20 يوليو 2010

إنـه الثـمـن

لعل السماء، في مساء ذلك اليوم شديد الحرارة في الكوفة، أرادت أن تعاكس الأرض حتى تعطي درسًا للجميع. بقدر بياض الأرضية الرخامية الملساء، كان اسوداد صفحة السماء، كأنها ستارة مسرح مهمتها الوحيدة حجب ما ورائها فقط. بقيت لساعات أتأمل تلك الصفحة الظلماء، تأمل لم يقطعه سوى وميض نجمة وحيدة يبدو أنها تمردت، فهربت، وبرقت، ثم انتهت.
النقطة السوداء في جسم الإنسان علامة جمال وكمال لأنها حبة خال، والعكس مع السماء صحيح! مقاييس الجمال والكمال التي نضعها لأنفسنا في الكثير من الأوقات تحجب الجمال الحقيقي في العالم الخارجي عنّا، ولا نراه، لأنه جمال لا يخضع لمثل هذه المقاييس.
.
ضوء هذه النجمة، كان ثمنه زوالها. بقيت وحيدة تعلن لنا أن منطقها كان منطق الشمعة، أحرقت نفسها حتى تنير سواد تلك الليلة الموحشة. لزمن يأبى التلون إلا بلون الباذلين فيه. إنها أبت ترك الستارة الدهماء تمر عليها مرور الكرام وتتخطاها لتحجبها دون أن تعارضها وتستوقفها، حتى وإن انتهت تلك النجمة، وأعلن نورها الواصل إلينا وفاتها، ليسطر في سوق الذاكرة مشاعر الفرح والسرور عندي، لأنّ شيئًا ما، قال في يوم من الأيام .. لا .. ثم أثبت موقفه بأن اخترق جدار الظلمة، على حساب بقائه.
.
لكل شيء في هذه الخليقة ثمن، يقل أو يكثر، يزيد أو ينقص، لكنه يظل ثمن يجب دفعه. قد لا تعتبر الأثمان في بعض الأحيان متناسبة مع المثمن، ولعل ذلك يعود إلى أنّ الثمن وضع متناسبًا مع أشياء نجهلها، ولا نراها، ولا نعلم قدر الجهد الذي بذل فيها. كالعادة نجنح إلى الحكم السريع على المظهر النهائي للأشياء ونتناسى الآلية الطويلة التي مرت بها حتى تصبح على هذا الشكل.
.
إلى أي درجة قد تصل القدرة على التضحية؟
لا أظن أن تلك النجمة هي مجرد حادثة عابرة تمر مرور الكرام، ولا أعتقد أنها كانت عبثًا، لكنها أرادت إرسال رسالة، وإعطاء إشارة، بأنّ «الغبن لا يلحق أحد إذا دفع غاليه فيما يستحق». هي عبرة لنا بني البشر، قليل هم الذي يلتفتون لها في خضم الحياة. معتركها يفرض على الإنسان أن يجعل من الفضائل أشياء ثانوية. قال أفلاطون لسقراط «إنّ ما يكوّن فضيلة الرجل هو أن يكون ما ينبغي أن يكون..»، ومعظم الناس ليس كما ينبغي أن يكونوا!
.
تفرض الحياة عليهم مساراتها، وتقيدهم لمجاراتها. فتُكتم الحقائق خوفًا من الفضيحة، وتجمّل الوقائع هربًا من الحقيقة، ويخدع الناس أنفسهم بأن الوقت ليس مناسبًا لتصفية الحسابات، وزمن الإنشغال بنقد المخطين، وتحطيم أساطير الخادعين، سيأتي لاحقًا حين ننتهي من (الأولويات). على غلاف "ساحرة بورتوبيللو" يقول كويلو: «الناس يوجدون واقعًا ليصبحوا من بعدها ضحايا لهذا الواقع الذي أوجدوه..» وهذه هي باختصار قصة هذه الأولويات التي لا تنتهي.
.
يتصور الكثيرون امتلاكهم للقدرة على النقد السليم، وعلى الإرادة للاعتراف بما هو خطأ، والإذعان لما هو صحيح، بكلمة أخرى، يلقنون أنفسهم القدرة على الإيمان بالحقيقة، ويتصورون أنهم وصلوا للحقيقة المطلقة، في الغالب هم توصلوا لما يتصورونه حقيقة، لا للحقيقة بذاتها. وتراهم يدافعون باستماتة عن هذه الحقيقة، وفي قرارة أنفسهم يعلمون أنهم يدافعون عن تصوراتهم الذهنية، وميولهم النفسية. أحدهم في يوم من الأيام اعتبر نفسه وصل للحقيقة ومضى يثير التساؤلات