22 يناير 2010

عاوز أتجوز تاني



في ذورة الإنشغال والإنهماك بالعمل المضني قبل يومين، وجدت نفسي فجأة في خضم حديث متصاعد النبرة كنت محوره دون إرادتي، وبلا رغبة مني. جالسًا على مكتبي ورأسي مدفون بالأوراق، انطلق زميلي بالحديث عن 'الأرف' الذي يعانيه بحياته الزوجية، وعدم التفاهم وقلة الانسجام الذي صبغ الـ15 سنة الأخيرة من حياته، وأنه قد اكتفى لذلك سيبحث عن زوجة أخرى، بعد أن يشحن زوجته الحالية وأولاده إلى بلاده مع أقرب طائرة! إلى هنا وكان الجدال يدور بينه وبين زميلي الآخر الذي يحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة، مذكرًا إياه بكل ما في الزواج من إيجابيات، وأهمها شعور الأبوة والأولاد، لينفجر في وجهه:

.
- هوّه لو كنت عاوز أولاد بس، كنت أقدر أجيبهم من غير جواز (زواج)!

.
حين سمعت الجملة الأخيرة، لاشعوريًا ضحكت، وهذا هو ذنبي الوحيد الذي كان تذكرتي لأكون محورًا للموضوع بعدها، فقد إلتفت ناحيتي قائلاً:

.
- همه الستات كده، ولاد ... في ...، بس يتجوزوا يلعنوا سنسفيل اجدادك، جالهم الأرف، اوعى تتجوز .. اوعى، خليك كده.. ثم أكمل وصلة الشتم والردح، لينهيها بزفرة على اللحظة التي قرر فيها الزواج، متبوعة بتفاصيل لا يصح نشرها للعامة!

.
يبدو أنّ منظري المتفاجئ جعل زميلي الآخر يستلم زمام الحديث، لينفي هذه النظرة السوداوية للزواج، معددًا إيجابياته، متخذًا نفسه مثالاً معاكسًا له، ويتابع الجدال مع الآخر، لحظتها قررت أن أظل متمسكًا بصمتي، محاولاً الإنتهاء من كومة الأوراق أمامي، وبعدها لكل حادثٍ حديث.

.
وكان حديثي مع نفسي..
هناك قصة تتمتع برمزية كبيرة، وأراها تختصر الكثير من المعاني، مفادها أن أخوين ذهبا إلى مصر، وحين عادا قال الأول أنه شاهد شارع الهرم ومحمد علي، والثاني شاهد سيدنا الحسين والأزهر! وكلاهما كانا في بقعة جغرافية واحدة، كذلك التجربة، قد تكون واحدة نمر فيها جميعنا ولكن كل شخص فينا يخرج بنتائج في بعض الأحيان هي متناقضة مع الآخر، ليس الخلل في التجربة، في الواقع ليس هناك خلل على الإطلاق، إنما هي خصيصة نفسية تتواجد عند معظم الناس، وهي أن أهواءهم تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل رؤاهم، ومسيرتهم، ومواقفهم في الحياة.

.
يولد كل إنسان وداخله قابليات متنوعة، وعندما نتحدث عن نمّوه ونضجه فهذا يعني أننا نتحدث عن تحويله لهذه القابليات إلى ملكات، بمعنى أنه يهيء نفسه ويوفر الأرضية لجعل هذه القابليات تنمو حتى تخرج من كونها (حالة عارضة) إلى ملكة بكلمة أخرى صفة مستمرة معه. هكذا، نرى أشخاصًا يتحولون إلى إيجابيين لتنميتهم لقابلياتهم الأخلاقية الرفيعة، بينما نرى آخرين ينظرون للعالم بمنظار ضيّق، ويبحثون عن السلبيات في كل شيء. على الرغم من كون هؤلاء الأشخاص المتناقضين قد خرجوا من رحم أسرة واحدة، ذات فلسفة تربوية واحدة. ولكن كل واحد فيهم نمّى القابليات التي يميل إليها أكثر من تلك التي نبذها بحسب طبيعته والأهم بحسب رغباته النفسية.

