17 فبراير 2010

الجلسة الأولى: بداية الاستجواب

حين تكتب في مدونة، فانت لا تكتب كتابًا، بل مقالة، وفي بيئة ترى القراءة 'مضيعة' للوقت أكثر من مشاهدة مسلسل أو فيلم سينمائي فهذا يعني أن طول المقالة يتناسب طرديًا مع ضعف قراءتها فتكون الأفكار هي الضحية لانها تكبس كبسًا حتى لا يبقى منها سوى الرائحة فيما هو مكتوب.
.
تعقيبين لم يُنشرا هنا، مع بعض أشباههما جعلاني أتوقف قليلاً لأقرأ ما كتبته حتى أستوعب وجهات النظر تلك، بتأملي توصلت لنتيجة مطابقة لما ذكره أحد المعقبين في هذه المدونة مرة بأن لكل شخص زاويته التي يقرأ منها، وبحسب تغير الزاوية يتغير الفهم! البساطة أحيانًا توازي العمق، وهذا هو تصنيفي لهذه العبارة.
.
أفكارٌ كثيرة أدرجتها، أو حاولت إيصالها في الموضوع السابق* ولكن كما يظهر أن جهودي فشلت في التعبير عنها بتمامها، فصارت عرجاء تمشي على رجلٍ واحدة، وهذا التشبيه البلاغي يعني أنها أصبحت تبرز فكرة واحدة 'فقـط' لكل قارئ، لذلك قررت أن أعيد صياغة الموضوع على هيئة سؤال وجواب، أختصر فيه الكثير، وأتجنب التوسع قدر ما أستطيع. وعذري في ذلك أن المقالة السابقة كانت مدرجة للنشر آليًا، ولم أراجعها جيدًا، وأنّ ثقتي –التي تمسي في بعض الأحيان نصلاً بلا مقبض في يدي– قد خانتني في إيضاح قولي وعلّة هذا أنه في تلك اللحظات، كنت خارج الكويت، فلم أتمكن من الإستدراك عليها وتوضيحها.
******




