‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد الكويت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد الكويت. إظهار كافة الرسائل

23 نوفمبر 2011

مدخل إلى فهم الصراع في الكويت

لا أزال أعتقد أن الصراع الحاصل، الآن وسابقًا، في الكويت هو صراع اجتماعي لا صراع حركي ناشيء من النظام السياسي. بل إن النظام السياسي في حد ذاته هو صورة من صورة الاجتماع وطبيعة المجتمعات، ومع هذا، فإنّه وفي الكويت تحديدًا لا يتحمل وزر ما يحدث، وليس سببًا أو منطلقًا للحراك إنما المساوئ التي تُلصق به هي ناتجة عن هذا الحراك. يمكنك أن ترى الصورة كيفما تشاء، تارة تراها من داخلها وتصنفها على هذا الأساس، وتارة أخرى تفضل رؤيتها من الخارج وتقيّمها وفق هذا المنظور، في كل الحالات فإنّ الإنغماس في أيّ شيء يعني أنك لن ترى سواه، والصورة من داخل الفقاعة تختلف عن الصورة من خارجها.
الصراعات الاجتماعية ليست ذات هيئة واحدة بل تختلف صورها بحسب بواعثها وهي تقوم على دعامتين، الأولى هي «القوة» والثانية هي «التعصب الأعمى». الأنظمة الحديثة، الديمقراطية منها على وجه التحديد، لم تأتِ لتلغي هاتين الدعامتين بل أتت لتعيد تشكيلهما وفق هيئة جديدة. لم تعد الدول القومية، بمفهومها القديم، موجودة وعلى عكس تاريخ العالم ليست القوة العظمى في هذا العصر امبراطورية تنتسب لعرق معيّن، كما كانت روما أو فارس، بل أضحت دولاً تعددية تختلف فيها الأعراق والأفكار والأديان وهذا التحوّل جرّ معه تحولاً آخر وهو «الإعتراف بالأمراض».
لطالما كان الإنسان يقابل أي مشكلة بالإنكار حتى تتفاقم لتقضي عليه في النهاية، ليعيد اكتشاف العجلة من جديد. في دراسته للحضارة الإنسانية يذكر ويل ديورانت صعود وهبوط الحضارات من التطرف بالالتزام إلى أقصى درجات الانحلال والسبب - برأيه -  هو أن الإنسان بطبعه صاحب غرائز منفلتة وجامحة يضطر لأن يكبحها في سبيل خلق الاجتماع ومتى ما استقر بذلك عادت هذه الغرائز للظهور مجددًا بعد تحقق الأمن والرفاهية ومن ثمّ زوال أسباب كبحها وطمسها، ولو على سبيل الوقتية. هذه الدورة الاجتماعية أسبابها باتت تعرف بالأمراض الاجتماعية، وهي عوارض تصيب المجتمعات بالتصدّع ثم التفكك وبعد ذلك الإنحلال والتلاشي، لأنّ المجتمعات كانت  تقوم على ديكتاتورية الفرد والفرد بطبعه يرفض الإعتراف بجوانب النقص فيه فيستكبر حتى يفاجئ بسقوطه تحت هجوم البرابرة، بحسب تعبير إدوارد جيبون.
من هنا كان الهدف الرئيسي لنشأة الدول المتحضرة أن ترتبط بالقانون، فتخرج من دكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية القانون وهو ما تعنيه الدولة المدنية حيث أن الناس سواسية أمام القانون الذي يمكن تمثيله بالمجرى الذي يجبر الماء [الإنسان] على السير وفقه، لا العكس، وعليه يكون أي إنحراف عن القانون أو تخاذل عنه هو مرض يستوجب العلاج حتى لا يتصدع المجتمع. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ هذا الأمر يتبلور بصورة أكمل وأمثل، كان الهدف من القانون هو تحويل القوة من قوة العضلة إلى قوة الحق الذي تفرضه الشرائع التي تنظر للإنسان بما هو إنسان، وتحويل التعصب من المتعلقات الشخصية كالجنس والعِرق على سبيل المثال إلى فضاء أوسع هو الحزب والدولة وغيرها من الأمور التي تمثّل مظلة أوسع تستظل بها شرائح أكبر من المجتمع المتعدد، فهدف القانون هو إخضاع الجموع، بصرف النظر الآن عن واقعية هذا الأمر.
إنّ غريزة الإستخدام، والإستئثار غرائز بشرية تجد دائمًا طريقها للظهور متى ما أحست أنها انطوت تحت مجتمع ما، لتبدأ بالصراع في سبيل اشباعهما من هذا المجتمع. إنّ مفهوم الديمقراطية لا يقوم على حفظ حقوق الأقلية وتطبيق رأي الأكثرية إنما هدفه الرئيس هو منع استبداد الأغلبية لذلك تخضع - الديمقراطية - لقانون ودستور ينّظِمانها، يعمل على تطبيقهما أفراد ينتخبهم الشعب لهذه المهمة لكنّ مجرد كتابة دستور أو وجوده لا يكفي، بحسب هيغل «الدستور المكتوب، عندما يُمنح، لا يُغيّر شيئًا من الدستور الحقيقي، الموجود قبله، والذي يبقى يعمل باستمرار تحت غطائه»[1] هذا الدستور الحقيقي هو الأعراف والقابليات الاجتماعية الكامنة في الشعب.
إنّ أهم ما يجب ملاحظته في أي مجتمع هو التوافق ما بين تطوّر نظامه السياسي وأعرافه وقيمه الاجتماعية، بمجرد ما تكون هناك فجوة فيما بينهما فإنّ الأمور تتجه، حتمًا، إلى العطالة التي هي «قوة سلبية تمنع الإنسان من الانفتاح على الواقع والفهم السليم له»[2] ومن ثم الإنهيار أو الركود. أوضح ملامح هذه العطالة تظهر في طبيعة الحراك أو الصراع في المجتمع، حين ينقسم إلى معسكرات وأطراف يحرّك كل منهما الإندفاع نحو الإستئثار والتغلّب على الآخر لمنفعته الخاصة، في الكويت يتجلّى هذا الأمر في الصراع الأزلي بين الحكومة [أو السلطة] والمعارضة.
لا يمكن لأحد أن يدّعي أن أي طرف فيهما يقدم مشروعًا أو رؤية للدولة، وفي حين تتنازل الحكومة عن دورها في تطبيق القانون فإنّ المشرّع يتجاهل عن عمد صياغة أي قانون، ويهمل ممارسة دوره الرقابي على تطبيق الموجود منها ويتحول إلى مجرد آلة شعاراتية ذات نبرة عالية، لأنه أساسًا لا يهدف إلاّ لحلب ضرع الحكومة وهي لا تهدف إلا لإسكات الأفواه. الشيء الوحيد الذي يجيدانه هو لعبة الإبتزاز المتبادل، ولا يهتمان إلا بخطاب الصراخ المتبادل، وبينما تلعب المعارضة على حبل تقصير الحكومة في أداء مهامها فإنّ الأخيرة تعزف وتناور على وتر تصيّد هفوات المعارضة وأخطائها. إنّ أي قضية إدارية بسيطة مرشحة لأن تكون قضية رأي عام طالما أنه يمكن توظيفها في اكتساب عاطفة عامّة الناس ومن ثم استغلال ذلك في الوصول إلى الأهداف الخاصة، سيّما في مجتمع قابل للإنقسام بسرعة كالمجتمع الكويتي.
مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم تداخل الاختصاصات هي مبادئ ورقية حتى عند مدعيها لأنها تسقط أمام أوّل اختبار، القانون الذي يُدعى لتطبيقه هو القانون الذي يكفل المصالح الشخصية لداعيه ومتى ما انتفت عنه هذه الصفة كان تطبيقه إعلانًا للويل والثبور وعظائم الأمور، الفرد في هذا المجتمع يتصور أنّ الحقوق هي وليدة المطالبة بها على لسان أيّ كان، بينما هي وليدة الممارسة الصحيحة لها.
التطوّر في أي مجتمع لا يكون إلا بالاعتراف بوجود «المرض الاجتماعي» وفي ظل الخطاب الحالي فإن أي اشارة لذلك تفسر على أنها سلبية تستهدف النيل من طرف وتعمل على سلب استقرار المجتمع وتفتيت نسيجه، رغم أنه لا تزال معظم الأطراف تستحضر انتماءاتها وعنصريتها وإقصائيتها في حواراتها وتغلّف ذلك بغلاف الدفاع عن النفس أو الوطن أو الدين وحتى الدفاع عن دول الجوار، لا يوجد هناك رغبة في الإنعتاق منها لأن ذلك يعني انتهاء صلاحية أدوات الابتزاز التي يستخدمونها في تنمية منافعهم وفقدانهم للهويّة الحقيقية لهم التي تخالف الهويّة المُدّعاة! إنّ الطرفين لا يبحثان عن حلول واقعية لهذا الصراع، ولا يريدانها، لأنهما يعتاشان على وجوده في خلق الحاجة لهما عند النّاس، كما أنّ الصراع، في جوهره، هو صراع بين طبقات اجتماعية مثقلة بتاريخيتها ولا تملك إلا استحضار هذه الأمور لتبرر تنازعها فيما بينها.
في المفهوم الحديث للدولة يقف المجموع أمام القانون أمّا في دولنا فالقانون خاضع للمجموع لذلك تمتاز لعبة «إدّعاء الأكثرية أو الأغلبية» بشعبية كبيرة هدفها لا يتجاوز التبارز بالعضلات في معارك تحقيق المصالح بين الحكومة والمعارضة، غاية كل طرف هو جرّ النار إلى قرصه، وتحوّل مفهوم الدولة الحديثة للسلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى غاية يطلبها هؤلاء. وأبرز ما يُلاحظ أنّ المعارضة تقتصر مطالبها على العناوين العامّة: الديمقراطية، الحريّة، والعدالة، وتطبيق القانون، والحفاظ على الدستور. لكنها لا تتجاوز هذه العناوين أبدًا إلى ما ورائها وماهيّتها، لا يوجد في خطابها من يضع تحديدًا لهذه المفاهيم والعناوين، ولا من يضع برنامجًا لها، لأنّ تحديدها يعني تقييد أيديهم عمّا يفعلونه وكشفٌ لتلّون مواقفهم وتباين شخصياتهم رغم أنّ عملهم كله قائم عليها، ومن ناحية الطرف الآخر فإنّ بقاء هذه العناوين ضبابية وعائمة هكذا يعني إمكانية استغلالها في تبرير أي موقف يتم اتخاذه من قِبلها، والشعب في خضم هذا الصراع هو متراس يحتمي به كل طرف ويرفع قميصه، وينساق الناس غالبًا طوعًا تحت ضغط العاطفة إلى الإصطفاف مع طرف.
النظام السياسي في الكويت يملك الفاعلية والقابلية لعلاج هذه السلبيات لكنها قابليات غير مفعلّة، لا لشيء إلا لأنّ المجتمع يسير وفق «دستوره الحقيقي الخاص به» لا الدستور المكتوب ويغطي هذا بإصراره على العيش في زخم الصراخ الذي يمارسه، وهي حالة مرضية إذا استمر إنكارها وإدّعاء أنّ الخلل في النظام لا في الصورة الذي يُمارس به فإنّ النهاية لن تخرج عن الوقوع إما في ديكتاتورية مقننة، في عودة لحقيقة الإنسان الأوّل، أو الإنزلاق في صراع دموي يعيد بناء المجتمع كما حدث في أوروبا طوال النصف الأول من القرن العشرين.
إنّ الحديث لا يمكن اختصاره بمقالة واحدة ، وكل ما كُتب هو مجرد مدخل أوّلي لفهم حالة الصراع، لا أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مفهوم الدولة، العروي، 24.
[2] العطالة والتجاوز، أحمد حيدر.