حتى يستميل الناس لها، أذكر أنني سألته سؤالاً، بعد إجابته قررت الاكتفاء بالإبتسام وتركته ليغرد بأحلامه التي اعتبر بها نفسه على المحجة البيضاء(!). ليس عجبًا أن يقضي بيكون حياته في التحذير من الوقوع أسرى للعقل،الموجود المفترض أن يكون أسمى ما فينا. إنّ الحقيقة مرّة بمرارة الدواء: شر لابد منه. وعلى قدر تقبّل مرورتها يكون الإقتراب من الإعتقاد بها، وعلى شدة محاربتها يكون الإبتعاد عنها، وكم من محارب لها وهو لا يعلم فعقله أسير لهوىً أمير!
.
ما بين الأحلام والحقائق، خط رفيع، بسماكة الجفن. والناس غالبًا يفضلون الأولى، فهي تبرر لهم سلوكياتهم وآرائهم وتجعلهم يتآلفون مع أخطائهم فلا يشعرون بجرمها، وبمرورتها، بينما تقتضي الحقائق ذلك لأنها تمثل الواقع والإنسان بطبعه يحب أن يهرب من الواقع إلى الخيال دائمًا .. فخلع على النوم ثياب السلطان!
.
«دافعتي أكبر من جاذبتي .. !» كانت احدى الجمل الإعتراضية منه عليّ أثناء نقاشي معه. وبعد أن قرأت الرواية، عرفتُ (لماذا) بصورة أفضل. فالصياد يعي الماء أفضل من السمكة.
.
فيما يُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام «إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه»، وليس من إدبار أكبر من أن يتم تنميطك و تصنيفكلمجرد أنك كتبت وقلت وتحدثت عن أشياء يرفض الآخرون الإعتراف بها، عن أمور يفضلون وضعها تحت السجادة والإدعاء بعدم وجودها، ويستحسنون تأجيلها إلى ما لا نهاية، وعن قضايا يعتبر الحديث عنها في مثل هذا الوقت محرمًا لأن هناك قضايا أهم وأكبر، قضايا حسب الظاهر- لم ولن تنتهي أبدًا.
.
لماذا يعتبر الناس الحديث عن (المسكوت عنه) جرمًا يسبب الضعف؟
بينما هو سبب القوة، فلا أفضل من أن تجعل كل شيء في مقامه. هذا السكوت هو الذي يغذي الأوهام، ويجعل الاحلام بمثابة الحقيقة، ويصبح مثل أولئك الحالمون مصيبون، وأنهم أصحاب الحق وحده، لنرى أنفسنا فجأة نعيش في غابة من الأصنام الفكرية والذهنية نمت وترعرت بماء السكوت وتربة التأجيل وهواء المصالح.وإن حاولت يومًا تبيان ذلك «استضعفك القوم وكادوا يقتلون» بأقلامهم وألسنتهم وأفعالهم وكلماتهم. باختصار مؤسف هذه هي مسيرة البشرية وسيرتها، مثلما فعل بنو إسرائيل مع هارون!
.
الثمن لا يدفعه الباذلون فقط، إنما يدفعه حتى أولئك الذين يرون ما لا يراه الآخرون، والذين يصرون على أن يكونوا كما ينبغي أن يكونوا، لا كما يريدهم المجتمع، أو تفرضه عليهم الحياة، الذين لم يحترفوا لعبة التنازلات، أو يشتغلوا بالشعارات، وانتهوا بتحوّلهم إنعكاسًا للآخرين، يدافعون عن أصنام أذهانهم وينسبون لها كل محاسن الآخرين. هذا هو نفسه الثمن الذي دفعته تلك النجمة حين تمردت على سواد الليلة، ورسالتها: من أراد شيئًا فعليه تحمّل ثمنه، وإن كان غاليًا .. مكلفًا.
.
ثلاثية لم يكتبها أديب مشهور، ولا تخلو من نقد، لكنها تستحق الاحترام والإشادة، لأنها أتت في زمن فيه «رحل (عالم ثائر) وجاء (جاهل تاجر)..
عندها خاب الرجاء، وانقطع الأمل، وضاع الجنيُ، وتلف الحصاد، وأعصفت به الريح في مهبها.. فهدر الثمن!
»
لتعلمنا كم هو غالٍ هذا الثمن.
شكرًا .. عباس بن نخي، ولما خطته يمينك في (الثمن).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة هي غلاف رواية ( ثلاثية الثمن ) لـ عبّاس بن نخي.

