‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد التاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفيد التاريخ. إظهار كافة الرسائل

25 نوفمبر 2008

ديكتاتورية من رحم الديمقراطية .


" تعلمت من التاريخ : أن الإنسان لا يمكنه أبدًا أن يتعلم من التاريخ ! "


- هـيغـل


يحدثنا التاريخ عن حادثة مدفونة في التاريخ القديم قبل ميلاد المسيح عليه السلام ، عن دولة كانت جمهورية في زمن لم تعرف فيه الدويلات سوى أحكام العشائر و تقاليد القبائل ، يحدثنا عن مكان اسمه " كوريا جوليا " اجتمع فيه نخبة الشعب الروماني و قرروا أن تكون السلطة بالإنتخاب بعد اسقاط الملكية ، ليكتب التاريخ في صفحاته عن امبراطورية و لكن ديمقراطية .


بسطت الامبراطورية الرومانية سلطتها على بلاد أوروبا و توسعت نحو آسيا في واحدة من أكبر الرقع التي شملتها طوال تاريخها ، و رغم ذلك كانت هذه الامبراطورية تقاد من مجلس الشيوخ في روما الإيطالية ، هؤلاء الشيوخ كانوا يصلون للكوريا جوليا بالإنتخاب من قِبل الشعب الروماني في نظام بديع لم يسمح لأحد فيه بالبروز أبدًا ، فقد كان الحكم مشتركًا بين المنتخبين لا يعترف بسلطة أحد على آخر خارج الحدود المتعارف عليها .


وفرت هذه القيادة لهذه الامبراطورية جوًا جعل من بعض العائلات ترى في مجلس الشيوخ حقًا مكتسبا لها فهي تتوارث الكراسي فيه اعتمادا على ارثها السياسي و المالي و الاجتماعي ، و ساهمت الوفرة الاقتصادية التي شهدتها روما بسبب التوسع الكبير في الفتوحات العسكرية الناجحة في بلاد الغال و اليونان و آسيا و غيرها في رفع المستوى المعيشي للرومان بدرجة كبيرة حتى تحولت روما لقبلة الأرض وقتها ، و من هنا بدأت الحكاية .


كانت الفتوحات التي تحدث لبلدان تعيش في عصور الحكم الفردي المطلق تحت قيادة الجنرالات الرومان تعاني من خلل فشلت فيه الحكومة الرومانية من التعامل معه ، فقد كانت تلك البلاد لا تزال تحت تأثير الحاكم الاوحد المطاع و ضعف التمويلات و الامدادات للجنرالات و الجيوش التي فتحت هذه البلدان بسبب الألعاب و المصالح السياسية التي كانت تحكم العائلات المتسيسة في مجلس الشيوخ جعلت هؤلاء الجنرالات يلجؤون إلى تثبيت أنفسهم و اظهارهم أمام سكان تلك البلدان كحكام فعليين يحكمون باسم الامبراطورية لجباية ما يريدون في سبيل حفظ الجيوش و الممتلكات مما ولد طائفة من المستفيدين أو كما يُحب أن يسمهيم البعض ( البطانة ) السيئة في الدولة .


هذا البروز للجنرالات جعل مجلس الشيوخ يبتعد عن تدعيم الجيوش تاركا إياها لقوادها ، و بدلا من ذلك بدأ أعضاء المجلس في الدخول بلعبة التحالفات مع الأقطاب ' الكبرى ' في المؤسسة العسكرية ، حيث بدأ شراء الولاءات و الصفقات و التحالفات القائمة على الأفكار و المبادئ و لكن بشكل أكبر ( المصالح ) .


