26 يوليو 2011

من خلق الله؟



ثمّة اشكالية تبرز حين الحديث عن «الخالق» أو «الرب» حيث يتم تأطير الحديث مباشرة بصفات وماهيّة هذا الخالق أو الرب، والحال أنّ قضية الصفات[1] قضية لاحقة على أصل المطلب، الذي هو اثبات "وجود" الخالق في حدّ ذاته بمعزلٍ عن أيّة مفاهيم (أو تصوّرات) أخرى مرتبطة به، ومن المغالطة محاولة هدم وجود الخالق – عمومًا - بنفي صفاته الكمالية كما يراها دينٌ ما أو نقدها[2]، وعلى الرغم من وضوح أن هذه القضية باتت قضية مسميّات أكثر منها قضية حقيقة ثابتة ومُشّخصة، فتغيّر الاسم لا يغيّر المعنى، وسواء تسمى بالرب أو الله أو الطبيعة أو غيرها باختلاف آلياتها وصفاتها وما يتم اسقاطه من المذاهب والإتجاهات الفكرية المتعددة بناءً على تنظيرها للمسألة عليها، فإنّ وجود قوّة قاهرة[3] أمرٌ لا يُختلف فيه، وهذا ما يُرجع إلى الذهن القول بأنّ ليس اثبات الخالق هي القضية بقدر ما هي بناء معرفة هذا الخالق على أسس سليمة، أو تأسيس الإيمان به على قواعد معرفية صحيحة[4].

إنّ طرق البراهين في الوصول إلى الخالق تنحصر في ثلاثة:
طريق الوجدان، أو ما يُعرف بالشهود، وهو طريق يعتمد على التجربة التي يخوضها الشخص، والإنطلاق من العلّة للمعلولات.
طريق الحس، أو ما يُعرف ببرهان النَّظم[5]، وهو الاستدلال والإنطلاق من المعلولات إلى العلّة.
طريق العقل، وهو طريق الفلسفة وبراهينها المتعددة: الإمكان/ الصدّيقين/ الحركة والتغيّر. 

السعي إلى اثبات الخالق من الطريق الأوّل لا يمكن اثباته وتعميمه لأنه يبتني على مسلّمات شخصية، وتجربة ذاتية يحتاج الشخص أن يعيشها ليعيها، ومن الصعب أن تنقل المعرفة المكتسبة منها إلى الآخرين أو أن تصيغها بصورة قوانين ونتائج ثابتة لا يختلف عليها العُقلاء.

أمّا الطريق الثاني فقد صار ملازمًا للجدال بين المُثبت والنافي، وهو في الغالب محلُّ البحث والإثبات في قضية الإلوهية، فهو يقوم على ركيزتين: الأولى الحِسُّ أي النظام الموجود في الكون من حولنا وسننه وقوانينه والثانية العقل الذي ينتزع هذه المفاهيم ويوظفها في البرهان ليصدر الأحكام على أساسها[6]، وهو الطريق الأقرب إلى الفهم البشري العام فلا يكتفي بمخاطبة عقولهم بل ويمتد لمخاطبة العاطفة و الوجدان كما أنّه قادر على استيعاب تطوّر العلوم الكمّي والكيفي الذي يحدث من حولنا في تدعيم براهينه ورؤيته[7]، وهو بالمحصلة يقود إلى إعطاء معرفة كلية بالله لا معرفة خاصة، أي الإيمان بوجود القوة العظيمة.

ويبقى الطريق الثالث متعسّرٌ على الأذهان البشرية العامّة، لأنه يتطلب عقولاً متمترسة بالمعارف الفلسفية وقادرة على التجريد التام وبناء المعارف استنادًا للمقدمات العقلية البحتة ومن ثمّ فهو مستغنٍ عن الحِسِّ ولا يعتمد إلا على العقل، ويتميّز هذا المسلك بأنه يعطي معرفة خاصة ودقيقة بالمعارف الإلهية المتعلقة بصفات الخالق سبحانه والمسائل المتعلّقة به، وينشئ معارفَ هي أقرب لليقينيات وبالتالي أصعب للنقض، وهو المسار الذي سلكه الشيخ الرئيس ابن سينا والملا صدر المتألهين[8] في براهينهم واستدلالاتهم.

ومن هذه المسالك الثلاثة جرى البناء على اثبات الخالق سبحانه، إلاّ أن تساؤلاً لا زال سابري هذه البراهين يطرحونه على أنفسهم:

كيف لك أن تفسّر الماء إلا بالماء؟!

