3 مايو 2010

ما هو حلمك؟


على عهد المتوسطة كان معنا طالب، ممن قارب سن التقاعد وهو لا يزال يدرس بنفس المرحلة، لقبه هو «سعود الليمونة» بسبب شكل رأسه البيضاوي كحبة الليمون، وحلم حياته كان يتكون من ثلاثة أشياء 1) الزد 2) الحرس 3) الزواج. انقطعت أخباره لسنوات بعد المتوسطة، ثم شاهدته عند باب الجمعية في أحد الأيام وهو يجمع أحلامه الثلاثة في مكانٍ واحد وقد تحققت. هذه القصة، حسبما أذكر أنني ذكرتها مرة في السابق، إلا أن هذا لا ينفي أنها تختصر الكثير من الحديث حول الأحلام، والأماني التي نمني النفس بها.
.
منذ الطفولة يسألوننا عن الأحلام، ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي نطمح لأن نصبح عليه؟ إلى جانب هذه الأسئلة كانت تصدر الأوامر: كن كذا، ولا تكن هكذا. ولم يكلف أحدهم نفسه ليتوقف لحظات ويقول: أنت كذا! هناك شمائل معينة تميز أبناء بيئتنا منها الميل لإصدار الأوامر حتى فيما يتعلق بالطموحات والآمال، والأحلام.
.
لا أذكر منذ طفولتي أنني سمعت أحدهم يجيب عن السؤال عن حلمه بأنه يرغب بأن يُصبح شاعرًا، أو رسامًا، أو كاتبًا، وأن يحول هذا الحلم إلى وظيفة وهويّة، دائمًا كانت الأحلام ذات سقف عال، مهندس وطبيب وطيار وإن تنازل قليلاً، نزل حلمه إلى ضابط ومحامي! وشيئًا فشيئًا تتحول هذه الأحلام إلى كوابيس تجعل معظم أفراد المجتمع يعيشون تحت غطاء الشعور بالفشل، وانعدام الإحساس بالقيمة، لأنهم لم يستطيعوا تلبية الأوامر التي أصدرها المجتمع لهم بأن يصبحوا من الطبقة المخملية وظيفيًا، الطبقة التي صورها المجتمع بأنها وحدها جنة النعيم وما عداها سقر وبئس المصير، أو إن أصبحوا منها اكتشفوا الواقع المرالذي يرتبط بها.
.
إن المجتمع يفتقد لنظرة واقعية لإمكانات أبنائه، ولا اعتبار عنده لتفاوت قدراتهم وامكانياتهم، وهذا الشيء دارج حتى على لسان الآباء والأمهات، فالمقارنة مع ابن الجيران أو أحد الأقرباء دائمًا حاضرة: شوف فلان؟ وبشنو فلان أحسن منك؟ وكأن السبب يعود لذات الشخص، وكأنه يعيش منفصلاً بلا ظروف تحيط به، ولا إطارات اجتماعية تحده من كل جانب، ولا إمكانات عقلية ترسم الفارق بينه.. وبين أخيه!
.
يعتبر التعود على إصدار الأوامر سمة غالبة، لأن طبيعة المجتمع تضع اعتبارها للشخص بحسب قدرته على إصدار الأوامر وتنفيذها، أو اجبار الآخرين على الخضوع لها، فالفشل في تحقيق مثل هذه الأحلام ينسحب على الاثنين: الحالم، ومن أصدر قرار الحلم! ومعنى الفشل هو عجز الأول وضعف شخصية الثاني!
.
من المضحك أن تسمى الرغبة بما يريد الشخص أن يصبح عليه بـ(الحلم)، وهي لفظة تعتبر مشتركًا لفظيًا مع ما يراه النائم في نومه من أحداث (لا واقعية)، وكأنهم يهيئون الأرضية لنا لأن نقبل الواقع المُر بما سيكون عليه، وقلة هم الذين ينجحون بتحويل هذه الأحلام إلى واقع، قلّة بعدد القلة الذين يرون (منامات صادقة) من خارج دائرة التوهمات وافرازات الفكر الباطن عند البشر.
