حين يطول الليل، يكثر السبات، فتتزاحم الأحلام، وتتوالد الأماني، تصطدم احداها بالأخرى، فلا تنتظم على دفتر الحياة، والإنسان بطبعه كلما رأى الفوضى آثر التذمر منها، فيتذمر ويتذمر حتى تصبح قضيته التخلص من هذا التذمر على ترتيب تلك الفوضى لينتهي به الأمر إما مكتفيًا بالتعايش مع تلك الفوضى وآثارها وإما أن يسحب نفسه من المساهمة فيها .. فينتحر! يضع حدًا لحياته، كما نرى، وما لا نراه هو أنه قرر أن يُلملم أمانيه وأحلامه ويأخذها ليزرعها معه في باطن الأرض لعلّها تنبت هناك بعد أن عجزت عن الإنبات في قلبه.

يمكن للإنسان أن يبرر كل أفعاله، سيئها وحسنها دون أن يرف له جفن. خذ هذا المثال: كنت أبحث في بعض كتبي يومًا فوجدت رسالة كتبها أحد الفلاسفة الإنجليز لصديق له يعمل بالتبشير يحثه فيها على عدم مجادلة الآخرين ووالدخول معهم في نقاشاتٍ عن الحق والباطل فما أن تصنف الأمور هكذا حتى تخسر بل حاورهم عن الراحة والتوتر، الروعة والعظمة، سكّن نفوسهم ثم ادفعهم في دائرة الحياة. كأنه كان يقول لصاحبه ليس هناك حق، ذهب الحق مع أولئك الذين كانوا يعتقدون بالوصول إليه أما في زمن صنع الحق بالقوة فاقنعهم بعظمة ما يفعلون! أ رأيت خداعًا للنفس أكثر من هذا؟ يقول لك بأن الحياة لا معنى لها إلا المعنى الذي تعطيه أنت لها هي كالماء ينتظر النكهة التي تصبها فيه، من تعجبه الكلمات الوهّاجة سينسى أنّ الماء بعد ذلك لا يعود ماءً ومن ثمّ لا يروي العطش وإن سكّنَهْ! مرّت على ذهني إلتفاتة «زِنْ» نحن نشرب الماء فلا نحس بلذته ولا نستمتع به لأننا نركز على "ازالة" العطش أكثر من "شرب" الماء ذاته، فتضيع لحظات من حياتنا دون أن نشعر بها، نستعجل اللّذة في "إشباع" الحاجة دون الإلتفات إلى أن اللذة في "قضاء" الحاجة، والفرق بين الشباع والقضاء هو الفرق بين الأخذ والعطاء، ما قاله ذلك الفيلسوف لا يختلف كثيرًا هنا، هو يريد أن يقول لا بد لك من دين فكن على مثل ديني لأنه يشبع حاجتك لا لأنه دين! أعطني كأس الماء الذي بيدك وخذ كأس عصير البرتقال .. إنّه يأخذ ما تملك به قوام الحياة ويعطيك ما يبقي عودك قائمًا. ومن قال بأنه لا بدّ من نكهة للماء؟ ولابدّ للحياة من طعم؟ قد يكون طعمها أنها «بلا طعم» لتختبرك في اختياراتك، أليست هي دار الابتلاء والاختبار؟ حمّالة الهمّ وصانعة الغمّ؟

أليس غريبًا أن الأماني معظم ما وردت في القرآن الكريم كانت في محل الذم؟ والقرآن لا يذم إلا ما يُبعد هذا الغافل عن الحق؟ يحكى أنّ فارسًا بخيلائه كان يمشي في غابة فمرّ على بحيرة وحين أراد عبورها توقف الجواد ورفض، انهالت السياط على ظهره وجنبه حتى عجز جبروت الفارس أن يفرض الحركة على الجواد فرآه عابرٌ رثّ الثياب، شعث الشعر فأخذ حفنة من تراب الأرض ورماها في الماء أمام الجواد فتحرّك، تعجب الفارس وسأل هذا العابر: كيف فعلت ذلك؟ فأجابه: إنّ الجواد رآى انعكاس صورته على الماء فمنعه غروره أنّ يدوس صورته ولو كلّفه ذلك فقدان رقبته.

{وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، طوّر الإنسان الأماني كي ينسج غروره، غرور البقاء والسعي نحو الخلود، وغرور تحقيق المعجزات، وغرور عظمة الذات، تارة يتمنى الحياة لغيره وهو الذي لم يوهبها لروحه، وتارة يطلب الكمال لغيره وهو الناقص في ذاته وأخرى يتمنى بقاء خيلائه ولو كذبًا على نفسه ولا تخرج أمانيه عن تلك الدائرة فهو يهرب من «المعاني» إلى «الأماني» التي صنعها هو في قبال الأولى. رأيت اليوم شخصًا كان يكتب ويشتكي من تفاهة الحياة ومن ضآلة وجوده فيها ومن الشغف الكبير بها عند النّاس الذين تصرعهم الصرعات وتقودهم "الهبّات"، سألته: لمَ تكتب شكاويك؟ فاكتشفت أن «أمنية» بإيضاح حقيقة الحياة للنّاس هي من تحركه! الأمنية تصنع ارتباطًا خفيّا من الصعب فكّه بمجالها وتوهم صاحبها بحقائق لا تملك واقعيات، إنه على الرغم من كل ما يقوله عن الحياة ليس على استعداد لترك أي لذّة فيها بل له الاستعداد لأن يترك «بديهيات الإنسانية» لكي يبقى فيها ويكمل رسالته في كشف الوجه الحقيقي للحياة! وهذا هو الفرق بين صاحب الرسالة وبين مدّعي الرسالة، فصاحب الرسالة صاحب معنى لا يتمنى لأنه مذكّر وليس بمسيطر، ومدّعي الرسالة يتصوّر أنه الموّكل ببثها وهو الأعلى والنّاس الأدنى ويتمنى أن يعوا ذلك!

النّاس بأمانيهم يريدون حياة غيرهم، ليجعلوها امتدادًا لحياتهم وسرّ ذلك حبهم للبقاء. في رأس كل سنة، وفي صبيحة كل عيد، وباقتراب كل مناسبة تكثر الأماني فلا تكاد تسمع سواها، إنهم يهربون من «اللحظة» بواسطتها لأن التوقف عند اللحظة توقظ الأسئلة الغافية في الإنسان، والأسئلة كلها تدور عن المعاني، معنى الحياة، ومعنى الوجود، ومعنى القيمة، ومعنى الإنسان. أسئلة ملّحة تثيرها غريزة حب الفهم عنده، ولو ترك وذاته لأراد تفسير كل شيء بفهم من عنده، لذلك كان «للحقيقة» وجود، فما وُضع السؤال فيه رغمًا عنه إلا ليذكره بالبحث عنها.

لقد قررت التوقف عن صناعة الأماني منذ وعيت أنّ المعاني بعكسها لا نصنعها إنما نطلبها لأننا أعجز من صنع ذاتنا، فكيف وُضعت فيها تلك الأسئلة؟، وبدأت بالبحث عن المعاني لأن من وضع هذه الغريزة فينا أراد لنا أن نختبر أنفسنا، هل ننساق خلف أصنام التمر التي نصنعها لنأكلها أم نستمع لنداء الحقيقة التي ندفنها؟ وقد ورد عن الصادق عليه السلام «.. اطلُب أوَّلًا في نَفسِكَ حَقيقَةَ العُبودِيَّةِ، واطلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِهِ واستَفهِمِ اللهَ يُفهِمكَ».