27 فبراير 2011

دولة بعمر رجل واحد

تمثّل الدولة الأموية، وما شاكلها، دولاً بالمعنى المجازي، فهي تختزل كيان الدول برجالاتها، وتفصل ما بين الأرض والشعب وما بين نظام الحكم، وتعتبر الأوليين مجرد كماليّات يُتمم بها أُبهة السلطة، فنشوء وسقوط الأسر الحاكمة لطالما اعتبر نشوءًا وسقوطًا للدولة، وهكذا اعتبر أيّ اختلال واعتلال يمر عليها يستلزم اختلالاً واعتلالاً للدولة بأكلمها، فهي رأس بلا جسد.

هذه الدول كانت تسير بطريق أحادي الإتجاه، تفكيرها، وشعورها، وعملها، وسياستها كلها قائمة على رؤية واحدة لجميع أفراد المجتمع تتبع فيها رأي الحاكم أو القائد، فتمثّل الدولة كُلاًّ كاملاً مصطبغ بصبغة السلطة، بينما تمثّل الدولة الحديثة مجتمعًا متعددًا يمتلك فيه كل شخص آراؤه، وأفكاره، ومشاعره الخاصة به وتتمدد هذه التعددية إلى بنية السلطة نفسها، فتتحول الانتخابات إلى ما يشبه عمليّة ولادة متجددة للمجتمع والدولة، فتضفي عليها مرونة التعامل مع التغيّرات.

يمكن تشبيه الدولة ذات النزعة الأحادية بالأشجار التي تنمو رأسيًا، لا تملك القدرة على تغيير مكانها، ولا المرونة اللازمة لمواجهة الرياح العاتيّة وسلاحها الوحيد في مقاومتها هو غرس وتقوية جذورها، وتثبيت أركانها كحل أخير للتعامل مع ما يواجهها، بينما تحوّلت الدولة التعددية إلى ما يشبه النباتات المتسلقة، تلتف حول العقبة التي تواجهها وتستمر بالنمو متكيفة مع كل ما يحيط بها، فاستبدلت قوة الثبات، بقوة الإلتفاف، يكمن الفارق بين الإثنين في جمود الأولى ومرونة الثانية.

يتمثّل الجمود في الدول بمقاومة أيّة تحديات تراها، سواء داخليّة أو خارجية، ومجابهتها بالقوة، ولا تملك لغة للحوار غيرها لأنّ طبيعة تكوينها قائمة على رأي قاطع يصدره "رأس الدولة" وعلى الجميع الإلتزام به لأن الدولة ككل مختزلة به. هذه الدول تُحكم بواسطة صورة حاكمها أكثر من أفعاله، لذا تصر على زرع صورة القائد الحازم والصلب حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب، والدولة، ومتطلباتهما، لأنّ اهتزاز صورته تعني اهتزاز ثقة الشعب بالدولة وقدرتها على البقاء. بينما باتت الدول التعددية تعتبر القوة قمعًا للشخصية الفردية التي تكوّن بمجموعها عقلاً يعتبر «السلطة» فعلاً يستلزم الممارسة الفعلية لا مجرد صورة.

في المجتمع الأول ينشأ الفرد مستلب الإرادة، يكتسب الثقة من الحاكم الذي لا يملك حق محاسبته أو تغييره، بينما ينشأ في الفرد في المجتمع الثاني حر الإرادة، تنبع ثقته من قدرته على تصحيح المسار متى ما انحرف، فالسلطة في المفهوم الأوّل حق مكتسب للحاكم تعطيه الذريعة للتصرف بما يشاء مثل حق التصرف بحياته دون مساءلة عن اختياراته، ، فالحق لا يمتلك أحد محاسبة صاحبه به. وفي المفهوم الثاني هي وظيفة أعطاها المجتمع بإرادته للحاكم مشروطة بمراقبة مستمّرة. ويتمايز المفهومان في كون الوظيفة محددة السياسات والمهام غير مرتبطة بشخص، وجلّ مهمته هو التنفيذ.

تتمايز الحالتان في «ماهيّـة الدولة»، بينما هي مجرد كيان يمثّل سلطة سياسية تتممن على شعبها في الحالة الأولى أي «كيان سلطوي»، تصبح في الحالة الثانية كيان ينفذ الإرادة العامّة لخدمة الشعب، وبكلمة أخرى «كيان خدماتي» مهمته خمة الشعب ورعاية مصالحه التي أناطها به.

غير أنّ الدمج بين الحالتين، حالة الدولة السلطوية والدولة التعددية (أو الديمقراطية بكلمة أخرى) أنتج كيانًا يستغل الخدمات من أجل فرض وتعزيز السلطة، مستغلاًّ بذلك الذهنية الشعبية التي لم تتطوّر لتواكب مفهوم «الإرادة الحرة» لأفراد الشعب وما توفره للتنوع العقائدي والإثني، كما أنّ النظام بحدّ ذاته توقف تجديده عند المشاركة في السلطة، ولم يرتفع السقف عن ذلك. وما بين قصور المجتمع، وتقصير السلطة برزت إشكالية «المساومة على الدولة».

أبرز مظاهر هذه الإشكالية هو مساومة الحكومة لمشاركيها، بخدماتها مقابل ممارستها لسلطاتها، فيتحوّل النائب إلى مخلّص معاملات حتى تتمكن الحكومة من ممارسة السلطة دون مضايقة، ومن جهة أخرى هو يساوم الحكومة على جزء آخر من الخدمات بعرقلة سلطاتها بواسطة الأدوات التي يمتلكها، حتى يستطيع أن يخلّص معاملاته بمساومته للحكومة. والضحية غالبًا هو القانون الذي ينفذه طرف، ويشرّعه الطرف الآخر لأجل عرقلة عمل كل منهما، واستخدامه كورقة ضغط لتحقيق مآربه ضمن معركة التنازع المستمرة، وعليه تندرس هيبة القانون الذي يوضع للكسر، ويسود الجمود رغم هذا التنازع لكونه يدور في مربع واحد لا يتعدّاه، وتمضي هيبة الدولة في الزوال لأن كل طرف هدفه تسقيط الآخر بما هو مباح، وغير مباح.

قد يقول قائل بأنّ هذه مشكلة السلطة في الأساس، وهذا صحيح حين يُشار لذلك على أنّه رأس الهرم، أما جسم الهرم فهو المجتمع ذاته الذي عجز عن كسر طوقه والأخذ بمسؤولياته فهو يتصرّف من ردّات الفعل، وينتظر الواقع ولا يصنعه. إنّ مثله كمثل الهرّ الذي رآى صورته منعكسة على سطح الماء ففزع وبدأ يضرب سطح الماء بمخالبه بدلاً من أن يشرب، هكذا هو قصور المجتمعات عن إدراك ما بيدها حين تلجأ إلى البحث عن شمّاعات تعلّق عليها عدم قدرتها على التعامل مع ما وُهبت إيّاه من سلطات، تلجأ للتعارك معه بدلاً من الاستفادة منها، لأنها لم تستطع نقل نفسها كليًا من دائرة الإتباع إلى المشاركة، ويكفي الدليل على ذلك هو البحث المستمر عن «شخص واحد» يرمى على كاهله أسباب التراجع أو الفساد، سواء كان وزيرًا أو رئيس حكومة، وكأنه منفرد بلا ضابط في سلطاته.

وصف العقاد الدولة الأموية بأنها عمّرت عمر رجل واحد، حيث لم تستمر إلا لقرابة تسعين سنة، معللاً ذلك بما يشبه «الحوبة» لما ارتكبته من الفضائع التي حسبتها بحسبة التجار الذين «ينحون منحى الحساب والجمع والطرح في الدفاتر»، فهي استمرت بتدعيم أركانها بالقوة، واستمر الناس في الثورة على هذه القوة، حتى هلكت طاقتها مبكرًا وهي تدور داخل المربع الأوّل.
إنّ أعظم خطر يواجه أيّ مجتمع، بسلطته وشعبه، هو ألاّ يعرف ما هو، وما يملك، قبل أن يحاول معرفة ما يريد.