فمن أصعب ما مرّ على العقول حتى وقفت على أعتابها عاجزة عن سبرها هي البديهيات[9] التي تقطع العقول بها وفي نفس الوقت تُقَطّعُها تبعًا لهواها. فطبيعة الإنسان الجدلية وميله الدائم نحو التساؤل إذا لم يبُنَ على قواعد معرفية صحيحة، ولم يُحكم بآلات العلم والبرهان، ولم تكن النفس مستعدّة للخضوع والإذعان فإنّ لا شيء في الوجود بما فيه «الإنسان» نفسه سيكون قابلاً للتصديق بوجوده، وهو بذاته لن يكون قادرًا على التفريق بين وجوده وعدمه للآخرين.

الإنسان كائنٌ واحد، جمعته أو حوته كلمة (إنسان) لكن إن أردنا شرحها وبيانها لم تعد الكلمة تكفينا فنلجأ إلى «تكثير الواحد» حتى نستطيع أن نوصل المعنى. ليس تكثّر الواحد إلا رؤيته بلحاظات متعددة، فتارة نصفه بالحيوان الناطق، وأخرى بالكائن المفكر، وثالثة بإتحاد النفس والبدن وصولاً إلى استعراض صفاته وطباعه حتى نُفّهم الآخرين ما هو (الإنسان) فقط.

وكلمّا كان هذا الواحدُ بسيطًا، وبديهيًا، كلما ازداد توضيحه وشرحه أو اثباته صعوبةً وتعقيدًا وعلى ذلك يُصبح هذا المفهوم البسيط في ذاته خاضعًا لسيطرة كلمات المنطق والفلسفة وخاضعًا لموازيين الاستدلال والاستقراء والبرهنة فيها، وهي كلها موضوعة حتى لا يكون للعقل حجة في إهماله لنتائجها، ولكون ألفاظها الوحيدة المناسبة لمناقشة هذه القضايا[10].

وعلى الرغم من ذلك فإنّ كثيرًا من الأذهان لا تقبل هذه النتائج، لا لعيبٍ فيها، إنّما لشبهة[11] تنشأ إمّا من نقصٍ طبيعي، أو مرض عارض، أو تربية فاسدة بحسب اصطلاح المناطقة. لذا فإنّ دور البرهان محصورٌ في الإثبات فقط أمّا القبول، والخضوع، والإذعان لهذا الإثبات فهي قضية تقع خارج دائرة العقل، وتنحصر بالنفس التي تريد أو لا تريد الإيمان بها، وكفى.

أخيرًا، ينبغي الإلتفات إلى أنّ للسؤال فنّه وقواعده، ومهما بدا مقبولاً فإنه قد يكون مبنيًا على مغالطة لا يلتفت لها صاحبه، والسؤال الخاطئ لا يمكن أن يُجاب عليه بإجابة صحيحة مباشرة بل لابدّ من توضيح المقدّمات اللازمة حتى يمكن الوصول إلى إجابة ترفع الإشكال، وفي نفس الوقت توّضح المغالطة في السؤال.

ومن هنا، فإنّ هذا البحث الذي تناول بإيجاز شديد، وباقتضابٍ أشد، أحد هذه الأسئلة وهو «من خلق الله؟» يأتي في سياق ذلك، وسار على منواله، وهو بحث حاول قدر الإمكان تبسيط المصطلحات المتداولة وتوضيحها في إجابة السؤال، ومضى على هذا المنهج وليست النصوص الدينية فيه إلا شواهدَ ومؤيّدات فقط لما اتفق الوصول إليه بالمنهج المنطقي الذي سار عليه الكاتب وفق الطريق  الحسّي [الثاني من المناهج المذكورة سابقًا].

وأمّا  التوسع في هذه الأبحاث والمناهج بعمق أكبر، فهو متروك لمحله، ولهمّة الباحث عنها والطالب لها.

والحمدلله ربّ العالمين.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] والحديث هنا عن الصفات من حيث الأديان، بمعنى أننا حين نتكلم عن اثبات الخالق أو الرب فإن الحديث يتجاوز إطار اثباته وفق الرؤية الإسلامية لله، أو المسيحية للأقنوم [الثالوث]، أو اليهودية ليهوه إلى وجود الرب بالمعنى العام.

[2] الاستدلال بنفي الخالق انطلاقًا من فهم المخلوق هو كمحاولة نفي الشمس انطلاقًا من حجب الغيم لها!

[3] الإرادة المتمثلة بالإندفاع الأعمى اللاعاقل نحو الحياة كما عند شوبنهاور، أوالطبيعة التي خلقت الناس ووضعت لهم القابليات ورسمت لهم خطة تطور الحرية عند كانط، وغيرها.

[4] مقدّمة كتاب التوحيد ج1، كمال الحيدري.
[5] وهناك برهان - رياضيّ - آخر هو (دليل حساب الاحتمالات) الذي اثبته الشهيد الصدر في كتابه: الأسس المنطقية للإستقراء. وقدّ لخّص أهم أفكاره في كتيب صغير صدر باسم (المرسل – الرسول – الرسالة).