هل مصير الإنسان، متعلق به؟
بلاشك، أنه وحده الذي يقرر الوجهة التي يعتبرها مدرجًا يهبط بواسطته على الأرض التي يريدها.شدة وضوح هذه الحقيقة البديهية قد تجعلنا أحيانًا نقع في فخ عدم إدراك الأسباب المؤثرة بدقة في التحكم بدفة حياتنا. الأسباب التي تقبع في زوايا غير ظاهرة من الشعارات التي تقول أننا بفضل جدنا واجتهادنا أو سهرنا الليالي سنحقق المستحيل.
.
وهل تنكر أن هذه المقولات، برهنت عليها تجارب الحياة؟
التجربة تقدم دليلاً، ولكن البرهان بحاجة لمصداق، والمعنى أن التجربة تعطينا اجزاءً غير مركبة تشكل أدلةً والبرهان يحتاج وقائع ثابتة يصح أن نعتبرها رابطًا صحيحًا لهذه الأجزاء حتى ترتبط مشكلة برهانًا غير قابل للنقض. لقد برهنت تجارب الحياة أن كثرة هطول الأمطار لا تحول الأراضي الواسعة إلى مزارع قمح!
وحدهم الذين يبيعون الوهم، هم الذين يخدعون الآخرين بأن المطر كفيل بتحويل أي أرض إلى جنة زراعية، مثلهم كمثل اللص الذي يخبئ سرقاته تحت ستار مواضبته وجده واجتهاده في عمله.
.
لماذا يختبئ اللصوص خلف شعارات الجد والإجتهاد؟
« لأن مجتمعنا لا يحترم من يعترف بالحقيقة ، و يعشق من يغلف نفسه بالأكاذيب ، و يُحب أن يحكم على الناس بالمظهر و يرفض أن يُصدق الحقيقة إذا خالفت حكمه!»[1].
.
لمَ ينتحل هؤلاء قصص الكفاح والنضال والاجتهاد؟
الإنسان المملوء بالنواقص لا يحب أن يستمع لمن يشير إليها، لذلك يفضل المدح على الذم و إن كان كذبًا لأنه يمثله بصورة الكمال، البعيدة عن نواقصه وسوء طباعه وأفعاله.
.
ما هو مبرر قبول عامة المجتمع لهذه القصص، رغم إدراكهم بأن معظمها غير حقيقي؟
العامة – خصوصًا عندنا – يستعيرون قيمهم وأمثالهم من «النخبة» ولا يضعون قيمًا خاصة بهم.
وهؤلاء – أي النخبة - لا يحترمون الحقيقة ومن ثمّ الصراحة، لأن الحقيقة دائما مؤلمة و لا تلبي تطلعات العوام.
.
لماذا لا تلبي الحقيقة تطلعات العوام؟
الإعتراف بالحقيقة يعني الإقرار بالسرقة، والإحتيال والنصب، وهو ما يعني 'إنهيار المُثل الأخلاقية' في المجتمع، فهم ينكرونها حفظًا -بزعمهم- للمجتمع من الإنهيار.
.
ما علاقة انهيار المُثل الأخلاقية في الاعتراف بالحقيقة؟
المقياس في مجتمعنا أصبح يعتمد معيار الثراء لتقييم الناس.فارتفاع الرصيد البنكي يتناسب طرديًا مع مكانتهم.
وكلما ارتفعت مكانة طبقة ما في المجتمع وأمست من النخبة، كلما أصبحت هي القدوة أو المثال الأعلى لعامة أبناء هذا المجتمع، فإذا كان هؤلاء يقرّون بأنهم سارقون ومحتالون فهذا يعني أنّ ما يتطلع له أبناء المجتمع هي أمثلة على «اللا أخلاقيات» وبالتالي تسقط كل شعارات الجد والإجتهاد والحث على العمل والإلتزام بالقانون، وغيرها. فمن يمنون أنفسهم بالوصول لمستواهم بإلتزامهم بهذه الأشياء، لا يعترفون بها! وإذا سقطت المثل الاخلاقية انهار المجتمع، فالقطيع دائمًا يتبع الخروف الأغبى!
.
الناس يلتزمون بكل هذه الأشياء التي ذكرتها ثم لا يَصِلون لما وصل له هؤلاء، لمَ؟
إنهم حين ينكرون حقيقة هؤلاء، ويعتقدون أن الإدعاء بأن كل شيء على ما يرام كفيل بحل أي مشكلة، تبرز أمامهم إشكالية، وهي انهم يجدون أنفسهم في نفس الخانة في حين ما زال هؤلاء يتقدمون. خشيتهم من الإعتراف بأن الخلل منهم تجعلهم يلجؤون إلى إيقاع ذلك كله برأس ما يسمونه بـ(الحظ).
.
هل معنى هذا أنك لا تعتقد بوجود الحظ؟
أؤمن يقينيًا بالحظ «وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم». ولكن أكفر بما يسمونه حظًا.
.
ما الفرق بين ما تعتقده، وما يسمونه؟
سألوا أحدهم: ما هي وحدة الوجود؟ فقال: إن الله وحده الموجود! وقال آخر: إن الله سبحانه، تتجلى وحدانيته في كل شيء. إنّ المصطلح الواحد قد يكون له أكثر من معنى، تصل في بعض الأحيان إلى درجة أنها تنقض بعضها بعضًا.
لا تقع المشكلة في المصطلح، بقدر ما تقع في المفهوم.
هم يعرفون الحظ على أنه عامل يُسعد أناس، أو يُشقي آخرين اعتباطيًا، بلا مقدمات، وحدها الصدفة التي تقف بصف فلان، وتعادي فلان، وعليها نعلّق كل خيباتنا، وتقصيرنا، وسوء تقييمنا وأحكامنا.
الحظ «هو النصيب من السعادة و البخت»[2]..«وحقيقة الأمر أن مضي الإرادة والظفر بالمراد في نشأة المادة، إلى أسباب طبيعية وأخرى روحية، والإنسان إذا أراد الورود في أمر يهمه وهيّأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج إليه، لم يحل بينه وبين ما يبتغيه إلا اختلال الأسباب الروحية..»[3].
من بين هذين السببين يتوّلد معنى الطول الغيبي والعرض المادي.
.

وللحديث – إن شاء الله – بقية.

.
______________


* انظر: إنك لن تخرق الأرض
[1] راجع:
المفيد من وحي سفيد
[2] الميزان، ج20، ص80.
[3] الميزان، ج4، ص 67.