.
وكونه يولد بهذه القابليات، فإن ذلك يوفر تفسيرًا مقبولاً نوعًا ما لظهور تصرفات أو أفعال أو مواقف قد تكون غريبة أو مستهجنة من أشخاص لم نتعود ظهورها منهم، ومصداق ذلك حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي مضمونه بأن المؤمن يمكن له أن يزني أو يسرق، فتنتفي عنه صفة الإيمان حتى تنتهي هذه الحالة العارضة عليه، ويعود لملكته التي نمّاها وهي التعفف والأمانة، وهي ذاتها الملَكة التي تشعره بعدم الإرتياح والضيق أثناء فعله لتلك الأمور لم يألفها ولم يعطيها الفرصة لتصبغه بلونها، فهو يشعر بالتناقض معها.

.
مرّ زميلاي بذات التجربة، الأول فشل بها بنظره والثاني نجح، ولكن الملفت للنظر أن كليهما حاول أن يعمم تجربته على الجميع، ويعتبرها مقياسًا لكل الحالات المماثلة، فالزواج بنظر الأول مشروع فاشل* وإن كان لابدّ منه، وعند الثاني مشروع ناجح تطغى ايجابياته على سلبياته.

.
لا أريد أن اناقش هذه القضية ولكني سأتخذ منها منطلقًا لفهم سبب رغبتنا بتعميم تجاربنا دون وعي منّا على الجميع.

.
كثيرًا ما نطلب من الآخرين أن يراعوا انشغالاتنا، وظروفنا الحياتية اليومية، ونعتبر مثل هذا الطلب ضرورة يجب على الآخرين أن يأخذوها بعين الاعتبار، وإن لم يحدث ذلك منهم رأينا في ذلك إساءة لنا، نتألم منها والسبب هو أننا نعتبر المنظار للعالم يمر عبر ذواتنا، فكل شيء مرتبط بنا وبمزاجنا، نريد للعالم أن يفرح إذا فرحنا وأن يحزن إذا حزنا، فالطبيعة البشرية تقوم على إيمانها بأن الإنسان هو سيد الخلق بالمعنى العام، وسيادته تعني أنه يرى في نفسه الفضل والعلو على غيره، وهذا يجعله يعتقد أن الحق المطلق منحصر فيه دون مقدمات، وعلى الآخرين أن يتبعوه وإذا لم ير ذلك منهم، اشمئز واعتبرهم جهلة لا يفهمون.

.
ومعظم التنافس بين البشر على تعميم تجاربهم تعود إلى هذه الخصيصة فيهم، فطبيعة الإنسان أنها ترى في نفسها الأفضلية على غيرها، أو تحب أن ترى شيئًا فيها يميزها عن الآخرين، ويعطها «بونصًا» يجعلها تملك ما تتميز به وسط جموع البشر، ومن ذلك تجاربهم في الحياة، في الزواج والعمل وحتى في اختيار نوعية الطعام والمطاعم، فهي تشمل كل ما يمكن أن يتم التوصل له من خلال التجربة والبرهان أو مجرد الإطمئنان.

.
في أيام الكلية لم أشغل نفسي يومًا بالسؤال عن «الدكاترة» وهذا يمثل حالة شاذة بين جموع الطلبة بطبيعة الحال، وكثيرًا ما كنت أسجل بعض المواد عند دكاترة يصنّف من يسجل عندهم تحت بند الجنون، ومع هذا فانطباعاتي عنهم تكون ممتازة، ولم تخب إلا نادرًا جدًا، بعكس كل توقعاتهم، والسبب هو أنهم إما تأثروا بإيحاء الآخرين أو أنهم مروا بتجربة سيئة، ثم عمموا حكمها، وإذا شاهدوا أحدًا يخالف حكمهم، فإنه لا يروق لهم أن يروه ناجحًا.