1 أغسطس 2010

لعنة المرحومة هاجر خانم

قبل سنتين، أوثلاث تقريبًا، وفي لحظة إلهام أشرقت بها النفس على صفحة الإبداع، كتبت قصة قصيرة كمحاولة أدبية بسيطة، لم تكن الأولى بالطبع. ما صدمني هو حصولها على تقييم رائع لم أتوقعه لكونها وليدة دقائق قليلة تعد على الأصابع. تقييمٍ لم تحصل عليه أيّ من كتاباتي الأخرى بنفس المجال. ولم يُذهب روعة هذا الشيء إلا تحولها إلى كابوس دفعني إلى اعتزال هذا المجال دفعًا معيدًا لذاكرتي مشهدًا شاهدته في احدى حلقات مرايا، لياسر العظمة.
.
حيث يمّثل دور روائي شهير يتعب كثيرًا في صياغة رواياته، وجمع معلوماتها، وسبك حبكاتها، ويسهر لذلك الليالي، ويعمل بالأسابيع والشهور لأجلها ومع ذلك تبقى مقبولة عند النقاد. إلا أنّه في من يوم الأيام، وفي لحظة فراغ، وجد نفسه مدفوعًا لأن يكتب، جلس أمام الكمبيوتر ليضع رواية خلال ساعتين سمّاها «المرحومة هاجر خانم».
.
نجحت نجاحًا باهرًا، وأصبح من بعدها أديبًا لامعًا، حتى عاد اسمه يذكر مقرونًا بهذه الرواية، لتصبّ لعنتها على رأسه ، فلم ينجح في نشر أي شيء بعدها: كان الناشرون يقرؤون ما يكتب ثم يقارنوه بـ«المرحومة هاجر خانم»، ويرفضون نشره لأنه أقل بنظرهم منها، إلى أن اضطره الحال لأن يختار لنفسه اسمًا مستعارًا، ويحوّل رواياته من جوها العربي إلى الجو الأوروبي ويضع اسمه عليها ولكن كمترجم لها لينشرها.. و «يأكل عيش»!
.
كل نجاح يستبطن لعنته في داخله، وبعض النجاحات تكون الهزيمة أرحم منها. فغالبًا ما تقاس النجاحات بتحقيق الأهداف، ولكن كم شخص قاسها بالنتائج التي تستتبع تحقيق هذه الأهداف؟
.
كثيرًا ما يحدث ألا نحسب حساب الظروف والعوامل المؤثرة والأحداث التي صاحبت الوصول للنجاح، ونعتقد أنه يمكن لنا أن ننجح بمعزل عنها، بحيث نفصل ما بين النجاح في حد ذاته، وما بين متطلباته، وفي الوقت الذي نعتبر الاول ضرورة، يتحول الثاني إلى أمر ثانوي يمكن تجاوزه بكل بساطة. وهذا بطبيعة الحال فهم ساذج للنجاح. قد تكون هاجر خانم مدخلاً لفهم هذه الإشكاليّة، فهي تعبير عن حالة شعورية ارتبطت بلحظة نفسية ثم وجدت طريقها لتعبر عن نفسها من خلال أحداث وكلمات صيغت على هيئة رواية. في الوقت نفسه فإن مثل هذه الحالة الوجدانية لا يمكن إعادة خلقها اعتباطيًا، ولذا فشلت تلك الروايات في تكوين أحداث بمثل روحية «المرحومة هاجر خانم»، فلكل شيء طريقه المميز الوحيد، وعلينا أن نجده لا أن ننتظره.
.
على صعيدٍ آخر، تحولت «المرحومة هاجر خانم» لتصبح حاكمة على البقية، وشيئًا فشيئًا باتت كابوسًا يؤرق صاحبها بكونها ضريبة الإبداع، ممّا يجعل صاحبها يبقى محاسبًا على كل ما يكتب، ويُتطلّع منه إلى الأحسن دومًا. ويركض الناس والنقّاد إلى مقارنة كل شيء بها، كأنهم يعتبرونها الحد الأعلى للإبداع، وعلى الباقين أن يحذو حذوه ولا يتجاوزوه، أو يقلّوا عنه. فإن حدث ذلك، طالبوا صاحبها لأن يعود إلى ما كان عليه حين كتبها، فإن عجز لفه النسيان، وطويت ذكراه في غياهب جب الحرمان.
.
في أحيانٍ كثيرة، تكون بعض الأفعال وبعض الحوادث التاريخية مبالغ في تقييمها، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنها لامست شيئًا في نفوس المُقيّمين التي طبعت اتجاهاتهم الفكرية والنفسية آثارها في أحكامهم وميولهم، وفاتهم الإلتفات إلى أثر ذلك في تقييمهم. مثل هذا الأمر يحدث مع الروايات كما في «المرحومة هاجر خانم»،وما حدث معي. ويحدث مع اللاعبين الذين تتجمد ذاكرة معجيهم على موسم معيّن يجعلونه المسطرة التي يقيسون بها أداءهم طوال حياتهم المهنية، كما أنه، من باب التشابه، يحدث مع الأشخاص العاديين حين يقومون بدافع غيبي بأفعال معينة أو يبدون آراء معينة ثم يتم تنميطهم وفقها عند الآخرين، ويتم تسفيه جميع مواقفهم وآرائهم التي تخالف هذه الصورة عند الآخرين، كما يحدث مع الدول، بتاريخها وشعوبها ومجتمعها.
.
أثناء نهوض الدول، تمر في فترات صعود، تتوافق فيها جميع الظروف لتهيئ لها الطريق للإزدهار، قد يكون هذا الازدهار نوعيًا بحيث أنه يمكن أن يكون أفضل مما كان إلا أنّ الظروف لم تستثمر جيّدًا. مع هذا، فإنه في فترات الهبوط تصبح فترات الصعود بكل سلبياتها «هاجر خانم» يُتطلع إلى أن يتم إعادتها للحياة مجددًا، وتغدو «يوتوبيا» لن تتكرر، ولن يجود الزمان بمثلها حتى وإن كان حاضر هذه الدولة بامكانه أن يولد ازدهارًا يفوق ما حدث إلا أن الإنشداد للماضي يحول دون ذلك، ويصبح الهمّ الأكبر هو (كيفية إعادتها كما كانت) بدلاً من دفعها لتصبح (ما لم تكنه في يوم من الأيام).
.
حين يمسي همّنا ان «نأكل عيش» فإننا لا نسعى إلى أن نقدم حلولاً، أو علاجًا، بل نكتفي بالدوران حول المشكلة ونرفع الرايات البيضاء أمامها، ونساهم بصورة فعّالة في ترسيخ التقييم المبالغ به، وعلى طبق من ذهب نتوهم بأنه يمكن للنجاح أن يحدث بمعزل عن كل شيء، وحتى حين تأتينا الفرص لتصحيح الأمور لا نغتنمها لاننا لم نتعلم خلق ظروف النجاح بدلاً من انتظارها.
.
كان هدفنا أن نعيد البلاد من احتلال عسكري، وبعد 20 سنة على ذكرى الغزو، وبتحقيق هذا الهدف أدخلناها في احتلال الجمود، لأننا لم نعرف كيف نستغل الفرصة في بناء شيء جديد بدلاً من ترميم الأطلال. باختصار، بتنا نعيش لعنة «المرحومة هاجر خانم» ولم نستطع تجاوزها لأننا اعتبرناها الذروة، ففقدنا الدافعية للمستقبل.
.
الآن،لا زلنا نفضل أن نسترجع الماضي ونحنّ إليه، ونعتبره المثال الأعلى الذي لا يمكننا تجاوزه، وشيئًا فشيئًا بدأت هذه الفكرة تتسرب إلى العامة حتى غدا من المحظور مجرد التفكير في غيرها. أصبحنا نعيش «لعنة هاجر خانم» وقررنا أن ننكص على أعقابنا للماضي مستذكرينه، متنكرين للواقع المر برميه على رؤوس الذين ألبسناهم خطيئة عدم القدرة على المضي للأمام، وقررنا الإختباء خلفهم، كما اختبئ الكاتب خلف لقب المترجم، هربًا من تقييم الآخرين لنا.

10 مارس 2010

الذي فشلنا فيه


في مقابل الوطنية يقف الوطن، وبمدى قدرة الوطن على تمثيل المبادئ والقيم ونقلها لأبنائه، يتعاظم شعور الوطنية ويخرج من دائرة الشعارات إلى ساحة الأفعال، بغض النظر عن مدى صوابية هذه المبادئ والقيم. فالإنسان من حيث كونه مواطنًا يميل إلى أن يجعل تحركاته تعبيرًا عمّا يمثله هذا الوطن له، وكلما استطاع الوطن أن يخلق عند نفوس أبنائه الإيمان بأنه بما يمثلّه قادر على مواجهة التحديات استطاع أن يحرك الإمكانات ويشحذ الهمم عند أبنائه نحو العمل الجاد والمستمر، فيتحول شعور المواطنية إلى سلوك فعلي ظاهر متزامن مع الشعار، بدلاً من حبسه في قمقم الشعارات والأغاني والهتافات فقط.
.
هذا الشيء فطن إليه كل من أراد أن يقيم وطنًا بسواعد أبنائه. استطاع هتلر بإيمانه العميق بالنازية وطرحه لهذه الآيدلوجية أمام شعبه على أنها المخلّصة والموحدة لهم، أن يخرج أبناء ألمانيا من شعور التفرّد والتمزق إلى العمل الجمعي، فأضحى العمل لأجل ألمانيا هو الهدف عند الجميع، لا العمل لأجل المصلحة الشخصية. على هذا النسق استطاع الشيوعيون بناء دولهم، وهي وللمفارقة، قامت في أكبر الدول مساحة وشعبًا وتنوعًا إثنيًا وعقائديًا كما في الصين والإتحاد السوفييتي، كما استطاع «الآباء المؤسسون» في الولايات المتحدة أن يصنعوا وطنًا من لاشيء ويرجع الفضل بذلك إلى صياغتهم لهدف وهو «الحريّة»، وهذا الهدف جعلوا استمراره وتواجده مشروطًا بدوام الدولة الحامية له، التي أسسوها، فارتبط الوطن بقيمة إنسانية سامية، وأصبح العمل لأجل الوطن هو نفسه العمل لأجل هذه القيمة لضمانها لهم، ولأبنائهم، وللعالم أجمع، وبقاؤه ومنعته من بقاء هذه القيمة ومِنعتها.
.
من هذه الأهداف، تكتسب الوطنية صبغتها، وتمتلك المظهر الذي يعكس صورتها عند أبناء الوطن. بمعنى أنّ الوطنية تتحول إلى سلوك يحافظ، وفي نفس الوقت، يعبّر عن كيان الوطن الذي تنتسب إليه، فالهدف هو الذي يضمن، بحسب تعبير د.البيطار: أن لا يخسر الإنسان تطلعاته المستقبلية التي تعطي معنى للتاريخ الذي يعيشه. والسبب هو لأنه لكي يُمكن للشعب أن يواجه التحديات المستقبلية أمامه عليه أن يؤمن بهدف أكبر من أهدافه الشخصية، ومشاغله اليومية، لذلك يعتبر اليوم الوطني هو يوم إحياء لما يمثله هذا الوطن، ولما يريد التبشير به، باختصار شديد اليوم الوطني هو تبشير بالرسـالة التي تريد البلاد إرسالها لثقافات ودول العالم أجمع. وأسلوب الإحتفال به هو صيغة الخطاب الذي توجهه هذه البلاد للناس كافة.
.
وعلى قدر فراغ الرسالة، يكون فراغ التعبير عنها. فعندما يكتشف المواطن (أو ما يُطلق عليه كذلك) أنّ الرسالة التي يُطلب منه أن يؤمن بها، وأن الأمن والطمأنينة والرفاه الذي يتوقعه من الوطن، غير متوفران يشعر بالفراغ، فيرى نفسه، مجددًا بحسب ما ينقله د. نديم البيطار، «واقفًا في وسط من الفوضى الذي يقترن باضطراب خارجي في مجتمعه»[1]، هذا الفراغ يحدث عند أفراد المجتمع حين لا يتمكنون من اثبات معرفتهم بالأشياء، وهذه الأشياء يمكن القول هنا بأنها: الوطن، فلا يملكون رؤية مستقبلية تعطيهم تباشيرًا تجعل الإحساس بالأمن والديمومة متواجدًا عندهم، ولا يتمكنون من ايجاد الإجابة عن: ما هو هذا الوطن؟ وما هو تأثيره، ودوره؟ وما هي رسالة شعبه للعالم، والإنسانية؟
.
وتنعكس عدم القدرة على اجابة هذه الأسئلة بآثار نفسية وأخلاقية سيئة، ويبدو أثرها واضحًا فيما جرى قبل أسابيع قليلة.
سنة بعد سنة، بدء الإحتفال بالعيد الوطني ويوم التحرير يتحول إلى مناسبة تعبّر بوضوح عمّا يشكلانه في وجدان الشعب، حيث لم تعد هناك قناعة داخلية بوجود رسالة، وهدف، ولم تعد هناك رؤية لمستقبل هذا الوطن، لا يوجد شيء ما يعطي أملاً، ولو زائفًا، بأن ما هو قادم سيكون أفضل حالاً، وأنّ هذا (الأفضل) مرهون بمدى جديّة العمل لأجله. بل تحولا إلى مناسبة تعطي الذريعة لأن يتحول البشر فيها إلى كتلة تمارس همجيتها بأبلغ صورها.
.
لقد كانت رسالتنا هذه السنة، إحدى عشر قتيلاً[2]، وكان التعبير عنها بفوضى أخلاقية، وسلوكية، وقانونية.