10 فبراير 2010

إنك لن تخرق الأرض


يقول بعضهم بأن كلمات مثل «من جد وجد» و «من طلب العلا سهر الليالي» ومثلها من العبارات المفعمة بالأمل، والحاثة على العمل، هي مجرد مسكنات ومهدئات يقولها الذين في مصاف «علية المجتمع» للفقراء والبسطاء حتى لا يظنوا أن هذه الثروات والمكانة الاجتماعية قد أتت اعتباطًا لهم إنما هي نتيجة لعملٍ دؤوب وجد واجتهادٍ شديدين، ويُصّدق هؤلاء المساكين ذلك فينظرون لهؤلاء على أنهم قدوة في العمل والمثابرة، ولا يطرحون أسئلة قد تدل على كسلهم عند أولئك الذين حصدوا جائزة مثابرتهم بهذه المرتبة، وأبسطها: من أين لك هذا؟ وهل كان العمل وحده كفيلاً بالحصول على هذه المكانة؟ وهل الولادة وملعقة الذهب بفمك تخولك الحديث عن الجد والاجتهاد؟
.
إننا نرى في حياتنا العشرات، بل المئات من الكادحين، علميًا وعمليًا، وبعد سنوات نراهم ينهكون أنفسهم بالعمل وهم لا يزالون في نفس الطبقة التي ورثوها عن آبائهم، وقلة هم الذين ينجحون في الإفلات منها، ومع ذلك يصرون على أمثال هذه العبارات والجمل ليقدموا لأنفسهم تبريرات تغنيهم عن الإجابة على الأسئلة الحائرة التي يتحاشونها عن السبب في عدم حصولهم على ما طمحوا به، أو تأمّلوا فيه.
.
سمعتُ مرة مقابلة إذاعية لأحد التجار، وهو يصف كده وعمله المضني حتى استطاع أن يبنى امبراطوريته المالية ويغيّر وصفه من صعلوك إلى (وجـيه)، قصة لا تختلف عن آلاف القصص التي يحكيها أمثاله الذين يسوقون ترفهم بأنه ثمرة طبيعية لما عانوه، ومن ثمَّ يتم إهمال الجانب الأهم من تكوين تلك الثروة وهو مقدار السرقة، والإحتيال، والنصب، والحظ، الذي ساقهم لظروف استثنائية جعلت نجمهم يبرز، بينما خبا نجم زملائهم الذين ربما كانوا يشاركونهم لقمة الغداء في استراحة العمل في وقت من الاوقات التي مضت، ولولا أنني أعرفه جيدًا لفغرت فاهِ منشدهًا بقصة كفاحه المضنية!
.
غير أن التعميم، بلا شك، فيه ظلم كبير لغيرهم ممن استطاع أن يصل بمجهوده الذاتي إلى تحقيق ما يصبو إليه، ولكن يظل هناك عاملٌ واحد يُعتبر القاسم المشترك بين هذين الاثنين، عامل نحب أن نسميه بـ«الحـظ». الذي يجعلهم يقفزون قفزات واسعة تفرقهم عن أقرانهم، عامل نفسر به سبب عدم وصول اجتهادنا، واغراقنا أنفسنا بالعمل أو الدراسة إلى ما كنّا نحلم به، لنتفاجئ بالواقع المؤلم بكوننا لازلنا نحرك أرجلنا في نفس الموضع الذي انطلقنا منه في البداية.
.
من طبائع البشر قدرتهم على توهم الإفتراضات، والعيش وفقها، بعبارة أخرى، القدرة على الأمل بمستقبل أفضل، وبينما يعتبر الأمل مجرد (أمنية)، فإنه خلافًا لواقعه يتم تحويله إلى واقع يعيش الناس بمقتضاه، رغم أنه لا وجود حقيقي له إلى الآن. ويعملون بجهد في سبيل إقرار ذلك، ولكن تتمثل الصدمة حين يأتي موعد الإستحقاق لينكشف كل شيء، بأن هذه الأمنية، وهذا الأمل، لا زالا «رجـاءً» ولم يتحولا لواقع حقيقي رغم كل ما تم بذله في سبيل ذلك.
.