.
حاول أن تسأل عن أفضل هاتف نقال، أو أفضل مزود إنترنت أو حتى أفضل خباز جمعية، وانظر كيف تتعدد الآراء وتتظافر ليدخل أصحابها في عراك وجدال قد يستمر لساعات ويبدء كل طرف باستحضار عشرات القضايا والأدلة التي يحتفظ بها في ذاكرته لينتصر لرأيه ويبيّن أنه الصواب، ويُسّقط آراء الآخرين ويسفهها، في خضم ذلك كله يتناسى أولئك أن النتيجة التي توصلوا لها في معرفة أفضل هاتف أو غيره إنما هي متولدة من تجربة خاصة فيهم، لعبت فيها ميولهم وقابلياتهم الدور الأكبر في توجيهها إليهم، وهذا يكفي لإظهار أنّ أحكامهم متماشية مع طبيعة تكوينهم، ولكنها من جهة أخرى قد لا تناسب الآخرين لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار طبائعهم، وميولهم، وأهواءهم والأهم من ذلك الظروف التي قد تحكم تجاربهم.

.
زميلاي العزيزان جانبا الصواب، لأن كليهما كان يتكلم عن تجربته ونتيجته الخاصة، وكلٌ منهما يريد أن يثبت أن تجربته هي المقياس للعالم أجمعه.