[6] انظر اشكالات ديفيد هيوم، والإجابة عليها في: الإلهيات، ج1، جعفر السبحاني.

[7] دروس في التوحيد، ج2، مرتضى فرج.

[8] الشيخ محمد بن إبراهيم القوّامي الشيرازي، المعروف بـ الملا صدرا، صاحب مدرسة الحكمة المتعالية.

[9] وهي ما لا يحتاج اكتسابها إلى بحثٍ ونظر.

[10] لا يخفى أنّ لكل فنٍّ مصطلحاته وعباراته التي تغني عن الإطالة والاستغراق في التوضيح للفرعيّات على حساب المناقشة والإثبات للقضية الأساسية، كما أنّ لعالَمِ الطب مصطلحاته التي تعارف عليها أصحابه، ولعالم الأدب مثلها، والفنّ باختلافه، والرياضيات وسائر المجالات الأخرى مثلها وكذا فإنّ للمنطق والفلسفة المختصّان بإثبات ومناقشة القضايا العقلية والمعرفية ألفاظها ومصطلحاتها، ولا يمكن أن يتم تجاوزها حين تتم مناقشة قضية متعلقة بها مثل قضية العلة الأولى (الخالق) ومتعلّقاتها لذا فلا بدّ –أقلاً- من الإطلاع عليها ولو بنحو الإجمال حتى يكون الجواب مناسبًا للسؤال.

[11] الشبهة: هي أن يؤلف الذهن دليلاً فاسدًا يناقض به بديهة من البديهيات، ويغفل صاحبها عمّا فيه من المغالطة. المنطق للمظفر، ج1.

14 يونيو 2011

شخـصية الـدولة


الصورة مأخوذة من شارع الحمرا في بيروت - 2009

مع اشتداد حرب الشعارات في بيروت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري انتشر في ضواحي بيروت خصوصًا في الحمراء شعار «يا عمر» كرد فعل على ما حدث في ضواحي أخرى بانتشار شعار مقابل هو «يا علي» والذي من طريف الأمر أنّ أصحابه تم اتهامهم بالشرك بسبب هذا الشعار من قِبل أصحاب الشعار الأوّل! والأطرف منه أنّ أكثر المتحمسين لصبغ الشوارع بهذه الشعارات، كلاهما لا يعدو التزامه بالدين في الحقيقة هذه المظاهر والشعارات التي تفرقهم نهارًا قبل أن تجمعهم السهرات ليلاً! ومن شأن هذا تبيين أن الهوية المذهبية في لبنان هي حالة «انتساب» أكثر من كونها حالة «انتماء» حيث يتمحور الدين أو المذهب حول الشعار الدال عليه بغض النظر عن مدى مقبوليته الدينية أو توافقه مع الشريعة التي ينتمي إليها مُطلِقه.. بل يكفي كونه يدل على الإنتماء لفئة ما حتى لو لم يكن قائله مؤمنًا به.

هذه الازدواجية في التمسك الشديد بإظهار الانتساب المذهبي في نفس الوقت الذي تُهمل فيه شرائعه، يُظهر أن الدين تحول إلى حزبٍ أو قاعدة تمثّل هوية موازية للدولة ولا تندرج تحتها، وبدل أن تكون الدولة حوضًا حاضنًا للجميع باتت سهلاً منبسطًا أفردت الجميع. مُشَّكلةً بذلك ما يصح تسميته بـ«شخصية الدولة».

في دراسته للشخصية العراقية يقول الوردي أنّ الشخصية هي صفة للإنسان وحده. وعليه لا يمكن انتزاعها من الإنسان الكائن الحي الفريد من نوعه ومن ثمّ تعميمها على كيانات أخرى وإضفائها عليها. أثارت هذه النقطة جدالاً واسعًا قبل عدة سنوات في الولايات المتحدة حين حكمت المحكمة العُليا بأن الشركات الضخمة هي «شخصيات حقيقية» وبالتالي فإن لها الحق من هذا المنطلق في دعمها لمرشح على حساب آخر أو التداخل في الحملات الانتخابية، لكن سؤالاً طُرح هناك لا زال بلا إجابة: إذا كانت الشركات تعامل معاملة «الشخصية» فهل لها صوت في الانتخاب؟ أم أن لكل موظف فيها صوت؟ وكيف تكون الشركة شخصية واحدة في الدعم، وشخصيات متفرقة في التصويت؟. ولازال الجدال مستمرًا، وتدفق المال من الشركات أيضًا مستمرًا.