كثيرًا ما نخطط لأشياء عديدة، ونرسمها، ونضع قواعدها، وتبدو الرؤية أمامنا صافية لتحقيقها، لكن نتفاجئ بأن ما عملنا لتحقيقه لم يحدث، أو أن الوجهة تغيرت من طرف لآخر، دون أن نملك أسبابًا أو مبررات حقيقية تشرح وتفسر هذا التغير الذي حصل، لذا لازلت، يومًا بعد يوم، أزداد قناعة بأن أبعاد هذا الوجود لا تقتصر على الأسباب المادية، وأن السعي والعمل والجهد والبذل مضافًا إلى الأخذ بكل الأسباب الممكنة ليس أكثر من وسيلة نقصدها لبلوغ الهدف الذي ننشده، كمثل من يركب سفينة قاصدًا جزيرة، وهو لا يضمن حوادث البحر، وإن بدت له المؤشرات على سلامة الأوضاع.
.
يُقال بأن هذه الدنيا محكومة ببعدين، طول وعرض: مادة وغيب، فكل طول غيبي بحاجة لعرض مادي، وإذا تقاطعا يحدث الذي خططنا له، وإن لم يتقاطعا تتغير الدفة حتى يتقاطع الطول الغيبي بالعرض المادي في نقطة أخرى لينتج من ذلك هذا التغير في الهدف المنشود. العامل الغيبي يعني بذلنا لأسباب الغيب، تمامًا كما نبذل الأسباب المادية للوصول إلى شيء ما سواء على مستوى العمل او الدراسة أو الإعداد والتخطيط، العامل الغيبي لا يختلف عن العامل المادي بهذه الأشياء، ولكن يختلف في «ماهيتها».
.
تقوم فلسفة المستحبات والمكروهات، الواجبات والمحرمات، على أساس إحداث الطول الغيبي لكي يتم التوفيق للعرض المادي، بمعنى أن الإنسان يعمل ما يمكنه من عمل و هذا شيء مادي، ثم يأتي بالأسباب المناسبة لإدراك العمل الغيبي، و متى ما تكاملا حدث الأمر و هذا ما يُسمى بالتوفيق الإلهي أو ما نطلق عليه (الحظ). ولكن هل "اللصوص" يحصلون على التوفيق الإلهي أيضًا؟
.
في مباحث الأخلاق*، يوجد مبحث جميل جدًا، وعميق بنفس الوقت، وهو أثر أخلاق الإنسان على عمله وعاقبته. في الحديث الذي رواه الكليني رحمه الله عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي**، ذكر عليه السلام سبعون من جنود العقل وما يضادها من جنود الجهل، وقال في ختامها:«.. وأما سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل، وينقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الانبياء والاوصياء، وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده، وبمجانبة الجهل وجنوده..».
.
هؤلاء باغترارهم بما حصلوا عليه، يظنون أنه توفيق، بينما هو إثبات حجة عليهم. الطول الغيبي عندهم توافق مع نوع العمل الذي مارسوه لتكون عاقبتهم «الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون»، وعلى عكسهم، أولئك الذين تكون توفيقاتهم تكريمًا لهم، يتضح الفارق بين الإثنين فيما يقدمونه من عمل، وما يلتزمونه من مبدأ ينعكس على حياتهم.
.
الكثيرون يتعبون أنفسهم في بذل العديد من الأسباب، ولكن لا يحصلون على مرادهم كما أرادوا، ويلقون بتبعة ذلك على (الحظ) وحده الذي نعتبره مخلوقًا خرافيًا قادرًا على تغيير صفحة العالم لوحده، ونهمل العامِل المهم في المعادلة، عامل التأثير الغيبي الذي يحدث نتيجة أفعالنا وأخلاقنا وغاياتنا مما نقدم عليه، وهو نفس العامل الذي قد يأتينا بشيء كنّا نظنه من المستحيلات فلم نقدم حتى على الإتيان بأسبابه، أنّ للحظ أسبابه هي الحقيقة التي نتجاهلها. فإن لكل شيء تأثير حتى رفرفة جناح الفراشة لأننا نعيش بعالم متناغم شعاره «التلائم العام»، وهو شعار وأدته الحضارة الحاليّة، بإهمالها البحث عن الأسباب قدر تركيزها على العمل وحده فقط. وهذا موضوع آخر.