_____________
*راجع:
تفلسف عزّاب

1 يناير 2010

على أعتاب موعد الآمال


«.. الآمال مثل شباك الصيد، تُرمى في البحر وتقبع هناك منتظرة السمكة حتى تقع في حبائلها. أظن كلمة الآمال خداعة، فالمقصود بها هو الإنتظار حتى يتم الإستسلام للأمر الواقع، وما القول أو بالاحرى الوهم بان هناك شيء جيّد سيحدث ويقلب الواقع ويحوله للأفضل إلا نوع ساذج من أنواع خداع النفس .. كثير من الشباك ترمى في البحر ولا تخرج منه ثانية فالخجل يعتريها من 'فضاوة' جوفها، كذلك هي الآمال، نضعها، نرسمها، نكتبها، ونحلم بها ثم مع الأيام ندفنها لاننا نخجل من الإشارة لشيء ما ثم نقول: كــان أملنا به كذا!
.
يمكنك أن تخدع وتكذب وتدلس على كل الناس إلا على نفسك، درجة الصراحة التي يتمتع بها الإنسان مع نفسه تجعل الإستسلام للواقع أصعب من خوض الحرب معه، فالحرب مجهولة النهاية، حين تبدأ، لا تدري أ تضع أوزارها بانتصار أم هزيمة، ولكن الاستسلام يقود إلى نتيجة واحدة، ومكاشفة واحدة، قبل أن تبدأ: أنا لا أملك فرصة للفوز.
لا يمكنك أن تخدع نفسك حين تدخل الصحراء، بأن تلقين نفسك الإرتواء سيمنعك من العطش!
.
منذ صغرنا يقولون لنا بأن الإنتصار وتحقيق الأهداف دائمًا يكمن على بُعد سويعات من العمل الجاد، ويضربون المثل بضفدعتين قفزتا في إناء من الحليب، وفشلتا في الخروج منه، اما الاولى فقد استسلمت لمصيرها حتى غرقت بالحليب وماتت، وظلت الاخرى تضرب بأرجلها طوال الليل حتى تحول الحليب إلى زبدة قفزت منها إلى خارج الإناء.
.
لم يقولوا لنا أبدًا، أن حياتنا ليست إناءً من الحليب، بل هي إناء من الرمال، مهما حاولت أن تضرب رجليك فيه لن تحصد سوى الغبار!
أرادوا منّا أن نصنع الوهم ثم نصدقه، فهذا أسهل عليهم من تعليمنا صناعة الفعل.
.
ربما كان عليهم أن يضربوا لنا مثلاً بالبقر، يمضغون طعامهم، ويستلقون تحت أشعة الشمس، ثم في النهاية تتحول إحداهن إلى وجبة شهية نأكلها ونحن نشاهد بقرة أخرى تتحول إلى نجمة إعلانية على شاشة التلفزيون.
.
"هل أنتم بقر؟"
.
ما أعرفه أننا لسنا ضفادع، ونحن للبقر أقرب، يسمنونا منذ الصغر، يعطونا الطعام، يربونا، يعلمونا، ثم نقابل الواقع وهو أن كل ما حصلنا عليه هدفه هو أن نتحول إلى وجبات استهلاكية تضمن استمتاع الطبقات العُليا وهي تقضي وقتها بمشاهدة البقرات اللاتي نجحن في التحول إلى نجمات، ليس بسبب قدراتهن الفائقة إنما بسبب فشلهن في صنع الحليب، أو الوصول إلى درجة السمنة المناسبة!
.
نمضي أيامًا كثيرة، نرسم لوحات الآمال، نحاول اقناع أنفسنا باننا نملك ما لا يملكه الآخرون، نضع الخطط ثم ننفذها بأذهاننا، ونتخيل مدى نجاحنا وعبقريتنا في رسم مستقبلنا، ثم لا ننفذ ذلك، بل نؤجله، نربطه بحبل ونرميه حول عنق تاريخ ما، وبدلاً من أن نسعى لتحقيق آمالنا، ننتظرها أن تأتي إلينا، وهي تمشي على بساط أحمر يفرشه ذلك التاريخ! وياللعار حين نكتشف مدى صرامة هذا التاريخ، فهو كالضيف الثقيل حين نجامله وندعوه لمنزلنا، وبقلوبنا ندعو الله ألا يقبل دعوتنا، ولكن يقبل، فنتعلثم: ماذا نفعل؟
ونكتفي بالجلوس معه، نندب حظنا العاثر بالسر!
.
.. كل شيء أصبح حقيرًا، بما فيه آمالنا، أصبحت تدور حول ذواتنا، نفسها الذوات التي نعتبرها حين نختلي معها كابوسًا بكثرة ما توقفنا على حافة الهاوية.
يبدو أنه مكتوب علينا أن نرجم أنفسنا في نهاية كل سنة!
هكذا ندفن خجلنا من آمالنا القزمة.. »
.
ليس من عادتي نشر ما اعتبره نوعًا من نتاجاتي الأدبية، بل أحتفظ ببعضها في مكان خاص، وربما على عكس الكثيرين، في نهاية كل سنة أتخلص من الكثير من القصاصات التي أنثر عليها بعض الكلمات في أوقات الفراغ. ما هو مكتوب أعلاه وجدته مكتوبًا اليوم على ورقة كانت محفوظة عندي داخل كتاب، تساقطت منه بالصدفة وأنا أحاول البحث عن معلومة ضائعة فيه. ربما هي صدفة أن تكون مثل هذه اللحظات، هي التي أجد فيها مثل هذه الكلمات، لكنها صدفة - بالنسبة لي - سعيدة تعيد الإعتبار إلى ما نتناساه: الحياة تُعاد - بما فيها دروسها - مرة تلو الأخرى، وآن الأوان لنبقى مستذكرين لبعض هذه الدروس.
.
يطول صمتنا، هذه اللحظة، حين نسترجع أحداث السنة الماضية، ونحن نقف على أعتاب أحداث الجديدة، لنجد أننا لا زلنا في المربع الأول، كبرنا، أضفنا سنة لعمرنا، ربما تحسن مستوانا المعيشي أو الاجتماعي لكننا من الداخل بقينا كما نحن: نطأطأ الرؤوس كلما تذكرنا أحلامنا، وأمنياتنا .. وما تحقق منها فعلاً على أرض الواقع!
.
.. في لحظات جنون نيتشه الأخيرة قال: من ليس طيرًا، يجب عليه ألا يحلق فوق الهاوية! ليست دعوة للتشاؤم، ولكنها دعوة لأن نعيد اكتشاف الذات، لنتعلم كيف نبنيها بالأفعال لا بمجرد الآمال على جميع المستويات
.
كل عام وأنتم بخير، أدعو الله سبحانه أن تكون سنة سعيدة ومليئة بالخير والبركة لنا ولكم جميعًا.

