19 أغسطس، 2010

شيء عن القراءة

القراءة كالكتابة، لها مزاج خاص يحكمها، و وقت خاص يَأتي ولا يُؤتى، فقد تتزاحم الأفكار في الرأس ترجو الخروج، ولا تطاوعها اليد ولا تخضع النفس لكونها تعيش لحظة من لحظات الإدبار. قال لي ذات مرة بأنّ الكتب بالنسبة له كالناس، لها أرواح مجندة، كما أنك ترتاح لشخص لا تعلمه وتستسيغه، وآخر تراه لأول مرة و "لا تبلعه"، كذلك هو مع الكتب يألف يعضها، وبعضها لو انطبقت السماء على الأرض ما استطاع أن ينهيها، كأنه معها مغناطيس، قطبه السالب يواجه قطبًا سالبًا آخر، على قدر ما يتقاربان يتنافران.
.
وهذا الأمر، مجرّب، أقلّه بالنسبة لي. قد لا نلاحظ بعض الظواهر لاعتبار أننا مشغولون عنها بما هو أهم. من ذلك عدم قدرتنا على التفاعل مع كتاب ما، والذي قد يكون لمؤلف مشهور ومحبوب أو في موضوع يمس جانبًا من اهتماماتنا، ومع ذلك تظل هناك قوى خفية تجعلنا نستثقل هذا الكتاب. في ظل ما تفرضه الحياة علينا لا تكون هذه محطة تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها، ولكن منذ لَفتَ انتباهي لها، وأنا أرصدها بدقة، فقد تراجعت كل الاهتمامات خلف هذه.
حين نضع تركيزنا في شيء، فإن جميع ما نتصوره مهمًا ولا يمكن لحياتنا المضي دونه، ولأجله نهمل باقي الأشياء، يبدو ثانويًا. في هذا درس عنوانه: حب التظاهر بالإنشغال. أمّا لماذا؟ فسيأتي يومًا إن شاء الله.
.
هو نفسه أخبرني أنّ للقراءة عنده طقوس، حاولت أيضًا استقراء طقوسي في القراءة ولم أجدها. ولعل السبب هو كون الطقوس تتعلق بنا فقط، وليست مشتركة مع الكتاب، وتعني قدرتنا على اتخاذ الوضعية المناسبة لممارسة عملية «القراءة»: نقل الحروف المرسومة أمامنا إلى العقل وتحويلها إلى لوحات تعطي معانٍ مختلفة في الذهن.
.
كان سقراط يرى عملية «القراءة» على أنها مجرّد إعادة إحياء أو إيقاظ للحكمة الموجودة داخل الإنسان. وإذا كانت الحكمة عند اليونانيين هي الفلسفة، فقد نظم أبو جعفر الخراساني رحمه الله في القرن الماضي، 4602 بيتًا في أرجوزته يرد بها على من يدعي أنّ الحكمة هي الفلسفة، مستخلصًا إلى الحقيقة كما ذكرها: حكومة العقل والبرهان، تُقرر بما ورد في النصوص المعصوميّة.
.
والواقع أن هذه النتيجة صحيحة، بغض النظر عن الإتفاق أو عدمه مع مصداقها، إلا أننا نمارسها في كل مناحي الحياة بجعل مستند يمثل المرجعية لكل الأفعال والأقوال والأحكام، قانون المؤسسات في العمل، والقانون الجزائي في الدول، والأعراف في المجتمع، والنص في الدين، وما إلى ذلك. العقل كالفرس الجامح يجب أن يروض بالحاكمية. ومهما اختلفنا مع هذا الحاكم أو عارضناه، وجب تطبيقه وإلا اختل النظام وبانت الشطحات، وتهاوى كل شيء.
.
ولهذا السبب كنت، ولا زلت، أعتبر دعوى «العقل المجرد» نكتة لطيفة، لا أكثر، تحكي واقعًا موجودًا بالمخيلة، فللفلاسفة عقل، وللمتصوفة عقل، ولكل ملة وطائفة ومذهب وفكر عقل، يُعرّفه أصحابه كما يشاؤون، وكم من جناية، وجهالة، تُلصق بهذا العقل وهي نابعة ممّا سماه الدكتور گلشني: آثار الآيدلوجيا والاتجاهات الفلسفية. نفسها الآثار التي وصفها «فرانسيس بيكون» بالأصنام التي تجعل الشخص يؤوّل كل معرفة إلى ما يريده، فيصبح عقله أسيرًا لنفسه.
إن الإتفاق على المرجعية، أهم من اللغة، فهي التي توفر للبشر أرضية التفاهم. جميع المعارف والثقافات تصبح بلا فائدة أو قيمة أثناء الحوار أو النقاش أو حتى الإطلاع إذا كانت تستند إلى أحكام مختلفة. الأمور ببدايتها أكثر من نهاياتها.
.
القراءة بحد ذاتها متعة لا يضاهيها شيء، لدرجة أنها تستحق الحياة، كما قال مالكوم اكس: بإمكاني أن اقضي حياتي كلها بالقراءة. بشرط أن تكون بنقد، لا انقياد، و وعي لا توهم للوعي. فالعلم بالشيء يختلف عن الوعي به وإدراكه.
هذه كلها مجرد أفكار عابرة، مرّت بذهني وأنا استحضر الإجابة لأسئلة الفاضلة «ٵنثے ملآئكيـﮧ ~»، لعلَّ بعضها بحاجة للتوسع، وبعضها للشرح، وبعضها غير مفهوم أساسًا، على كل حال هي خلجة من خلجات النفس.
.أما إجابة الأسئلة فهي:
.
- ما هي كتب الطفولة التي علقت بذهنك؟
كتب كثيرة. لكن أبرزها رواية لأغاثا كريستي عنوانها بحسب الترجمة البيروتية الرخيصة في ذلك الزمن، «جزيرة الموت»، درسها الأوّل لي: الحقيقة قد تكون مخادعة.
.
- من هم أهم الكتاب الذين قرأت لهم؟
الأهمية هنا، أهمية نسبية، ولأنها لم تحدد بالنسبة لي أم للغير، فستكون الإجابة عامة.
تولعت لسنين بالمذاهب، فقرأت فيها الكثير ومكتبتي تحوي أكثر من كتب المذاهب المختلفة، فقرأت لأبرز من كتب فيها.
ثم تولعت شيئًا ما بالفلسفة، فقرأت فيها، بشقيها الشرقي والغربي، كثيرًا لأبرز مفكريها.
ثم انتقلت لعلم الإجتماع، والنفس، وعلى نفس المنوال.
لذلك لا يمكن تحديدهم بدقة، إلا بتحديد المجال بعينه.
وإن كان هنّاك كُتاب لا استغني عن كتبهم ومقالاتهم كالشهيد مطهري.
.
- من هم الكتاب الذين قررت ألا تقرأ لهم مجددًا؟
إحدى آفات القراءة الكثيرة هي حفظ أسلوب وأفكار كاتب معين، بحيث تفقد المتعة لأنه بالإمكان التكهن بما يمكن أن يقال.
أنيس منصور أبرزهم.
.
- في صحراء قاحلة، أي الكتب تحمل معك؟