أنا لا أستطيع لوم المشاركين بها، لأن الفرد المنخرط بمثل هذه الجموع يقترب كثيرًا من الكائنات البدائية التي تتصرف وفق غريزة (الخوف) من الوحدة فتلجأ إلى البحث عن تكوين علاقات مع أفراد آخرين تحاول باجتماعها معهم الوصول إلى الإحساس بأنها لم تعد وحيدة، حتى ولو كان ذلك على حساب إنسانيتها، فالخوف من «اللا إنسانية» أقل من الخوف من العزلة. ما حدث، قابلٌ لمزيد من التطور في السنوات القادمة، لأن العبثية التي يتم ممارستها هي نوع من أنواع التعبير عن انعدام الوعي، والخواء، وعدم الشعور بالطمأنينة. ولا يفقد الإنسان وعيه إلا إذا أراد الهروب من الواقع المر الذي يعيشه، الواقع الذي بدلاً من الإشارة إليه ومعالجته نندفع إلى فرض المزيد من القوانين والمطالبة باستعمال القوة لمنع هذه المظاهر، فكأننا نعالج ثمرة الشجرة المريضة لا جذورها.
.
المشكلة هي أننا لا نملك رسالة، ولا قناعات، ولا إيمان بالوطن، أو إيمان بأننا نشكل شيئًا مفيدًا لا عبئًا على العالم، ولم ننجح في أن نربط هذا الوطن بقيم يعبّر بوجوده- عنها، وهذا هو الفشل الذريع، أننا إلى اليوم لم ننجح في زرع الثقة بدوام الوطن، أو نوجد التطلع عند أبنائه نحو المستقبل المشرق.
ما حدث كان ولا زال رسالة للآخرين، ولنا، بأننا فشلنا في تحقيق الدافع للعمل على تحقيق ما نريده لمستقبلنا، وفضلنا الجلوس على مقاعدنا حتى تحولت الطاقات المكبوتة عندنا إلى حالات مَرَضية.

لقد تحول مفهوم الوطن إلى شيء شبيه بالـ«مضارب» التي ننتظر أن ينتهي الماء والكلأ فيها حتى نرحل عنها.

_________________
[1] الحزب الثوري، ص144.
[2] انظر:
جريدة الرؤية.

12 نوفمبر 2009

الرمز ناصر المحمد


في الأيام الأخيرة تابعت ما يحدث على الساحة بخصوص حملة (إرحل)، وفضلت الوقوف على الحياد، إن كان من شيء قررت الإلتزام به هو أن أغيّر من نفسي قبل مطالبتي بتغيير غيري[1]، لم أشارك سلبًا أو إيجابًا سوى بتساؤلات وخواطر بسيطة في بعض المدونات هنا وهناك. وعلى هذا الأساس لن يكون هذا الموضوع هو دعم لجهة أو تأييد لجهة أخرى، وليس في نيتي ذلك، ما سأتحدث عنه هو شتات لأفكار هي ابنة نظرة اجتماعية لظاهرة أراها امامي اليوم.



* * *
معظم الثورات تفشل بسبب أنها تفقد كل مكاسبها بعد لحظات من تخطيها للعقبة الأولى، لكونها غير قادرة على التعامل مع ما حققته، كانت الجماهير التي هي نواة الثورات تهدف إلى الاعتراض على واقع الحال، فتطوّرت حركتها من الاعتراض إلى الطمع بالسلطة بسبب شعور تلك الجماهير بالقوة. وفي الحقيقة أنّ هذه لعبة سياسية ماكرة مارسها الإستعمار بصورة مذهلة، أعطى السلطة والمكانة لرجال وطنيين ثم سحب رجاله من الواجهة العامة ليثبت للشعب أنّ هؤلاء يملكون شعارات ولكنهم لا يملكون أفعالاً ترقى إلى مستوى تلك الشعارات، والدليل هو فشلهم بإدارة الدولة.

.
قبل سنوات كانت الأوضاع في فرنسا تتجه إلى حالة معبأة ومستعدة لإحداث ثورة، لكنها افتقدت تلك الشرارة التي تقدحها. بينما في إيران وسنة 1979 كانت الثورة قد نضجت بعد أن استوعبت الدرس من ثلاث ثورات سابقة انتهت بالفشل. الدرس الذي تعلمته كان وضع تصوّر لما ستكون عليه الأوضاع بعد انتهاء الثورة، كانت الصورة المرسومة مقسمة بين اثنين الشيوعيين والإسلاميين[2]، وربح الحزب الذي قدّم صورة متكاملة لكيفية التحرّك بعد الإنقلاب وهذا الذي لم يحدث في فرنسا.
.
هذه المقدمة تهدف إلى توضيح أن الثورة هي وسيلة، وليست غاية فإن افتقدت للهدف أو الخطة لن تكون سوى حركة عبثية، كمن يرمي حجرًا بالماء ليتعكر ثم يعود لصفوه المعتاد بعد أن ينتهي تأثير الحجر. التطوّر الإنساني طوّر مفهوم الثورة من القتال على السلطة بالسيف والرمح إلى تغيير ديمقراطي، ومن الرصاصة إلى ورقة الإنتخاب والترشيح ما حدث في الولايات المتحدة مؤخرًا كان ثورة أزاحت حزبًا وأتت بآخر على هرم السلطة، فالثورة الآن تشير إلى إرادة التغيير بالمعنى الواسع، وليس بالمعنى الضيق الذي ارتبط بالأذهان.
.
إلا أنّه من الخطأ فهم الثورة على أنّها تحركٌ لفرد واحد، أو أنّها تقوم على آيدلوجيّة رجل واحد، لأنها نتيجة لعمل جماعي تتقاطع فيه قدرة القيادة للجماهير مع الرغبة العارمة في التغيير، بحيث ينحصر دور القيادة في توجيه هذا التحرك الجماهيري نحو الحفاظ على مكاسبه. معظم الثورات الفاشلة (او ما يتم تصويره بالثورة من قِبل أصحابها فقط!) يكون سبب فشلها هو أنها ثورات قيادية وليست شعبية، بمعنى أن قيادتها حاولت خلق التحرك الجماهيري نحو اهداف خاصة بها لا تمانع باستغلال الجموع لأجلها ، لذلك كانت أشهر كلمات سعد زغلول هي: «مفيش فايدة» لانه حاول صنع ثورة مصطنعة، بينما الثورة الناجحة هي تلك العفوية الناتجة من الرغبة الحقيقية بالتغيير لا الناتجة من الرغبة الخاضعة لحسابات الربح والخسارة «الشخصية».


* * *


من طبيعة البشر ميلهم نحو «النـزوع» الذي هو الإتجاه إلى الفعل، وهذه الطبيعة تقف في قبال الإدراك والوجدان، بمعنى أن الدافع للفعل هو في غالب الأحيان أقوى من الدافع إلى التفكر والتروي في اتخاذ المواقف، وهذه يمكن ملاحظتها في «غباء التفكير الجمعي» لأن الذكاء يُستعاض عنه بالشعور بالقوة أثناء التحرك الجماهيري، إنّ التصرفات التي يتم ارتكابها من الجموع والخطوات التي يقدمون عليها والإجابات التي يقدمونها تبريرًا لأفعالهم في معظمها من المستحيل على الفرد لو كان لوحده أن يرتكبها أو يقدمها.
.
التغذية بالشعارات والإستعاضة بها لرسم الحال لاحقًا لا يمكن لها أن تقدّم وعيًا حقيقيًا، كما أنّ الإنطلاق نحو التغيير أو التبديل دون تشخيص دقيق للهدف، ودون رسم رؤية واقعية لما سيكون عليه الحال هو نوع من العبثية أقرب لأثر الشحنات الكهربائية في الاجساد الميتة، مجرد تحريك للعضلات و الانقباضات.
.
إنّ من شروط التحركات الجماهيرية أنها بحاجة إلى مقاييس تقيس أهدافها المرجوة لتتناسب مع المحيط الذي تتحرك به، وهذا يعني أنها يجب ألاّ تكون مقاييسًا مثالية لا تتواجد إلا بالمدن الفاضلة الأفلاطونية، فهذا يجعلها أقرب للإستحالة في التطبيق، ولن يكون هناك من يناسبها بحكم أنها تبحث عن كمالٍ لا يوجد في المجتمع.
.
كما أنّ المطالبة بالتغيير شيء جميل، ولكن لا يصح أن يكون التغيير لأجل التغيير فقط ودون تقديم البديل، أحد الذين شاركوا – ولا يزال – بفعالية بهذه الحملة أشار إلى أنّ رغبته تنحصر في تغيير رئيس مجلس الوزراء ومن ثم يكون الأمر للأمير كما ينصّ الدستور.
.
قوله هذا يشبه شعار «لا حبًا بعلي ولكن بغضًا بمعاوية»، فالمطالبة هي لتغيير شخص، وليست لتغيير منهج، بينما جميع الاخطاء التي تم الإشارة إليها أصبحت عرفًا وليست بدعًا من الرئيس. فلا ضمانة في حال تم تغيير رئيس مجلس الوزراء أن يأتي مكانه من يغيّر الحالة العامّة السائدة، كما أنّه من الخطأ الإعتقاد بان تغيير (الرأس) سيؤدي إلى تغيير (الكل)، وهذه نظرة مفعمة بالمثالية، الواقع يثبت أن الرئيس أو الرأس هو ابن للمجتمع والبيئة وقوانين المجتمع هي مثل الظواهر الطبيعية لا يغيرها الإنسان إنما يتعايش معها وبتعبير ابن خلدون «يخضع لها».
.
إن رئيس مجلس الوزراء هو تعبير حقيقي عن المجتمع الذي أنتجه، فهو ليس حالة شاذة عن الواقع السياسي السائد من فترة زمنية طويلة على الساحة السياسية الكويتية، هذه المطالبات الأخيرة من وجهة نظري لا تتعدى كونها مطالبات بإزالة شخص وإبقاء الوضع كما هو عليه، وهذا ما يجعلني أتساءل عن سبب الزخم الإعلامي الذي يحاول اخفاء هذه الحقيقة تحت ستار ( إرحـل )!