1 يوليو 2010

الساقطون والساقطات .. أخلاقيًا


مجددًا*، يعود السؤال عن علاقة المظهر الخارجي بالحكم أو الإنطباع عن الآخرين إلى السطح. هذه المرة سبب العودة هو محاولة ربط هذا المظهر بالاستنتاج الأخلاقي، أو بتعبير آخر بعلاقة المظهر في التصنيف الأخلاقي، والعلاقة بالدين الذي هو بمعناه العام المظهر الأتم والأكمل للأخلاق. تظل الطبيعة الإنسانية تملك ميلاً كبيرًا إلى إيجاد سبل الراحة، وهذا كان دافعًا من الدوافع الرئيسية التي قادت البشرية نحو الإكتشاف والإختراع لتسهيل الحياة، والإقلال من المجهود المبذول لأجلها. والأمر لا يقتصر على الماديات بل يتعمّق نحو الإنسان ذاته، فطريقته في استلهام الحكم على الآخرين من خلال أقصر الطرق وهو استخراج الحكم من مظهر الشخص، تعبّر باقتضاب شديد عن هذه الفلسفة التي يتبعها في تصنيف الآخرين من خلال أقصر الطرق.
.
غير أنّ السؤال هذه المرة، يأتي متزامنًا مع إطلاق حكم أخلاقي، وديني، مستتبعًا لهذا المظهر، وليس حكمًا 'تقييميًا' كما هي العادة. هذه الإشكالية تطرح نفسها بقوة في مجتمعات تدعي المثالية التامة في خطابها من خلال تركيزها على المفاهيم الدينية، والأخلاقية، التي هي على عكس أيّة مفاهيم أخرى، ترتبط بها أحكام بالغة الخطورة على المجتمع في حال سوء توجيهها. إنّ إطلاق صفات أخلاقية سيئة، نابعة من سوء الظن، أو التسرع، أو تعميم حالات شاذة، والمحاكمة الشخصية، لفئة ما، أو شخص ما بناءً لى مظهره من خلال صورة نمطية هو بمثابة إطلاق رصاصة عليه لقتله. تعدد صور القتل قد تكون بالسلاح، أو بالحرمان، أو بالعزل، وكلها تقود في النهاية إلى سلب حياة الشخص، فليس القتل مقتصرًا على سلب الروح وحدها.
.
الخوف من الموت هو خوف غريزي، يتواجد في جميع المخلوقات، أمّا الخوف من العزلة فهو خوف إنساني، لذا يفقد الكون الذي نعيش به كل المعاني إذا لم يكن هناك إتفاق بين الناس الذين نعيش بينهم، وهذا هو الخطر في مثل عمليات العزل هذه وهي أنها تدفع 'المحكومين بالعزلة' أو المنبوذين إلى الشعور بالنقمة على المجتمع، وأخلاقياته المدعاة، وبالتالي إلى اتخاذ مواقف تتسم بالتصادمية مع هذه الشعارات والأسس التي ترجع لها، وعلى رأسها الدين، والأخلاق. حينها يبدء قانون نيتوتن الثاني الخاص بالفعل وردة الفعل بالسريان.
.
أغلب محاولات حلِّ هذه الإشكالية أضحت غير ذات فائدة لكونها تحليلات تصل –ربما- بحسب الظاهر إلى تعليل علاقة الحكم من خلال المظهر على أخلاق الإنسان وسلوكه. التحليل والوصول إلى جذر المشكلة لا يقدم علاجًا إنما يعطي معرفة، أو يكشف واقعًا فقط، وتبقى أدوات العلاج مختصة بأفراد هذا المجتمع أنفسهم من خلال إيجادهم لثقافة أخرى تختص بتقييم الآخرين.
.
الثقافة التي تتواجد بالمجتمعات التي يكون خطابها مثاليًا أكثر من اللازم، بحيث تنسى أنها تتعامل مع مجتمع إنساني، لا ملائكي، هو أنها تنزع إلى أقصر أدوات الحكم لتبرر لنفسها أخطاءها. بمعنى، أنّ أفرادها يستغلون هفوات الآخرين، أوأخطائهم، في تبرير ما يرتكبونه يوميًا. حتى تتضح الصورة أكثر، فإن مجتمعنا وتحت عنوان الدين، والعادات والتقاليد، يمتلك مخزونًا رهيبًا من الخطوط الحمراء التي يقيس بها الآخرين ويقيّمهم على أساسها، وهي بجلها أشياء ظاهرية لا صلة لها بما يحكمون به. على سبيل المثال، من السهل أن يتم تصنيف 'غير المتحجبة' في خانة المصابين بـ «مشكلة أخلاقية»، ومن الباحثات عن «الأزمات الأخلاقية»، أويتم تصنيف المنتمين لمهنة ما بأنهم «عديمي الشرف»، أو يتم اعتبار العوائل المنفتحة على ذاتها بأنها «متغربة» لا تعرف شيئًا من الدين! والأمثلة أكثر من أن تحصى، ولا أظن أنها، أو بعضها على أقل التقدير لم تمر عليكم.