كتب الأحاديث. أجد فيها متعة وشحذ للذهن.
أحب أن أقضي أوقات فراغي في تصفحها.
.
- من هو الكاتب الذي لم تقرأ له أبدًا، وتتمنى قراءة كتبه؟
قرأت مقتطفات كثيرة للسيد الخوئي قدس سره، ولكني لم أقرأ كتابًا له، باستثناء بعض الفقهيات.
في الرحلة الأخيرة للعراق استطعت الظفر بكتاب كنت أبحث عنه منذ زمن طويل له، وحصلت عليه ولله الحمد.
كذلك كارل يونغ، قرأت مقالات كثيرة له، ودرست بعض نظرياته، وأتمنى أن أقرأ كتبه، وهو المشروع القادم بإذن الله. ولدي عدة مقالات وكتب في المسيحية للمرحوم البلاغي لم أقرأها حتى الآن، وباستثناء بعض أشعاره، لم أقرأ له شيء.
.
- ما هي قائمة كتبك المفضلة؟

كتب الأخلاق وعلى رأسها سفر نفيس اسمه (جامع السعادات)، وعلم الإجتماع.
.
- ما هي الكتب التي تقرأها الآن؟

التدين والنفاق بلسان القط والفأر، للعلامة البهائي ( بهاء الدين العاملي) قدس سره.
اختلال العالم، لأمين معلوف.
وأتصفح بعض البحوث الفكرية، والإعتقادية.
.
تبقى نقطة أخيرة أشير لها، وهي أن لكل شيء آفة، وآفة القراءة شيئان متحدان: النسيان والذاكرة الضعيفة، وكلاهما أعاني منه.
ولولا الأوراق الصغيرة، لما بقي شيء في ذاكرتي ممّا أقرأ أبدًا.
والأسئلة موجهة للجميع، لمن يشاء الإجابة عنها.


هناك 10 تعليقات:

Don Juan يقول...

تصدق يا بوحسين صايرتلي حالة و انا اقرى
ما اقدر اكمل الشي الي اقراه !!
يعني على سبيل المثال قاعد اقرى كتاب عن صدام " Saddam Hussein : The Politics of Revenge " ,, و ماكو حدي اقرى صفحتين ثلاث صفحات و يهزمني النعاس !!
قلت خل اقرى كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي ,, برضك نفس الحالة :/
شالحل يا بوحسين ؟!

نبراس علي(ع) يقول...

ماشاء الله انت وصغير قريت روايه اغاثا كريستي .. خبري بمرحله الطفوله يقرون مجلات قصص تناسب الاطفال وعمرهم..


سمعت الكثيرين يمدحون بكتاب جامع السعادات .. قبل حملته بجهازي بس تصفحت ولم اقراهـ .. ان شاء الله ساقراهـ

CoConUt يقول...

