25 نوفمبر 2008

ديكتاتورية من رحم الديمقراطية .


" تعلمت من التاريخ : أن الإنسان لا يمكنه أبدًا أن يتعلم من التاريخ ! "


- هـيغـل


يحدثنا التاريخ عن حادثة مدفونة في التاريخ القديم قبل ميلاد المسيح عليه السلام ، عن دولة كانت جمهورية في زمن لم تعرف فيه الدويلات سوى أحكام العشائر و تقاليد القبائل ، يحدثنا عن مكان اسمه " كوريا جوليا " اجتمع فيه نخبة الشعب الروماني و قرروا أن تكون السلطة بالإنتخاب بعد اسقاط الملكية ، ليكتب التاريخ في صفحاته عن امبراطورية و لكن ديمقراطية .


بسطت الامبراطورية الرومانية سلطتها على بلاد أوروبا و توسعت نحو آسيا في واحدة من أكبر الرقع التي شملتها طوال تاريخها ، و رغم ذلك كانت هذه الامبراطورية تقاد من مجلس الشيوخ في روما الإيطالية ، هؤلاء الشيوخ كانوا يصلون للكوريا جوليا بالإنتخاب من قِبل الشعب الروماني في نظام بديع لم يسمح لأحد فيه بالبروز أبدًا ، فقد كان الحكم مشتركًا بين المنتخبين لا يعترف بسلطة أحد على آخر خارج الحدود المتعارف عليها .


وفرت هذه القيادة لهذه الامبراطورية جوًا جعل من بعض العائلات ترى في مجلس الشيوخ حقًا مكتسبا لها فهي تتوارث الكراسي فيه اعتمادا على ارثها السياسي و المالي و الاجتماعي ، و ساهمت الوفرة الاقتصادية التي شهدتها روما بسبب التوسع الكبير في الفتوحات العسكرية الناجحة في بلاد الغال و اليونان و آسيا و غيرها في رفع المستوى المعيشي للرومان بدرجة كبيرة حتى تحولت روما لقبلة الأرض وقتها ، و من هنا بدأت الحكاية .


كانت الفتوحات التي تحدث لبلدان تعيش في عصور الحكم الفردي المطلق تحت قيادة الجنرالات الرومان تعاني من خلل فشلت فيه الحكومة الرومانية من التعامل معه ، فقد كانت تلك البلاد لا تزال تحت تأثير الحاكم الاوحد المطاع و ضعف التمويلات و الامدادات للجنرالات و الجيوش التي فتحت هذه البلدان بسبب الألعاب و المصالح السياسية التي كانت تحكم العائلات المتسيسة في مجلس الشيوخ جعلت هؤلاء الجنرالات يلجؤون إلى تثبيت أنفسهم و اظهارهم أمام سكان تلك البلدان كحكام فعليين يحكمون باسم الامبراطورية لجباية ما يريدون في سبيل حفظ الجيوش و الممتلكات مما ولد طائفة من المستفيدين أو كما يُحب أن يسمهيم البعض ( البطانة ) السيئة في الدولة .


هذا البروز للجنرالات جعل مجلس الشيوخ يبتعد عن تدعيم الجيوش تاركا إياها لقوادها ، و بدلا من ذلك بدأ أعضاء المجلس في الدخول بلعبة التحالفات مع الأقطاب ' الكبرى ' في المؤسسة العسكرية ، حيث بدأ شراء الولاءات و الصفقات و التحالفات القائمة على الأفكار و المبادئ و لكن بشكل أكبر ( المصالح ) .


بدأت العنصرية تمزق الامبراطورية الرومانية فمجلس الشيوخ نتيجة عداءه مع ' بومبي ' الذي لم يفوضه لغزو الشام ، رفض الاعتراف بمواطنية أهل سوريا ضمن الجمهورية الرومانية كما أن المجلس رفضا اعطاء أي حقوق للمواطنين اللاتين كما رفض مساواتهم بالمواطنين الرومان ، و وقف النبلاء بالتحالف مع أبنائهم في مجلس الشيوخ موقفا صلبا ضد هؤلاء ، كان ' ماريوس ' القائد الروماني منتخبا من طرف مجلس الشيوخ [ السيناتورات ] ليكون قائدًا في الحرب الأهلية النوميديين [ سكان شمال أفريقيا ] ضد أتباع بوغرطة و استمرت هذه الحرب طويلاً حتى أصاب الشعب الروماني الملل و الكلل نتيجة ضعف الدولة عن هزيمة هؤلاء و كنتيجة لتشرذم مجلس الشيوخ الذي وجد نفسه أمام ضرورة التجديد لـ ماريوس بطريقة غير شرعية حتى تنتهي هذه الحرب ، لأن الشعب قد اكتشف أن ملك النوميديين بوغرطة قد دفع رشاوى كبيرة لأعضاء مجلس الشيوخ حتى يتخلص من العقوبة ضده و يخرج من هذه الحرب سالمًا .


عندما انتهت الحرب بدأت العنصرية تطفح على السطح بصورتها الشرسة و مهددة بتمزق الجمهورية ، فقد بدأ ماريوس نزاعا ساحقا ضد سولا الروماني الذي أجبر مجلس الشيوخ على انتخابه كرئيس للجمهورية بعدما حاصرهم بقواته و هو الذي فعل ما عجز عنه ماريوس في انهاء بوغرطة و حكمه ، و دخلا في حرب كان سببها الشعوبية و العنصرية ما بين النوميديين و بين الرومان و ما لبث الصراع أن أشعل صراعات أخرى كان منها ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس الذي بدأ يتقدم ببطء نحو روما و هو يسحق الجيش الروماني .