الخطأ يكمن في محاولة خلق مقاربة لشخصية الدولة انطلاقًا من شخصية الفرد، وحسابها بحساب النفس البشرية بطباعها وصفاتها، بينما هي شخصية جديدة منتزعة من مجموعة شخصيات الأفراد المكونة للدولة، شخصية تأخذ الخطوط العامة لهم وتعيد تشكيلها وفق روح تمثل الصفة الغالبة لأفرادها، ففي حين نصف شعبًا ما بالثقافة أو بالاجتهاد فإن هذه الصفة ليست لازمة لجميع الأفراد فيه، ولا يستوجب ذلك وجودها بصورة متساوية فيهم إنما هي صفة وجدت بفعل ما فرضته الدولة من أفعال فانصاع لها الشعب، فشخصية الدولة هي شخصية مركبة من عناصر مختلفة تنتج «عنصرًا جديدًا» وليست مخلوطة -بحسب التعبيرفي الكيمياء- وهي تُوّلد طبيعة وصفات تنتقل إلى الشعب وتُغرس في وجدانهم.

يؤكد "نويل سيمز" أنّ الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي يُنتج أكثر مما يستهلك. فالقانون والالتزام به تتصاعد أهميته طرديًا مع تصاعد مساهمة المجتمع في تمويل الدولة وتشغيلها لحفظ الحقوق وعدم بعث الإحساس بالظلم عند الناس، بينما يتم القفز على القانون وكسره مع تزايد ميل الدولة نحو «الريعية»، ففي الحالة الأولى هناك إحساس عام بأن الدولة كيان قائم على الأفراد ومن ثم فإن تغالبهم على بعضهم البعض يؤدي لانهيار هذا الكيان، بينما في الحالة الثانية يتعمق الإحساس بأن كيان الدولة قائم على مقدار ما تهبه لسكانها وهي هبة محدودة الزمن لذا يكثر التغالب بين الناس لتحصيل أكبر قدر ممكن منها.

هنالك خيط رفيع يفصل ما بين رفاهية الاثنين ولكن هناك فجوة كبيرة تفصل ما بين «شخصية الدولتين».

لم تعد دول العالم اليوم قائمة على عرق واحد أو دين واحد أو حتى انتماء فكري –أيدلوجي- واحد بل باتت كُلاًّ متنوعًا تحتوي بداخلها على طيف متعدد من المشارب والاتجاهات وكلما زاد التنوع زادت مساحة التقبل للآخرين وهذا التنوع مشروط بالانسجام بينما الإبقاء على التنوع بـ«خندقته» وهو تحويل الشعب إلى «كانتونات» مغلقة ومستقلة يؤدي إلى حالة انفصالية ترى في وجود الآخر تهديدًا لها.

إن طبيعة شخصية الدولة تتحدد بمدى قدرتها على خلق الإنسجام والتعايش بين عناصر مختلفة يجمعها إطار واحد يكفل لكل منها استقلاليتها بينما تعميق الإنفصالية يعني تحويلها إلى صراع بقاء بين هذه الطوائف المختلفة. يتجلى هذا الأمر بوضوح في اعتبار وصول أي فرد من الأقلية لمنصب حساس على أنه تهديد صريح للأكثرية، كما أن المساواة بالحقوق في مفهوم كل طائفة تعني المساواة بين أبنائها في الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المناصب أو الفوائد بينما المساواة مع الآخرين هي –بمفهومهم- انتقاص من مستحقاتهم.

يتم استرجاع الهويات المختلفة لا على أنها خصائص أو مميزات لأفرادها أو أنها استجابة لحوائج نفسانية أو عقلائية بل على أنها رابطة تجمع أبناء الفئة المختلفين وتضفي عليهم وحدة اسمية تجعلهم ككيان في مقابل الآخرين، فهي عودة للاستقواء بهم وهذا هو الدافع الوحيد للإيمان بهذه الهويّات واستحضارها الدائم واستخدامها كسلاح في الصراع على الاستحواذ على أكبر قدر من المكاسب.

إنّ الدولة كيانٌ مصطنع، وشخصيتها مصطنعة وعلى قدر ما تتشّكل من خلال انتزاع صفات شخصيتها من الأفراد فإنها تعيد صبغهم بها ولهذا فإنها لا تتناقض معهم بل تتجانس إلى حدِّ كبير وتدفعهم إلى التماهي معها. في المجتمع اللبناني كمثال سابق وهو ينطبق عندنا هنا بدرجة ما، فإنّ الواقع الاجتماعي والسياسي يدفع الفرد دفعًا نحو التمترس خلف هويته الاجتماعية أو العقائدية، فشخصية الدولة هناك شخصية مفككة تفرض على الداخل فيها التفكيك ولهذا بمجرد خروج الشخص منها إلى دولة أخرى فإنه يتطبع بطبائع شخصية الدولة الجديدة وتراه يتناسى التخندق الذي كان يمارسه في بلاده، وتتغير صفاته لتتجانس مع شخصية الدولة الجديدة.