* * *


المجتمع البشري هو مجتمع رمزي، يستخدم الرموز ليعبر عن جانب اللا وعي عنده بحسب فرويد، وهذا الجانب يشكل الجزء الأكبر من اعتقادات وميول المرء نحو القضايا العامّة. قضية الإنتماء إلى الاحزاب أو الحركات والتيارات السياسيّة هي نوع من التعبير (البليد) عن اللاوعي، كونها تقدّم للمنتمي إليها مواقف جاهزة تجاه أغلب القضايا فلا يحتاج لأن يُشغل فكره في تفكيك أجزاء القضية وتحليلها.
.
اللجوء إلى الترميز يهدف إلى صنع تقييم ثنائي «خيـر» و «شـر»، ومن ثمّ يسهل إطلاق الحكم من باب التمسك بالخير، والبُعد عن الشر. تتنوّع الرموز، ما بين الإشارات، والكلمات، والرسومات، لتصل في النهاية إلى رموز حيّة وهي الشخصيات القياديّة في المجتمع، لكونها تعتبر المؤثر والمحرّك عادةً للجموع الجماهيريّة، فمن خلال تصنيفها يتم تصنيف هذه الجموع ككل.
.
في مجتمع يفتقد إلى معايير دقيقة في تحديد الخير والشر، من الطبيعي أن لا "يُجمع أمره على تقدير زعيم من الزعماء فهو نقّاد من طراز عجيب. فلو عاش مع الأنبياء لوجد فيهم كثيرًا من الهنّات والمعائب"[3]، ثم بعد ذهاب ذلك الزعيم يبدء بتنقية سيرته حتى يُصبح بطلاً من أبطال التاريخ أقرب منه للعصمة والكمال أو أنّه يلجأ إلى وصفه بأقذع الألفاظ ويربط ما بينه وبين كل سيئة حدثت في التاريخ.
.
هذه الحالة تتكرر في معظم المجتمعات البشرية وهي طبيعية جدًا، فهناك أشخاص يُعتبرون كرموز يكتسبون صفة الكمال مع مرور الأيًام وهناك العكس، ولكن حين ندرس سيرتهم الذاتية نكتشف أنهم لا يختلفون بعوائدهم وطبائعهم عن أيّ إنسانٍ آخر، كلهم يخضعون لتكوينهم النفسي/الوجداني ومحيطهم الاجتماعي.
.
ناصر المحمد لا يختلف عن غيره كثيرًا، ولكنه تحوّل اليوم إلى «رمــز» يمثل كل الإخفاقات عند طرف، ويمثل رمزًا للخروج من هذه الإخفاقات عند طرف آخر، وفي كل الأحوال كلا الطرفين يهملان حقيقة أنّ الإخفاق لا يتحمله طرف واحد، بل هو نتيجة تظافر عدة أطراف.
الجنوح نحو إلقاء اللوم على أحدهما هو نوع من الهروب من المسؤولية عن صنع التردّي الحاصل.




_________
[1] راجع: 3- سفيد : .. لكن مختلف !
[2] راجع: 1- عن إيران أتحدث ..
[3] وعاظ السلاطين – د. علي الوردي

7 نوفمبر 2009

2- بـوحُ العتاب في معرض الكتاب

.
في الجناح اللبناني قررت المرور على أحد الأصدقاء، حين وصلت باركت له مقدمًا الـ 15 عنوانًا الممنوعين، فنظر لي مشدوهًا: شو ما عرفت، صاروا 17 وأضاف مبتسمًا: بيظلوا يمنعوا حتى يمنعونا نحنا كمان!
.
لم أستغرب هذه الزيادة في عدد العناوين الممنوعة، لكنّي استغربت من منع كتاب لمؤلف والسماح لكتاب آخر لنفس المؤلف يُعتبر من وجهة نظر الرقيب أشد وأنكى من الأوّل. هذا السر لا زال يحيّرني فطريقة اختيار العناوين الممنوعة من التي يتم الافساح لها، مبهمة ولا تعتمد على ركائز معينة يصح اعتمادها.
.
أنا أعرف أنّ الإنسان كائن معياري، فهو حتى يضمن وجوده واستمراريته بحاجة لمعايير تحكم مسيرته، وهذه المعايير تتخذ صورًا متعددة لتعابير مختلفة في كل مجال يرتبط بحياة هذا الكائن، وعلى وفق هذه المعايير يتم إصدار الحكم واتخاذ المواقف القيميّة من كل الأشياء، وبطبيعة الحال يُعتبر المنع أو الحظر هو نوع من هذه التعابير المستندة إلى معايير خاصة أقرّها المشرّع أو المجتمع للحفاظ – من وجهة نظره – على اتجاه القيم عند أبناء المجتمع.
.
غير أنّ هذه المعايير بحاجة لأن تكون واضحة، وقادرة على أن تقدم إجابة صريحة على الأسئلة التي يطرحها المرء حين يواجه هذا الموقف من قبيل: لماذا المنع؟ وما هي أسس المنع؟ وأين تقف حدودي في فرض مثل هذا المنع؟ وغيرها من الأسئلة التي ترتبط بهذا الموضوع.
.
في الكويت، لا زالت الإجابة على مثل هذه الأسئلة مبهمة، وحتى المسؤولين عن الرقابة والمنع لا يستطيعون تقديم إجابة مباشرة يُمكن لها أن تقدم تبريرًا مقبولاً على الأقل لما يجري في المعرض. من غير المعقول مثلاً أن تمنع مذكرات الدكتور أحمد الخطيب بجزئها الثاني، وهي التي نُشرت على صفحات جريدة الجريدة قبل عام داخل الكويت. كما أنّه من المُستغرب أن يُمنع كتاب عبقرية الإمام للعقاد من البيع، ولكن في نفس الوقت يُسمح لعدة مجلدات تحتوي على تأليفات العقاد كلها بالبيع في نفس المعرض. لن أطيل أكثر بذكر الامثلة، فالرسالة قد وصلت بأنّ قرار المنع في العادة هو قرار إرتجالي وإعتباطي بالدرجة الأولى.
.
أحد أصحاب دور النشر، وأثناء تجاذب أطراف الحديث معه ذكر أنّه قام بعملية (رقابة ذاتية) واستخلص لائحة بها 42 عنوانًا قدمها للجنة، ليُفاجئ بعد ذلك بانهم سمحوا له بـ22 عنوانًا فقط! ولأجل هذا لم أستغرب وأنا أشاهد مكتبة بيسان تشارك بالمعرض برفيّن وطاولة، وهي أشهر المكتبات في الحمراء ببيروت.
.
كمحاولة لفهم ما يجري، طرحت سؤالاً على نفسي: ما هي فلسفة المنع؟
فكرة الحفاظ على قيم المجتمع، أو منع أسباب الخلاف بهذه الصيغة العامة رائعة، ولكنها تظل كذلك في دائرة كونها "فكرة"، أما إذا تحولت لفعل فإنها بحاجة لميزان منطقي، يتخذ القبول العام لأحكامه مبررًا له بذريعة أنّ هذا الأمر هو أفضل ما يمكن أن نقوم به، إلا أنّه إذا كان التطبيق للمنع في حقيقته يهدف إلى هذا الشيء، فما هو سبب هذا التخبط في قرارات المنع؟
.
الجمود على هيئة فكرية معينة، ومحاربة كل ما من شانه أن يؤثر عليها، أو يخالفها، يعني بقاء الفكر أو القيم في محلها، لأنها حتى تتغير فهي بحاجة لتدافع أو صراع يهيئ الأرضية لإزاحة الأفكار القديمة ويحل محلها الأفكار الجديدة، وطالما أن هذه العملية لا تحدث بسبب محاربة الرقابة لها، فما هو الداعي إلى تبدّل موقفها من السماح إلى المنع لكتب معينة، أو العكس في تارة أخرى؟
.
يبقى السؤال يبحث عن إجابة، بعيدًا عن اسطوانة المصلحة العامة التي يقولونها. المصلحة مشتقة من الصلاح، وهي بحاجة لتشخيص مواردها بدقة حتى ينطبق عنوانها على مصداقها، الأمثلة التي تفيد في إيضاح هذه الصورة كثيرة، مريض السكر على سبيل المثال فإن من المصلحة منعه من الحلويات، المصلحة هنا مشخصة بحدوث الضرر الواقعي، ولكن هذا المنع لا يجوز أو يصح تطبيقه على جميع النّاس، حسنًا، الكتب لا تختلف كثيرًا عن هذا المثال.
.
فلسفة المنع تقوم على الصيغة الأخلاقية، أو الأوامر الأخلاقية التي تهدف إلى تصنيف الأشياء بالخير أو الشر ومن ثم نطلق الأحكام عليها، بناءً على عواقبها وتداعياتها ونتائجها، إلا أنّ الأوامر الأخلاقية ليست كالأخلاق، فأن (لا تسرق) هي قاعدة أخلاقية تملك تفسيرًا موحدًا، ولكن حتى نطلق على عمل ما (سرقة) نحن بحاجة إلى تحديد دقيق، يكشف لنا إن كان هذا الفعل سرقة أم لا. وهذا ما تفتقده لجنة الرقابة عمومًا في الكويت، وفي أغلب بلداننا بطبيعة الحال.
.
سبب التخبط هو ضبابية هذه المعايير، ورجوعها إلى المزاج الشخصي للرقيب، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات، فنائب مجلس الأمة يملك السلطة بالمنع من خلال تصريح صحفي، وعضو لجنة الراقبة يملك نفس الصلاحية، وفي ظل عدم وجود مستند يحدد بدقة مهام كلٍ منهما، فإن التخبّط يكون سيد الموقف.
.
من المؤسف أن يُصبح الكتاب بضاعة تُصرف في سوق المكاسب السياسية، حين وصل الشيخ أحمد الفهد لوزارة الإعلام شهد معرض الكتاب انفراجًا واضحًا، لم يكن السبب هو تغيّر اللعبة، ولكن كان تغيّر اللاعب، وهذا ما أثبتته الأيام بعد تدويره، شخصية اللاعب فرضت إيقاعها، ولم تحصل حفلات الزار التي نراها مع كل معرض كتاب، حتى أصبح هاجس الرقيب لا القيام بمهام عمله بدقة، إنما هو ترضية الجميع دون وعي بأن الخلاف طبيعة بشرية، وأن محاولة حجب هذه الطبيعة أو تغطيتها هو ضحك على الذقون، ونتيجة لذلك أصبحنا نرى كتبًا تُباع وتُشارك في معارض دول مجاورة، وتمنع في الكويت بحجة إساءتها لتلك البلدان، غدونا ملكيين أكثر من الملك!
.
حين انتهت زيارتي للمعرض، وخرجت صادفت جموع المعتصمين، ابتسمت ومضيت بطريقي، لم أشأ ان أشاركهم اعتصامهم، فهم ليسوا – من وجهة نظري – سوى وجه آخر للرقيب، هم يفتقدون للضابطة التي تحدد مطالبهم، كما افتقد الرقيب للضابطة التي تحدد مهام عمله، لا أختلف معهم بمدى صحة مدعاهم ومطالبتهم ولكن العبرة هو في خدمتها لهدف صحيح، و إلا فلا عبرة لأي كلمة حتى و إن كانت (صحيحة) في ذاتها طالما انها موضوعة أو موجهة لخدمة هدف خاطئ .
.
الرقابة، والمنع أشياء يتحتم اللجوء إليها، فهي بذاتها مطلوبة، فالحرية المبالغ بها لا تقل ضررًا عن التضييق الشديد، وكليهما بحاجة لقواعد واضحة وصريحة تكفل العودة إلى النظام الذي يحافظ على بنية المجتمع متى ما تم خرقها، وهذه القواعد تساهم بشكل كبير في «إيجاد الحلول للمواقف بل و للإحراجات الأخلاقية التي قد تنشأ بسبب الصراع بين الموجبات المهنية وبين المطالب العامة التي يُنادى بها»*، ومن المؤسف أننا لا زلنا نتعامل بمنطلق ردّات الفعل على الأفعال، دون أن يستطيع أن يقدم الطرفين خلاصة منطقية لما يدعو له بعيدًا عن الشعارات التي يرفعها.
.
انتهى.
ــــــــــــــــــــــــــ
*مونيك كانتو :الفلسفة الأخلاقية.