يُعتبر " سولا " أول ديكتاتور في العهد الجمهوري الروماني فقد رأى مجلس الشيوخ في جيوشه المطيعة له الزاحفة نحو روما سببا كافيا لإعطائه ما يريده من سُلطة ، و ما لبث سولا أن زاد عدد الأعضاء إلى نحو 600 شيخ في مجلس الشيوخ في طريقة لضمان بقاءه على السلطة و استمرار سيطرته على مجلس الشيوخ و هذا ما حدث له ، و لكن برز ما لم يكن في الحسبان .


حربه التي خاضها ضد الشعوبيين و ضد العبيد و ضد اللاتين ولّدت المزيد من العنصريات و الثورات التي صُنّفت على أنها ثورات و حروب " اجتماعية " ، و في ظل تذمر العامة من الأداء السياسي المتهافت لمجلس الشيوخ ، و كثرة الحروب العبثية و تفرق الرومان و المواطنين و تعدد الانتماءات و محاولة كل جنرال إبراز نفسه كقوة يُنظر لها باحترام و بخشية سيّما من كانوا في اطراف الامبراطورية ، كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت روما على صفيح ساخن تخرج من أزمة لتدخل في أخرى و صُبّ الاهتمام على شراء ولاءات اعضاء مجلس الشيوخ و صراعهم مع أقطاب السلطة و تناسوا الامبراطورية و أمنها و حمايتها و مكانتها ، و تناسوا كل المشاكل التي تعاني منها هذه الجمهورية المرهقة و انصب اهتمام النخبة في روما على الحفلات و حلبات المصارعة و تكوين القواعد و الخطابات و الشعارات ، لدرجة تحول المصارعين العبيد و حركاتهم و أسمائهم إلى قضايا تشغل أبناء العاصمة و الدولة عن كل شيء آخر بما فيه تفكك البلاد تحت نير الاقطاع و المعارك .

و لم يصحوا إلا على وقع أن السلطة في الحقيقة تركزت بعد خروج " سولا " من الصورة بيد " بومبي " و "قيصر" و "كراسوس" الذي مات تاركا مكانه لـ " بومبي " و اغتاله يوليوس قيصر بدوره ليُعلن بعد ذلك انتهاء الجمهورية الرومانية و بداية العصر الامبراطوري القائم على الديكتاتورية المطلقة ممنيًا الشعب الروماني بالعدالة و تحسين المستوى المعيشي المتهالك نتيجة الحروب و الصراعات السياسية ملقيًا باللوم كله على أعضاء مجلس الشيوخ ؛ مما يثير الضحك عند المؤرخين هو أنّ هؤلاء الثلاثة إنما حصلوا على مكانتهم و مراكزهم بما وفرته لهم الجمهورية من مكانة عن طريق الـ كوريا جوليا فكانوا هم أول من انقلب عليه.

و هكذا انتهت قصة جمهورية كانت سببًا للديكتاتورية .

هناك 8 تعليقات:

Salah يقول...

سرد تاريخي شيق.

يا عزيزي بالأول المفروض ان يتعلمون مما يجري أمام أعينهم وحواليهم لكي نتوقع منهم أن يرجعوا 2000 سنة ويتعلمون من الماضي!

تحياتي

Makintosh يقول...

المقوله الاولى قعدت اقراها 3 مرات
من كثر ما عجبتني لانها صحيحه بنسبه 100%

موضوع شيق كالعاده

العنصريه تسبب مشاكل بكل مجالات الحياه مو بس بالسياسه للاسف
والاشخاص العنصريين في تزايد

secret يقول...

الأمور التاريخية التي تثير الضحك كثيرة، يقال ان التاريخ يكتب على مزاج الكاتب، فلك ان تتخيل يا زميلي :)

Safeed يقول...

Salah ،،

يقولون بأن التاريخ لا يكرر نفسه ، و لكن البشر يكررون نفس الأخطاء :)



Makintosh ،،

و مع هذا فإن الناس لا يلفتون لها :)



Secret ،،

مبكيات التاريخ أكثر من مضحكاته .
تبقى هناك حوادث قابلة لأن يرسم حولها المؤخرون ما يريدون ، و تظل هنالك حوادث يظلون عاجزين عن ' اللعب ' فيها .

Yin يقول...

سرد جميل
ومعلومات جديدة أضيفها للقائمة

والزمن كله يتكرر ولكن الوجوه والتكنولوجيا هي فقط المتغيرة
آلاف السنين من النهج نفسه
لم يتعلم أحد ولن يتعلم أحد

وخوش نقطة أثارها سيكرت


يعطيك العافية
ودزيت مسج للحجاج لتوصيتهم بالدعاء
:))

Safeed يقول...

Yin ،،

لأن البشر لا يتعلمون ، و لا يعتبرون :)
...
الله يرحم والديكم ، و والديهم :)
ما نستغني عن دعاؤكم .

ZooZ ZaibG يقول...

قريت الموضوع امس ونمت
حلمت بحروب وخيول تركض ولويه
قمت مخترعه
:\

خوش موضوع

Safeed يقول...

ZooZ ZaibG ،،

هذا يعني أن الموضوع لامس الفكر الباطن عندكم :)
و هذا هو المطلوب ..
أعتذر عن الكوابيس :)