المقال فيلسوفي جدا جدا...حاولت أن أفهم ماذا تقصد لكنني لم أفلح...خصوصا في الجزء الأخير من المقالة.
القراءة بالنسبة لي هي عادة اعتدها قبل الخلود إلى النوم و لذلك فأنا أفضل قراءة المجلات و الروايات التي يسهل إمساكها في وضعية النوم :)..هذه هي طقوس القراءة لدي.
مدونة جميلة جدا سعدت بقراءتها و أنتظر المزيد.

Safeed يقول...

Don Juan،،

الحالة اللي تمر فيها اسمها "بركة من الفيض الإلهي" عشان ما تلوع جبدك من كلام "عبدالرسول لاري" :)
وهذي حالة عرفانية، تدبر فيها النفس لعلة مو هذا مكان تفصيلها :)
غير الكتاب وشوف :(

====

نبراس علي (ع)،،

الله سبحانه وتعالى ابتلاني (أو حباني) بأن امتلك روايات اغاثا كريستي كلها، بما فيها بعض الروايات المنسوبة لها بالطبعات البيروتية القديمة، لذلك صارت ذكرى الطفولة مرتبطة بها.

جامع السعادات، كنز ثمين في الأخلاق.
كتبه مؤلفه رحمه الله بمسحة عرفانية فلسفية جميلة.

====

CoConUt،،

ربما قصور مني في التعبير. ملخص ما كتب.
- القراءة والكتابة حالات مزاجية لا نستطيع فعلهما بأي وقت، إنما ننتظر الوقت الذي تحدث فيه القابلية لهما لنفعلهماوهذه حالة عامة عند البشر.

- طقوس القراءة هي نوع من التعبير عن طريقتنا الامثل في استقبال ما هو مقروء. فهي تعتمد على ما نراه مناسبا لممارسة مثل هذه العملية، لذلك هي ليست حالة عامة، إنما حالة خاصة لكل شخص لأنها تعتمد على الوضعية التي تناسبه لاستخلاص الفائدة من القراءة.

- كل شيء بحاجة لمستند يتحاكم إليه. لا دولة بلا قانون، ولا مجتمع بلا اعراف، ولا مؤسسة بلا نظام.
لذلك فلا اعتبار للقراءة اذا لم يحكمها شيء، لانه لا يمكن استخلاص اي فائدة منها.

- من يقول بأنه يستند إلى (العقل) وحده، متوهم. فالعقل دون مرجعية تحكمه مجرد آلة طائشة. انظري لعدد الافكار الهدامة التي انتجتها البشرية تحت اسم العقل وحاكميته، لتري أنه جهاز لا طائل منه إن كان بلا شيء يقيده.

هذا هو ملخص بسيط لاهم الافكار المكتوبة :)

حياكم الله،
وشكرا.

Deema يقول...

أفضل الكتب هي التي لم أقرأها بعد

|:| DUBAI |:| يقول...

آخر مرة شريت كتب من سوريا ..
يمكن قبل سنة ..
و قبل شهور خلصتها ..
تتحدث عن عصر الظهور و الغيبة و الامام .. جدا جدا جدا جميلة و تقشعر لها الابدان ..

لا أدري لماذا الاغلبيه حينما يبدأون القراءة .. يبدأون من منطلق الدين و الروحانية ..

لو أقرأ اللي أقراه .. ما أتلذذ كثر ما أقرأ عن التاريخ و الدين ..

تعرفنا عليك أكثر استاذ ..

و ننتظر الجديد

Paris يقول...

صح الي قلته..
آفة القراءة النسيان و الذاكرة الضعيفة
ودّي لو بس اتخلص من هالصفه,,
لكن النسيان نعمه على كل حال

* مشالله عليك دايماً تعجبني كتاباتك و طريقة النقد لديك :)

Safeed يقول...

Deema،،

هل يمكن الحكم مطلقا على (المجهول) بانه أفضل من (المعلوم)؟

:)

=====

|:|DUBAI|:|،،

الدين يشكل أحد أضلاع تكوّن الشخصية الإنسانية.
إلى جانب الأبعاد الاعتيادية، يؤكد "يونغ" على البعد الديني : الشعور بالقدسية والحاجة للعبادة.
وبما أن الجانب العقلي أو الأخلاقي قابل للاكتساب دون ممارسة مكثفة للقراءة، فإن الجانب الديني على العكس لأنه يبتني على قواعد كثيرة.

ممكن تكون هذي هي الاجابة، وممكن لا :)

أسعد الله أيامكم بمولد المجتبى عليه السلام

======

Paris،،

النسيان نعمة ونقمة.
في حال القراءة، هي نقمة.
لا يوجد أسوء من انهاء كتاب لا يقل عن 500 صفحة مملوء بالمعلومات، ولا يبقى في الذهن منه إلا "تناتيف" قليلة!

حياكم الله.

ٵنثے ملآئكيـﮧ ~ يقول...

موفق إن شآء الله ،

Safeed يقول...

ٵنثے ملآئكيـﮧ ~ ،،

أجمعين إن شاء الله.
شكرا