3 نوفمبر 2011

الطريق إلى القراءة

شغلت عمليّة القراءة على مدار الزمن أذهان الفلاسفة والمهتمّين بهذا المجال، ولأن المعرفة والعلم ارتبطا  بالقراءة، أصبح من الطبيعي الإشارة إلى القراءة على أنها عملية تعلّم في حد ذاتها.


سواء تعلّمُ شيء جديد أي اكتساب المعارف، أو إعادة إظهار لما هو مطمور داخل النفس كما كان يرى ذلك سقراط، فالإنسان - عنده - وُجد وهو يمتلك كافة المعارف، ويبقى دوره هو إيقاظ هذه المعارف الكامنة داخله.

وعليه يمكن القول بأنّ القراءة مرحلة ثانية، أمّا تأسيس الفكر فهو المرحلة الأولى، وبعدهما التفكير كمرحلة ثالثة.

بمعنى أن نتعلم كيف نفكر أي كيف نبني آلية منهجية للتفكير الصحيح، وبناؤها يعتمد على سؤال الهدف من القراءة، ثم نقرأ، وبعدها نتساءل وفق منهجية التفكير أو الآلية التي بنيناها في ما قرأناه  لاستخلاص المفيد منه.

الإنسان عنده القدرة على استنباط واستكشاف معاني كثيرة من نص واحد، كل شخص بإمكانه أن يفهم النص بما يناسبه، ونحن كبشر نملك استعدادًا لتحوير النصوص وتأطيرها بحسب أفهامنا وهذا يمكن ملاحظته - كمثال - في الاختلافات الفقهية وكيف يستند كل فقيه إلى نفس النص، ومع هذا تختلف النتيجة والآراء.

فأول خطوة قبل القراءة، هي وضع الأرضية التي يمكن من خلالها فهم ما نقرأ ثم التفكير به واستخلاص الفائدة منه، كما مرّ.

نحن بحاجة لتعلم الفهم، وفي نفس الوقت تعلم العقيدة، وبعد ذلك يمكن لنا أن نحاكم ونقرأ أي نص دون خوف، بل سيصبح بإمكاننا بعد ذلك أن نستلهم المفيد من تلك القراءات ونوظفه في ميولنا القرائية، وتدعيم آرائنا، بل واستنباط مؤيداتها ممّا قرأنا، وإن كان مخالفًا بحسب الظاهر لها، وهذا هو علاج الفكر أن يُقابل بالفكر لا بالمنع.

الشهيدة بنت الهدى (آمنة الصدر) استطاعت أن تخرج من التاريخ روائع، صاغتها في خدمة العقيدة والدين بصورة أدبية روائية نفذت إلى الأذهان قبل القلوب؛ الشيخ أبو جعفر الخراساني استطاع أن يوظف ميوله الشعرية في خدمة العقيدة بكتابة أرجوزة «هداية الأمة إلى معارف الأئمة عليهم السلام» بما فاق الأربعة آلاف بيت في الردّ على أصحاب الفلسفة والذوق كما سمّاها، وهكذا بإمكان كل شخص متى ما تشبع بالفكر الصحيح، و وقف على أهم ما فيه، واستحكم منه، أن يوظف ميوله فيه، ولا يهمه بعد ذلك النص الذي أمامه، لمسلم أو كافر، ملحد أو مؤمن، ففي كل الحالات سيكون قادرًا على تفسيره، وتطويع ما يلزم بما يخدم معتقده. كما فعل ذلك مثلاً الشهيد الصدر في نظرية المعرفة. فليست هناك حاجة لتحديد (ما يقرأ) الآخرون، وممارسة الرقابة المسبقة عليهم بل الحاجة الأساسية تكمن في تعليمهم أساسيات التفكير، وأهمها: كيف ينتقدون؟ ولماذا يقرؤون؟

وهم بعد ذلك سيتحولون إلى (مؤثرين) لا متأثرين بالآخرين الذين تكون قراءاتهم بلا فائدة، وعقولهم مقتصرة على كونها (ذاكـرة) للحفظ والتخزين لا أكثر.

ومما يؤسف له، أن الكثير من الشباب لا تتم تربيتهم على هذا الأساس، فخرجت لنا أجيال متأثرة تخلط عقائدها بعقائد الآخرين، لأنها غير قادرة على ممارسة عملية (المعالجة) لأفكار ورؤى الآخرين لكونها لم تزوّد وتُعلّم بهذه الأساسيات
من هنا يمكن أن نطرح هذه الأسئلة.
  • السؤال الأول: لماذا نقرأ؟
لا يمكن أن نجيب على السؤال بأننا نقرأ للقراءة نفسها. فالقراءة ليست موضوعًا إنما طريق. ولأن القراءة هي عملية تركيب لرسومات اتُّفق عليها لاعطاء معنى ما، سُميّت بـ(الأحرف)، فإن هذا يدل على أن عملية القراءة بحد ذاتها مجرد وسيلة لنقل المعرفة.
دانتي أليغييري، الشاعر الإيطالي الشهير بكوميدياه، يذهب إلى أنّ النص، أي نص، يمكن قراءته بنوعين أولاً المعنى الذي نحصل عليه من الأحرف، وهي القراءة المتعارفة أو القراءة اللغوية إن أمكن تسميتها بذلك.
 