.
قبل فترة بسيطة، اجتمعت مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين جمعتني معهم مشاوير الدراسة. حين أعود بالذاكرة لما كانوا يرسمونه من أحلام، وأقارنها بما وصلوا إليه الآن، أجد نفسي مضطرًا لأن اعتبر «سعود الليمونة» الناجح الوحيد منّا. إن عظمة الأحلام لا تأتي من صعوبتها، بل من بساطتها، فالناس يهيؤون أنفسهم للفشل حين يربطون أنفسهم بطموحات معقدة، تعتمد على غيرهم وظروفهم وهي أشياء ليست بأيديهم، أكثر من أنفسهم، نحن نملك القدرة على التكيّف مع الظروف، لا على صنعها.
.
معظم ما نسميه فشلاً، يرجع إلى عدم تهيئة النفس لما تريده، ولما تستطيعه، فنحملها أكثر من طاقتها، ونطالبها بأشياء ليست بمقدرتها. ألا ترى كيف أن ثقافة المجتمع تجبر الطفل على أن يختار مهنة عالية منذ طفولته، رغم أنه في معظم الأحيان، لا يعرف عنها شيئًا، ولم ينطق بإسمها إلا بإيحاء ملح من أهله؟ هي ثقافة المصادرة التي يتربى عليها هذا الشخص بحيث تصبح كل رغباته أن ينفذ أحلام الآخرين له، لا أحلامه لنفسه.
.
لقد كان المعتزلة، أفضل حالاً من الكثيرين، فهم يرفضون الإعتراف بالأحلام تحت ذريعة كون الإدراك والوعي بحسب قولهم- مرتبط باليقظة، ولا يكون الإنسان مدركًا إذا كان نائمًا، لذا يرون الأحلام مجرد تخرصات، ولكنهم لم يقدموا إجابة على ما يُطلق عليه اليوم: أحـلام اليقظة.
.
أحلام اليقظة التي تتمثل بوجود عالم افتراضي، كامل، لا وجود لأي عقبة لا يمكن تعديها فيه، وهو عالم كاسمه لا وجود له. صحيح أن وجود العقبات لا يعني الاستسلام لها، ولكن من الخطأ الإعتقاد بأن كل عقبة قابلة للقفز من فوقها، إن معظم عقبات الحياة الواقعية أقصى ما يمكن عمله معها هو تفاديها أو مناورتها، أمّا حلها وتفكيكها فهذا أمر متروك للزمن.
.
أصدقائي الأعزاء، كانت روائح الفشل تحفهم من كل جانب، واحباطهم مستشر، معظمهم اعتبر ما وصل إليه مقارنة بما أراده فشلاً. لقد تناسوا أهم نقطة وهي أن الحياة لا توجد بها مسارات مستقيمة، وأصغر الحوادث فيها يمكن أن تنتج أكبر الكوارث، كما يمكن لحجر صغير لا يسوى شيئًا أن يدمر جهازًا تكلفته الملايين. لم يكن ما حدث فشلاً لهم، بل فشلاً لهذا المجتمع الذي تعوّد على زرع قيمة الفشل بين جنباته.
.
لقد علمونا أن نحلم، ولكن لم يعلمونا كيف نجعل من الحلم حقيقة، لم يعلمونا أن نعرف ما هو الأمر الواقع، يعتقد الكثيرون أن الأمر الواقع يعني الإستسلام ورفع الراية البيضاء، وليس هذا سوى بسبب ثقافة المصادرة التي يطبقها المجتمع على الأطفال منذ نعومة أظفارهم حتى يشبوا، هذه الثقافة التي لم تجعلهم يكتشفوا أنفسهم أولاً، ثم يجعلوا ما اكتشفوه مقياسًا لأحلامهم : وفي هذا يروى عن الإمام علي عليه السلام «ما هلك امرؤ عرف قدره».