توضيحًا لما كتب في هذا الموضوع، فضلاً راجع:
______________________
*مفهوم الأخلاق العام، يتجاوز المعنى الإصطلاحي الدارج له.
**الكافي،ج1،ص21، كتاب العقل والجهل، ح14.

3 فبراير 2010

أحتاج أم أرغب؟



قبل أشهر اتخذت قرارًا فاجأ الجميع، لم يتوقع أحد أن أقدم على مثل هذه الخطوة دون مقدمات وفي فترة زمنية قصيرة نسبيًا وفي وقت لا أملك فيه أي مقومات تساعد على الاستمرار في تنفيذ هذا القرار، ولكني اتخذته لأنني لحظتها امتلكت دافعًا حثني عليه، وهذا ما كان.
.
بعدها بأسابيع ركبت الطائرة، وقبل أن تقلع أخرجت كتابًا من الحقيبة، وقررت أن أمضي الساعات اللاحقة بالقراءة، لغة الكتاب كانت أشبه بالهيروغليفية، و وقت الرحلة كان فجرًا، ومضحك هو كيف أن الظروف إذا أرادت تعقيد شيء فإنها تتحد لهذا الهدف، على كل عبارة كنت أتوقف لحظات أحاول أن أفكك رموزها لأفهمها وأعي ما فيها، انتصف وقت الرحلة، وانتصفت عيناي على عبارة لـ هيدغر، الفيلسوف الألماني، يقول فيها: «الرضا هو موت الرغبة»، أمضيت باقي الرحلة وأنا (أشخبط) على ورقة أمامي بالأفكار التي بدأت تتلاطم في رأسي.
.
عندما تكون وجهتك تجاه المجهول، وعندما تقدم على خطوة بإتجاه هذا المجهول، فإن الشيء الوحيد الذي يحركك هو الدافع، الدافع للإنجاز أو للاكتشاف أو للاستزادة أو غيرها، كلها على تعددها تعطي القوة المحركة للشخص لأن يقتحم ذلك المجهول حتى لو لم يكن قد أعدّ حساباته لما هو قادم. هكذا تعلمتُ في علم النفس، أن أفعالنا تصدر عن الدافع، والدافع يأتي من الحاجة التي نعمل لأجل سدها، ولكن الحلقة الناقصة التي لم تُذكر بين الحاجة والدافع هي الرغبة.
.
الشعور بالرضا ليس مرادفًا للشعور بالسعادة دائمًا، ومخطئ من يظن الراحة وحدها هي التي تجعل المرء راضيًا قانعًا، قد نشعر بالرضا رغم كل الآلام والمصائب التي تنهش فينا، وقد لا نعرف شيئًا اسمه الرضا رغم توافر كل وسائل الراحة عندنا.
.
يقضي معظم الناس أيامهم ولياليهم يتصورون أنهم سيجدون الرضا في اللحظة التي يحققون بها أحلامهم اللامحدودة، فيعملون ويكدحون لتحقيق أسباب ذلك، وقد يصل بهم الحال إلى إهلاك أنفسهم وهم يلقون خلف ظهورهم أن الرضا هو عارض نفسي، يختص بذات الإنسان ولا يمكن له أن ينتقل من فرد لآخر بالإيحاء أو بأقراص الدواء، كما أنّ الرضا الذي نبحث عنه لن يعود له وجود إذا استهلكنا كل لحظات الحياة في مصارعة مصاعبها. وكونه أمرٌ نفسي فهذا يعني أنه ما لم تكن هناك حدود تنبع من داخل الذات، فإن جميع الاعمال التي نتصور أنفسنا بها نمتلك أسباب الراحة والرضا تظل خدعة نحاول بها تأجيل مواجهة السؤال الذي ندعي البحث عن إجابته وهو: هل وصلنا إلى مرحلة الإكتفاء؟
.
من تلك الأفكار، حدث صراعٌ مرير، فكرت بأن أعتذر عن إكمال المهمة، أو أعود ولا أرجع، أو ربما اكتفي بما حققته، عشرات الاحتمالات للرجوع وضعتها أمامي، ومثلها في تبرير هذا الرجوع قد صغتها في بالي، حاولت كثيرًا أن أوجد دافعًا، وأن أقنع نفسي بأنني قد وصلت 'عدم الحاجة'. هذه المرحلة يصعب على أيٍّ كان أن يعترف بها، لأنْ يشعر المرء بأنه قد اكتفى فهذا يعني تمامًا بأنه قد فقد الشعور بالحياة، هذا ما يؤدي إليه التعريف الخاطئ للحياة، أن نتصورها بانها تُقاس بمقدار ما 'استحوذنا عليه'، وكلما زادت أملاكنا فيها، ارتفعت قيمتها.
.
في نقاش حامٍ مرة، ظن أحدهم انه سيمسك بتلابيب الآخر بسؤاله:
- هل تستطيع أن تعيش بدون سيارة؟
كانت الإجابة صدمة بالنسبة له:
- عاش البشر 10 آلاف سنة بدونها!
.
طبيعة الإنسان هكذا، أنه يعيش تحت إلحاح الحاجة الدائمة، فإن انتهت واحدة بحث عن الأخرى، وسعى سعيًا دؤوبًا لها، وهذه الحاجات لا تنتهي، ومع مرور الزمان تزداد سماكة هذه الحاجات حين يفرض كل عصر متطلباته، فإذا كان في البداية يبحث عن طعام، وبعده ظل يبحث عن سكن وطعام، ثم أضاف لهما العمل، وهكذا حتى أصبحت (الأساسيات) التي يريدها بحاجة لعُمرين حتى يمكن تحقيقها بأجمعها. ولا يتصور أو لا يريد أن يتصور أن بإمكانه الاستغناء عن أحدها، فهذا يعني أنه يفقد ما يحسبه ركنٌ أساسي في حياته، ودونه لن تستمر.
.
في شهر رمضان من كل عام، نصوم وفي مثل أجوائنا في الصيف فالصيام عملية شاقة، وعلى الرغم من حاجاتنا للماء والطعام في مثل هذه الأوضاع فإننا نستمر بصيامنا، لأن الحاجة على عظمها لم تولد عندنا الرغبة في أن ننقض صيامنا، لوجود الرغبة بما هو أعظم، ولذا لم نندفع لهذا الفعل. بكلمة أخرى، افتقدنا الرغبة، ودونها لا تمثل الحاجة –الموجودة- ودافعها محركًا للسلوك.
.
على نهاية الرحلة، اكتشفت أنني لا أملك دافعًا حقيقيًا تواجد عندي نتيجة نقصٍ لحاجة ما، إنما أملك رغبة، وكون هذه الرغبة حيّة، فإنني تصورتها حاجة ضرورية.إن النفس تقع تحت تأثير محركين، الاول هو الدافع الذي يتولد من الحاجة، والثاني وهو الرغبة، التي يمكن وصفها بـ«عامل الطمع البشري».