.
ومن جهة أخرى، فإن لحية بسيطة، أو قطعة قماش دون معنى على الرأس، وغيرها، كافة لأن تسبغ نعماء العفة والشرف والتدين، وكل الصفات الحميدة على أصحابها. فما هو الخلل؟
.
أوّل مواضع الخلل هو في فهم الدين ذاته، و وظيفته. الدين يملك وظيفة اعتقادية في الأساس، والإعتقاد هو بمثابة الخريطة التي توضح الطريق الصحيح للإنسان. كثيرون قد يملكون المعرفة بالطرق الصحيحة، ومع هذا يخطؤون. وبعضهم قد يعرف صعوبات الطريق، ويذهب إليه مطمئنًا به، وإن كان لا يأخذ استعدادته الكافية. الخلل هنا في قصور هذا الشخص، وقصوره لا يعني ضلاله وسقوطه، أو أنه هدف متاح لأي اتهام.
.
كما أنّ الخلل يتمثل في صورة أكبر، حين يتم غض النظر عن "السلوك"، الذي يعتبر القاعدة لأمثل للحكم على الآخرين. لاتخلو تصرفاتنا كبشر يوميًا من بعض الأفعال التي قد تبدو للآخرين خالية من أي معنى، لكنها في واقع الحال، ليست عبثية، كما أنها ليست خالية من المضمون كما نتصورها. فلا شيء يعبّر عن حالة الإنسان بأبلغ تعبير كالسلوك الذي يقوم به، سواء كان سلوكًا مدفوعًا برغبات واعية، أو برغبات تصدر من اللاوعي عنده، في كل الأحوال هي ترجمة لواقع هذا الشخص.
.
ليست المرأة السافرة ساقطة أخلاقيًا بالضرورة، وليس الرجل غير الملتحي فاسقًا، كما أنّ الحجاب لا يعني دخول صاحبته في دائرة العصمة. العبادات متممة للأخلاقيات، ولعل هذا أحد توجيهات حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ليتمم أي ليحملها إلى مظهرها الأتم والأكمل ولا يكون ذلك إلا بالإلتزام الصحيح بالأوامر التعبدية. وهذه النقطة التي لا تستوعبها المجتمعات التي تدعي المثالية لأنها غير قادرة على فصل السلوك عن الشعار، فهي تتحدث عن الأمانة وتحتقر السرقة، وتندد بالظلم وتنادي بالحرية ولكن يصبح الحال كمال قال الكواكبي: يطلب الناس الحرية ماداموا مرؤوسين، فإذا رأسوا استبدوا.
.
ففي الوقت الذي يرفع به أبناء المجتمع هذه الشعارات، فإنهم يمارسون كل ما ينقضها في حياتهم اليومية، ثم لا يجدون حرجًا في أن ينصبوا أنفسهم قضاة على النّاس ويطعنوا بأخلاقهم لكونهم مقصرين، دون أن يبحثوا لهم عن عذر، أو يطلبوا لهم الإنصاف. ولعلّ السبب هو أن هذا الفعل يعطيهم أفضل ذريعة لتبرير كل ممارساتهم غير السويّة، فـ(المتحجبة الكاشفة) ترى نفسها أفضل من تلك السافرة فهي على الأقل تضع قطعة من القماش على رأسها بما يناسب الحكم التعبدي وإن كانت لا تعترف بباقي الأحكام! ويهوّن الملتحي أخطائه الفادحة وانحرافاته بحجة أنه على الأقل أفضل من ذلك الحليق، وعلى هذا الأمر قس الباقي.
.
وكلهم في النهاية يغمضون أعينهم عن حقيقة أن التدين الحقيقي، ليس بالمظهر، ولا بما تجري عليه العادة أو يكتسب من البيئة المحيطة بالفرد فقط. وأنّ السلوك الأخلاقي درجات، أعلاها قد يكون عند المتدين الحقيقي، إنما هذا لا يعني انتفائه عن الآخرين. وأنّ السقوط الأخلاقي لا يعبّر عنه المظهر الخارجي بقدر ما ينبئ عنه السلوك الظاهري. وأنّ تقصير الآخرين لا يخولنا الطعن بسبب مظهرهم. والأهم من ذلك كله، أنّ الإيمان ببعض الكتاب لا يعني بالضرورة الكفر بباقي الكتاب .. فتأمّل قبل أن تحكم.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* راجع:


18 يونيو 2010

شيء عن ومن الذكريات


لا نمتلك لحظة الذكريات، بل تملكنا. لا نستطيع أن نجبر أنفسنا على عدم التذكر حين نمر في مكان كتبت فيه بعض سطور حياتنا. كما تمر على بستان في الخريف فتشم آثار الربيع فيه، كذلك هي تلك الأماكن التي تعيد نشوة زمن مضى، أو أحزانه. لا تملك المشاعر عقلاً تجعلها تعيد تصوير المشاهد كما تريد، لكنها تملك قوة لأن تدس بعض هذه المشاهد في زوايا ضيقة من الذاكرة بحيث لا نستطيع أن نستعيدها إلا بأن نمر في نفس تلك اللحظات مجددًا. كحبات الرمل الناعمة، ينزلق الزمن من بين أصابعنا فلا تبقى إلا خشونته كذلك هو يرسم علاماته، أو يضعها ولا نملك أمامها إلا التسليم، والإذعان.

.

كل البشر يخوضون يوميًا مئات الحروب 'الدونكيشوتية' ليحاربوا طواحين الذكريات، لعلهم يتخلصون من هذه الأحمال التي أثقلت ظهورهم، لكنهم لا يعلمون أن الذكريات لا نعيش معها فقط، بل تعيش فينا، وإذا استطعنا أن نخاصم أنفسنا استطعنا أن نتخلص منها، وحده الموت هو الذي يرسم حدود الهدنة ما بيننا وبين ذكرياتنا. يعتقد الكثيرون أنّه بإمكاننا أن نهزم ذكرياتنا، وإذا فشلوا بذلك آمنوا بأنهم مهزومون، تمثل هذه قمة الأوقات العصيبة عند الإنسان، حرب تخوضها نفسه بالإنابة عن نفسها. ليست كل الحروب قابلة لتحقيق النصر فيها، ثمة حروب يجب أن تخوضها، لمجرد خوضها. «رغم أنني مررت بكل ما أنا فيه الأن، غير أني لستُ نادمًا على أية صعوبات قابلتها، لأنها هي التي جلبتني إلى هذا المكان الذي أردت أن أصله. والآن كل ما أملكه هو هذا السيف، وأنا أعطيه لكل من يرغب مواصلة رحلته. إنني أحمل معي علامات المعركة وندوبها، إنها الشواهد لما عانيت، والمكافآت على ما فتحت».

.

الماضي ليس وقتًا كميًا، ليس ساعاتٍ، أو سنوات، أو أيام. الماضي هو صندوق تدخله من طرفٍ، لتخرج من الطرف الآخر له وأنت معجون بآلاف التأثيرات التي تعطيك الإجابة عمّن أنت؟ .. "من أنا؟ فأنا أنتظر الأكثر جدارة، وأنا لست جديرًا حتى أن أموت من أجله."، بعضنا يعيش هذه الحالة، ينتظر تلاشي الذكريات، وبعضنا يعيد إحيائها في كل لحظة لأنه لم يستطع أن يوجد ما هو أحسن منها، في كل الأحوال تبقى مندسة لتقفز في اللحظة المناسبة، في الوقت الذي يغلب فيه الظن بأنها اختفت وأن الإنتصار على بروزها الدائم قد تم، فالعيش معها هو إنهزامية تضفي الخجل، خجل من الحنين الدائم للماضي، أو من الهروب المتسرع إلى المستقبل.

.

«عليك أن تصبح طفلاً كي لا يزعجك الخجل» هكذا قال الحكيم ذات مرة. الطفولة لا تعود، ولكن الرغبة بها تعود، الطفل لا يعرف المجاملة، ولا الخجل فهو صريح إلى أقصى درجة، ولهذا يحنّ كل إنسان إلى طفولته، إلى تلك البراءة والمباشرة التي افتقدها، إلى عدم الخجل مما يريد، وما يرغب، وما يبحث عنه. لا أعلم ما حدث، لكني أعلم أن تلك اللحظة جرتني إلى الطفولة، لم تعد إليّ مجرد ذكريات حسبتها طويت، بل أحيتها فيّ للحظات.