25 أغسطس 2009

الطائفية و سؤال : الحريـّة أم النظـام؟

.
مع تزايد دعوى الطائفيّة، و ارتفاع عقيرة المنادين بها، و تحولها إلى حلبة يتصارع عليها الناس، بغض النظر عن تعريفها الحقيقي المجهول عند الغالبية، إلا أن المعنى العام لها هو ما يتم تداوله الآن من صراع مذهبي بين طوائف المجتمع الكويتي. وجدت عدة من الكتّاب يشيرون إلى دولة مجاورة و تجربتها في وأد الطائفية، و كيف أنّ هناك ثلاث فرق إسلامية تملك جعبة مملوءة من العداء المذهبي و العقائدي صارت منصهرة في مجتمع واحد لا تسمع به صوت المذهب، و أنا شخصيًا كنت من المتعجبين من هذا النجاح المذهل في اخفاض صوت الطائفية إلى هذا الحدّ في ذلك المجتمع، و هذا ما دعاني إلى البحث.
.
فماذا اكتشفت؟
.
قبل عدة أشهر – و ربما سنة الآن – نشر أحد الصحفيين في تلك البلاد وثيقة على الإنترنت تدين أحد المدراء بإحدى شركات الإتصالات، لم ينشرها بصحيفة، و لم تكن الوثيقة مزوّرة، و مع هذا فقد حُكم عليه بالسجن، و سُجن لمدة 6 أشهر و لم يفرج عنه إلا بعد وساطات و ترضيات و تدخلات كثيرة. هذه الحادثة دفعتني لاستقصاء الواقع هناك، و منها بدأت الإتصالات بمن أعرف انطلاقًا من هذه الحادثة.
.
منها عرفت أنّ تلك الدولة ليست (دولة تسلطيّة) كما هو الحال عندنا، إنما (دولة استبداديّة) بمعنى الكلمة، ليست هناك حريّة كما نفهمها، و لا هناك مشاركة أو صوت شعبي حقيقي، و مجلس الشورى هو مجرد ذريعة تُسدّ بها أفواه الغرب و مهمته أن يشير للشوارع التي بحاجة للإصلاح! الشعب لا يهتم كثيرًا بعدد الوزراء و طوائفهم، المهم هو إرضاء كافة القبائل بدفعهم للواجهة فقط و هذه هي سياسة السلطة الداخلية هناك، بينما سياسة الدولة و مسيرتها المتحكم بها قلّة قابعون على رأس السلطة، يقودهم شخصٌ واحد، و الشعب ملتهٍ بأكل عيشه، و ممارسة طقوسه اليومية، الوحيدة التي يملك القرار فيها.
.
ليست هناك طائفيّة بسبب عدم وجود صراع على السلطة، ليس هناك حاجة للتجييش الطائفي، أو القبلي بصورته المعهودة عندنا، لأنه ليست هناك حريّة تسمح للطائفة أو القبيلة أن تتبوأ مكانًا في مجال اتخاذ أبسط القرارات، تحولت الوزارات إلى عمل 'وجهائي'، فاقدة لمعناها في ظل المركزيّة الشديدة في إدارة الدولة، ليس معنى ذلك أنّ الحريّة بكافة أشكالها ممنوعة، و لكن كحريّة رأي في السياسة و الإقتصاد فهي شبه معدومة، أما باقي الحريّات سيّما العقائدية فهي متوافرة، ليس هناك تضييق على أحدٍ منهم في ممارسة شعائره، كلهم يمارس ما يريد و ما يشاء دون مضايقة، طالما أنها تبقى في إطار الممارسة و الشعار بعيدًا عن مركز القرار. النظام الشديد الموجود في تلك البلاد، و انعدام التجاذب الطائفي بين أبناء البلد هو بسبب هذا الشيء: فعاليّة القانون الصادر من جهة واحدة غير القابل للمناقشة.
.
نحن في الكويت، نوعًا ما، نملك هامشًا أوسع و أكبر من الحريّة، و ليس هناك بحسب ما أعرف من هو على استعداد للتنازل عنها و التحول إلى رقم في التعداد السكاني فقط. الطائفية عندنا هي بسبب هذه الحريّة. هناك صراع على السلطة في الكويت، و مشاركة – اتفقنا أم اختلفنا على حجمها – في القرار، و هناك سياسات يرسمها الشعب حتى لو كانت على الصعيد الداخلي وحده، هذا الصراع على مراكز السلطة يستلزم أن يستعمل أصحابه كافة اوراقهم فيه، و أهمها الورقة الأقدر على تحفيز الجموع وهي ورقة "الطائفية" أو بمعنى آخر الآيدلوجية، عندنا في الكويت هي شيعة و سنة، الكيانين البارزين.
.
قد يقول قائل بأن هذه الحريّة متواجدة منذ القدم، و لكن هذه الصورة الطائفية حديثة، والجواب أنّ هذا وهم، ليس هناك طوال التاريخ محركٌ للأحداث سوى الطائفية بمختلف أنواعها، و قد وقفت على شواهد تاريخيّة كثيرة ليس هذا مجالها، و لعلّني في يوم من الأيّام اتوفق لأجلعها دراسة مفردة. محصلة الحديث أنّ هذه الطائفية كانت موجودة في الكويت وليست وليدة اليوم، مجلس 1938 و الكانتونات المقسمة داخل السور، هي إثبات جليّ له، الفارق أنّ الطائفية ذلك الوقت كانت محصورة بطبقة واحدة، هي الطبقة السياسية أو الوجهائية الفاعلة، و كانت بعيدة جدًا عن عامة الشعب الملتهين بالبحث عن لقمة عيشهم، لأنّ السلطة كانت مركزيّة و لم يكن دور هؤلاء الوجهاء بمثل الدور الذي أعطاهم إيّاه الدستور بعد الإستقلال*.
.
ما نراه الآن، هو نتيجة حتمية للحريّة، رفضنا إيّاه هو رفض للحريّة، أن نريد النظام و خلع 'الطائفة'، فهذا ممكن، و لكن في الدول التي تعتبر الحرية ترفًا زائدًا، أو في الدول التي تسير على رأي واحد، رغبة واحدة، و مشيئة واحدة، لاغير.
لا يمكن أن ننزع الطائفة أو الطائفية طالما أنّ مراكز السلطة تُقسم و تُعطى بناءً على الثقل الطائفي، وفق آليات مشاركة شعبية حرّة، وطالما أنّ الحصول عليها هو من قِبل رجال لا يمكن لهم أن يصلوا لها دون إمدادٍ طائفي، حتى تفعيل القوانين للقضاء على هذه الظاهرة أصبح شعارًا خاويًا و مضحكًا لأن المسؤولين عن تفعيلها وصلوا لمراكزهم بسبب الطائفية، و لن يحاربوها إذا كانت هي السبيل الوحيد أمامهم!
.

نحن في مجتمعنا الآن، تشكل الدعوات الطائفية أبرز سلالم الصعود، و تحقيق المكتسبات، خصوصًا ما يتعلق منها بما يمكن فرضه و تحقيقه، و التجاذبات الحاصلة حول مناهج وزارة التربية تغني عن ألف كلمة. الصراع الطائفي عندنا انتقل من صراع (الوجهاء) إلى صراع العوام (البسطاء)، بسبب تغذية اولئك للشارع به و دفعهم له و الهدف هو شحنهم للحصول على دعمهم في الإنتخابات، و منها إلى المناصب و مراكز القرار.. و هذا هو الخطر الأكبر، أن ينتقل الصراع إلى العوام الذين هم بمعظمهم مجرد جموع تسيّرها العاطفة، و تدغدغها الكلمة، و لا تلتفت للأهداف الحقيقية لمحركيها إلا نادرًا.
.
أمامنا خياران،و علينا أن نحدد أولوياتنا: إمّا أن نتحول إلى دولةٍ استبداديّة و لكنها نظامية، لا طائفية و لا دعوات طائفيّة بها، أو نبقى في الحريّة و نتحمّل عواقب هذه الحريّة، ونعمل - على أقل تقدير - لتقنينها بجعل الصراع ينحصر مجددًا في طبقة 'الوجهاء' بعيدًا عن 'البسطاء' مثل ما هو الآن.
أما هذا العمل الوجهائي، فهو حكاية بحالها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع مذكرات د. أحمد الخطيب، خصوصًا ج2،ص80-81.

14 مايو 2009

[ II ] : البحث عن الوطنية



.
هذا الخلل الذي تحدثتُ عنه سابقًا هو تحول فكرة الوطنية إلى "كرة مشتعلة" يحاول كل شخص قذفها على الآخر هربًا من سخونتها و خوفًا من حرقها له ، و السبب هو أنه حين تضعف الدولة أو كما عبر عنه ابن خلدون ( نزل الهرم بالدولة و تقلص ظل الدولة عن القاصية )* فإن الناس يفقدون الثقة بها و بقدرتها على رعاية مصالحهم دون تفرقة فيلجؤون إلى البحث عن سند آخر يكفل لهم حقوقهم هنا "ينتكص"** كل شخص لإنتمائه الذي يقويّه و يعطيه القدرة على مواجهة العقبات التي تظهر في طريقه فالبعض يلجأ لقبيلته و الآخر لعائلته و الثالث لطائفته و الرابع لتيّاره السياسي الذي يملك تأثيرًا على الساحة و كل هذا لحماية أنفسهم و مكتسباتهم أو ينتكصون للصعود على أكتاف الدولة لفرض مكتسباتهم و رغباتهم عليها.
.
و لأنهم يشعرون بهذا الخلل فهم يحاولون ايهام أنفسهم بأن الخلل في الآخرين و ليس فيهم ، بحيث تصبح كل فئة تشعر بانها مهددة من الآخر لذلك يضطر كل منهم إلى الإختباء خلف مصطلح (الوطنية) و يستعمله كفزاعة يخوّف بها أي متحدث عن واقع هذا الخلل ، فنحن جيدون و نحن ملائكة و الله لا يغير علينا و من يتكلم عن وجود طائفية و عنصرية و قبلية هو شخص مستورد لا يريد الخير للبلاد!
.
التعارض الذي يشعر به هؤلاء ما بين ما يمارسونه و ما يعتقدونه في دواخلهم يُظهر عدم انسجامهم مع أنفسهم ،و حتى يبعدوا عن أذهانهم هذه المعاناة يلجؤون لتعيير الأطراف المقابلة بها ، فالراحة تكمن في ابعاد النظر عن المعاناة الشخصية إلى معاناة الغير كما يقول نيتشه ،و لم يعد من المستغرب الآن أن يتسربل بلباس الوطنية كل مارق و سارق ،و أمسوا حتى يبعدوا الشبهة عنهم يلقلقوا ألسنتهم بالأغاني الوطنية كي لا يتهموا بأنهم "لا وطنيون" .
.
التساؤل الذي يُطرح هو لماذا أصبح الحال كذلك؟