.
على هذا المفترق، بين ما نحن بحاجته حقًا، وما نوهم أنفسنا بالحاجة إليه تحت إلحاح رغباتنا، يقع معظم الخلط، عندما نتصور قدرتنا على اشباع كافة الحاجات لا لأننا بحاجة لذلك ولكن لأننا نرغب بها، فنطلبها حثيثًا، بنفس السرعة التي يبتعد بها، عنّا، شعور الإكتفاء والرضا في أنفسنا، لنبصر عالمًا يعيش في جوٍّ مشحون بالجشع والإستغلال والطمع والأنانية، لأنه لم يستطع أن يحدد محركه، هل هو الدافع لتلبية ما يحتاجه، أم الرغبة؟



22 يناير 2010

عاوز أتجوز تاني



في ذورة الإنشغال والإنهماك بالعمل المضني قبل يومين، وجدت نفسي فجأة في خضم حديث متصاعد النبرة كنت محوره دون إرادتي، وبلا رغبة مني. جالسًا على مكتبي ورأسي مدفون بالأوراق، انطلق زميلي بالحديث عن 'الأرف' الذي يعانيه بحياته الزوجية، وعدم التفاهم وقلة الانسجام الذي صبغ الـ15 سنة الأخيرة من حياته، وأنه قد اكتفى لذلك سيبحث عن زوجة أخرى، بعد أن يشحن زوجته الحالية وأولاده إلى بلاده مع أقرب طائرة! إلى هنا وكان الجدال يدور بينه وبين زميلي الآخر الذي يحاول إقناعه بالعدول عن الفكرة، مذكرًا إياه بكل ما في الزواج من إيجابيات، وأهمها شعور الأبوة والأولاد، لينفجر في وجهه:

.
- هوّه لو كنت عاوز أولاد بس، كنت أقدر أجيبهم من غير جواز (زواج)!