بدأت العنصرية تمزق الامبراطورية الرومانية فمجلس الشيوخ نتيجة عداءه مع ' بومبي ' الذي لم يفوضه لغزو الشام ، رفض الاعتراف بمواطنية أهل سوريا ضمن الجمهورية الرومانية كما أن المجلس رفضا اعطاء أي حقوق للمواطنين اللاتين كما رفض مساواتهم بالمواطنين الرومان ، و وقف النبلاء بالتحالف مع أبنائهم في مجلس الشيوخ موقفا صلبا ضد هؤلاء ، كان ' ماريوس ' القائد الروماني منتخبا من طرف مجلس الشيوخ [ السيناتورات ] ليكون قائدًا في الحرب الأهلية النوميديين [ سكان شمال أفريقيا ] ضد أتباع بوغرطة و استمرت هذه الحرب طويلاً حتى أصاب الشعب الروماني الملل و الكلل نتيجة ضعف الدولة عن هزيمة هؤلاء و كنتيجة لتشرذم مجلس الشيوخ الذي وجد نفسه أمام ضرورة التجديد لـ ماريوس بطريقة غير شرعية حتى تنتهي هذه الحرب ، لأن الشعب قد اكتشف أن ملك النوميديين بوغرطة قد دفع رشاوى كبيرة لأعضاء مجلس الشيوخ حتى يتخلص من العقوبة ضده و يخرج من هذه الحرب سالمًا .


عندما انتهت الحرب بدأت العنصرية تطفح على السطح بصورتها الشرسة و مهددة بتمزق الجمهورية ، فقد بدأ ماريوس نزاعا ساحقا ضد سولا الروماني الذي أجبر مجلس الشيوخ على انتخابه كرئيس للجمهورية بعدما حاصرهم بقواته و هو الذي فعل ما عجز عنه ماريوس في انهاء بوغرطة و حكمه ، و دخلا في حرب كان سببها الشعوبية و العنصرية ما بين النوميديين و بين الرومان و ما لبث الصراع أن أشعل صراعات أخرى كان منها ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس الذي بدأ يتقدم ببطء نحو روما و هو يسحق الجيش الروماني .


يُعتبر " سولا " أول ديكتاتور في العهد الجمهوري الروماني فقد رأى مجلس الشيوخ في جيوشه المطيعة له الزاحفة نحو روما سببا كافيا لإعطائه ما يريده من سُلطة ، و ما لبث سولا أن زاد عدد الأعضاء إلى نحو 600 شيخ في مجلس الشيوخ في طريقة لضمان بقاءه على السلطة و استمرار سيطرته على مجلس الشيوخ و هذا ما حدث له ، و لكن برز ما لم يكن في الحسبان .


حربه التي خاضها ضد الشعوبيين و ضد العبيد و ضد اللاتين ولّدت المزيد من العنصريات و الثورات التي صُنّفت على أنها ثورات و حروب " اجتماعية " ، و في ظل تذمر العامة من الأداء السياسي المتهافت لمجلس الشيوخ ، و كثرة الحروب العبثية و تفرق الرومان و المواطنين و تعدد الانتماءات و محاولة كل جنرال إبراز نفسه كقوة يُنظر لها باحترام و بخشية سيّما من كانوا في اطراف الامبراطورية ، كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت روما على صفيح ساخن تخرج من أزمة لتدخل في أخرى و صُبّ الاهتمام على شراء ولاءات اعضاء مجلس الشيوخ و صراعهم مع أقطاب السلطة و تناسوا الامبراطورية و أمنها و حمايتها و مكانتها ، و تناسوا كل المشاكل التي تعاني منها هذه الجمهورية المرهقة و انصب اهتمام النخبة في روما على الحفلات و حلبات المصارعة و تكوين القواعد و الخطابات و الشعارات ، لدرجة تحول المصارعين العبيد و حركاتهم و أسمائهم إلى قضايا تشغل أبناء العاصمة و الدولة عن كل شيء آخر بما فيه تفكك البلاد تحت نير الاقطاع و المعارك .

و لم يصحوا إلا على وقع أن السلطة في الحقيقة تركزت بعد خروج " سولا " من الصورة بيد " بومبي " و "قيصر" و "كراسوس" الذي مات تاركا مكانه لـ " بومبي " و اغتاله يوليوس قيصر بدوره ليُعلن بعد ذلك انتهاء الجمهورية الرومانية و بداية العصر الامبراطوري القائم على الديكتاتورية المطلقة ممنيًا الشعب الروماني بالعدالة و تحسين المستوى المعيشي المتهالك نتيجة الحروب و الصراعات السياسية ملقيًا باللوم كله على أعضاء مجلس الشيوخ ؛ مما يثير الضحك عند المؤرخين هو أنّ هؤلاء الثلاثة إنما حصلوا على مكانتهم و مراكزهم بما وفرته لهم الجمهورية من مكانة عن طريق الـ كوريا جوليا فكانوا هم أول من انقلب عليه.