10 أبريل 2010

تـفـاصـيـل



يقول العرب بأن الشاعر البارع له شيطان يلقي عليه شعره، ويقول الإنجليز بأن الشيطان يكمن في التفاصيل (The demon is in the details)، وأجمل الأشعار هي تلك التي تصف تفاصيل الأحداث، في الغزل، والفرح، والحزن، والحياة. على هذا تكون كلها نتيجة لـ وحي الشيطان وفق القياس الأرسطي !
فالشيطان يوسوس بما يعاكس الحقيقة، وشياطين التفاصيل تكشف لنا سطحية الكثير مما يُنسب للحقيقة دون دليل! إذا كانت الأرض في يوم من الأيام هي مركز الكون، فقد أوصلها السعي الحثيث نحو اكتشاف ذلك إلى جعلها اليوم مجرد جرم حقير بين ملايين الأجرام في الفضاء!
.
في العصر الحديث، ولكون الإنسان بطبيعته لا يحب التعامل مع المجهول، فإنه يلجأ إلى حيلة قديمة يستعمل بها مخيلته ليضفي التفاصيل من عنده، أو ليرسم صورة ما يجهله في ذهنه وفقها، فهو لا يحب الإكتفاء برؤية الأمور من السطح بل يحب رؤية نفسه في موضع العارف والمطلع دائمًا .. حتى ولو كان يعلمُ في قرارة نفسه بجهله!
.
كنت قبل فترة وجيزة أخبر أحدهم عن النقانق، وأنها مثل الكثير من الأشياء في هذه الدنيا، لها طعم لذيذ، ويأكلها معظم الناس بشهية مفتوحة، ولكني منذ شاهدت في إحدى المرات طريقة صنعها، لم أعد أستطيع تحمل مجرد النظر إليها، أو حتى تخيل صورتها في ذهني! لا تزال مكوناتها وطريقة صنعها تعيد إليّ الشعور بالقرف والغثيان، لعل ذلك بسبب أنّ روعة بعض الأشياء هي في بقاء تفاصيلها مجهولة، ومغيّبة.
.
قد تكون كثير من الأشياء أو الكلمات والأفكار جميلة أو لذيذة أو رائعة لا لأنها على هذه الحال في واقعها، إنما لأننا لم نستطع أو نرغب بمعرفة تفاصيلها، وبقدر تعمقنا في التعرف على هذه التفاصيل سنتخلى عن الصورة الجميلة التي نحتفظ بها لهذه الأشياء شيئًا فشيئًا، ونستبدلها بصورة تزيدها قبحًا، وتزيدنا ابتعادًا عنها، ولكن هذا مشروط بكون هذه التفاصيل تلامس واقع هذه الأشياء.
.
هل يمكن للعين أن ترى نفسها؟
في الحقيقة، كان هذا السؤال من الأسئلة القليلة التي جعلتني أتوقف لأحاسب نفسي، كيف لم أنتبه سابقًا لمثل هذا الشيء الذي نمر عليه مرور الكرام، ولا نلتفت إليه؟ ربما يكون ذلك لشدة قربه ووضوحه، فـ غالبًا ما تحت أنوفنا لا تراه عيوننا!
كما لا يمكن للعين أن ترى نفسها، كذلك الكثيرون لا يرون أنفسهم. أحد الأصدقاء دائمًا يذكرني بإحدى حلقات مسلسل كارتوني (Pinky & Brain) حين كان الفأران يخططان لاحتلال العالم، وأولى الخطوات لذلك، كما كانا يأملان، هي بصعودهما لأعلى طاولة المطبخ! بالنسبة لهما يمثل الوصول للأعلى هدفًا استراتيجيًا يستحق التخطيط والعمل لأجله، وبالنسبة لنا هو أمر مضحك، والسبب هو معرفتنا بأن صعود طاولة لا يعني أكثر من ذلك! وفي نفس الوقت نغفل عن حقيقة واضحة: أحلام المرء هي التي تحدد أهدافه، لا قدراته.
