
منذ الطفولة يسألوننا عن الأحلام، ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي نطمح لأن نصبح عليه؟ إلى جانب هذه الأسئلة كانت تصدر الأوامر: كن كذا، ولا تكن هكذا. ولم يكلف أحدهم نفسه ليتوقف لحظات ويقول: أنت كذا! هناك شمائل معينة تميز أبناء بيئتنا منها الميل لإصدار الأوامر حتى فيما يتعلق بالطموحات والآمال، والأحلام.
لا أذكر منذ طفولتي أنني سمعت أحدهم يجيب عن السؤال عن حلمه بأنه يرغب بأن يُصبح شاعرًا، أو رسامًا، أو كاتبًا، وأن يحول هذا الحلم إلى وظيفة وهويّة، دائمًا كانت الأحلام ذات سقف عال، مهندس وطبيب وطيار وإن تنازل قليلاً، نزل حلمه إلى ضابط ومحامي! وشيئًا فشيئًا تتحول هذه الأحلام إلى كوابيس تجعل معظم أفراد المجتمع يعيشون تحت غطاء الشعور بالفشل، وانعدام الإحساس بالقيمة، لأنهم لم يستطيعوا تلبية الأوامر التي أصدرها المجتمع لهم بأن يصبحوا من الطبقة المخملية وظيفيًا، الطبقة التي صورها المجتمع بأنها وحدها جنة النعيم وما عداها سقر وبئس المصير، أو إن أصبحوا منها اكتشفوا الواقع المرالذي يرتبط بها.
إن المجتمع يفتقد لنظرة واقعية لإمكانات أبنائه، ولا اعتبار عنده لتفاوت قدراتهم وامكانياتهم، وهذا الشيء دارج حتى على لسان الآباء والأمهات، فالمقارنة مع ابن الجيران أو أحد الأقرباء دائمًا حاضرة: شوف فلان؟ وبشنو فلان أحسن منك؟ وكأن السبب يعود لذات الشخص، وكأنه يعيش منفصلاً بلا ظروف تحيط به، ولا إطارات اجتماعية تحده من كل جانب، ولا إمكانات عقلية ترسم الفارق بينه.. وبين أخيه!
يعتبر التعود على إصدار الأوامر سمة غالبة، لأن طبيعة المجتمع تضع اعتبارها للشخص بحسب قدرته على إصدار الأوامر وتنفيذها، أو اجبار الآخرين على الخضوع لها، فالفشل في تحقيق مثل هذه الأحلام ينسحب على الاثنين: الحالم، ومن أصدر قرار الحلم! ومعنى الفشل هو عجز الأول وضعف شخصية الثاني!
من المضحك أن تسمى الرغبة بما يريد الشخص أن يصبح عليه بـ(الحلم)، وهي لفظة تعتبر مشتركًا لفظيًا مع ما يراه النائم في نومه من أحداث (لا واقعية)، وكأنهم يهيئون الأرضية لنا لأن نقبل الواقع المُر بما سيكون عليه، وقلة هم الذين ينجحون بتحويل هذه الأحلام إلى واقع، قلّة بعدد القلة الذين يرون (منامات صادقة) من خارج دائرة التوهمات وافرازات الفكر الباطن عند البشر.
قبل فترة بسيطة، اجتمعت مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين جمعتني معهم مشاوير الدراسة. حين أعود بالذاكرة لما كانوا يرسمونه من أحلام، وأقارنها بما وصلوا إليه الآن، أجد نفسي مضطرًا لأن اعتبر «سعود الليمونة» الناجح الوحيد منّا. إن عظمة الأحلام لا تأتي من صعوبتها، بل من بساطتها، فالناس يهيؤون أنفسهم للفشل حين يربطون أنفسهم بطموحات معقدة، تعتمد على غيرهم وظروفهم وهي أشياء ليست بأيديهم، أكثر من أنفسهم، نحن نملك القدرة على التكيّف مع الظروف، لا على صنعها.
معظم ما نسميه فشلاً، يرجع إلى عدم تهيئة النفس لما تريده، ولما تستطيعه، فنحملها أكثر من طاقتها، ونطالبها بأشياء ليست بمقدرتها. ألا ترى كيف أن ثقافة المجتمع تجبر الطفل على أن يختار مهنة عالية منذ طفولته، رغم أنه في معظم الأحيان، لا يعرف عنها شيئًا، ولم ينطق بإسمها إلا بإيحاء ملح من أهله؟ هي ثقافة المصادرة التي يتربى عليها هذا الشخص بحيث تصبح كل رغباته أن ينفذ أحلام الآخرين له، لا أحلامه لنفسه.
لقد كان المعتزلة، أفضل حالاً من الكثيرين، فهم يرفضون الإعتراف بالأحلام تحت ذريعة كون الإدراك والوعي –بحسب قولهم- مرتبط باليقظة، ولا يكون الإنسان مدركًا إذا كان نائمًا، لذا يرون الأحلام مجرد تخرصات، ولكنهم لم يقدموا إجابة على ما يُطلق عليه اليوم: أحـلام اليقظة.
أحلام اليقظة التي تتمثل بوجود عالم افتراضي، كامل، لا وجود لأي عقبة لا يمكن تعديها فيه، وهو عالم كاسمه لا وجود له. صحيح أن وجود العقبات لا يعني الاستسلام لها، ولكن من الخطأ الإعتقاد بأن كل عقبة قابلة للقفز من فوقها، إن معظم عقبات الحياة الواقعية أقصى ما يمكن عمله معها هو تفاديها أو مناورتها، أمّا حلها وتفكيكها فهذا أمر متروك للزمن.
أصدقائي الأعزاء، كانت روائح الفشل تحفهم من كل جانب، واحباطهم مستشر، معظمهم اعتبر ما وصل إليه مقارنة بما أراده فشلاً. لقد تناسوا أهم نقطة وهي أن الحياة لا توجد بها مسارات مستقيمة، وأصغر الحوادث فيها يمكن أن تنتج أكبر الكوارث، كما يمكن لحجر صغير لا يسوى شيئًا أن يدمر جهازًا تكلفته الملايين. لم يكن ما حدث فشلاً لهم، بل فشلاً لهذا المجتمع الذي تعوّد على زرع قيمة الفشل بين جنباته.
لقد علمونا أن نحلم، ولكن لم يعلمونا كيف نجعل من الحلم حقيقة، لم يعلمونا أن نعرف ما هو الأمر الواقع، يعتقد الكثيرون أن الأمر الواقع يعني الإستسلام ورفع الراية البيضاء، وليس هذا سوى بسبب ثقافة المصادرة التي يطبقها المجتمع على الأطفال منذ نعومة أظفارهم حتى يشبوا، هذه الثقافة التي لم تجعلهم يكتشفوا أنفسهم أولاً، ثم يجعلوا ما اكتشفوه مقياسًا لأحلامهم : وفي هذا يروى عن الإمام علي عليه السلام «ما هلك امرؤ عرف قدره».