الدول الفوضوية ليست منعدمة الشخصية إنما متذبذبة لا تحتوي على ثوابت عامة، لأنّ شعوبها لا تملك ما يُمكنّها من خلق هوية جامعة أو على الأقل تصدير صفاتٍ مميزة تكون كعلامة حضارية لها. وإذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة، وعليه يُحكم عليها بالانقراض*، لذا فإنّ شخصية الدولة التي يمكن استشفافها من الطبيعة التي تُجريها على سكانها هي التي تحدد قدرة هذه الدولة على البقاء والاستمرار فهي إما تكون ذات شخصية أصيلة تكون علامة مميزة في التاريخ البشري، وإما ذات شخصية مستعارة لا تختلف عن "المهرج" الذي يعيش هذه الشخصية أثناء وجوده داخل حلقة العرض فقط.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*عبدالله العروي، مفهوم الدولة.

5 مايو 2011

مساكين التجارب

يدفع الناس في سبيل التجارب الغالي والنفيس، ويبيعونها بعد ذلك بالرخيص ورغم ذلك لا تجد سوقًا عند الغالبية! فإن عامة الناس تعودوا على أن يرى كل واحد منهم نفسه كحالة متفردة في ذاتها، ليس لها مثيل، ولها خصوصية تمامًا كالخصوصية التي بات يتحدث عنها كل رئيس دولة مهدد في عرشه في البلدان العربية هذه الأيام(!).

يستخسر الناس أن يدفعوا شيئًا لشراء تجارب الآخرين والاستفادة منها ويصرون على المرور بتجاربهم الخاصة ليصلوا بعد معاناة وجهد جهيد لنفس النتائج السابقة، وكأنهم يدورون داخل حلقة واحدة. وما ذلك إلا بسبب غرور هذه النفس التي تحبس في داخلها «صدى عَظمَة» مبنيٌّ من الكِبَر والزهو بالعقل وذكائه الخارق، «الذكاء الملّوث بالجنون» بحسب تعبير إكهارت تول، الذي جعل هذا العقل مختلاً بسبب العلم والتكنولوجيا اللذان أدّى به لتدمير الأرض كما لم يفعل، ولن يفعل، أي كائن من قبله أو من بعده!

بحسب اعتقادي أنّ العلم والتكنولوجيا أشياء فرعيّة نبتا من شجرة أصلية، هي شجرة المبادئ والقيم. قد يطغى أحيانًا الفرع على الشجرة نفسها ويصبح مستقلاً بذاته كما يصبح فسيل النخل، نخلة، إنّما لا يمكن التغافل عن أنّ أصل وجود هذا الفرع هو شيء آخر غيره. بسبب حب البقاء يجتمع النّاس، وبسبب المبادئ يكونون مجتمعًا، وبسبب القيم التي تتولد من الأعراف التي تجمعهم يتحدون للحفاظ على هذا المجتمع ثم تبدأ الأشياء الأخرى بالتوالد: العلم لأجل التطور، التكنولوجيا لأجل الرفاهية، الفن لأجل احتواء الإبداع، والسياسة لإدارة المكتسبات، والاقتصاد لزيادتها، وهكذا تستمر الأشياء بالتوالد والتزاحم لتقود إلى النفس النتيجة السابقة التي توصل لها إكهارت تول.

هذه الأشياء كلها هي عصارة الخبرات البشرية على الصعيد الجمعي، وهي محصلة خبرات فردية تتراكم لتكوّن «ذاكرة» شعبية تستمد منها الشعوب مبادئها التي تتناغم مع مصلحتها الأولى، مصلحة البقاء والاستمرار. لكنّها مع الأيام تنزع نحو المثالية شيئًا فشيئًا لأنها تعجز عن ربط «الوعي» بـ«الواقع» فينفصلان ليسير كل منهما بخطٍّ متواز لا يتقابلان فيه. ومن ثُمَّ يتجه الوعي إلى التنظير باسم المبادئ والقيم ويبدأ مسلسل النقد لكل السلوكيات حتى يصل إلى مرحلة تصبح فيها عالة على البقاء حين تتحول هذه المبادئ والقيم إلى مفاهيم تعطيل وتصل إلى درجة الاصطدام بينها وبين الواقع الذي تطوّر بمعزلٍ عنها.

تمامًا كما حدث مع العلم والأخلاق، ففي ظل التسابق العلمي المحموم والتطور النوعي الذي حصل بسرعة فائقة في القرون الأخيرة فإن هذا التطور لم يتزامن مع تطوّر أخلاقي يتناسب معه، فقد عكف الفلاسفة على الجدال النظري وانشغلوا به تاركين الواقع يتطوّر بالتجربة بعيدًا عنهم ليستيقظوا بعد هذا السبات الطويل متفاجئين من كون العلم قد طغى على الأخلاق، وانصاعت المبادئ والقيم للاقتصاد، وبات الفرع هو الحاكم على الأصل لا العكس، فانهالت سهام النقد على التطور والحداثة لا لذاتها إنما لإيقافها مؤقتًا لإعادة ربط الأخلاق بالواقع المتطور الذي انفصل عنها وسبقها.