.

لكل يوم من أيام الأسبوع، طعم وشعور، يوم خفيف وآخر ثقيل، لم يكن الناس يستسيغون الجمعة فهو أثقل أيام الأسبوع، ولكن هل رأيتم يومًا بدايته ثقيلة ونهايته خفيفة؟ على غير العادة، كان الجمعة كذلك عندي. يبدء يومًا ثقيلاً فصباحه آخر صباح في العطلة، وينتهي خفيفًا، يحكى أنّ أحدهم سأل آينشتاين مرة عن النسبية، فكان جوابه: إن الساعة التي تقضيها مع إمراة قبيحة تشعر بها كالدهر، والساعة التي تقضيها مع إمرأة جميلة تمر كدقيقة. ربما، يقدم هذا المثال اجابة سؤال: لماذا ينتهي ذلك اليوم خفيفًا؟ لا زلت أذكر أنني سمعت باسم «محمد بن الحنفية» لأول مرة في ذلك اليوم، ولعل ذلك يرجع لأنها الجملة العربية الوحيدة التي فهمتها، بالنسبة لطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، ليس من اليسير عليه أن يلتقط جملة مفيدة من محاضرة طويلة بلغة غريبة عليه حينها.

.

كان إمام المسجد رحمه الله- شيخًا مسنًا، منبره على يسار المحراب، عدة درجات في نهايتها مقعد صغير من الخشب القديم المغطى بقطعة من القماش الأسود، بينما ظل المحراب أبيض اللون كلون الحيطان التي امتزجت بلون السجادة الخضراء التي بدت وكأن خيوطها قد ألقت بظلالها على الحوائط. الباب من الحديد المصنوع يدويًا عند أحد الحدادين، بعد الدخول منه ستصادفك على اليمين دورات المياه، وخارجها محلات الوضوء، وبظهر المتوضي تبقى إحدى أجمل المكتبات التي ارتبطتُ بها، كانت مساحتها صغيرة لدرجة أن متوليها بالكاد يكفيه المكان داخلها ولكني كنت أراها عظيمة. يُقال بأن أعيننا لا يتغير حجمها منذ الولادة، وهذا صحيح، فإن الأشياء هي التي تكبر وتصغر بقدر تأثيرها، وتأثرنا بها.

.

مغرب كل يوم جمعة هو الموعد الحقيقي لابتدائه، كانت الصلاة بهذا المسجد الصغير المختبئ وسط الشجيرات طقس لا يكتمل هذا اليوم دونه، وثاني الطقوس كنت أحضره متفرجًا لا أفهم معظم الحديث الذي يدور بين الرجال، كل ما أتذكره هو أنه بكل أسبوع كان «خالد خلف» المحامي يلفت ناحيتي قائلاً: "كله من يدّك! قص على أبوي وخلاه يتزوج هندية معاه" ثم يضحك وهو ممسك بسيجاره الكوبي خلف مكتبه، المكتب الذي يقع تحته واحد من أشهر مطاعم الكويت .. (نــوارة)!

.

لا أظنها صدفة أبدًا، أن أقف بالأمس على أطلال ذلك المسجد الصغير في شرق، الذي كان ينتهي مساء كل جمعة بنظرة لمأذنته الصغيرة وهي تتوارى من بعيد خلف الأشجار، بعد أن كان يبتدئ بالصلاة خلف إمامه المسن، وبين مقابلتي اليوم لمؤذن المسجد. أعادت رؤيته لذاكرتي عشرات الأوجه التي جرفتها الدنيا ولم اعد أراها، أو أضحت ضيفة تحت التراب، يبدو الخجل في أعلى درجاته الآن لأني وقفت حائرًا والذكريات تهاجمني من كل ناحية وأجد نفسي عاجزًا عن البوح بها كلها، ليس أسوء من الحديث سوى عدم القدرة عليه! كثيرة هي الأثقال التي تكبل الألسن وتسلب منا سرعة البديهة في الرد أو اتخاذ الموقف، ويهونها أنها أثقال مؤقتة إلا في مثل هذه المواقف حيث تعجز حروف اللغة الثمانية والعشرون عن تكوين كلمات تعبّر عمًا يجيش في الصدر، فنقف صامتين، ومتأملين، نتحسر على زمن الطفولة!

.

لست أدري ما الذي دفعني لأن أقود سيارتي إلى هناك مجددًا، لأقف على أطلال المسجد، ربما الشوق إلى تلك الأيام، أو الحنين إلى شعور الدفء الذي كانت تضفيه جدرانه على المصلين، أو الرغبة بالانعزال والهروب من البشر إلى الخالق عز وجل، أو لعلها الرغبة الجامحة في العودة إلى لحظات كان يجمع فيها المسجد أرواحًا ليست بيننا اليوم، وأفتقدها.