وثانيًا المعنى المجازي وهو ما تصفه هذه الأحرف، أي المعاني الباطنية التي يمكن استخراجها من النص. أو القراءة الفكرية.
فكل نص، في الحقيقة، يملك القابلية لاستنباط عشرات المعاني المجازية أو التفسيرات منه، كلٌ بحسب قراءته له.
لذلك نحن حين نقرأ، نبحث عن معرفة، سواء كانت جديدة تضيف لنا شيئًا جديدًا وهي القراءة على المستوى الأول، أم إضافية وهي ما نستخرجه من النصوص لتدعيم آرائنا واثباتها قبال باقي الآراء والاعتقادات وهي القراءة على المستوى الثاني.
 هذه المعرفة بشقيها تساعدنا على فهم أفضل لمختلف القضايا، وتجعلنا على بصيرة بما يدور حولنا، وتمنحنا قدرة أكبر على فهم اعتقاداتنا وما فيها من أسئلة ضرورية.
  •  السؤال الثاني: ماذا نقرأ؟
القراءة كالفرس الجامح، يجب أن يكون له خيّال يوجهه.
كذلك هي القراءة، يجب أن تكون موجهة، وليست عبثية ولمجرد القراءة بحد ذاتها. لا يوجد ما يمنع من قراءة أي شيء بما فيه ما يخالف وجهات نظرنا أو اعتقاداتنا حتى ولو وصلنا إلى درجة القطع واليقين بها،
لأن ذلك لا يخلو من فائدة ولكن هذا لا يعني قراءة كل ما هب ودب دون بناء القواعد الأساسية لمعارفنا واعتقاداتنا.
وهذا هو الأهم في "ماذا نقرأ؟"
أول ما يجب الاهتمام به هو التركيز على بناء قواعد متينة لأكثر الأسئلة إلحاحًا في حياة الإنسان وهي الأسئلة الاعتقادية، حتى تصبح مرجعًا يمكن من خلال الرجوع إليه الإجابة على الاستشكالات التي تواجهنا في حياتنا اليومية، ومع توسع شبكة الانترنت والحاجة اليومية لها، تزداد من هذه الأسئلة طرحًا وبصيغٍ مختلفة، لأنّ المكان يجمع العقول المختلفة ومن ثمّ الإشكالات المختلفة أيضًا.
الاهتمام بالمطالعة، والإطلاع على كل شيء سواء في الأدب، أو العلوم الإنسانية والفلسفية، أو السياسة وغيرها، شيء جميل وتعطي للمرء تفردًا بفهم واسع لمختلف الأمور، سيما في مجتمعات لا تملك التقدير الكافي للقراءة وتميل إلى اسباغ صفات مبالغ فيها على من يتجرأ ويمارس هذه العملية ولو بحدها الأدنى، إنما هذه المطالعات كلها يجب أن مستتبعة لما هو أهم.
 يجب أن يكون للقراءة هدف. والذي يقرأ كل شيء بلا هدف لن يصل إلى فهم شيء أبدًا.
من الخطأ توجيه القراءة إلى الإجابة التساؤلات، لأن هذا يعني اهمال المزرعة لأجل العناية بثمرة . فإجابة التساؤلات هي فرع عن استحكام المعرفة. والمعرفة التي تكون مبنية على معرفة الأسئلة الملحة وإجاباتها فقط لا تجعل من الإنسان يختلف عن الآلة التي لا تجيب إلا بما تؤمر، إن القبض على زمام المعرفة في مجال ما لا يضمن لصاحبه الإجابة على أهم الإشكالات بل تجعله يطوّر من معرفته لتعالج حتى الإشكالات التي لم يحن موعد ولادتها بعد.
  •  السؤال الثالث: كيف نقرأ؟
 هناك نوعان من العقول. عقل انقيادي وعقل نقدي.
العقل الأول ينقاد مع جميع ما يقرأ لأنه لا يملك أرضية صلبة يقف عليها ويمكن من خلالها أن يحاكم الأفكار أمامه.
والعقل الثاني عقل يمكنه أن يستخلص أهم الأفكار، ويحللها ويركبها وفق رؤاه.
أي يصل إلى مرحلة قراءتها على المستويين القراءة اللغوية، والقراءة الفكرية.
حينئذ يكون قادرًا على أن يتعامل مع كافة وجهات النظر المؤيدة له أو المخالفة على حد سواء، ويصبح مؤثرًا بالأفكار بدل أن يكون متأثرًا بها.
يشبّه علي شريعتي عملية القراءة والتفاعل معها بالجهاز الهضمي، يدخل فيه الطعام فيستخلص المفيد ويطرد الضار.
كذلك يجب أن يكون العقل مع القراءة، وهذا الشيء لا يمكن أن يحدث إلا بمعرفة ما هو المفيد وما هو الضار، فنعود لسؤال: ماذا نقرأ؟ وقبله لماذا نقرأ؟
وضع الإجابة لهذه الأسئلة منذ البداية، يوفر علينا تعب الدوران في حلقة مفرغة نضطر فيها لخوض بحار التوهان قبل أن نكتشف الحال بعد فوات الأوان. 
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه المقالة معدة منذ فترة للنشر بالتزامن مع معرض الكتاب
ولكن لكثرة الإنشغالات لم تر النور إلا الآن.

23 مارس 2011

الطبول الفارغة

تبدو الحكمة كالمرآة، ثابتة في مكانها تعكس ما يمر أمامها، تعكس طورًا عمق نظرة قائليها، وطورًا آخر تعكس مدى استعداد مستقبليها لإدراك كنهها، لذا اعتبر الوعي حالة فوق الإدراك، وتمايز العلم عن الفهم. فإدراكك للكلمات المكتوبة التي تراها أمامك، وعلمك بوجودها، حالة منفصلة عن وعيك بما فيها، وفهمك لرسالتها ومغزاها. ومن هذا الباب يمكن استيعاب السؤال:

لماذا لا تموت الحكمة؟

لأنها تبقى حيّة ببقاء العقول، وقادرة على بث اشعاعها بتغاير الزمان، فرسالتها تتعدى الحروف المنظومة التي تشكل كلماتها إلى (الفهم) الذي تغذي به العقول، لتصعد بها إلى درجة الوعي بما هو "وراء المظاهر الخارجية للأشياء" وتقدّم فهمًا يتجاوز العلاقات الظاهرية.

في إحدى قصص «كليلة ودمنة» يصطدم الثعلب الجائع، بأن الطبل الذي سمع صداه، وأطرب صوته العالي أذناه، كان فارغًا حين مزقه بأنيابه بعد طول انتظار وصبر على الجوع، مُمنيًا نفسه باللحم والشحم الذي تصوّره المسؤول عن هذا الصوت العالي له، ليقول قولته الخالدة: «أفشل الأشياء أجهرها صوتًا، وأعظمها جثة»

إن عمق الحكمة لا يقتصر على اختزالها لمعاني كثيرة بكلمات بسيطة، ولكن يتمدد عمقها بالتزامن مع قدرتها على توليد معانٍ جديدة مرة تلو الأخرى، وفي بعض الأحيان بمدى درجة قابليتها لأن تصبح مقياسًا لإنتاج الأحكام بمجرد توافق معناها مع حالة ما.
يُقال بأن العربة الفارغة أكثر جلبة من الممتلئة، كالعادة حقيقة يتم تأكيدها مجددًا بصيغة أخرى، غالبًا الفارغ أعلى ضجيجًا من الآخرين، ولا يقتصر الأمر على الماديات بل يتعداه إلى الإنسان ذاته، الإنسان الذي لا يمكن وصفه – بحسب تعبير الفلاسفة- بـ"ما هوَ، هوَ" بل يوصف دائمًا بالهويّات التي يصبغ نفسه بها كإتجاهه الفكري، وميوله العقائدية، وذوقه الفنّي، وانتهاءً بلباسه ومظهره الخارجي، وممتلكاته. وهذه الأشياء قابلة للتغيّر والتبدّل لكنها غير قابلة للانتزاع، فكيف تستطيع أن تصف إنسانًا متجرّدًا من كل شيء؟ لا يمكن ذلك، لأن التجرّد التام وانتزاع النفس من كل شيء هو في الواقع ضربٌ من الخيال.

وعلى الرغم من ذلك تتقافز دعاوى التجرّد في كل مكان بصورة مقززة مقصية أهم حقيقة إنسانية: أنّ التنازع صفة أصيلة، وليست عارضة عليه.
إن لم تكن بالدين، فـ بالعرق، أو الفكر، وصولاً حتى لِلون القميص الذي يرتديه. هذا طبع بشري نابع من كون الإنسان يرى في نفسه رغم ضآلته القدرة على تطويع الطبيعة حوله لمصلحته، فإنه يميل للتعصب لمواقفه الخاصة وآرائه تبعًا للشعور الذي ينبع من إيمانه بقدراته. ولم يكن ذلك في يوم من الأيام عائقًا –لوحده- فقد استمرت البشرية بالتقدم في ذات الوقت الذي تتنازع به كل فئة مع الأخرى.