27 ديسمبر 2009

وبعده لا كنت أن تكوني

من دروس عاشوراء [6]
الأخيرة
إنا لله وإنا إليه راجعون.
1370 سنة، اليوم تمر على ما جرى في كربلاء، قرونٌ توالت فيها الاحداث، تغيرت فيها الأفكار، تبدلت فيها الرؤى، تحول كل شيء إلى شيء آخر، وظل شيء واحد ثابت كما هو، هذا الشيء يُسمى بالإنسان.
مهما تغيرت الدنيا، ومهما تبدلت الأحوال، تطورت أو تراجعت، تقدمت او انتكست، تظل الطباع حاكمة، تفرض وجودها وتسيّر صاحبها كما سيّرت أجداده وإن اختلفت أدواته.
.
هكذا، تستمر الحقيقة الإنسانية بالتواجد مدى الدهر، تبقى ثابتة وسط المتغيرات ويصبح الشيء الوحيد المتسالم به هو أن التغيير لا يطول جوهر الإنسانية التي لا تزال متعطشة للسير نحو «اللا محدود» لتتخلص من شعور الضعف، والمحدودية، والضآلة، فتبحث عمن ينتشلها من هذا القاع، بالنجوم الهداة.
.
قبل سنة، كتبت تعليقًا، لكن تعليق آخر قرأته اليوم أعاده لذهني، فرأيت أن أعيد نشره:
في سورة يوسف اشارة لطيفة ، عندما رأت صويحبات زليخة يوسف عليه السلام «فلما رأينه اكبرنه وقطعن أيديهن»
كيف لرؤية يوسف – عليه وعلى نبينا و آله السلام - أن تجعل الإنسان ينذهل و ينصرف حتى عن نفسه لدرجة ان يقطع يده دون أن يشعر ؟
علماء العرفان يصنفونها إلى الذهول ثم الإندكاك ثم الاتحاد .
الذهول هو حين يصبح شخص ما هو الآخذ بفكرهم و لبهم لدرجة تمنعهم من الالتفات لما بين ايديهم حبًا للنظر إليه وشوقًا له .
اما الاندكاك فهو أن يتمثل الإنسان بكل صفات محبوبه و ينتحلها و يطبقها بحيث يصبح نسخة عن من يحب، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عن سلمان رضي الله عنه : سلمان منّا أهل البيت.
اما الاتحاد فهو أن تكون كينونة الفرد بكاملها عبارة عن تمثيل مُحبّه ، بمعنى أنه لا انفصال بين إرادة المتبوع واتباع التابع.
.
الحسين عليه السلام هو مثال الإتحاد ، و تمام الإندكاك ، و كل الذهول في الله سبحانه وتعالى، حياته، أوامره، سيرته كلها تمثيل لما أراده الله سبحانه لعباده، فهو أسوة ومقتدى للنّاس أجمعين، وهذا مستمد من مقام جده الأعظم صلى الله عليه وآله، لذلك لا عجب أن ينجذب إليه الناس لأن الفطرة فيهم تقودهم للانقياد إلى الكمال والجمال المطلق، إلى (اللانهائي) والوصول لذلك يكون عبر سبيل واحد هو الإتباع والإقتداء بهؤلاء المُثل ومحاولة انتحالهم والحسين عليه السلام هو بلاشك كذلك، فكلهم نورٌ واحد من نور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله .
.
وإحياء عاشوراء وما يجري فيها نوعٌ من الإمداد الروحي والاخلاقي للناس المنشغلين في غمرة حياتهم و مشاغلهم الدنيوية، تأتيهم الذكرى ليعيدوا شحن أنفسهم بما مثله الحسين من قيم ومبادئ و اسلوب حياة وثورة إيجابية توقظهم من غيّ الدنيا إلى سعادة الآخرة و اصلاح نفوسهم المتأثرة فيصبح حالهم كحال صويحبات يوسف عليه السلام، شغلٌ عما يكدر حياتهم اليومية بما هو ماثل أمامهم، هناك كان يوسف عليه السلام، وهنا مصاب أبي عبد الله عليه السلام.