حاولت أن ألملم شتات ما بقي مندسًا بذاكرتي عن تلك الأيام، في بعض الصور، لعلها تعيد إحياء بعضًا من لحظاتي المندسة في جوانب الذاكرة.

غريب هو، كيف أنه بهدم شيء، تبنى صروح الذكريات، وكأنه درس من الحياة يعلمنا أنّ «هناك لحظات على المرء فيها أن يتصرف، ولحظات أخرى عليه فيها أن يتقبل».

.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بين الأقواس مقتبس من:

فارس النور، كويلو.

هكذا تكلم زرادشت، نيتشه.

27 مايو 2010

التكرار يعلم .. الحكمة!

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش .. ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
زهير بن أبي سلمى
.

احتاج زهير لثمانين سنة حتى يشعر بالملل من كل شيء بعد أن ملّ رؤية نفس الأمور تحدث مرارًا وتكرارًا. يُقال بأن ينابيع الحكمة تتفجر بعد الأربعين، لذلك سمي النابغة الذبياني بالنابغة فشعره الشهير بالإعتذاريات ظهر للناس بعد الأربعين من عمره! على هذا، يكون زهير قد عاش أربعين سنة من الحكمة ليكتشف في نهايتها أن الحياة مجرد (تكاليف) تارة تعيد نفسها مثلما هي كما يذهب لذلك بعض المهتمين بالتاريخ، وبعضهم مثل 'هيغل' كان يقول بأن التاريخ حلزوني الحدوث لا دائري، يعني أنّ الأحداث في التاريخ تملك تشابهًا لا بأس به ولكن ظروفها وحيثياتها مختلفة، فتكرارها في ظروفها غير متطابق، وإن كان كذلك في نتائجه، في إشارة إلى كون التاريخ لا يعيد (ذاته)، وهي كلها ترى التاريخ كأحداث، ولا تراها كزمان.
.
الإنفجار الذي أحدثه آينشتاين في هذه المفاهيم حين أتى بنظرية «الزمكان» دمر اعتقاد الإنسان بأنّ الزمن مفهوم كمي، أي أننا وإلى اليوم- نفهم الزمان على أنه ليس أكثر من 24 ساعة تنتهي الساعة فيها بمجرد انقضائها، وأن الزمان له وجود منفصل لا علاقة له بالمكان. بينما قال هو بأن الزمان بعدٌ رابع يضاف إلى الأبعاد الثلاثة التي نعرفها إنما الزمان هنا كبُعد رابع، لا ينفصل عن المكان، في مثال يطرح لتوضيحها بشكل مبسط، هو لو أنك كنت تقود سيارتك في شارع متعرج وسط الغابات الكثيفة التي تحجب الرؤية، فإنك بعد 5 دقائق سترى أين ستكون، ولكنك لن ترى أبعد من ذلك فالتعرجات تمنع النظر لما بعدها، بينما لو امتلك أحدهم مكانًا للنظر من الأعلى فإنه سيرى الطريق كله، أي أين ستكون بعد 10 دقائق، وأين ستكون بعد 20 دقيقة، لاحظ في هذه الحالات كلها أنك لا تستطيع فصل الزمان عن المكان الذي ستكون به، فـ"الزمكان" اختصار لمفهوم أن الشيء لن يحدث في مكانٍ ما، إلا بزمنه المرتبط بذلك المكان، فالمستقبل مثل نهاية ذلك الشارع، الوصول إليه يتطلب الوصول إلى (زمنٍ) ما في (مكانٍ) ما، ولا وجود للزمن بدون هذا المكان.
.
إلى اليوم، تعتبر هذه النظرية، وما توّلد عنها من نظريات، غاية في التعقيد ومستعصية الفهم على معظم البشر، لكنها من جهة أخرى تقدم إجابات عديدة أنزلت المجهول إلى خانة المعلوم، وقدمت إجابات للعلماء حول الكثير من الظواهر والمحركات ابتداءً من النيوترونات والتيوترونات وانتهاءً بالأجرام السماوية وما أكبر منها. أصبحت كلها قابلة للتكهن بحركتها، ومعلومةٌ طبيعتها، واشتملت بالإضافة لذلك على معرفة (الإنسان).
.