ولا يوجد ما يعصمهم من هذا التنازع إلا الوعي بالموقف، أما العلم والمعرفة فهي قد تكون أولى أدوات النزاع[1] وأهم أسلحته، وكلما تكاثرت في داخل النفس ازدادت النزعة الإقصائية أكثر وأكثر عند صاحبها ما لم تتزامن مع الوعي بأنّ العلم ليس سوى ثمرة لا تغني عن الشجرة التي هي السعي نحو الكمال عند الإنسان، وهذا السعي يسير بمسارين الأول على الصعيد الشخصي والثاني على الصعيد الاجتماعي. وإذا لم يعمل على كلا المسارين بنفس الوقت فإنّ أي جهد يبذل في أحدهما ليس أكثر من صوت طبل فارغ.

أكثر الطبول ضجة، أكبرها فراغًا. العلم والمعرفة والشهادات ليست سوى ذلك الغشاء الرقيق الذي يمثّل سطح الطبل، أمّا الأهواء وإيحاءات المجتمع، والخلفيات الثقافية والفكرية، وطبيعة الإنسان ذاته هي ذلك التجويف الذي يضفي على هذا الغشاء هذه الضجة. وهي التي تجعل من أصحابها يجمعون المقدمات الصحيحة، ويوظفونها للوصول إلى نتائج مسبّقة كمن يضع العربة أمام الحصان ثم يطلب منه السير. الجزيئات الصحيحة لا تقود بالضرورة إذا جمعت مع بعضها إلى كليّات صحيحة، فهو كمن يقول بأنّ كل معدن هو صلب، والزئبق معدن، إذًا فالزئبق صلب! فالقضايا العقلائية متغايرة، لكنّ العقلّية ثابتة[2].

هذا النوع من المغالطات هو البضاعة الرائجة عند أدعياء المبادئ الشعاراتية لأنها غير مبرهنة عندهم، فهو يقول بأنّ الظلم لا يجوز لكنه لا يحددّ ما هو الظلم؟ وباسم محاربة الظلم، يمارسه وبأبشع صوره! الشعارات والأفكار المبهمة تضلل أكثر مما تهدي، وطالما أنها لم تبنى على يقينيات وقضايا عقلية قطعية واضحة فإنها تتحول لنصلٍ بلا مقبض يضر صاحبه قبل غيره، ويسهل إدعاؤها ومن ثم يتم تغطيتها بأصباغ الرغبات الشخصية، والهواجس النابعة من شعوره بالخواء.

إنّ نغمة الطبل جميلة، كذلك هو حديثهم، مسبوك وجميل ويملك زخمًا إعلاميًا كبيرًا، حديث لا يختلف عن الصعقات الكهربائية تُرعش الجسم لقوتها، وسرعان ما تزول. وهذه الأحاديث حين التعمّق في معناها يظهر خواء باطنها. إنّ مثل هذا الحديث كمن يقول لك بأنّ «العقل هو سيدي»[3] ولكن يسقط السؤال حين تتساءل عمّا هو هذا العقل؟ لا يملك إجابة لهذا السؤال لأنه أتعب نفسه في سبك العبارة وتزيينها وتغافل عن حقيقتها، وهذا هو الفرق ما بين الحكمة واللغو، رغم أن كلاهما ليسا سوى كلمات مجموعة.

كما أنّ الطبول تعتمد على نغمات ضاربها، كذلك هي مبادئ وأفكار هؤلاء، يطوعونها على نغماتهم وما يريدون، ففي موقف تصبح الحريّات هي الغاية العظمى، وفي آخر هي الخطر الداهم، وما هذا إلا بسبب المناهج المتعددة التي يلّفقونها، يطبقون الأشد منها على ما يكرهون، ويجعلون الأيسر منها لما يشتهون. «فقتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر».

تغاير الأحداث في كل مكان، وتبدّل الأحوال يكشف الثابت من المتغير ، ويظهر من يؤمن بمبدأ يعرف ما هو، ومن يدّعيه ويوظف علمه في تأويله. إنّ كل طغاة الأرض كانوا من أصحاب المبادئ التي لم يحيدوا عنها أبدًا، كما أنّ كل المصلحين كانوا كذلك، وثبات الاثنين هو من كتب لهم بقاء الذكر في كتب التاريخ، الفارق بينهما هو في تعريفهم لما هي هذه المبادئ، فالصدق عند الكاذب ليس كالصدق عند المؤتمن، لذا لا يذكر الصادق كالفاجر، وإن كانا من أصحاب المبادئ.

الطبول الفارغة يملكون لسانًا وظهورًا بارزًا لكنهم لا يقدمون «عقلاً» قدر تقديمهم لاستعراض معارفهم المخزونة.

العقل يملأ تجويف الرأس، ولا ضجيج للعقول المفكرة، والطبل يملأ تجويفه الهواء، وما أكثر ضجيج الهواء!



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]« فما اختلفوا حتى جاءهم العلم» يونس/10


« وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم»آل عمران/19


وهذه حقيقة قرآنية بأنّ الجهل يسبب التقاتل، والعلم يبرر هذا التقاتل!


طالما أنّ هذا العلم لم يوضع في نفسٍ سويّة صالحة، فهو مُنّفر كما تُنّفر الجواهر إذا وضعت في أقذر آنية.


[2] راجع: هل كيف عقلك؟


[3] راجع مسألة العقل المجرد في مقدمة هذا الموضوع: شيء عن القراءة


13 يناير 2011

وأصبحت القصة طويلة


لاأعلم ما هو أقبح من أن تُتّهم من قِبل المذنب! ربّما يخفف قباحة ذلك كونه لا يرى نفسه: نستطيع أن نرى وجوه الآخرين ونحدد جمالها وقبحها من خلال معاييرنا الشخصيّة للجمال والقبح، لكن لا نستطيع أن نرى وجوهنا إلا من خلال وسيط خارجي، فماذا يحدث إن غاب هذا الوسيط؟ نستمر في الغيّ، بالاعتقاد بالكمال الذاتي، وإطلاق أحكام النقص على الآخرين.

العقل يعطيك ما أنت تعطيه، كالتربة تُبت ما يُزرع فيها، ربّما لذلك لا تزال قضيّة اليقينيات مثار جدلٍ شديد: هل اليقين حجيته ذاتية أم لا؟ هل كل متيقن بحيث يقطع بما عنده، معذور في أمره؟ أنا شخصيًا أفرق بين اليقين في النتيجة، واليقين في المقدّمة، لذلك لا أحب البحث عن أعذار لمن يرى المقدّمات، ثم يخادع عقله وغيره بالنتيجة. من هنا نستطيع فهم كيف أنّ «فرعون» ليس حالة فريدة من نوعها، بل هو صورة عن حالة بشريّة عامّة، متيقنة من وجود الربّ، لكنّها تصر على «أنا ربّكم الأعلى»!