.
و جوابه بسيط جدًا ، السُلطة هي صراع و لكنه في الدول الحضارية يُمارس كصراع فكري تكون نتيجته دعامة إضافية لقيم المجتمع بينما تحول عندنا إلى صراع إقصائي و هو أسوء أنواع الصراع ،في مرحلة من مراحل الدولة أصيبت بـ"الشيخوخة المبكرة" كان من نتيجتها أن أصبحت الحكومة خوفًا من أطراف معينة تساند بعضها على حساب الآخر ،أصبحت هي ذاتها طرفًا في الصراع مع مكونات الشعب و بدلاً من أن تقف على مسافة واحدة من الجميع و أن تكون كما المطلوب منها في خدمة الشعب أصبحت تثقل ميزان بعض الأطراف على حسب مصلحتها ليصبح الشعب أو ( نوابه ) في خدمتها! ،هذه الشيخوخة أدت إلى حالة من التفسخ أصبح بموجبها الناس قادرون على التملص من واجباتهم بالرشاوى و الوساطة و غيرها و الحكومة لا تهتم بذلك بل و تشجعه في بعض الأحيان و تسهل أموره طالما أنها تتوهم أنها بذلك تحفظ قوتها.
.
حين تصبح الحكومة في محل اعتقاد شعبي أنها ندٌّ له و أن التعامل على مبادئ الرشوة و المحسوبية و الواسطة و التنفيع و المحاصصة جارٍ بها و لا يكون هناك مجال للكفاءة و المساواة و العدل كما هو المرجو منها أو حتى تطبيق سليم للعهد الموثق ما بينها و بين الشعب و هو الدستور، من الطبيعي أن تبرز نغمات الطائفية و القبلية و الحزبية ، كذلك حينما تدخل الحكومة في طرف المساومة مع بعض مكونات الشعب ،أو تدخل في حرب تضييق شديد عليهم أو توزع المناصب بناءً على الحسابات السياسية لا الكفاءات دون وجود قانون يسوّغ لها أي من ذلك ، بل و حتى في تسترها على النهب المتواصل و سكوتها عن التراجع الرهيب و التهلهل في مفاصل الدولة فإنها تضع نفسها في موضع المحارب لمصالح الشعب و منطقيٌ أن لا تكون هناك ثقة عند الشعب بمن يحاربه.

.
نحن إلى الآن و بعد 48 سنة على الإستقلال لا نعلم إن كنّا سندخل السنة القادمة و نحن نعمل بنصف مواد هذا الدستور أم لا ! و لا زال الشعور السائد هو التخوف من لحظة الإنقلاب عليه، فهو و إن كان لم يدخل حيز التطبيق الكامل إلى اليوم إلا أنه لازال يعطي شعورًا و لو ضمنيًا بالأمان من ناحية كونه ينص بصراحة على الحقوق المكفولة، و أن هناك مستند قانوني في نيل هذه الحقوق من خلال التحاكم إليه في النهاية، هذا الذي يحيي الأمل و الرجاء ببقائه عند الناس فهم بحاجة لمن يوليهم الثقة بكفالة حصولهم على حقوقهم ، و هذه الثقة أصبحت مهزوزة من كثرة الحديث عن تعطيل الدستور مما يعمق الشعور بعدم الأمان و الإطمئنان.

.
هذه الحالة التي نراها اليوم هي نتيجة منطقية و معروفة بعلم الإجتماع فيما يسمى بدائرة الإنحطاط، دائرة تمر بها كل الدول التي تعاني من (ضعف الدولة) و لا أدل من حال العراق في نهاية الدولة العثمانية و غيرها العشرات من الأمثلة على مدار التاريخ البشري ،حينها يشعر الناس بأنهم بحاجة (لشيء آخر) يقوم بالمهام المفترض من الدولة أن تقوم بها.
.

الوطنية هي شعور وجداني و مبدأ عقلاني و ليقر بالنفس فهو بحاجة لأن يتحول وجدان الشخص إلى الإعتقاد بأن الدولة قادرة على ضمان حقوقه كما هي دون الحاجة لتهديدها أو لسلوك الطرق الملتوية، الشعور الوجداني يحتاج لان يكون في الوجدان أي كامنٌ بالنفس و يظهر بسلوك الفرد و اختياراته لخدمة وطنه ،أما ابتذاله بكثرة الحديث المجرد عنه و تحويله لسيف تحاكم به النوايا فهو أمرٌ مستقبح لأنها محاكمة تستمد شرعيتها من محاكم التفتيش سيئة الذكر.

.
البحث عن الوطنية عند الأفراد وحدهم خطأ فهؤلاء تحركهم غريزة الشعور بالأمان و يطلبونها حيثما كانت، البحث عن الوطنية يجب أن يكون في السلطة فهي الوحيدة القادرة على بث الحياة فيه و هي الوحيدة القادرة على إبقائه كغطاء يسحب أي تعالي للطائفة أو القبيلة أو العائلة أو التيّار فوق مصلحة الدولة ،رمي تبعية المواطنة و الوطنية على كاهل الشعب وحده لا يستقيم مع دور الدولة في حفظ مصالح الشعب و رعايته ،تنازلها عن دورها و تسليمه لفئات أو لأشخاص في بعض الموارد و اصطفافها أو رضاها بصراع أطراف ضد الأخرى في سبيل الحفاظ على (وهم القوة) الذي تعتقد أنه بيدها هو الذي يمزق شعار الوطنية ،ويجعلها ملجئًا لكل من يفتقدها لكي يستغلها في محاربة الآخرين ممن يخالفونه بالرأي و التوجه.

.
حب الوطن ليس بالكلمات و لا بالأغاني و لا الشعارات وحدها بل هو بالسلوكيات و الأفعال و من يفتقدها يحاول التعويض عنها بمثل هذه الأشياء ليستر فقدانه لها، إن أرادت الدولة جعل الوطنية سلوكًا فعليًا يؤمن به جميع الشعب كأولوية فعليها قبل كل شيء أن تـُشعر هؤلاء بأنها ضمانهم الوحيد لحقوقهم قولاً و الأهم من ذلك فعلاً و أن الدستور هو المحتكم إليه و أن الكفاءة و العدالة و المساواة هي منهجها الوحيد في التعامل ، دونه فلا عجب أن تكون جميع الإنتماءات الأخرى مصلحتها فوق مصلحة الوطن عند البعض و أن لا تكون الوطنية سوى شعار يتذكرونه في الإنتخابات و في الأعياد الوطنية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الفصل الـ 20من مقدمة ابن خلدون ( الـ21 في النسخة المطبوعة عندي ).

** النكوص : الرجوعُ إِلى وراء وهو القَهْقَرَى. ( لسان العرب )

12 مايو 2009

[ I ] : البحث عن الوطنية

مقدمة :
.

رغم اختلاف البشر الذي هو طبيعة إنسانية بحتة ، فإن هذا الإختلاف يتقلص في سبيل سد الحاجة إلى التعايش و الإجتماع مع الآخرين، هذا الإختلاف بينهم هو الذي يولد الدولة و السلطة لأنهما أساسًا يقومان على الصراع ، الصراع بكافة أشكاله العلمي و الأدبي و الفكري و الديني و غيرها هذه الصراعات تنتج أسئلة و الأسئلة تبحث عن أجوبة تكمن فيها درجات التطور ، و يستحق الذكر أن كونفوشيوس انتبه لهذا الإختلاف و جريانه في الناس منذ زمن بعيد و أقره كشيء يجري في الطبيعة ككل وفق مقولته : لا يمكن للرجل أن ينزل في وسط نفس الماء بالنهر مرتين.
.
نحن كذلك مختلفون و لكننا لا زلنا نصنّف هذا الإختلاف على درجة أقل في سبيل الإجتماع ، نتغاضى عن كثير من الإختلافات حتى نعيش في جماعات تكفل لنا حقوقنا أو "حاجاتنا" البشرية الأمن و الامان و الغذاء و المشاركة و غيرها و هذه الجماعات تحولت في العصر الحديث إلى (دول)،ظهر فيها مفهوم الوطنية ليكون كالحكم العقلي ، شيء ثابت ، بديهي لا يختلف عليه اثنان ليجتمع عليه كل البشر ثم تبقى الخصوصيات المختلفة محفوظة إنما تقع تحت الوطنية ، هناك حادثة ليهودي مع أمير المؤمنين عليه السلام حيث استشكل عليه بإختلاف المسلمين بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مباشرة ، فقال عليه السلام :
«إنّما اختلفنا عنه لا فيه ، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم اجعَلْ لنا إِلهاً كما لهم آلهة، فقال إنّكم قوم تجهلون»[1].
.
النتيجة التي أريد الوصول إليها هي أن (الوطنية) كمفهوم وضعت لتكوّن غطاءً يجمع الناس تحته على اختلاف ألوانهم فهو الأصل الذي يتفقون عليه و ليختلفوا – بحسب طبيعتهم البشرية – بعد ذلك و لا مشكلة إطلاقـًا ، كما اختلف المسلمون في تفسيرهم لما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و لكن ظل اتفاقهم عليه لا يختلفون فيه أبدًا.
.
و حتى تؤدي هذه الوطنية لـ"الحضارة" يذهب د. علي الوردي إلى أنها بحاجة لما يعرف بـ (قوة الدولة)[2]، فالدولة القويّة هي التي بإمكانها زراعة مفهوم الوطنية و اعتباره الأصل الذي لا يعلو عليه شيء لكافة الشعب ، الدولة القويّة و المركزية و العادلة التي تمد كل شخص بالإيمان في أن هناك سندٌ يستند إليه في نيل حقوقه كاملة غير منقوصة دون حاجة لاستعمال أية أساليب ملتوية أو قوة ، و متى ما شعر الفرد بأنه قادر على أن يعيش في ظل سيادة مبدئي المساواة و الكفاءة التي يكفلها الوطن فهو سيصبح تلقائيًا منصهرًا مع باقي المكونات و إن احتفظ بخصوصياته ، و هذا يسحب منه أي ذريعة لإعلاء أي قيمة أخرى فوق قيمة الوطنية.
.
نحن الآن على رغم كل ما يُقال عن انسجام الكويتيين و تعايشهم فإن العين لا يمكن اغماضها عن واقع الحال و هو أن هناك ردة واضحة إلى التذرع بقيم الطائفة و القبيلة و التيّار فـوق الوطنية ،يُقال بان أفضل من يتحدث عن الأمانة هو السارق لأنه يفتقدها ، و الفاقد للشيء هو أفضل من يصفه و يحنّ إليه و يتحدث عنه أو كما يذهب صامويل جونسون إلى أن الوطنية هي ملاذ ' الأوغاد ' الأخير[3] لأن كثرة الحديث عنها من قِبل من يحاربها بسلوكه ينبئ عن افتقاده لها و أنه يستغلها كحجة يبرر بها الممارسات التي يقوم بها ،فحين يتحدث من يسرق الوطن عن الوطنية أو من يتعدى على مفهوم (الدولة) عن الوطنية أو من يحاول دس فكرة أن الوطنية هي مضادة للقبيلة أو الطائفة ثم يطالب غيره بها فهذا كله يشير إلى أنّ هناك خلل واضح بحاجة للإشارة إليه بدلاً من تخبئته تحت السجاد.


.


يـتـبع إن شاء الله ..
نظرًا لطول المقالة ، فضلت نشرها على جزئين.

تحديث : الجـزء الثـاني (اضغط)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] نهج البلاغة - فصل قصار الكلمات.


[2] يقصد بقوة الدولة : مركزية السلطة القوية القادرة على حماية أرواح الناس و ممتلكاتهم و العناية بمصالحهم و خدمتهم.