.
حين سمعت الجملة الأخيرة، لاشعوريًا ضحكت، وهذا هو ذنبي الوحيد الذي كان تذكرتي لأكون محورًا للموضوع بعدها، فقد إلتفت ناحيتي قائلاً:

.
- همه الستات كده، ولاد ... في ...، بس يتجوزوا يلعنوا سنسفيل اجدادك، جالهم الأرف، اوعى تتجوز .. اوعى، خليك كده.. ثم أكمل وصلة الشتم والردح، لينهيها بزفرة على اللحظة التي قرر فيها الزواج، متبوعة بتفاصيل لا يصح نشرها للعامة!

.
يبدو أنّ منظري المتفاجئ جعل زميلي الآخر يستلم زمام الحديث، لينفي هذه النظرة السوداوية للزواج، معددًا إيجابياته، متخذًا نفسه مثالاً معاكسًا له، ويتابع الجدال مع الآخر، لحظتها قررت أن أظل متمسكًا بصمتي، محاولاً الإنتهاء من كومة الأوراق أمامي، وبعدها لكل حادثٍ حديث.

.
وكان حديثي مع نفسي..
هناك قصة تتمتع برمزية كبيرة، وأراها تختصر الكثير من المعاني، مفادها أن أخوين ذهبا إلى مصر، وحين عادا قال الأول أنه شاهد شارع الهرم ومحمد علي، والثاني شاهد سيدنا الحسين والأزهر! وكلاهما كانا في بقعة جغرافية واحدة، كذلك التجربة، قد تكون واحدة نمر فيها جميعنا ولكن كل شخص فينا يخرج بنتائج في بعض الأحيان هي متناقضة مع الآخر، ليس الخلل في التجربة، في الواقع ليس هناك خلل على الإطلاق، إنما هي خصيصة نفسية تتواجد عند معظم الناس، وهي أن أهواءهم تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل رؤاهم، ومسيرتهم، ومواقفهم في الحياة.

.
يولد كل إنسان وداخله قابليات متنوعة، وعندما نتحدث عن نمّوه ونضجه فهذا يعني أننا نتحدث عن تحويله لهذه القابليات إلى ملكات، بمعنى أنه يهيء نفسه ويوفر الأرضية لجعل هذه القابليات تنمو حتى تخرج من كونها (حالة عارضة) إلى ملكة بكلمة أخرى صفة مستمرة معه. هكذا، نرى أشخاصًا يتحولون إلى إيجابيين لتنميتهم لقابلياتهم الأخلاقية الرفيعة، بينما نرى آخرين ينظرون للعالم بمنظار ضيّق، ويبحثون عن السلبيات في كل شيء. على الرغم من كون هؤلاء الأشخاص المتناقضين قد خرجوا من رحم أسرة واحدة، ذات فلسفة تربوية واحدة. ولكن كل واحد فيهم نمّى القابليات التي يميل إليها أكثر من تلك التي نبذها بحسب طبيعته والأهم بحسب رغباته النفسية.

.
وكونه يولد بهذه القابليات، فإن ذلك يوفر تفسيرًا مقبولاً نوعًا ما لظهور تصرفات أو أفعال أو مواقف قد تكون غريبة أو مستهجنة من أشخاص لم نتعود ظهورها منهم، ومصداق ذلك حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي مضمونه بأن المؤمن يمكن له أن يزني أو يسرق، فتنتفي عنه صفة الإيمان حتى تنتهي هذه الحالة العارضة عليه، ويعود لملكته التي نمّاها وهي التعفف والأمانة، وهي ذاتها الملَكة التي تشعره بعدم الإرتياح والضيق أثناء فعله لتلك الأمور لم يألفها ولم يعطيها الفرصة لتصبغه بلونها، فهو يشعر بالتناقض معها.