وقد تتمادى هذه الحالة ليجد صاحبها في الحقيقة التي يعترف بها، نقيضًا له في نفس الوقت، فيكابر عليها، مثل القائل: «قتله من أخرجه»!

حين تتحول الأوهام إلى حقائق يقينية لا تقبل الجدال، يجد المرء نفسه أنه هو «الحقيقة»، لا أنه داعية لها، أو باحث ومدافع عنها، يرى نفسه «مندكًا بالحقيقة»، ويختفي الخط الفاصل بين شخصه، وبين الحقيقة، كحقيقة بحد ذاتها، فيصبح من خالف شخصه غارق في جهالته، ومن وافقها فقد فاز ونجى، وتُسلب كل المعاني لتتحوّل القضية إلى «شخصيّات»، ويُصبح الحق يُعرف بالرجال، ومقياسه الرجال، لا العكس.

من لا يعطي المعذورية لنفسه، له ذلك، ولكنّ ليّ الأعناق لإيجاد عذر له، هو استغباء لا أحب ممارسته، وأمقت الدعوة له، ومجاراته يعني إفساد مؤكد للنفس من خلال الكذب عليها.

لم يكن عندي قرار بأن أكتب المزيد، ولا أرغب بذلك، سيّما وقد انقضت الحاجة، ولكنّ لسبب ما، سأضطر لاكمال ما سبق، من حيث انتهى محدثي.

يقول:

ما أن انتهى من تلك الجملة القصيرة حتى بدأنا نلتفت يمنة ويسرة بأعين ملؤها التساؤل عن الداعي لها؟
كنّا كمن استفاق من نوم عميق على وقع ضربة مؤلمة. في وقت أنت أحوج ما تكون به للدعم والتأييد لمثل هذا التحرك، تسمع فيها جملة تخبطك، كأنها جدار وضع فجأة أمام سيارة مسرعة تقودها.

انتشرت كهرباء السلبية في المكان، وبقينا مشدوهين لفترة. لا ننسى هذا الموقف الصادم.

ومضت الأيّام حتى صار الغزو، ثم التحرير، ومعه ذهبت كل القيود التي كانت مفروضة، وزالت كل تلك المضايقات وتحررنا من كل الضغوط.

ومع أوّل انتخابات لمجلس الأمة، عدنا لوضع ما قبل الثمانينات وأحداثها، بل وفي صورة أسوء بعشرات المرات منها، فقد طلّت رؤوس «الرغبات الشخصية»، وخلطناها بأغلفة زاهيّة من الشعارات، واعتبر أن الخاطئ من يخالفنا (نحن) كأشخاص! فنحن الحق، لا سوانا.

لا زالت كلمته ترنّ بأذني. تحت الضغط الشديد، وحين نصبح كلنا خلف هدف ما كل الفوارق تزول، وكل الاختلافات تتضاءل، ومن كنت أرفض اعطاءه خدي الأيمن بالأمس، أصبحت أدني وجهي بكامله له اليوم، ولكن ما أن ينزاح الضغط، ويصبح الهدف الذي أردناه محققًا، أو هكذا شُبّه لنا، حتى يعود كل منّا لطبيعته، ويعود الأرنب لجحره، والثعلب لصيده، والأسد لعرينه.

في غمرة الإحساس بالقضيّة فقدنا كل شعور بما بعدها، وعميت أبصارنا عمّا فيها. تجاهلنا كل ما يفرقنا، كنّا كالعطاشى نرى الماء في كل شيء، ونغضب إن قيل لنا ليس هناك ماء.

ولكن التجاهل لا يرادفه النسيان! ما أن انتهت تلك الفترة المظلمة، حتى كان أوّل تنازعنا على أثواب البطولة، وكلٌّ يجر النار إلى قرصه، وتمادت النار فأشعلت كل شيء.

أكمل محدثي:

اليوم، حين أعيد تذكر تلك الكلمة، أرى كم كنّا عاجزين عن الرؤية، وكيف أننا عشنا في دائرة من الوهم، يكذب كل منّا على الآخر، ونتظاهر بتصديق هذا الكذب! تجاهلنا طبيعتنا البشرية، ولكن إلى مدى يمكننا السير في هذا التجاهل؟ إلى أي مدى يمكن للأرنب أن يجلس بجانب الثعلب؟

أجابنا الشيخ، ولم نسمع اجابته. فالأذن تسمع ما تريد، والعين ترى ما تشاء، والعقل يكذب علينا بما نرغب، وطالما كان الوعي "مستلبًا" بحجة الإنشغال باللحظة، فإن من يحاول تبصرتنا به سيكون نصيبه نظرات الريبة، وكلمات الاستهزاء، أراد أن يقول لنا: طالما أنّ فيكم ثعالب، وأسود، وأرانب فهذا الموقف الذي تتخذونه مجرد موقف مؤقت، موقف تحتمه المصلحة، القضية الآنية، الضغوطات الهائلة سمّها ما شئت، كما جلست كل هذه المخلوقات وديعة بجانب بعضها البعض حتى انتهى الطوفان.

لا تغرنّكم الحماسة، ولا تأخذكم الحميّة فـ«ما أكثر الضجيج، وأقلّ الحجيج». وما أكثر المبادئ الجميلة، كالنبت الحسن، في المنبت السوء، إنّكم ترون الغاية التي تريدون، ولا ترون الوسيلة التي تستخدمون!

الآن بعد هذا العمر، وكل هذه السنوات وما مرّ فيها، عرفت مغزى كلامه جيّدًا، عرفت كيف كان ينظر لشيء كنّا نتجاهله، اشتمَّ رائحةً سددنا أنوفنا عنها، وادعينا عدم وجودها.

هذا هو الفرق بين من ينظر لطرف أنفه، ولا يرى بعد عبادان قرية، وبين من يجلس في المحمّرة، وهو يرى العالم كلّه منها.

ختم قوله:

هذا مو زمن الكلام، هذا زمن السكوت، النّاس ما يحبون أحد يقولهم: أحلامكم ما تشوفونها إلا إذا كانت عيونكم مغمضة!

=> هذه التدوينة تابعة لـ قصة قصيرة، وألفت الانتباه إلى ضرورة قراءة خاتمة التدوينة السابقة.

5 يناير 2011

قصة قصيرة

بالتأمّل تُكتسب الحكمة.

بقلّة التأمل تضيعُ الحكمة.

من عرف هذا السبيل المزدوج للتقدم والرجعة،

فعليه أن يضع نفسه حيث تنمو الحكمة.*

مهلاً، ليست هذه القصة! إنما مجرد توطئة للآتي:

حدثني أحدهم مرة:

في غمرة الأحداث بالثمانينات، وفي ظل القمع الذي كان يُمارس بشدة، لدرجة خروج الشاب من بيته وهو لا يعلم هل يبيت ليلته في سريره أم بـ«فندق السعادة»، أصبحت المداومة على المساجد أو الحسينيات تهمة من لا تهمة له.

ومع تزايد وتيرة تلك الأحداث، وما حصل فيها، بدأت الملاحقات الأمنية، وتدخلات رجال الأمن والقوات الخاصة تكثر، لدرجة أنها أصبحت لا ترى بأسًا في تحويط المساجد أثناء الصلاة يوم الجمعة ومنع المصلين وفضهم، واعتقال من تشاء منهم وفي أحيانٍ كثيرة تكتفي بملاحقتهم ومراقبتهم دون سبب أو داع لمجرد زرع الرهبة وزيادة في القمع الأمني مزامنة مع العزل الإجتماعي الذي مورس بشدة أسوء من ذلك القمع بكثير.