هذا التوصيف يمكن تطبيقه على الحالات الفردية أيضًا، فالإنسان له عدة أبعاد تتطور مع بعضها بفعل التجارب والخبرات المكتسبة، وبفعل تأثره وتأثيره بالمجتمع حوله، وبفعل طبيعته التكوينية واستعداداته وقابلياته التي تكّيف النتائج المستخلصة مع الواقع، أمّا حين يعجز الإنسان عن ذلك، فالشعور بالتفرّد والإنعزال عن العالم يتنامى عنده، لِيرى نفسه خارج دائرة البشر والبشرية ويبدأ بانتقاد ومحاربة كل شيء وكأنه لا يرتبط بأي شيء(!).

التجارب الإنسانية تصنع البشرية بما تزودهم به من وسائل تقودهم للغايات العظمى. التجارب الفاشلة تجعل العاجزين عن الوصول إلى الغايات يتمسكون بالوسائل، ويعتبرونها هي الغاية مداراةً لعجزهم في الوصول إليها، كمن يعتبر خريطة الكنز أعظم قيمة من الكنز(!) المبادئ والقيم هي وسائل هدفها خدمة الإنسان، صيغت ووضعت حتى تقوده لصنع حياةٍ أفضل تُبقي وتحافظ على النوع الإنساني على أسس سليمة، هذه التجارب مثل غرف المختبرات مزودة بكل الأدوات اللازمة لكنها لا تحدد الغايات من هذه الأدوات، فذلك يعود لصاحب التجربة نفسها هل يستغلها في الخير أم في الشر؟

من أسوأ ما يمكن أن يمر على الإنسان هو أن يرى نفسه «حقًا» لا أنه «على حق»، ليعدَّ من نفسه فرقانًا ما بين ما هو حق وما هو باطل، حالة الإغترار بالنفس هذه تتولد من التجارب السيئة التي تمرُّ على الإنسان حين يرى نفسه يدفع الثمن غاليًا لإيمانه بمبادئ أو قيم يعتقد صوابيتها لكن جرّاء ما يحدث له يتناسى أن هذه المبادئ وُضعت لقضية أعلى منها، فتتحول في بُعدِه النظري الغايات إلى وسائل والعكس. جميع الإنحرافات هي ناتجة من العقل، نفسه العقل الذي يعتقد أنه كفيل بالوصول والكشف عن الحقيقة مهما كانت، وهو نفسه العقل الذي يقع في فخّ الهوى فيميل بأحكامه، وينحرف لأنه لا يتصور أن الثمن الذي يدفعه هو ثمن يناسب المبادئ لا القضية، لتتحول وتُصبح هي القضية.

فنّ المغالطة بأكمله يقوم على وضع ما ليس بعلّة، علّة لشيءٍ آخر. وغالبًا ما يكون أصحاب المغالطة من أكثر المتصلبين في آرائهم لأنهم لا يعرفون عن ماذا يدافعون وما الذي يتبنون. لا تجد عاقلاً يعتبر الأساس هو البناء، بل هو الأرضية التي تحدد ملامح البناء، والبناء هو الأهم لأنه الغاية النهائية. هؤلاء الذين يمرون بتجارب سيئة، أو يتحملون أثمانًا باهظة، نتيجة مبادئهم التي يؤمنون بها يصبون جل اهتمامهم على الأساس ويهملون البناء حين يتصورون أنّ الدفاع عن المبدأ أهم من الدفاع عن قضيته. حتى كلمة الحق يمكن أن تستخدم في موقف الباطل، تدعيمًا وتدليلاً له، فهل ندافع عن موقف الباطل بحجة كلمة الحق؟

مساكين التجارب، هم الذين لا يعون أنّ تجاربهم سلبتهم أهم ما عندهم وهو «الوعي بالواقع»، فتراهم مزهوين بمقدار تضحيتهم التي كانت فائدتها الوحيدة هي الوصول إلى نفس المربع الذي توصل له الآخرون بتجاربهم، هم نفسهم الذين ينسون أنفسهم ويتصورون أن ما قدموه يعطيهم صك التحدث باسم المبادئ والقيم، والتصرف بها وكل من يُخالفهم في موقفهم فهو جاهل أو متلون أو غير راشد. مساكين التجارب هم الذين يعتبرون أنّ الآخرين منقوصي التجربة والخبرة والمعرفة لأنهم لم يدفعوا ثمنًا كما دفعوه هم، أو لم يرفعوا نفس شعاراتهم ويعتبرون ذلك كفيل بجعلهم ناطقين رسميين باسمها. مساكين التجارب هم الذين لا يستفيدون من تجارب الآخرين، ويؤكدون على تجاربهم الشخصية فقط لتتفاجأ أنهم يبحثون عن «بطولات وهمية» تُمكنّهم من الوقوف موقف انتقاد الجميع لأجل الانتقاد فقط ليبرروا لأنفسهم الثمن الذي دفعوه لأشياء .. أضاعوا بوصلتها!