و هكذا انتهت قصة جمهورية كانت سببًا للديكتاتورية .

19 أكتوبر 2008

كله منك يا عباس .





يروي د. عبد المحسن يوسف جمال في كتابه اللطيف ' لمحات من تاريخ الشيعة في الكويت ' أنه في عام 1783 م ، تقدم أحد شيوخ بني كعب لخطبة مريم بنت عبد الله الصباح كمقدمة لخطة وضعوها لتوسيع دائرة المناطق الخاضعة لهم ، و رفض الشيخ علاقة المصاهرة هذه فما كان من بني كعب إلا أن أعلنوا الحرب على الكويت حديثة التكوين التي كان يحكمها في ذلك الوقت الشيخ عبد الله الصباح ، فخرج الكويتيون لمنطقة الرقة البحرية ليتلاقوا مع بني كعب في أول معركة يسطرها الكتاب في تاريخ الكويت ، كان الجيش الكويتي وقتها يتكون بشكل رئيسي من آل الشمالي و آل الوزان و آل المحميد و بن شيبة و بن نعمة الصباغ و آل عباس الكعبي .


و للأسف فآل عباس الكعبي لم يعد لهم وجود اليوم في الكويت فقط انقطع نسله .


هذه الحادثة مثال بسيط جدًا على واقعة تاريخية مثبتة و مروية و متواترة بين كبار السن ، لم يعد يعرفها أحد اليوم ، حتى أصبح التحدث عن الوجود الشيعي في الكويت هو كمن يتحدث عن تاريخ التواجد الصيني في اقليم التيبت الذي ابتدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية .


بشخطة قلم بسيطة و بتواطئ بين أغلب المؤرخين أصبح تاريخ الكويت مختزلاً بفئة معينة ، لا ينفك التاريخ عنها و أنّ مساهمة الباقين ما هي إلا من وضع الأذهان أو كما قال د. أحمد الخطيب في مذكراته : " فتاريخ الكويت تعرض للتزوير و التدجيل و ألغى دور الكويتيين كليًا " .


من المؤسف أن تجربة الغزو المؤلمة لم نستغلها في تصحيح المفاهيم البائدة عندنا و أولها مفهوم الـوطـنيـة بحيث اختزل هو الآخر بتلك الفئة ، و أصبح ما عداهم مجرد دخلاء وجودهم و تاريخهم يبتدأ منذ عام 1950 .



هذا الكلام تخطرته حين وجدت إحداهن بكل صلافة ، تمسح قرنين من الزمان و تنسب كل هذا البنيان إلى فئتين كان كل وجودهم هو أنهم في يوم من الأيام امتلكوا المال ، و الفئة الأخرى رحمها الله ببراميل الستينات ، و اليوم غدتا أمثولة المواطنية و أن البلاد لولاهم لما كان أو يزال لها وجود .


نحن بحجة الوطنية و عدم التفرقة ساهمنا في تجهيل الشعب بتاريخ هؤلاء الماضين فقد اعتبرنا كل ذكر لهم هو إحياء لطائفية أو اشعال لجذوة تفرقة و آمنا بمثالية تاريخية يتم فيها حفظ حقوق الكل ، ثم اكتشفنا أنّ المثالية الفكرية التي نتحدث عنها لا وجود لها عند الطرف الآخر ، فإن لم نحافظ و نرعى تاريخنا و وجودنا بانفسنا فلن يرعاه أحدٌ لنا ، لأنه ليس هناك شيء في عالم الوجود اسمه العمل من أجل الآخرين ، فكل عمل هو عمل مصلحي بالدرجة الاولى ، لا ينتظر ثوابا بل يقبل بالثمن .


و كل هذا بسببك يا عباس الكعبي ، أنت و أبناؤك ..