ويمضي متحدثًا:

بعد ما جرى في مسجد الإمام الحسين –عليه السلام-، حيث مُنع المصلون والرواد وباتت هناك تهمة في القانون اسمها الصلاة في هذا المسجد! أصبح القرار أن يتم الإعلان عن مسجد صباح كل الجمعة ونشر الإعلان بين الشباب والرجال من كافة التيارات والإتجاهات على اختلافها ليتوجه له المصلون بكثافة، لمباغتة قوات الأمن قبل أن تفرض حصارها على المسجد، كنوع من الرفض لما يحدث، وتسجيلٍ لموقف ثابت قبال ما يجري، وفي تحد مباشر لكل أوامر القمع التي وصلت لمنع الناس من ارتياد المساجد، واعتقال المصلين ومداهمة منازلهم بلا مراعاة لحرمة البيوت الآمنة.

وقع القرار في إحدى الجمع أن تكون الصلاة في مسجد مقامس بمنطقة الرميثية، بإمامة الشيخ محمد نجم الدين الطبرسي.

وهو العالم العرفاني الذي انشغل عن الدنيا بعبادته، وروحانيته، ونورانيته التي يبثها أينما حلّ، لم تسحبه السياسة، ولم تجذبه الدنيا، ولم تطرا على لسانه كلمة لها علاقة بكل ما يجري، فهو يعيش في عالمٍ ارتقى حتى بات كل شيء دونه مجرد ازعاج يلوّث الأحياء.

أكمل قائلاً:

وامتلئ المسجد يومها حتى غص بالمصلّين، حضر الشيخ، أذنّ المؤذن فصلّى الإمام بالمأمومين، وما أن انتهت الصلاة حتى قام وإلتفت ناحية المصلين، ولم يكن ذلك من عادته:

« ... هذا الجلوس وهذا الاجتماع هو مثل جلوس الأرنب بجانب الثعلب، واجتماع الأسد مع الغزال، في سفينة نوح –عليه السلام- ... »

سأنهي الحكاية هنا لغاية في نفسي.

وأعتذر لأنني نقلتها بـ(المعنى) أو (المضمون)، فقد نسيت الكثير من التفاصيل لتقادم الزمان على سماعي إيّاها.

لا أعلم ما الذي جعلها ترن في أذني منذ ليلة رأس السنة، وأنا أهملها لقلة الوقت، وزحمة الأشغال حتى خبت صوتها، ورجعت خائبة لكهفها في الذاكرة لتكمل بياتها الأبدي.

اليوم أوقظتها على عجل واستدعيتها فأتت لي عرجاءَ منقوصة تلملم طرفًا هنا وتنسى آخر هناك، وكأنها تقول: اليوم؟ وقد انطفأ بريقي واعوج عودي!

هذا لعله من المواضيع القليلة التي لن أسهب بالتحليل والحديث فيها، والسبب بسيط فالحكايات لا تأتي وبطاقة تعريف على صدرها، لتخبرك بالمغزى منها، أو تحدد لك ما تستنتجه وتستخلصه من فوائدها، فلكل شخص تصوراته، وهذه التصورات هي التي تحدد الإطار الذي يريد رؤية العالم من خلاله.

ولهذا الأمر لا أريد رسم طريقٍ يجعلك بـ«الإجبار الناعم» –كقارئ / قارئة- تصل إلى المعاني المستترة التي وصلتُ لها أنا، أو إلى التفسير النفسي الخاص بي لها.
قد تتساءل: لماذا ذكرتها إذًا؟
الجواب: حتى أتخلص من شعور (الإتهام بخطف مفتاح المعرفة)** الذي بات يزعجني.
واسمح لي أن أطلب منك، أن تتأمّلها حتى تجد تفسيرك الخاص لها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*بوذا، كتاب الداماباد.

** انجيل لوقا، الاصحاح 11:
«الويل لكم أيها الناموسيون، فإنكم خطفتم مفتاح المعرفة فلا دخلتم، ولا جعلتم الداخلين يدخلون»




17 أكتوبر 2010

كتاب الخرفان


أرسل الشتاء نسماته لتستطلع سكنه في الشهور القادمة.

لملمَ الربيع متاعه ورحل متعلقًا بأذيال أسراب العزاء التي نظمتها الطيور

واختلط نشيجها بصوت صفير الرياح الباردة الآتية من بعيد، التي

قدمت هذا العام متثاقلة الخطى لتخنق حرارة الشمس مبكرًا بردائها.

وأُجبرت الأرض على الشحوب، فأسقطت الأشجار أوراقها على خديها

حزنًا حتى انحسر الغطاء عن رأسها.

***

محتارًا، انتصب أمام النافذة، يشاهد بعينه الحمراء الجدب يرخي سدوله حوله.

وصوت الجوع يقترب بألحانه الكئيبة من غنمه.

- لم يعد هناك ما يكفي.

مشى قليلاً، ثم جلس على الأرض، وضع يديه على رأسه، ودسهم بقبر أعده بين ركبتيه وهو يسترجي الظلام أن يطرق الباب ليدخل ويعميه عن رؤية ما يخشاه. بعد دقائق، بُعثت فيه الروح، رفع بصره، نظر يمنة ويسرة ..

أنارت بقايا النجوم ظلاً يقف بهدوء في الزاوية البعيدة، تهللت نفسه: وجدتها!

***

مضى الأسبوع الأول، تبعه الثاني، وأتى الثالث.

ومعه بدأت الغنمات تسمن أكثر فأكثر مبشرة بربح وفير هذا العيد,

- رائع! قال وهو يترقبهم.

أكمل: أخيرا .. هناك فائدة من هذه التركة الثقيلة.

***

في بداية الأسبوع الرابع، قررت السماء أن تبكي.

فتح الباب المحشور في الزاوية، مد يده داخل البطن الذي خوى،

بحث كثيرًا هذه المرة حتى وجد شيئًا أخرجه منه، وخرج.

على وقع ارتطام دموع السماء بوجنات الأرض،مزّق الصفحات، ومع كل صفحة يصمت طيرٌ من الشادين في الخارج. بقيت الصفحة الأخيرة مزقها وهي تئنّ مع صوت الرعد: الصوت الوحيد الذي نجا من مصيدة المطر.

انتهى .. فتوج المأدبة اليومية لأغنامه بها!
***

آثر أن يبقي مع الغنمات يؤنسها بطعامها، ويتسامر معها، يربت على ظهورها، ويتأمل الأحلام التي رفع ظلام الزريبة ستارتها، ريثما تهدء فورة الحزن السماوي التي حبسته بين أطباقها.

و حيث بقي بين غنماته، يسافر من حلم إلى آخر بعقله، وينتقل من غنمة إلى أخرى برجله، تعثر بغلاف الكتاب الذي مزق صفحاته،قام يشتم، ويصرخ هذا الحظ السيء، وهو ينفض الغبار من ملابسه أنار البرق لحظتها الدهماء حوله ..