مساكين التجارب هم الذين يعيشون داخل قوقعة «المبادئ والقيم» وحين تسألهم لماذا؟ يكتفون بالإجابة: لأنها مبادئ وقيم!

فهل فسروا الماء بعد الجهد إلا بالماء!

مساكين التجارب الذين تكون التجارب وبالاً عليهم أكثر من كونها ذات فائدة لهم،
 هم بالمختصر: حالات دونكيشوتية تعيش بيننا.

10 أبريل 2011

الطائفية الإيجابية

الإنسان كالبصلة من كثرة قشورها لا تعلم ما هو لُبّها، فكُلما أزحت قشرة رقيقة ظهرت تحتها قشرة أسمك منها حتى آيس البشر وباتوا يسمون ويصنفون البصل على حسب ألوان قشرته، وأرض منبته. كذلك هم البشر، لا يمكن الإشارة لهم إلا بهوياتهم ولا نستطيع الوصول إلى لُبهم، فذاتهم مجهوله، وأثوابهم معلومة، وعليه بات من المتعارف تصنيف الناس بحسب أفكارهم: شيوعيين، ليبراليين، أو أديانهم: مسلمين، مسيحيين، أو أعراقهم: قوقازيين أو صينيين. فهذا «الإنسان» ليس صورة مادية كالبدن ولا جنبة روحية فقط بل هو كيان متميّز ناتج من اختلاط الإثنين ما يعطي له التفرد في وسط هذا العالم الذي يموج بالبشر ويضفي عليه هويته، ودونها فلن يكون إلا نسخة كربونية مكررة عن الآخرين.

لا يمكن لأي إنسان أن يعيش في أي محيط إذا فقد هويته وتنازل عنها، فهو بذلك يتنازل عن «إنسانيته» التي يُشار لها من خلالهما، ومصيبة أن تكون المطالبة هي بمسخ الهوية أو فقد الذات، ومصيبة أكبر منها هو إضاعفها لحساب تقوية هويّة أخرى، فأكبر خطأ في مسألة الوطن و الوطنية هو أن تتنازل مكونات هذا الوطن عن ذواتهم ، لايوجد شيء «يَضعُف» ليقوى شيء آخر إلا في المفاهيم البائدة ، هذا الضعف تعريفه الوحيد هو الهزيمة، و من ينهزم في وطنه و أرضه ومجتمعه، ما هي فائدته؟

تمثل الطائفة أو الفئة التي ينتمي لها الإنسان إحدى أهم هوياته، إلا أنّ مفهومها تعرّض لضربات عديدة بالتفسير وفق رؤى شخصية غالبها هي رؤى إقصائية ترى فيها طرفًا يقف في مقابل الوطن أو ندًا للوطنية بمعنى الإنتماء أو الولاء كما هو دارج على الألسن، وفي خضم ذلك يتم اهمال أهم نقطة في هذه المسألة وهي أن المجتمع الذي يقصي مكوناته يفقد هويته وفقدانها يعني تحوله لمسخ لا يملك قيمة بين باقي المجتمعات. فالطائفية قيمة إيجابية في معناها الصحيح، أما حين يتم تفسيرها سلبيًا فإن القيمة التي تُعطى لها نابعة من هذا التفسير لا منها هي ذاتها.

الطائفية التي تُطرح هي أن يصبح ميزان الحكم بناء على «الفئة / الطائفة/ الأصل» ، حين يتم إدخال هذه التصنيفات المذكورة في إطلاق أحكامٍ على الآخرين تُعتبر مبررًا لإقصائهم، أو إبعادهم طالما انتموا لها، أو بجعل التقييم لأي شخص نابع من النظرة الخاصة بهذه الفئة بغض النظر عن فكره و عمله و أثره الإيجابي. هذا المفهوم المطروح يختزل السلبية في كلمة الطائفة وهي لا تتحملها، كما أنّ الوطنية ذاتها يمكن اعتبارها طائفية بهذا المعنى إذا كانت لا تقوم إلا على عزل وإضعاف كل إنتماءٍ آخر يشارك الوطن، بتصورهم.

الوطن لا يتعارض مع الطائفة ، و لا خدمة الوطن تتعارض مع الطائفة احتفاظ كل فئة بتفردها هو الذي يعطي القوة للمجتمع لأنه يثبت أنه مجتمع قادر على احتواء الجميـع دون أن يحارب طرف أو يقصي طرف ، هذا يعني أنه مجتمع حي قادر على مواجهة كل عقبة أمامه و ليس مجتمعًا جامدًا ميتًا، فاعتزاز كل فرد بهويته طبيعة إنسانية، لماذا نحول هذه الجنبة إلى رمح نتصوره يطعن بظهر الوطن؟

حين تصبح الطائفة فوق الوطن لا معه، أو حين يكون الوطن مجرد أرض نمارس عليها إقصائنا و نحارب مكونات المجتمع باسمه حينها تتحول لرمح أما دونها فلا.