.
مرّ زميلاي بذات التجربة، الأول فشل بها بنظره والثاني نجح، ولكن الملفت للنظر أن كليهما حاول أن يعمم تجربته على الجميع، ويعتبرها مقياسًا لكل الحالات المماثلة، فالزواج بنظر الأول مشروع فاشل* وإن كان لابدّ منه، وعند الثاني مشروع ناجح تطغى ايجابياته على سلبياته.

.
لا أريد أن اناقش هذه القضية ولكني سأتخذ منها منطلقًا لفهم سبب رغبتنا بتعميم تجاربنا دون وعي منّا على الجميع.

.
كثيرًا ما نطلب من الآخرين أن يراعوا انشغالاتنا، وظروفنا الحياتية اليومية، ونعتبر مثل هذا الطلب ضرورة يجب على الآخرين أن يأخذوها بعين الاعتبار، وإن لم يحدث ذلك منهم رأينا في ذلك إساءة لنا، نتألم منها والسبب هو أننا نعتبر المنظار للعالم يمر عبر ذواتنا، فكل شيء مرتبط بنا وبمزاجنا، نريد للعالم أن يفرح إذا فرحنا وأن يحزن إذا حزنا، فالطبيعة البشرية تقوم على إيمانها بأن الإنسان هو سيد الخلق بالمعنى العام، وسيادته تعني أنه يرى في نفسه الفضل والعلو على غيره، وهذا يجعله يعتقد أن الحق المطلق منحصر فيه دون مقدمات، وعلى الآخرين أن يتبعوه وإذا لم ير ذلك منهم، اشمئز واعتبرهم جهلة لا يفهمون.

.
ومعظم التنافس بين البشر على تعميم تجاربهم تعود إلى هذه الخصيصة فيهم، فطبيعة الإنسان أنها ترى في نفسها الأفضلية على غيرها، أو تحب أن ترى شيئًا فيها يميزها عن الآخرين، ويعطها «بونصًا» يجعلها تملك ما تتميز به وسط جموع البشر، ومن ذلك تجاربهم في الحياة، في الزواج والعمل وحتى في اختيار نوعية الطعام والمطاعم، فهي تشمل كل ما يمكن أن يتم التوصل له من خلال التجربة والبرهان أو مجرد الإطمئنان.

.
في أيام الكلية لم أشغل نفسي يومًا بالسؤال عن «الدكاترة» وهذا يمثل حالة شاذة بين جموع الطلبة بطبيعة الحال، وكثيرًا ما كنت أسجل بعض المواد عند دكاترة يصنّف من يسجل عندهم تحت بند الجنون، ومع هذا فانطباعاتي عنهم تكون ممتازة، ولم تخب إلا نادرًا جدًا، بعكس كل توقعاتهم، والسبب هو أنهم إما تأثروا بإيحاء الآخرين أو أنهم مروا بتجربة سيئة، ثم عمموا حكمها، وإذا شاهدوا أحدًا يخالف حكمهم، فإنه لا يروق لهم أن يروه ناجحًا.

.
حاول أن تسأل عن أفضل هاتف نقال، أو أفضل مزود إنترنت أو حتى أفضل خباز جمعية، وانظر كيف تتعدد الآراء وتتظافر ليدخل أصحابها في عراك وجدال قد يستمر لساعات ويبدء كل طرف باستحضار عشرات القضايا والأدلة التي يحتفظ بها في ذاكرته لينتصر لرأيه ويبيّن أنه الصواب، ويُسّقط آراء الآخرين ويسفهها، في خضم ذلك كله يتناسى أولئك أن النتيجة التي توصلوا لها في معرفة أفضل هاتف أو غيره إنما هي متولدة من تجربة خاصة فيهم، لعبت فيها ميولهم وقابلياتهم الدور الأكبر في توجيهها إليهم، وهذا يكفي لإظهار أنّ أحكامهم متماشية مع طبيعة تكوينهم، ولكنها من جهة أخرى قد لا تناسب الآخرين لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار طبائعهم، وميولهم، وأهواءهم والأهم من ذلك الظروف التي قد تحكم تجاربهم.

.
زميلاي العزيزان جانبا الصواب، لأن كليهما كان يتكلم عن تجربته ونتيجته الخاصة، وكلٌ منهما يريد أن يثبت أن تجربته هي المقياس للعالم أجمعه.

_____________
*راجع:
تفلسف عزّاب