[3] Patriotism is the last refuge of a scoundrel

25 فبراير 2009

بعد 48 سنة على الإستقلال

بعد أن اضطررت اضطرارًا شديدًا و مؤسفًا أن أسلك " شارع الخليج " منتصف ليلة الأمس ، و بعد ما شاهدته من مناظر ذكرتني بمسلسل " Tarzan " كانت هذه الشقشقة التي هدرت ثم قرّت.

.



أهرامات الجيزة تمثل احدى عبقريات البناء الإنساني ، يرى البعض فيها صخورًا و الآخر قبورًا و الثالث تحفًا معمارية ، أنا أرى فيها سيرة الحياة ، تبدأ فارغة في المنتصف و تصل في النهاية إلى سد هذا الفراغ برأس دقيق يمثل القدرة المختزلة لكل هذه الاحجار التي وضعت تدريجيًا حتى وصلت للقمة ، و بعد القمة تبدأ بذلك النزول إلى أن تصل إلى الفراغ الأكبر في القاعدة بنفس الوتيرة .



اليوم [1] تمر ذكرى 48 سنة على الإستقلال و هذه فترة بأعمار الدول بل و حتى الإنسان تعتبر قصيرة نسبيًا و لكنها قياسًا بالكويت اليوم تعد إشارة لكل نظريات الهِرم التي صاغها علماء الإجتماع ، قبل سنة او بالتحديد سنة و شهرين من الآن احتفلت مجلة العربي بمرور 50 سنة على إصدارها ، صحيح أنها بدات بالصدور قبل الإستقلال التام و لكنها واكبت و زاملت تلك الأيام ، كم كنت أتمنى لو قامت الحكومة أو طالبها أعضاء مجلس الأمة بتوزيع ذلك العدد على كل بيت في الكويت بالمجان حتى يقرأ الشعب ذكريات الكتاب و الأدباء و المثقفين الذين قاموا ببناء صرحها و أشادوه في صورة تمثل أبلغ الكمالات لعنفوان الدولة الناهضة و أنا اجزم صادقًا أنه لن يضع أحدهم المجلة إلا و الكمد و الحسرة تقطع أنفاسه على ما يراه الآن من نقيض هذا العنفوان من شيخوخة مبكرة .
.


سار المجتمع الكويتي بخط تطوري صعد تدريجيًا و لكنه استعجل نهاية السباق فوصل قمته مع اعلان الاستقلال و صياغة الدستور المدني الذي كفل الحريات في وسط مجتمعات لم تزل متدنية في مستوى استيعابها لهذه الوقائع و الاحداث ، و لكن كما يبدو كان هذا التطور مجرد اقتباس سابق لأوانه من الدول الحديثة ، كان تطورًا فكريًا ' نخبويًا ' تناسى في غمرة صراعه أن المجتمع في عاداته و اعتقاداته لا زال متأخرًا عن استيعابه لهذه الامور بشكلها الكامل ، لو أخذت رجلاً من القرون الوسطى في عصور الإقطاع و اتيت به في خضم هذا العالم الحديث ذو الحقوق و الواجبات المدنية و الحريات فإن هذا الشخص لن يمانع هذه الحرية التي وصل لها و لكنه لن يتنازل عن قيم الاقطاع التي وقع تحت تأثيرها في تعامله مع باقي الناس ، اختلافه سيظهر جليًا و إن ادعى رضاه بالديمقراطية و المدنية و ما فيها و لن يمانع أبدًا من العودة لما كان عليه ، و لكن لو عكست الحال و اتيت برجل من هذا العصر و وضعته في عصور الإقطاع فلن يستطيع التعايش أبدًا ، اختلاف المعيشة و تطور الفكر الذي حصل نتيجة مخاض عسير من الصراعات و الحروب عند الإنسان الحديث سيما في أوروبا و الغرب أولد قيما تعد كالأرقام الثابتة في الرياضيات غير قابلة للتنازل عنها او تغييرها و منها الحرية و الديمقراطية .




يتحدث د. علي الوردي عن هذه الأزمة : « من طبيعة القيم الإجتماعية التي تسود الناس فترة طويلة من الزمن أنها لا تتغير بنفس السرعة التي تتغير بها ظروفهم » ، و أطلق على هذه الظاهرة في علم الإجتماع اسم (التناشز الإجتماعي) ، لم يكن المجتمع الكويتي سوى قرية صغيرة تغلق أسوارها بعد صلاة العشاء يتجمع تجارها في جبلة و الكادحين من سكانها مختنقون في فرجان شرق و الأواسط ما بين هاتين المنطقتين متوزعون ، و هذا هو الخطأ الاول حين تم الإتيان بفكر مدني بكل ما يحمله من مفردات المساواة و الحريات ليتم تطبيقه في مجتمع لازال يؤمن بفوقية التاجر الذي يأكل اللحم و دونية من أدامهم لا يتعدى المموش و السمك ، مجتمع يهاب الفداوي و خيزرانته و يعيش في كانتونات مقسمة تدور بين التجار و السلطة الحاكمة مداولات الديرة و يبات الشعب باحثا عن "نوخذة" يكفلهم [2]، لم تكن هذه المدنية القادمة متناسقة مع قدرة المجتمع على تقبلها ، لم يستطع 'الكبار' ان يهضموا هذا التغير الذي يزيحهم من بروجهم و يساويهم بعامة الشعب في كسر لا يجبر لقيم عشائرية سادت طويلاً ، لذلك بمجرد ذهاب سكرة هذا الإنطلاق بدأت الألاعيب تمارس لإعادة الأمور كما كانت عليه سابقًا و قد نجحت للأسف في كثير من الأمور و كم من قانون معطل و مادة دستورية دفنها الغبار لازالت موجودة إلى اليوم دون تطبيق حفاظاً على بعض الفروق كرامةً لأولئك.

.

و لكن هذا كله كان بالإمكان التغلب عليه بمرور الزمن و بالحفاظ على سير عملية التطبيق على علاتها لانها في النهاية ستولد قيمًا جديدة ، في الوقت الذي وقف فيه بعض النواب و ذهبوا لتقبيل 'خشوم' الوزراء من الأسرة في الستينات عندما دخلوا قاعة البرلمان ، وقف هؤلاء النواب مع الشعب في موقف المطالبة و المعارضة لإرجاع الديمقراطية في الثمانينات و هذا مؤشر على التحول و تغير القيم نتيجة التطور الذي طال فكر المجتمع و لو أنه كان تطورًا بسيطًا في ظاهره ، و يؤكد ذلك حين حديثه عن هذا التناشز د. علي الوردي و يستشهد بأسلوب الملك فيصل في العراق الذي عمد إلى التثقيف التدريجي للشعب بدأه في المدن و استطاع أن يحقق نجاحًا كبيرًا و لكن قيم السلطة العشائرية التي أصبحت لعبة تجيدها القوى السياسية لتنفيذ مخططاتها المرسومة لها استطاعت إزاحته ليعيد صدام في النهاية الكرة إلى ملعبها الأول [3].

.

ما مرت به الكويت كان عنفوانًا سريعًا أوصلها إلى شيخوخة مبكرة ، كان تطورًا مستعجلاً لم يستطع أن يحافظ على ثباته فوصل لخط النهاية قبل أوانه كما يقول الإنجليز : ما يأتي سريعًا يذهبُ سريعًا ، و هذه من طبيعة الأشياء أنها متى ما وصلت إلى القمة بدأت بالانحدار بنفس السرعة التي وصلت بها و لكن عجلة التسارع زادت بسبب الغزو الذي دق المسمار الأخير في النعش لمّا بات الكويتي ' كويتيًا ' ليصحَ على صوت عبد الحكيم زعلان و هو ينادي أبناء المحافظة التاسعة عشر ، أصبح الهمَّ اليوم عند الكثيرين هو ضمان مستقبلهم لأن شعورهم بوجود الدولة أصبح منعدمًا ، فالموجود الآن هو هيكل دولة أو بالأحرى أطلال دولة الكل يبحث فيها صيدٍ يعشي به أطفاله ، و إن لم تكن الفكرة ظاهرة على محياهم إلا أنها مغروسة في وجدانهم و باطنهم ، لم تعد مشكلة الموازنة بين القيم هي علاج شيخوخة الدولة و لكن مشكلة إيجاد معنى الوطن و الدولة في النفوس قبل كل شيء ، الكثيرون ارتكبوا جرائهم حين غابت الدولة في الغزو ظنًا منهم بانها لن تعود و لكنهم تمادوا حين رؤوها عادت و لكن بجنحان منكسرة يُبّرء السارق فيها و يتباكى السهران في كازينوهات الهرم على صيامه الذي يضطر لابطاله من شدة عطشه نظرًا لعلو صوته في دفاعه عن حقوق الشعب (!) و ينصب مدعي الدين فيها وصيًا على الشعب و هو يبيع الخمور ، و الآخر ينتخب نفس عضوًا في مجلس يمثل دولة يعتبر أن عيدها الوطني " يومًا وثنيًا " و أن عَلَمها لا يستحق حتى الإحترام و لم يعمد أحد إلى جبر هذه الكسور .. حينها لا نلومُ الشعب الضايع بالطوشه على حالة الضياع التي يعيشها بل قد نجد لهذه الحالة تبريرًا !

.


بعد 48 سنة على الإستقلال و 18 سنة على التحرير آن الاوان لان يتم تقييم الامور بدلاً من تغطيتها بأقنعة الكلمات ، لم تعد الشعارات و الأشعار و الدعوات الوطنية الخالية كافية لان تغطي عورة المستوى الذي وصلنا له عطفًا على البداية التي بداناها و قادت الكويت إلى أن تصبح درة الخليج في زمنٍ قصير انتهى .



الأعياد الوطنية ليست مجرد أيام يُحتفل بها و تُذاع بها الأغاني ، بل هي أيام يستذكر بها مسيرة الدول ، لا يعني أن لا نفرح بها و لكن تعني أن لا نلجأ لهذه الإحتفالات حتى نخفي التصدع الحاصل تحت رغوات علب الصابون .






و الحديثُ ذو شجون



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



[1] استقلال الكويت الفعلي كان في 19/6/1961 ، و لكن تكريمًا للامير الراحل الشيخ عبد الله السالم تم اختيار يوم إمارته عيدًا وطنيًا للشعب لأنه أبو الاستقلال و الدستور .



[2] قبل يومين نشرت القبس وثيقة تاريخية يحصل فيها ( بن هويدي ) على براءته من ( النوخذة ) ، لتكون صك نجاته !



شاهد الوثيقة : اضغط هنا .



[3] الواقع أن الكويت نتيجة لهذا التناشز الإجتماعي و ما ترتب عليه من صراع سياسي واضح في نهاية الستينات و السبعينات و ما ترتب عليه من سياسة التجنيس و غيرها أصابتها ردة حضاريّة واضحة ، من طبيعة المجتمعات البشرية أنها بحسب ما يقوله ابن خلدون تعاني صراعا ما بين البداوة و الحضارة و هذا الصراع يستلزم في احدى مراحله أن تُصاب المجتمعات بحالة من التفسخ و الإنحلال الأخلاقي و لا أظن أن ما يحدث الآن يخرج من هذه الدائرة و العياذ بالله .