هذا المجتمع الأمريكي* -كمثال- يستمد قوته من تعدده العرقي و من قدرته على احتواء كل أنواع البشر فيه رغم اختلاف أعراقهم وأديانهم وأفكارهم. يجب علينا أن نتعلم منهم كيف نحول الطائفة إلى عنصر تعزيز للوطن بدلاً من دفعها لخانة العداء له. في سنغافورة هناك 23 لغة تنبئ عن الإختلاف ولم يجبر أحد عن التخلي عنها!، فوجودها ليس المشكلة، إنما جعلها هدفًا لسهام التفرقة هي المشكلة.

من أساسيات مفهوم الوطن أنه غطاء قادر على استيعاب الجميع وهذه هي روحية القانون الذي ينادى بحرية التعبير والبحث العلمي و العقيدة، هذه الحريّة الثمينة التي يريدون انتزاعها بحجة أنها تتحول لخطر على المجتمع ومخطئ من يظن أنّ الحرية خطر، سلبيات الحرية إن وجدت تُعالج بمزيد من الحرية المسؤولة ولا تعالج بالقمع والتضييق والإقصاء وعين الريبة.

الطائفية لا تعني نكران الوطن، والاعتزاز بالمذهب لا يعني محاربة الآخرين، فمحاولة تخويف الناس من هذه الأمور أشد خطرًا من من هذا التخويف لأنه يقوم على الظن والإفتراض المسبق. نحن نقول لدينا هذا التراث العظيم و لدينا هذا الفكر الرائع و لدينا هذه المفاهيم العميقة تعالوا نضيفها لما يملكه الباقون لصنع مفهوم جديد يستوعب الكل دون حاجة لاسكات طرف على حساب طرف آخر.

الشخص الذي لا يملك هوية تميزه هو شخص خاوي من الدخل و حين يريد أن يتحد مع آخر يملك هوية و يدافع عنها سيكون بمثابة توقيع وثيقة الاستسلام له لأن الممتلئ يستولي على الفارغ، الذي يملك شيئا سيغلب الذي لا يملك شيئًا. هذا النوع من الطرح يخلق «توحيدًا» قسري لا «وحدة» وطنية، وما يتم فرضه غالبًا يرفضه الإنسان ولو بعد حين لأنه مجبول على الحرية والاقتناع بالفكر لا بالاجبار على فكر.

وجود التنوع، و وجود هذه المكونات القائمة بذاتها هي التي تدفع لتطور المجتمعات و تقضي على الجمود فيها**.

أما الوطنية فهي أن أربط هذه الأرض و هذا الوطن بهؤلاء جميعا بأن أشعرهم بالإنتماء لها، بان أشعرهم بأنهم فيها وعلى أرضها يملكون ذواتهم، أنهم أحرار وأن لهم وطن يكفل حريتهم هذا ما سيجعلهم يقدسون هذه الأرض و يدافعون عنها ويجعلونها حجر الزاوية في اعتقادهم. الإنسان يقدس قيمة الحرية بصرف النظر عن تعبيره لها، ويعشق ما يشعره بهويته و أنه كيان متميز وليس مجرد رقم مطلوب منه أن يتنازل عن كل ما يمثله لخلق صورة وهمية عن المجتمع.

الوطنية هي أن أشعر الجميع بأنهم سواسيه في المعاملة، وأنّ الفارق بين المواطن و الآخر ليس هويته و ليس مذهبه وليس فكره أو أصله بل هي كفاءته، الكفاءة هي التي تحدد مقامه ودوره في المجتمع المدني وليس شيئ آخر، هكذا يُصنع التعايش، وهكذا يتم زراعة مفهوم الوطنية في نفوس الجميع، أما الشعارات عن «الوحدة» فهي وهمٌ لا يمكن للبشر أن يجعلوه مطبقًا يومًا ما.

« ..إن العودة إلى ثقافتي و الفقه الذي أنتهجه هي التي تمنحني شخصية إنسانية و تبدلني من محلي [أي إنسان عامي] إلى إنسان [بمعنى الكلمة] ومن همجي إلى متحضر، ومن مفتقر إلى صاحب ثقافة، و من مقلد إلى مبتكر، و إلى إنسان أصيل .. »***

ملاحظة: هذه مقالة قديمة لي، أعيد نشرها بعد إعادة صياغة بعض أجزائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*راجع:
نجحوا هم وفشلنا نحن

**راجع:
 البحث عن الوطنية I

البحث عن الوطنية II

*** علي شريعتي