فقد رحلتم و أنتم من شهدت لهم ساحات الوغى ، و آمنتم بأن ذكراكم باقية ما بقي الوطن ، و لكن للأسف أصبحت ذكراكم مجرد " تدجيل " بنظر بعض أبناء الوطن ، لا يعرفونكم و لا يقيمون لكم وزنًا لأنكم فضلتم أن تدافعوا عن الوطن بأنفسكم و تكتبون تاريخه بدمائكم ، بدلا من أن تؤجروا لكم " مؤرخًا " يصنع لكم في كل ناحية تمثالا ، و في كل زاوية نصبًا بأموالكم التي هطلت من السماء في احدى ليالي سنة 1990 السوداء ؛ كما فعل من يُشار لهم بالتاريخ اليوم !

12 أكتوبر 2008

موجز : أصل الصفويين .






منذ الحرب العراقية - الإيرانية و أحداثها التي جعلت بعض الحكومات تلجأ إلى تعبئة شعبية تخفز شعوبها للتخندق دون سؤال أو اعتراض خلف حامي الامة العربية و حارس البوابة الشرقية وقتها ، الهالك صدام حسين ، و هناك اسطوانة واحدة لا تفارقهم .




في تلك الأثناء كانت الأموال الحكومية تصرف بسخاء في سبيل ايجاد دوافع خلافية جديدة تبرر لها موقفها من الاصطفاف في هذه الحرب ، حتى لا تظهر بمظهر الشاة المطيعة لراعيها و بطبيعة الحال كان الراعي ذلك الوقت هو العالم الغربي ( و لا زال ) و على رأسه الولايات المتحدة .




حينها بدأت أسطورة " الصفويين " ، و لكن بعد الحرب خبت لتظهر مجددًا مع دخول القوات الامريكية لبغداد في إعادة مماثلة لمسرحية الثمانينات إنما هذه المرة كانت بحماسة أكبر ، و ألصقت في هؤلاء الصفويون كل صفات السوء و ما أنصفوهم !



لا بتاريخهم المشرق ، و لا بالنهضة العلمية التي ابتدؤوها ، و لا بفرض السلطان و إسلام المغول حتى صاروا قوة الهند هناك سيما في عهد الدولة المغولية التيمورية [ من آثارها تاج محل الذي دفنت فيه ممتاز محل و كان من تخطيط محمد خان الأصفهاني ] التي اسلمت على يد العلامة الطوسي رحمه الله و هو المعلم الأكبر لجد الصفويين الذين ينسبون له صفي الدين الموسوي الأردبيلي.



ما هو أصل الصفويين ؟






يختلف المؤرخون في نسبتهم ، و ذلك لأنهم ذوي وقع تاريخي كبير فقد امتدت الكثير من الأيادي لتكتب ما شاءت في نسبهم و أصلهم و أجدادهم ، تماما كما حدث مع الفاطميين في القاهرة ، فأولى خطوات " الحرب الجاهلية " هي الطعن في الأنساب .



الصفويون ينتسبون لـ صفي الدين اسحاق بن أمين الدين الأردبيلي نزيل أردبيل عاصمة اقليم آذربيجان الإيرانية قديمًا ، الشيخ المعروف و الجليل و قد ذكره العلامة فخر العلماء الشيخ بهاء الدين العاملي المعاصر لأحفاده في كتابه " توضيح المقاصد " و لأشار فيه لكتاب كتبه ابن البزاز ألفه في ذكر سيرة الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي .






و قد ذكر السيد محسن الأمين العاملي في كتابه النفيس ( أعيان الشيعة ، ج/ 3 ) نسب الشيخ فقال :



" صفي الدين إسحق بن الشيخ أمين الدين جبرئيل بن السيد صالح بن السيد قطب الدين أحمد بن السيد صلاح الدين رشيد بن السيد محمد الحافظ كلام الله ابن السيد عوض الخواص بن السيد فيروز شاه درين كلاه بن محمد شرف شاه ابن محمد بن أبي حسن بن محمد بن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد العراقي بن محمد قاسم بن أبي القاسم حمزة بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام [ ابن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين الشهيد عليهم السلام ] "