ومن خصائصه أنًه (متفلسف)، والكلمة بمعناها الأولي تعني محب الحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والحكيم هو الذي يرتب الأشياء بترتيبها الصحيح ليصل إلى نتيجة تكشف الواقع الغائب عن أنظار الآخرين، ما يفصل الحكمة عند صاحبها الحقيقي ومدعيها هو أن النوع الأول يلجؤون إلى صياغة نتائجهم وفق ما تقتضيه الأوضاع، ويجعلون آرائهم طوعًا لرغبة الآخرين، فليس من السهل أن تفقد كل ما تملك بسبب رأي، وعلى هذا الأساس يكون ابداء الرأي بما يوافق الآخرين أسلم طريقة للصعود إلى المكانة المرجوة، والشعور بالأمان في وسط المحيط، بل والحصول على الدعم والتأييد منهم، كما قال زهير: ومن لا يصانع في أمور كثيرة.. يضرِّس بأنياب، ويوطأ بمنسم.
.
أضحى التغيير الذي حدث، كما يصفه برهان غليون*، يمس مفهومنا عن أنفسنا ونظرتنا إلى دورنا ومكانتنا كبشر، ونشأت جراء ذلك مفاهيم الفردية والسيادة، وما تشمله من حرية واستبداد وغيرها، وتبعًا لهذا حدث هناك نزوع نحو التفاصيل وباتت النفس، بحسب وصفه، تحت رحمة «الوعي والشعور واللا شعور والأنا والهو، والسلوك والذهان والعصاب والفصام والعظمة والرمز واللغة والمتخيل» وأعطت لكل شيء تأويلات عقلية ومادية، وفككت إلى أبعد ما تستطيع بنية الوعي والعقل والشعور، بحيث افتقدت العفوية، وأهمها عفوية التعبير عن المواقف، التي تحولت من كونها وليدة اللحظة وتعبير عمّا في النفس إلى طقوس هدفها الإستعراض أمام الناس، أي أنها مواقف تُقدّم كمهرٍ في سبيل بلوغ الغاية. إن خسارة الذات في مقابل مواقف مصطنعة يتم ارتكابها لكسب ود الحانقين هو استغفال لهم، لكنهم لا يشعرون.
.
لقد سأم ابن أبي سلمى، لأنه توصل إلى معرفة حقائق الأمور، واستخبر طبيعتها، واستطاع أن يرتب ما يرى، ويربطه بحيث انكشفت الوقائع أمامه، وأضحى يرى «الزمكان» بكل وضوح، فشرح بأبياته حوادث المستقبل بما حدث في زمنه، وأصبح يرى ما حدث بالأمس يتكرر اليوم، في تكرار رتيب للأحداث. وفي مثل زمنه احتاج إلى ثمانين سنة، وبتنا اليوم لا نحتاج لأكثر من أيام معدودات لنرى الأمور. ولذا لا تموت الحكمة، لكونها صالحة لكل زمانٍ ومكان. هناك من يرى التفاصيل ويعلم جيدًا بما تؤول إليه ولكن حقائقه لا تعجب الناس، فهم غالبًا يكرهون الحقيقة وبالتالي الصراحة، لكونها دائما مؤلمة و لا تلبي طموح هذا الإنسان،(وأكثرهم للحق كارهون)، وهناك من يتقافز عليها ليصنع لنفسه مجدًا بدغدغة مشاعر العامّة. الذين يرون، في الحديث عمّا "يريدون الإيمان به" شجاعة لا يملكونها.
.
المؤسف أنّ أصحاب الحقائق تتراجع أصواتهم، في قبال هؤلاء الذي يحولونها إلى سلالم للصعود على أكتاف الآخرين، لأنهم يعلمون أنه بصعودهم ستتوالى عليهم آيات التطهير، والتنزيه ولا بأس من بعض الضريبة. إن الحكمة رأس كل فضيلة، ولذا قرنت بالصمت**، فمن يعلم أنّ حديثه سيجعل الموجة الهادرة للعامة تخنقه، يفضل الصمت لعلمه بأن الأيام، لن تأتي بشيء جديد سوى أنها ستكشف الحقائق للناس، ولكنهم مع هذا لن يكفوا عن السقوط في نفس المطب، فهي سيرورة بشرية، كما قال هيغل: تعلمت من التاريخ : أن الإنسان لا يمكنه أبدًا أن يتعلم من التاريخ!
ومن يرى الأمور تتكرر لن يخالف حاله حال ابن أبي سلمى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*برهان غليون، اغتيال العقل، 146-147.
** روي عن الإمام علي عليه السلام: إن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت ما خلا ذكر الله.