فكشف عن عنوان الكتاب، وكان: «الأدمغة الفارغة»*


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الأدمغة الفارغة اسم لكتاب حقيقي، مؤلفه هو جرجي كنعان، وهو بالمناسبة غير مجاز من الرقابة في معرض الكتاب!

1 أكتوبر 2010

حساسية: حوار

- في بداية البالتوك كنت أدخل غرف المسيح والملحدين وأسمعهم يسبون الله والنبي وما اتحمل اطلع منها وأنا جسمي تحوشه قشعريره، موشي سهل انك تسمع مقدساتك تنهان جدامك.

بعدها قمت ادخل واسمع وابحث عن ردود .. بعدها لا، قمت ادخل وشارك .. والحين صار عندي قبول إن هذي هي الدنيا لابد وأن يكون فيها مثل هالناس

- طبيعة المماحكة إنها تزيل الحساسية، كل شي في بدايته يكون صادم ومع الأيام يتم التعود عليه وبعدين يتحول إلى جزء من بيئته ثم بعدها يصير مكوّن أساسي من مكوناتها.. ويصير مثل ما يقول "كويلو" واقع تم ايجاده للعيش وفقه!

وإذا ما قدر يكسر دائرته الإنسان، راح يظل في مكانه ..

- شوف أنا قاعد افهم اللي قاعد يصير الحين بناء على رؤية (هيغل) .. التطور يحدث نتيجة لطرح فكرة، هذي الفكرة تحمل في ذاتها نقيضها، ويستغل الآخرين هذا النقيض في طرح فكرة مستولدة منها لكن محسنة .. وجذي تبدي مسيرة التطور .. فكرة لها جوانب سيئة وجوانب حسنة .. مع الزمن تاخذ الاجيال القادمة الحسن منها وتهذبه وتطرح السيء وترميه

- يعني نوعٌ ما من (التحدي والاستجابة)  .. المثقفون أو من يفترض انهم مثقفين يتولون مهمة طرح الأفكار كتحديات ويستجيب لها المجتمع وبحسب درجة الاستجابة يتطور .. لكن السؤال هو: هل مجتمعنا قادر على الاستجابة؟

- عوام الناس ما عليهم حرج فطبيعة العوام إنهم مثل ما قال الإمام علي عليه السلام: همج رعاع ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح .. فدورهم هو دور التابع لا المتبوع .. فجواب السؤال يكون بسؤال وهو هل يوجد مثقفين؟

أقدر أقول إنه للأسف : لا يوجد. من أهم مسؤوليات المثقف إنه يختصر المراحل التاريخية لمجتمعه لايصاله لآخر مراحل التطور لكن اللي قاعد يصير عندنا هو سحبهم للخلف .. في إحياء طبائع وصفات المفروض إنها تندثر ..

- مو مشكلة، بهالكلام تُثبت الأصل وهو أنّ هناك مثقفين لكنهم مثقفين سلبيين .. ما عندهم القدرة على الاستفادة من التاريخ للمدى البعيد لكنهم يملكون القدرة على الاستفادة من طبيعة المجتمع الفكرية للاستفادة الآنية

- شلون يعني؟

- طبيعة المجتمع عندنا انه للأسف يتفاخر بأشياء مو من انجازاته، قرأت مرة مثال لطيف وهو إن الشخص عندنا يركب سيارة بأحدث موديل كأنه هو مخترعها وصانعها بينما حتى الفأر لو جمع فلوسها يقدر يشتريها! هذا المثال يبين إن المجتمع قاعد يغرق نفسه في أشياء مستوردة ويتعامل معاها تعامل سطحي جدا، ولهالسبب صارت مثل هالقضايا منجم ذهب للمتكسبين لانهم بتحفيزهم وتجييشهم للناس يوحون لهم بأنهم هم أصحاب (القرار) والربحانين بينما يسرق هذيل قرارهم بدون ما يحسون..

- ذكرتني بقضية تكلم عنها (...) لما صارت سالفة الرسوم الدنماركية وهو كيف تم تجييش هذي الشعوب كلها في حملة عالمية ضد جريدة ورسام مغمور وفي نفس الوقت أبشع من هذي الرسوم موجود عندنا وفي العالم ويبث حتى الفضائيات وما صار هيجان مثل اللي كان .. هالشي رجعني لكلام مالك بن نبي لما كان يشرح كيف أن الاستعمار كان يصنع رجال وطنيين – وهم بالواقع كذلك – لكنهم من حيث انهم يعتقدون انهم يحاربون الاستعمار فهم يخدمونه بدون ما يحسون

مثل سالفة الدب اللي اراد انقاذ صاحبه من الذباب فهشم وجهه بصخرة

- ممكن .. ليش لأ؟ بس واضح إن اللي قاعد يصير له مسارين الاول واضح جدا وهو استغلال الوضع لتحقيق اكبر قدر من المكتسبات وللي الذراع وإعلاء الصوت .. والمسار الثاني هو (القوة/ اليد الخفية) بحسب مفهوم آدم سميث .. القوة اللي تخليهم يعيشون حالة (الدب) وبالتالي يساهمون في إزالة الحساسية من هالمواضيع من حيث إنهم يبون يزيدون هالحساسية .. مثل ما صارت سالفة الرسومات حاليا تمر مرور الكرام ومثل ما صار مع الملحدين بأن لهم وجود فعلي يمكن يكون مضحك .. لكن هذي الدنيا صندوق يجمع المتناقضات .. وعلينا تقبلها

- أنا اشوف هاللحظات لحظات تاريخية بمعنى الكلمة .. كانط يقول بأن التاريخ هو سجل لحماقات البشر .. من يكتب التاريخ أو يصنعه غير ثلاثة إما عبقري أو مجنون أو أحمق وهو الغالب؟

مع كل هالحماقات فاحنا نستفيد من التاريخ لانه لولا حماقات التنافس والغرور أو المصادمة وغيرها لصار عندنا جمود وسقف الحرية بحاجة لمثل هالاشياء لرفعه

- يعني إنّ اللي قاعد يصير أو صار هو بمثابة (حتمية تاريخية) .. وجهة يفرضها علينا التاريخ لازم تكون موجودة أو توجد .. وابن خلدون يقول بأن الحوادث التاريخية تجري مجرى الظواهر الطبيعية لا يمكن لنا السيطرة عليها!.. وأكبر دليل هو إن الصوت الواعي في ظل هالصياح يتم اخماده أو اهماله .. كعادة التاريخ!

- أو تقدر تقول (ضرورة تاريخية)، شوف برجع مرة ثانية لسالفة الرسوم الدنماركية كان واضح انها متاجرة باسم الرسول –صلى الله عليه وآله- من قِبل كيانات أو أشخاص والناس كعادتهم اتبعوا الصيحة وركبوا الموجة .. كانت حالة انفعالية من عامة الناس و واضح جدا انها حالة مدعومة ومستغلة من قِبل أطراف ..

- جذي نرجع للمربع الأول: مشاكلنا مستوردة ومصطنعة ... بمعنى إنها بأغلبها قضايا وأمور تمر علينا يوميا مرور الكرام .. لكنها فجأة تتحول لقضية الشارع بدون مسوّغ منطقي ..