و قد أيد هذا النسب بحسب بحثي و استقصائي الكثيرون ، منهم العلامة السيد محمد باقر الفالي الذي استعمت منه شخصيا لتفصيل شجرتهم في احدى الجلسات، و العلامة الدكتور نجاح الطائي حيث ذكر سلسلة النسب في كتابه ( العصر الذهبي للدول الشيعية ) و أيدها و أقرها و بنى عليها ، و منهم العلامة السيد الميلاني و هذا العلم الجليل يكفي اسمه لاتمام اليقين بسلامة النسب، و للشيخ الكوراني [ العاملي ] فصل كامل يذكر فيه تتبعه و استقصائه لسلسلة هذا النسب الشريف ، و ممن ذهب لهذا الرأي أيضًا د. وجيه كوثراني في كتابه ( الفقيه و السلطة ) ، و الواقع يحكي أن التسليم بهذا النسب هو من المسلمات التي دأب عليها العارفون، إنما شابته الشوائب بسبب ما ارتبط به من قيام الصفويين كدولة خارجة عن المألوف في محيط استقوت به الامبراطورية العثمانية ، التي كانت و يا للعجب تعتمد على نفس العنصر الذي اعتمدت عليه الدولة الصفوية و هم ترك الأناضول و قبائلهم .




و لكن المؤرخ الإيراني الكبير الشيخ رسول جعفريان كما ينقل في كتابه ( نشوء و سقوط الدولة الصفوية ) يعارض الأمر ، و يقول بأن هذا النسب إنما وضع في عهد الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي ، معيدا بذلك مقولة بعض مؤرخي التركمان .




و في الواقع فإن في قوله نظر لانه لا يستقيم مع ما كان من قبل ظهور الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي و الذي هو على عكس آبائه و أجداده لم يكن رجل دين بل رجل سياسة و حرب ، حيث استلم زمام الأمور و عمره 13 سنة و بنى الدولة الصفوية من الصفر ، و كان خانقاه [ مجلس ] آبائه و أجداده هو موئل الملوك و طلاب العلم و محط رحال أبناء الترك و الاناضول ، و يذكر التاريخ الكثير عن مضيفهم و يذكر أيضا نزول تيمورلنك فيه بعد إسلامه و عفوه عن الأسرى الترك بعد تدخل حفيد الشيخ صفي الدين .

و إنما يرجع اعتماده على الاتراك الآذريين لكون أمه هي ابنة حسن قوصون زعيم قبائل آق قويونلو التي أحكمت سيطرتها على اقليم ايران الشمالي و عاصمته تبريز ، و لكون جدهم الأكبر " فيروز شاه درين " عين حاكما على أردبيل في بلاد آذربيجان ، و اسمه أضيف إليه لتوضيح مقامه الحاكم في تلك الأرجاء سيما و أن التاريخ يذكر أن مولده و نشاته كانت في العراق ، و انه أتى منها لأردبيل حاكمًا .


و من بعده استمر وجود أولاده و أحفاده في تلك البلاد ، إلى أن ولد الشيخ صفي الدين الذي حاز على مرتبة رفيعة بين الأتراك هناك رغم أن مذهبه هو شيعي ، و ما يذكر عن شافعيته لا يقوم عليه دليل بعكس ما هو مذكور في المخطوطات و الوثائق التركية و الفارسية و العربية ، و كان غالبية هؤلاء الاتراك المحيطين به سنة شوافع يميلون للتصوف و لكون الشيخ صفي الدين من أمثلة العرفانيين كما ينقل الشيخ آغا بزركَـ الطهراني عن المؤلفات حوله في كتابه ( الذريعة ) ، و قد أدى تجمع هؤلاء البسطاء إلى " خانقاه " الشيخ إلى اعتقاد قوي به و بايمانه و روعه و ربما هذا سبب نسبته إلى الشافعية ، و قد توارث أولاده هذا الاحترام و التقدير حتى أتى الشيخ جنيد حفيد الشيخ صفي الدين ليدمج تلك القبائل المائلة نحو التصوف في التشيع و يؤسس القاعدة التي ستقوم بعد سنوات بالدفاع عن حفيده الشاه إسماعيل لتؤسس الدولة الصفوية .