.
العالم الكبير المتواري خلف الطاولة يظل في خانة «اللا معلوم» عندهما وخفاء تفاصيله هو الذي صور سهولة احتلال العالم بمجرد تسلق الطاولة، التي لا يريان عقبة سواها أمامها. في كثير من الأحيان، يكون البعض في نفس الموضع، لا يرى نفسه وأين هي، وعلى أيّة مسافة تقبع من القضية التي يحاكمها، ومع هذا يُصدر الأحكام ويعتبرها مسلّمات دون اخضاعها للاختبار لاثباتها، فحلمه بأنه عالمٌ وصاحب رأي لا تشوبه شائبة، وأنه يقف على الحقيقة المطلقة يجعله لا يبحث عن التفاصيل فهو في غنى عنها، وبحجة أن التفاصيل هي شياطين، يبتعد عنها، ويُبعد الآخرين عنها لعلمه بأنّ الإطلاع عليها يعني نفور الناس من كلامه وهذيانه لوقوفهم
على مدى تفاهة ما أطلقه، فتمسي التفاصيل حينها شيطانًا يشعره بالأسى على نفسه، كما قال الملا هاشم الكعبي -رحمه الله- يومًا: .. وللأسى تفاصيل لا يحصي لهنّ مُفصل!
.
ينسب لإبراهام لنكولن: «أن تصمت ويظن الناس أنك أحمق خير من أن تتحدث وتثبت لهم ذلك».
ثمة نقاشات لم تعد تعطي الدافعية للمشاركة فيها هذه الأيام، وأصبح من الأفضل الإبتعاد عنها لأنها وللأسف- تكشف الكثير من المستويات الضحلة التي تملك ظاهرًا لا يوحي بها. النقاشات السياسية والمعرفية بما في ذلك المذهبية وغيرها في بيئتنا أصبحت محطة للإحباط بما يحدث فيها ولدرجة الحميّة التي تصل لها رغم أن الطرفين يتجادلان بما يجهلون واقعه، فحالهم كحال الفأرين: كلمات عظيمة، ومعرفة ضئيلة!
.
في المدونات، والدواوين، والمجالس الخاصة، وحتى في أماكن العمل تدور نقاشات عديدة كل يوم، تمس الكثير من القضايا، وبعضها حساسة جدًا تتعلق بمصير الإنسان، وتصدر مئات الأحكام ومع هذا فهي بمعظمها قائمة على توهمات وتخيّلات، وقليل منها ما يصدر عن معرفة وعلم. وتكمن المصيبة حين تفضل الصمت على المشاركة بمثل هذه المناقشات لأنك تقع بين نارين: إما أن يفسر صمتك على أنه عجز عن الرد والمشاركة، وإما أن يفسر على أنه تأييد وتأكيد لما قيل!
والواقع أنه صمت للتأمل بمدى قدرة الإنسان على التلفظ بالتفاهات مغلفة بكلمات براقة «تسر الناظرين»!
.
من يرى المنظر من أعلى الجبل ليس كمن يراه من بطن الوادي، وهذه نقمة في بيئة مثل بيئتنا، أن تقف على مرتفع، لأن وقوفك على الكثير من التفاصيل الدقيقة يعني مزاملتك لشيطانٍ يجبرك على أن تغير تقييمك للعديد من الكتاب والمتحدثين، الذين ينخدعون بذواتهم، ويخدعون الناس بكلامهم. وشيطانٌ يجبرك على أن تصمت على تفاهة ما يقولون: الصمت والإبتعاد في أحيانٍ كثيرة يكون في حد ذاته .. موقف وإجابة.