-- -- -- -- -- -- -- -- -- -- --

هل كان البحث عن السلطة هو الدافع للثورة؟
.
إجابة هذا السؤال تحتاج لمجلدات ولا تكفيها الكلمات، لأنها تستدعي استقراء حياته وبيئته وأسرته، ثم مقامه ودعواته، وأخيرًا مواقفه وآرائه، بالتفصيل كي يمكن استنباط الإجابة مدعمة بأدلة لا ترد. كل ما يمكن قوله أن السلطة هي مجرد حكومة، أداة تنفيذية باطنها الصراع.
.
دينيًا، هذا الاشكال يسقط بمجرد معرفة مقام الإمامة، وماهو؟ وما هي مستلزماته؟
ما يعنيه هذا المسمى بمعناه الخاص، يقود إلى فهمٍ واضح أن الرئاسة الدنيوية لا تعني الإمامة، والإمامة ليست بحاجة لرئاسة دنيوية، أو البقاء على رأس سلطة كي تثبت. فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ابتدأ الدعوة وهو مُحارب ومعزول في مكة المكرمة، ولم يقم الإمام علي عليه السلام على رأس الخلافة أو الحكومة الظاهرية إلا بعد ثلاثين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا الإمام الحسن عليه السلام في هدنته يترك الكوفة عائدًا للمدينة المنورة، ولا يوجد طوال التاريخ من أنكر المقام الديني لهم بمجرد عدم حيازة مقام الرئاسة.
.
اجتماعيًا، فإن البيئة التي خرج الإمام الحسين عليه السلام من رحمها لا تغذيه بمفهوم البحث عن السلطة، وإذا كانت الظروف الإجتماعية هي من تصنع الإنسان أخلاقيًا وسلوكيًا وتصيغه بقالبها كما يذهب لذلك الحداثيين من عُلماء الاجتماع فإن هذه الظروف في حال دراستها لا تظهر أنها تقود للبحث عن رئاسة ظاهرية وضعية، فمن أين يأتي هذا الشغف بها؟ يظل هذا السؤال حائرًا في بحثه عن إجابة منطقية.
.
سياسيًا، فإن الإمام عليه السلام حورب في حياته، وبعد مماته، وهذا قبره يقف شاهدًا على الاهوال التي جرت عليه وكم من مرة دمر ونهب ووصل الامر إلى حرثه في عهد المتوكل وإجراء ماء الفرات عليه، وقتل الزائرين وتخويفهم، والإساءة إليه حتى قال ابن العربي عنه أنه قتل بسيف جده! والعياذ بالله، مع هذا كله لم يجرا أحد على أن يشير في كل المصادر والمقاتل والتواريخ التي وصلت لنا أن لسانه نطق يومًا بان تحركه كان هدفه السلطة. تفاهة هذا الإتهام تتضح من موقف أبيه عليه السلام منها.
.
تاريخيًا، فإن الذي يطلب السلطة، لا يطلب الموت، والذي يطلب السلطة لا يرفض المداهنة، والذي يطلب السلطة، لا يقاتل 30 ألفًا بـ 72 رجلاً.
هذا البحث يمكن التوسع فيه أكثر، ولكن ليس مجاله الآن، غاية ما يمكن أن يُقال أن الإلتباس في فهم معنى الإمامة وما فرضته الظروف من قيام الحسين عليه السلام هو الذي يدفع غير المطلعين لمثل هذه الاتهامات الباطلة.


-- -- -- -- -- -- -- -- -- .


يصف العقاد بعض المؤرخين بالتجار، لانهم يقيسون الحوادث بمقاييس الربح والخسارة، فإذا خسر طرف ظاهريًا هو خاسر بكل شيء، وإذا ربح فهو المنتصر الوحيد.
أصحاب هذا المفهوم ينظرون من زاوية ضيقة إلى زوايا أضيق في الحوادث التاريخية، ومنها الثورات. المنطق يقتضي معرفة ما يصبو إليه صاحب الثورة، ومنها يتحدد ربحه من خسارته، ففي أحيان كثيرة تكون الهزيمة خيرٌ من ألف انتصار.
فيما سبق كتبت «.. فإذا صارت يتم محاسبتها –أي الثورة- على انجازاتها، والتي هي مقايسة ما بين الشعارات التي رفعتها وما بين ما حققته منها في الواقع..»، وهكذا يتم القياس، بين الهدف والغاية، وما ترسله دعواتهما في التاريخ.
ألقت ثورة الحسين عليه السلام الحجة على كل الناس، ومن يومها صارت عنوانًا لطلب أي إصلاح، ومعالجة أي فساد ظاهر، فمقتل اولئك الثوار كان لهدف، وهذا الهدف يعيش إلى يومنا هذا ويحضر.
ولكن أين أصحاب النصر ذلك اليوم؟
.

  • لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري.

26 ديسمبر 2009

تنزه عن عرض المطمع

من دروس عاشوراء [5]
.
«اليوم اُقتل وتقتلون كلّكم معي، ولايبقى منكم أحد ..» هذا ممّا قاله الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه صبيحة العاشر من المحرم، وحين بدأت سهام القوم تقبل عليهم قال عليه السلام لأصحابه «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإن هذه السهام رُسل القوم إليكم».
.حين يفكر شخص ما بالثورة فإن أسباب هذه الثورة تكون موجودة، وقيامه هو أخذ بهذه الأسباب لرفع ما يراه منها، وكلما ازداد ضغط هذه الأسباب ارتفعت وتيرة الثورة حتى تتحقق على أرض الواقع، فإذا صارت يتم محاسبتها –أي الثورة- على انجازاتها، والتي هي مقايسة ما بين الشعارات التي رفعتها وما بين ما حققته منها في الواقع، ولكن على الضفة الأخرى هناك ثورات تحدث ويتم الإعداد لها خدمة لأهداف شخصية، إنما طرحها بهذه الصيغة يصيبها وأصحابها بمقتل، فمن المستحيل على النّاس أن يضعوا أنفسهم على خط النار إذا كانت الغاية من ذلك لا تمسهم من قريب أو بعيد، وحتى يتم تفادي على الأمر تُصاغ هذه الغايات بشعارات واهية عن المُثل الإنسانية مثل العدالة والحرية والمساواة وغيرها، وهي تمثل قاسمًا مشتركًا ليس بين دعاتها المخلصين فحسب، بل ولسخرية القدر، بين جميع الطغاة والديكتاتوريات وأصحاب المصالح الشخصية في العالم.
.
هناك فرق خفي بين الاثنين، يتمثل في قدرة أصحاب الدعوة الثورية على تطبيق شعاراتهم على أنفسهم أولاً، حين تتولد هذه الثورة من اعتقاد راسخ فإن أصحابها يتماهون مع مبادئهم، ولا يكون هناك إنفصال ما بين (سلوكهم) و(شعاراتهم) وعلى عكس الصنف الثاني، فإن هؤلاء لا يملكون ولا يبدون الإستعداد للتحول أو التبدل أو التنازل عن أيٍّ من معتقداتهم، فضوابطهم وقواعدهم التي يرفعون راياتها لا تخسر دورها بل تمثل هوية واضحة وجودها يشكل ضرورة لألا يرى الإنسان نفسه يسير في اتجاهات مختلفة ومتناقضة في آنٍ واحد.
.في ثورة عاشوراء الحسين عليه السلام، تتباين هويتان، الأولى موقف عمر بن سعد الذي كان يصوّر خروجه لقتال الحسين عليه السلام مصلحة للأمة، وجهادًا في سبيل الله ويحرض الناس على ذلك بصيحته «يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري» وباطنها طمع بمُلك الريّ، وهوية أخرى أراد الحسين عليه السلام غرسها في وجدان الأمة لتشكل شجرة ثابتة تلقي بظلالها على السائرين في دربه مدى الحياة، تذكر التواريخ أن الأمر حين عُرض على ابن سعد رفض وتمثلت حيرته فيما يُنسب إليه من الشعر «أ أترك ملك الري والري منيتي .. أم أصبح مأثومًا بقتل حسين»، ولكنه عدَل عن موقفه وقلب الامر من الإثم إلى الجهاد في سبيل الله بمجرد أن دخلت الريّ وجرجان في المعادلة، بينما ظلت هوية الحسين عليه السلام كما هي «..ألا وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا ظالمًا ولا مفسدًا..»، برغم كل المغريات التي عُرضت عليه.
.