و كذلك فيه نظر لكون الشاه طهماسب كما هو في كتب التاريخ كان أورع الحكام في السلسلة الصفوية ، ميالا للسلم و محبوبا وسط الشعب دون حاجة للنسب ، فكما يقول المؤرخ الشيخ رسول جعفريان ( فإن قداسة الشيخ صفي الدين لم تأت جراء ادعاء نسب شريف بل جاءت نتيجة لقداسة يحظى بها التصوف آنذاك ، و بما امتاز به الشيخ من زهد و تقوى و نزاهة و ما نسبت إليه من كرامات و خوارق و حتى خرافات ، و قد زاد من قداسة الأسرة هو استمرار أبنائه و أحفاده على ذات النهج الذي خطه لنفسه ) ، و مثله لا يقدم على هذه الخطوة لأن ادعاء النسب محرم في الإسلام سيما في وجود رؤوس العلم و الفضل ذلك الوقت في ايران.


بنيان الدولة الصفوية ، ينفي " تركية " النسب !


نشات الدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل ، و بأسلحة و رجال قبائل الأتراك الذين هبطوا من هضبة الأناضول و بدؤوا بدعم الشاه اسماعيل مما شكل تهديدا لأتراك تركيا الذين دعموا السلاجقة و لم يكن لهم بد إلا بمحاولة اغلاق هضبة الاناضول لايقاف التدفق التركي نحو إيران و هذا ما كان بعد هزيمة الشاه اسماعيل لمعركة تشالديران ، ليبدأ بعدها التحول نحو بلاد الآذر و جورجيا و الهند و غيرها في الاتجاهات الأخرى .


تميزت الدولة الصفوية بأن جيشها و قوتها العسكرية كانت تعتمد على الأتراك الآذريين الذين عرفوا باسم ( قزلباش ) أي قبعة الذهب ، فقد كان شعارهم و زيهم الموحد يحتوي على قبعة حمراء بها 12 طية ، تشير إلى عدد الأئمة في المذهب الشيعي .


و لكن كانت الوزارة بيد الفرس ، مع هذا فإن المقام الأعظم في الدولة و هو الأعظم حتى من سلطات الشاه نفسه كان مقام الفقيه الذي كان حكرا على العرب من العراق و لبنان الذين بدأ طلبهم الشاه إسماعيل و استمروا في عهد أولاده و أحفاده حتى أن المؤرخ رسول جعفريان يذكر ( اسناد مناصب حساسة لعناصر عربية لا تجيد غير العربية في التفاهم مع مؤسسات الدولة ) .


و أمثلة هؤلاء هم الشيخ علي بن الحسين الكركي و الشيخ بهاء الدين العاملي و الشيخ حسين بن عبد الصمد و يوسف بن أحمد البحراني و غيرهم حتى بدأ ظهور العلماء الأتراك و الفرس و منهم العلامة المجلسي و العلامة المقدس الأردبيلي في العصور المتأخرة.


سيطرة القزلباش الاتراك استمرت على القوة العسكرية حتى عهد الشاه عباس الذي بدأ في التقليل من نفوذهم و اعطاء المزيد من النفوذ للفرس الذين اعتنقوا التشيع وقتها و أصبحوا عنصرا فاعلا بالدولة بعد أن كان التشيع في ايران مقتصرا على مدينتي كاشان و قم و بعض البقاع المتفرقة في خراسان و الري ( طهران اليوم ) ، و هذا دليل آخر على عدم الانتساب " النَسَبي " .

و بعد الصفويين انتقلت السلطة إلى يد القاجاريين احدى أول القبائل التركية التي ساندت و دعمت الشيخ جنيد الصفوي ، و هذا حديثٌ آخر .

و لكن ملخصه بأن الأتراك لم يكونوا أبدا أصحاب الحظوة كما كان العرب في تلك البلاد ، او كما أصبح الفرس بعد ذلك ، فقد ظلوا منعزلين و مجرد عساكر و قادة عسكريين ، تقلص نفوذهم إلى أقصى درجاته قبل أن يحييه نادر الدين شاه قاجار حين أسس دولته القاجارية التي أسقطها رضا خان بهلوي .



خاتمة .


الحديث حول الدولة الصفوية ممتع و شيّق ، و لكن محل الشاهد هنا هو مناقشة أصل الصفويين الذي يُثبت الدليل انهم كانوا عربا هاشميين بقوا في بلاد الترك ، كما بقي غيرهم حتى أنه في كتب البلدان تذكر بلدة " خوي " الآذرية على أنها ( بلدة العرب ) .