- طالما إن العامة هم اللي بإيدهم القرار فمثل هالشي غير مستغرب، إذا كان في الماضي هناك (نخب) تقود الشارع بفكرها فالحين هناك (نخب) يقودها شارع مستثار بشرارة يُطلقها أي طموح لمنصب (نخبوي) ..والشارع مثل الفرس الجامح تستثيره بسهولة وتستفيد من طاقته لكنك ما تضمن لأي درجة يمكنك السيطرة عليه

* * * * *
المكتوب هو أجزاء مقتطعة من حوارات مختلفة مع صديقي العزيز ، بعضها كُتب كما هو، وبعضها كُتب بتصرف بسيط، وهناك الكثير ممّا لم يُكتب.

26 أغسطس 2010

متفرقات



* 57 5860 كانت من الأرقام التي فازت بالسحب في الاحتفال بذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، أمس.

بينما ظل الرقم 59 مطأطئ الرأس بيدي، عادت بي الذاكرة لحظتها إلى ذكريات الدراسة.

كان دومًا في منافسة حامية مع الآخر، ودائمًا كان الثاني. في رابعة متوسط انتقل الأول إلى مدرسة أخرى، فاستبشر خيرًا، رحل المنافس وبقي هو.

في نهاية السنة، أحد الطلاب المغمورين، وهذا من العجائب، بدأت تظهر عليه أمارات العبقرية فجأة فاقتنص المركز الأول!

ليقول لنا "المستبشر المحبط": أنا حتى لو أدخل منافسة مع نفسي، أطلع الثاني عليها!

بعضهم مكتوب عليه ألا يتعدى حدودًا معينة، مهما حاول أن يجتازها لن يستطيع، كأنه كتب عليه أن يعيش بالظل، ويتقبل الأمور كما هي، ينتظر أن تأتي إليه، ولا يستطيع أن يأتيها، ولسان حاله:

«ألبث في سكون، لا أفعل شيئًا .. الربيع يأتي، والعشب ينمو من تلقاء ذاته»[1]



* نظرة العقاد للمرأة، تستحق التوقف عندها لتأملها، من عباراته في وصفها أنها : مخلوق تابع لا متبوع.

يبدو أن حدود المرأة غالبًا لا تتعدى دائرة التبعية، وهذا ليس استنقاصًا لها، ولكن مجرد ملاحظة، ولعلّ التكوين النفساني لها يقودها إلى فعل هذا الأمر، ومهما حاولت أو حاول هذا العصر تذويب هذا الشيء، فإن الممارسة الفعلية تعود لتسلط عليه الضوء.

لا أريد التوسع في هذا الموضوع، قد يأتي وقته لاحقًا، إنما ما أود الإشارة إليه هو حدود قدرتها على صياغة فِكر منفرد. كما لا أود الخوض في جدال أكاديمي، على كل حال أتكلم هنا من باب المشاهدة الشخصية، وما دفعني لهذا هو حالة تكررت معي لمرات كثيرة.

زوجها رجل صاحب فكر غريب، وشهادة عالية، معروف بـ"أبو الشطحات" ولكن النقاش معه ممتع. عدة مرات تعيد زوجته طرح أفكاره كما هي بلسانها أمام الجميع، وحين أسألها عن دليل ذلك؟
يبقى السؤال بسطر فارغ تحته، دليل على الـ"لا جواب".
بعكسه هو الذي قد يشرّق ويغرّب، المهم عنده أنه تكلم وأتى بدليل ولو كان أضعف من جذع البقدونس!

هي، مثال بسيط، ومثلها الكثيرات مرّوا عليّ، على تذويب عقولهن في افرازات عقول الآخرين.
لماذا تذوب أفكارهن في أفكار رجالهن؟ ويعمدن إلى الإيمان بها دون أدنى نظر فيها؟

يقدّم فرويد إجابة، الأدب يحتم عليّ ألا أنقلها، وأكتفي بجزء يسير منها مسموح له بالنشر: لا تستطيع - أي المرأة- التأثير في أي شيء.



* حالة الإمعية، حالة يعيشها أشخاص كثيرون، عرّف صاحبها ابن منظور في لسان العرب بأنه: الذي لا رأْي له ولا عَزْم فهو يتابع كل أَحد على رأْيِه ولا يثبت على شيء[2].

فإذا كانت المرأة، مخلوق تابع. وللرجل قوامة. فإنّ الكثير من الرجال –للإنصاف- يتنازلون عن هذا الأمر ويدخلون في ركب «الإمعات».

قد نعجب بشخصية أحدهم، بكاريزميته، بكلامه المعسول، بقدراته الخطابية، ولكن لا يوجد ما يبرر اقتباس أفكاره والإيمان بها لهذه الأسباب وحدها.

«من قال لا أعلم فقد أفتى» ليس عيبًا أن نجهل شيئًا أو أشياءً، وليس عيبًا أن لا نملك ذهنًا حاضرًا أو سرعة بديهة في الإجابة، هذه أشياء يمكن معالجتها، ولكن من المعيب جدًا أن ندعو لفكر ونعتنقه ونحن لا نفهمه ولا نهضمه، ونعجز عن شرحه! ومن الأعيب الإنطلاق في إصدار الأحكام دون الوقوف على حقيقة ما يتم الحكم عليه!

أنا أستغرب ممن يدعو إلى فكر، أو رؤية جديدة، وهو يعجز عن شرحها، وبيانها، وإذا سألته حوّلك للآخرين، ويجعلهم يتكلمون على لسانه. هذه حالة إمعية بامتياز.

على الأقل المرأة تتكلم بلسانها!

ليست في مجال الفِكر فقط، حتى في الحياة اليومية لا يملك موقفًا محددًا {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [3]



* العيش في الظل، من الأشياء الممدوحة.

« إنّ قدرتم ألاّ تعرفوا فافعلوا.

وما عليك إن لم يثن عليك الناس؟ وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس؟ إذا كنت عند الله محموداً»[4]

ولكن ليس من معاني هذا الشيء أن يعيش "عقلك" في الظل أيضًا.في كل الأحوال يجب أن يكون الإنسان صاحب رأي وموقف وشخصية. أن تحب يعني أن تكره، وأن تؤمن يعني أن تكفر، وهذه بحد ذاتها مواقف قطعية.

تؤمن بشيء وتكفر بما عداه، تحب شيئا وتكره نقيضه «وهل الدين إلا الحب»[5]، وهو الحب الفطري: حبّ الكمال، تقترب منه وتبتعد عن النقصان.

هناك فرق بين ظل يعني انعدام الشخصية، وظل يعني عدم الرغبة بالظهور.

بين جعل النفس مجرد "سماعة" لا يصدر منها إلا أقوال الآخرين، وبين اجتناب الجدال والنقاشات الفارغة.
بين الصمت عن علم، وبين التكلم بجهل!

«الحكيم لا يتدخل في مسار الأشياء»[6]



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] لاو تسو. فيلسوف التاوية الصينية.


[2] لسان العرب، مادة : إمع.


[3] سورة النساء، 143.


[4] رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، بحار الأنوار ج 73.


[5] رواية عن الإمام الباقر عليه السلام، الكافي.


[6] لاو تسو.