10 مارس 2010

الذي فشلنا فيه


في مقابل الوطنية يقف الوطن، وبمدى قدرة الوطن على تمثيل المبادئ والقيم ونقلها لأبنائه، يتعاظم شعور الوطنية ويخرج من دائرة الشعارات إلى ساحة الأفعال، بغض النظر عن مدى صوابية هذه المبادئ والقيم. فالإنسان من حيث كونه مواطنًا يميل إلى أن يجعل تحركاته تعبيرًا عمّا يمثله هذا الوطن له، وكلما استطاع الوطن أن يخلق عند نفوس أبنائه الإيمان بأنه بما يمثلّه قادر على مواجهة التحديات استطاع أن يحرك الإمكانات ويشحذ الهمم عند أبنائه نحو العمل الجاد والمستمر، فيتحول شعور المواطنية إلى سلوك فعلي ظاهر متزامن مع الشعار، بدلاً من حبسه في قمقم الشعارات والأغاني والهتافات فقط.
.
هذا الشيء فطن إليه كل من أراد أن يقيم وطنًا بسواعد أبنائه. استطاع هتلر بإيمانه العميق بالنازية وطرحه لهذه الآيدلوجية أمام شعبه على أنها المخلّصة والموحدة لهم، أن يخرج أبناء ألمانيا من شعور التفرّد والتمزق إلى العمل الجمعي، فأضحى العمل لأجل ألمانيا هو الهدف عند الجميع، لا العمل لأجل المصلحة الشخصية. على هذا النسق استطاع الشيوعيون بناء دولهم، وهي وللمفارقة، قامت في أكبر الدول مساحة وشعبًا وتنوعًا إثنيًا وعقائديًا كما في الصين والإتحاد السوفييتي، كما استطاع «الآباء المؤسسون» في الولايات المتحدة أن يصنعوا وطنًا من لاشيء ويرجع الفضل بذلك إلى صياغتهم لهدف وهو «الحريّة»، وهذا الهدف جعلوا استمراره وتواجده مشروطًا بدوام الدولة الحامية له، التي أسسوها، فارتبط الوطن بقيمة إنسانية سامية، وأصبح العمل لأجل الوطن هو نفسه العمل لأجل هذه القيمة لضمانها لهم، ولأبنائهم، وللعالم أجمع، وبقاؤه ومنعته من بقاء هذه القيمة ومِنعتها.
.
من هذه الأهداف، تكتسب الوطنية صبغتها، وتمتلك المظهر الذي يعكس صورتها عند أبناء الوطن. بمعنى أنّ الوطنية تتحول إلى سلوك يحافظ، وفي نفس الوقت، يعبّر عن كيان الوطن الذي تنتسب إليه، فالهدف هو الذي يضمن، بحسب تعبير د.البيطار: أن لا يخسر الإنسان تطلعاته المستقبلية التي تعطي معنى للتاريخ الذي يعيشه. والسبب هو لأنه لكي يُمكن للشعب أن يواجه التحديات المستقبلية أمامه عليه أن يؤمن بهدف أكبر من أهدافه الشخصية، ومشاغله اليومية، لذلك يعتبر اليوم الوطني هو يوم إحياء لما يمثله هذا الوطن، ولما يريد التبشير به، باختصار شديد اليوم الوطني هو تبشير بالرسـالة التي تريد البلاد إرسالها لثقافات ودول العالم أجمع. وأسلوب الإحتفال به هو صيغة الخطاب الذي توجهه هذه البلاد للناس كافة.
.
وعلى قدر فراغ الرسالة، يكون فراغ التعبير عنها. فعندما يكتشف المواطن (أو ما يُطلق عليه كذلك) أنّ الرسالة التي يُطلب منه أن يؤمن بها، وأن الأمن والطمأنينة والرفاه الذي يتوقعه من الوطن، غير متوفران يشعر بالفراغ، فيرى نفسه، مجددًا بحسب ما ينقله د. نديم البيطار، «واقفًا في وسط من الفوضى الذي يقترن باضطراب خارجي في مجتمعه»[1]، هذا الفراغ يحدث عند أفراد المجتمع حين لا يتمكنون من اثبات معرفتهم بالأشياء، وهذه الأشياء يمكن القول هنا بأنها: الوطن، فلا يملكون رؤية مستقبلية تعطيهم تباشيرًا تجعل الإحساس بالأمن والديمومة متواجدًا عندهم، ولا يتمكنون من ايجاد الإجابة عن: ما هو هذا الوطن؟ وما هو تأثيره، ودوره؟ وما هي رسالة شعبه للعالم، والإنسانية؟
.
وتنعكس عدم القدرة على اجابة هذه الأسئلة بآثار نفسية وأخلاقية سيئة، ويبدو أثرها واضحًا فيما جرى قبل أسابيع قليلة.
سنة بعد سنة، بدء الإحتفال بالعيد الوطني ويوم التحرير يتحول إلى مناسبة تعبّر بوضوح عمّا يشكلانه في وجدان الشعب، حيث لم تعد هناك قناعة داخلية بوجود رسالة، وهدف، ولم تعد هناك رؤية لمستقبل هذا الوطن، لا يوجد شيء ما يعطي أملاً، ولو زائفًا، بأن ما هو قادم سيكون أفضل حالاً، وأنّ هذا (الأفضل) مرهون بمدى جديّة العمل لأجله. بل تحولا إلى مناسبة تعطي الذريعة لأن يتحول البشر فيها إلى كتلة تمارس همجيتها بأبلغ صورها.
.
لقد كانت رسالتنا هذه السنة، إحدى عشر قتيلاً[2]، وكان التعبير عنها بفوضى أخلاقية، وسلوكية، وقانونية.