كلا الموقفين إذا تجسدا أمام الناظر لهما سيتفاجئ من وحدة الشعارات، كلاهما يدعي الحق والإيمان، وكلاهما يبشر بالجنة، وكلاهما يقول بالإصلاح، المنطق الذي يضع حدًا فاصلاً بينهما حتى لا تختلط الحقيقة بالشبهة هو السلوك الذي يستتبع ذلك الشعار، والإمتحان في الموقف، والمطابقة بينهما، في صبيحة عاشوراء أراد مُسلم بن عوسجة أن يرمي شمر بن ذي الجوشن بسهم فقال عليه السلام: لا ترمه فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال.
في نفس اللحظات رمى ابن سعد بسهم وقال: اشهدوا لي عند الامير باني أول من رمى.
.
من هنا يستظهر أمر ثورة الحسين عليه السلام، أنه أراد بها تقديم نموذج لما تكون عليه المطابقة بين الشعار والسلوك وإن أدى ذلك إلى موته ومن معه في سبيل هذا المبدأ الذي عبّر عنه المرحوم محسن أبو الحَب ببيته الخالد: «إن كان دين محمد لن يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني» الثائر الذي يخرج بقلة قليلة من الرجال، متيقن من الموت، ولا يشتري الحياة، هو ثائر يريد أن يرسم لوحة تناسب الشعار الذي يرفعه، شعار ليس كالذي يرفعه المقتاتون على موائد حاجات الناس لمصالحهم الشخصية، إنما شعار يخلق مادة ثورية تحرك الناس باستمرار وتبعث فيهم الحياة ليواجهوا التحديات على مرّ العصور، فهو يرسل صرخة يتردد صداها في كل موقف يتحيّر فيه الإنسان مما يراه وهو بين طرفين متناقضين يرفعان ذات الشعار، وهدف الصرخة أن تزوده بوسائل الحكم، ليستخلص ذلك "المُخلِص" من المتستر بلباس الإخلاص.
.
إن الإنسان هو الإنسان على مر التاريخ، احتياجاته ومطالباته واحدة، لكنها عند بعضهم تنحى منحى الأنانية فيستغلون حاجات الآخرين بضغط من رغباتهم الشخصية لدفعهم إلى تأييدهم حتى إذا ما انتصروا تنكروا لكل ما وعدوا به يومًا، أو جعلوه مفرغًا من كل معنى، وعند البعض الآخر تأخذ منحى التضحية المثالية، ويضربون بذلك مثلاً على أن سيادة العقل لا تعني في معظم الأحيان حفظ النفس وتحقيق مطالبها، فهذا دور الغريزة، إنما دور العقل يكمن في وضع المبادئ التي ترفع الإنسان إلى مستوى أن يتطلع إليه الباقين، ويستلهموا منه كيف يحييون بما يليق بإنسانيتهم.
.
الدرس الذي يضربه هذا الإقدام على الموت دون محاولة دفعه، هو أن الإنجاز الذي يبحث عنه هذا الثائر الحقيقي ليس من سنخية الإنجازات التي يبحث عنها من يدعي نفس المبادئ، وعينه مشخصة نحو النفع الذي ينتظره، لأن ما نتصوره تهلكة يكون لمن يربط انجازه بذاته، فإذا ذهبت ذاته ذهب انجازه، بينما ذلك الذي يبحث عن انجاز للبشرية جمعاء هو الذي يرى في موته، في سبيل ذلك، حياةً له، وبذلك يكون هو من يضع المعنى للشعار، لا الشعار من يعطيه المعنى.
.
«وانهزم الحسين في كربلاء وأصيب هو وذووه من بعده ولكنه ترك الدعوة التي قام بها مُلك العباسيين والفاطميين وتعلل بها أناس من الأيوبيين والعثمانيين، واستظل بها الملوك والامراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلة من النور تخشع لها الأبصار»*وللحديث – إن شاء الله – بقية بجزئه الأخير.


  • في جامع الأحاديث، عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله: إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا.____________
    * عباس العقاد، أبو الشهداء، ص122.