و ما يتعرضون له من هجوم و تشنيع ، سيما في ربطهم بالمجوسية رغم أنهم عربٌ أقحاح ، و اختلطوا مع الترك الشوافع و الجورجيين و الأرمن الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل أن يسلموا ، يثبت أن سبب هذا التهجم إنما له دوافع أخرى تتستر بألبسة القومية و الطائفية ، فالمجوسية كانت دين اعتنقه الفرس دون غيرهم ، و هو دين فيه خلاف عند علماء المسلمين في كونه سماويا أم لا و تفصيلهم في ذلك كثير بكتب الفقه ، و ليس هذا موضوعنا ، يعطينا نظرة على واقع الحال الذي استسهل الكذب في سبيل المخاصمة .


الهجوم على الصفويين من ناحية النسب و الدين يمثل أمثولة ترينا بوضوح مدى الإنحطاط الفكري الذي وصلنا إليه ، في اختلاق ما لا يقوم على بينة و دليل و لصقه بالأبرياء ثم محاكمتهم على أساسه ، لم يكن التهجم عليهم سوى سلما يقود المتهجمين للوصول إلى غاية أمرهم فيما يريدون من طائفية .


ما قاموا به في ايران من نهضة علمية و سياسية أثبتت أنهم كانوا يتحركون من باب الخدمة العامة ، و أن طلب السلطان عند الشاهات العظام فيهم لم يكن لأنفسهم بقدر ما كان لغيرهم كما يحكى عن الشاه عباس الذي وضع لحيته في يوم من الأيام تحت قدم العلامة القمي دليلاً على زهده في الحكم رغم أنه كان واحدًا ممن حكم أضخم رقعة في تاريخ الحكام الصفويين .


مصادر :

  • كيف رد الشيعة غزو المغول - الشيخ علي الكوراني
  • نشوء و سقوط الدولة الصفوية - الشيخ رسول جعفريان
  • الفقيه و الدولة ( الفكر السياسي الشيعي ) - د. فؤاد ابراهيم
  • العصر الذهبي للدول الشيعية - الشيخ د. نجاح الطائي
  • موسوعة أعيان الشيعة - السيد محسن الامين العاملي
  • و غيرها .


11 سبتمبر 2008

ذكرى السنة السابعة

" لا تصدقوا هذا الحصان ، مهما يمكن أن يكون ،
لأنني أخشى هؤلاء الإغريق ، و لو حملوا لنا العطاء بأيديهم . "
إلياذة فرجيل ، 201قبل الميلاد.
.
.
11 سبتمبر 2001 ، عصر ثلاثاء ثقيل جديد على طالب بالثانوية ، يضيع وقته على الانترنت ، فجأة ياتيه النداء : شوف قناة الجزيرة .. أفصل الدايل آب ، لأتابع التلفيزيون ، كانت الطائرة الأولى أخذت مكانها و الثانية آتية بطريقها ، الدخان يتصاعد بمشهد يذكرك بحريق روما على يد نيرون ، لكنها هذه المرة كانت روما الجديدة ، في قلب العالم الجديد ، بما أطلق عليه يورك الجديدة .. و لم يكن نيرون هو من أحرقها ، بل شخص آخر يتشابه معه في الحرف الأخير من اسمه .
.
كانت المشاعر متناقضة ، تفرح أم تحزن ؟
إعلام يزرع عقلية البغض و الكراهية ، و حكومات تكرس مفاهيم العبودية ، و يبقى الفرد متحيرًا : يفرح بما أصابهم ، أم يحزن ؟
حينها تذكرت حديث الإمام الرضا - عليه السلام - : لو أن رجلا قـُتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل .
و أنا لا طاقة لي بدماء الناس ، سيّما إن كانوا أبرياء .
.
لم أحب أن تفوتني ذكرى هذا اليوم دون بصمة ، و بصمتي هي مقولة إريك دورتشميد : لعب الغباء البشري دورًا يفوق دور الشجاعة و البطولة في تغيير مجرى التاريخ ، لقد كان الغباء البشري و الصدفة هما العامل الحاسم .
.
انتهى .

تساؤل : بعد اسبوع على انهيارات جبل المقطم في القاهرة ، السلطات تحول المكان إلى مقبرة جماعية و تسويه بالأرض .. كم استمرت عمليات رفع الانقاض و الإنقاذ في نيويورك ؟