أنا لا أستطيع لوم المشاركين بها، لأن الفرد المنخرط بمثل هذه الجموع يقترب كثيرًا من الكائنات البدائية التي تتصرف وفق غريزة (الخوف) من الوحدة فتلجأ إلى البحث عن تكوين علاقات مع أفراد آخرين تحاول باجتماعها معهم الوصول إلى الإحساس بأنها لم تعد وحيدة، حتى ولو كان ذلك على حساب إنسانيتها، فالخوف من «اللا إنسانية» أقل من الخوف من العزلة. ما حدث، قابلٌ لمزيد من التطور في السنوات القادمة، لأن العبثية التي يتم ممارستها هي نوع من أنواع التعبير عن انعدام الوعي، والخواء، وعدم الشعور بالطمأنينة. ولا يفقد الإنسان وعيه إلا إذا أراد الهروب من الواقع المر الذي يعيشه، الواقع الذي بدلاً من الإشارة إليه ومعالجته نندفع إلى فرض المزيد من القوانين والمطالبة باستعمال القوة لمنع هذه المظاهر، فكأننا نعالج ثمرة الشجرة المريضة لا جذورها.
.
المشكلة هي أننا لا نملك رسالة، ولا قناعات، ولا إيمان بالوطن، أو إيمان بأننا نشكل شيئًا مفيدًا لا عبئًا على العالم، ولم ننجح في أن نربط هذا الوطن بقيم يعبّر بوجوده- عنها، وهذا هو الفشل الذريع، أننا إلى اليوم لم ننجح في زرع الثقة بدوام الوطن، أو نوجد التطلع عند أبنائه نحو المستقبل المشرق.
ما حدث كان ولا زال رسالة للآخرين، ولنا، بأننا فشلنا في تحقيق الدافع للعمل على تحقيق ما نريده لمستقبلنا، وفضلنا الجلوس على مقاعدنا حتى تحولت الطاقات المكبوتة عندنا إلى حالات مَرَضية.

لقد تحول مفهوم الوطن إلى شيء شبيه بالـ«مضارب» التي ننتظر أن ينتهي الماء والكلأ فيها حتى نرحل عنها.

_________________
[1] الحزب الثوري، ص144.
[2] انظر:
جريدة الرؤية.

4 مارس 2010

من هو النبي؟ وما الذي حققه؟



يمثل اليوم انقلابًا في تاريخ البشرية، حيث أصبح رمزًا، وذكرى لحدث هزّ الإنسانية على صعيد المعرفة، والحضارة، والأهم من ذلك على صعيد فهم الإنسان لذاته، والغاية من وجوده.


اليوم هو ذكرى ولادة خاتم الأنبياء، وسيد الرسل، محمد صلى الله عليه وآله.


كان يدور في ذهني موضوع عن قاعدة فلسفية جميلة، تقدم إجابات كثيرة عن هذه الشخصية العظيمة، ولكن قلة الوقت، وإزدحام الأعمال سلبا كل الإمكانيات للكتابة، وهو شيء على قدر الإحباط الذي أوجده في نفسي، أسعدني في أن أستخلص كلمات مقتضبة تتناول شيئًا مما يتعلق بصاحب هذه المناسبة صلى الله عليه وآله وسلم، أراها تمس، وإن كان بشكل غير معمق، قضية مصيرية يتفاعل معها كل شخص.


تكون الكتابات تارة عميقة، مدعمة بالشواهد والأدلة، فتنعدم معها كل الحاجة لاعمال العقل البشري في البحث والتنقيب، والتساؤل، وتارة أخرى تكون بسيطة، ولشدة بساطتها تشكل وخزات تحفز الذهن لأن ينطلق في البحث والتدبر حتى يقف على الحقيقة، وهذا هو المرجو، ويخيّل إليّ أن هذه الكلمات منها.


قد تختلف المناسبة التي قيلت بسببها هذه الكلمات، مع المناسبة الآن، ولكن كما يقول الأصوليون (ملاكهما) واحد، أي أنهما يدوران حول نفس المحور.


أسعد الله أيامكم بمولد النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.


ويتزامن معه، مولد حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.


وبهذه المناسبة، أهديكم هذا المقتطف البسيط:


اضغط هنا للحصول عليه