سفيد الطائفي [ 2 ]

في موضوعي :
كان الخطاب يتوجه تقرير حال هؤلاء الذين الذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام بـ الهمج الرعاع ، بوصف الجمع بينما أركز العالم الرباني و المتعلم على سبيل النجاة بوصف الإفراد ليُظهر أن الصفة الغالبة هي النعيق مع كل ناعق عند الناس و أن القلة هم الذين يبحثون أو يحاولون البحث عن الأهداف السامية لوجودهم و علة إيجادهم في هذه الحياة .
من الدروس اللطيفة التي تعلمتها من والدي - رحمه الله - أن أسأل نفسي قبل كل عمل : و بعدين ؟
ما هي النتيجة التي أريد الوصول إليها أو الغاية التي أريد تحقيقها من عملي لهذا الفعل أو ابتدائي لذاك الفعل ، معرفة خط النهاية تحدد لي طريقة البداية ، في الفورميلا 1 تُعزى أغلب الهزائم إلى : الإنطلاقة الخاطئة ، حياتنا و أهدافنا و غاياتنا هي مشابهة لهذا السباق كلها تعتمد نفس المبادئ و لكن بصور مختلفة ، تبقى الروح واحدة و تختلف الأجساد كما يقول أصحاب تناسخ الأرواح .
ما يحدث في ساحات ما يفترض أنها حوار من تراشق و تقاتل طائفي يعود إلى سببين برأيي الخاص الاول هو العلو و الثاني هو الجهل و لكل منهما تعريفه و تصانيفه .
لان الإنسان هو مجموعة نقائص متراكبة و مع هذا يتسيد الكون و يوظفه في خدمته فإنه يُصاب بالعلو و الكبر ، فرعون عندما طغى لم ينكر الألوهية و وجود الآلهة و لكنه وصف نفسه بانه ( ربكم الأعلى ) فهو رب مع الأرباب - و العياذ بالله - و لكنه أعلى منهم ، في علم الأخلاق يقولون بأن كل إنسان يوجد في داخله فرعـون ، كل ما يحتاجه هو الأرضية القابلة لنموه حتى يظهر ، هذه الأرضية يشكلها الجهل ، فالعلو و الجهل متصلان لا يمكن فصل انفكاكهما لسبب و هو أن كلاهما مكمل للآخر .
و لا يُنسب الجهل إلا للإنسان " خاصَّة لأنَّه يمتلك قابليَّة التعلّم ومن شأنه أن يكون عالماً. " [1] ، و رغم تقسيم المناطقة لهذا الجهل تحت صنوف البسيط و المركب إلا أن هناك تقسيمًا آخر أفضل استعماله لأنه يخدم هذا الموضوع و هو تقسيم ثلاثي غير مشهور :
- جهل القصور : و هو من يبحث و يحاول الوصول إلا أنه لضعف أدواته يتيه دون أن يضع ركابه على الدرب السليم ، يمكن تمثيله بالتائه في الصحراء الذي يعتمد على تحديد موقعه بجهة شروق الشمس و لكنه مهما يسير لا يصل لمقصده لضعف درايته و قصور إدراكه عن الإحاطة بالدرب الصحيح .
- جهل التقصير : و هو الجهل النابع من الشخص ذاته لعدم رغبته في البحث و التعلم ، و اكتفائه بما تلقاه و اكتسبه فآمن به كمسلمات ، دون أن يعرف مقدمات هذه المسلمات و على ماذا بُنيت ، و لا يهتم بمعرفة هذا، فهو يحاول و لكن لا تهمه نتيجة المحاولة إنما يقوم بها إبراءً للذمة . .
- جهل العناد : و هذا من أسوء أنواع الجهل ، فهو يأتي بالإنكار رغم العلم { وجحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما وعلوا } استكبارًا منهم على الحقيقة و المعرفة ، و هذه من أسوء المصائب و الطامات .
فالجهل لا يعني عدم المعرفة فقط ، بل هو في معناه يتعدى هذا الأفق إلى الإشارة لعدم إدراك الحقيقة ، أو العلم بها و محاربتها ، أو عدم الاستيعاب التام لمفاهيمها ، كلها يصطلح عليها لفظ الجهل بالشيء ، لأن صورة هذا الشيء إما أنها غير حاضرة عنده أو حاضرة و لا تعجبه لأنها لا تناسب ما يريد الإيمان به من فكر يناسبُ هواه ، و يحقق مصالحه الذاتية .
المجتمعات المنغلقة التي ترى في الثقافات الأخرى ثقافات معادية لها ، لأنها تقدم تفسيرات بعيدًا عن القوالب التي تريد الإعتقاد بها و لأفرادها أن يؤمنوا بها تشكل عقلاً جمعيًا لا يحترم النظرة الفردية و لا يقيم لها وزنًا و لا تدرك بديهياتها ، هذا العقل الجمعي هو الذي يشكل الغوغاء و هم النسبة الأكبر قياسا بالمجتمعات .
لذلك لا أتعجب عندما أرى الكثير ممن يحاول أن يناطح الأفكار الإعتقادية بأساليبه الطفولية و " المسخرية " لأنه بطبيعة الحال وليد بيئة لا تحترم التعدد و لا تعترف بالإختلاف لكونها بيئة أحادية تخشى أن تقوم أي مفاهيم أخرى من خارج محيطها بتهشيم أساستها ، و تخشى من عدم قدرتها على مجابهتها ، فهي ترى في التعدد إفناءً لمنظورها الذي رسمته لهذا العقل الجمعي البائس لذا تعاند في جهلها و طغيانها .
في قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلتفاته رائعة ، هناك أشخاص ( يشترون ) => ( لهو الحديث ) .. لماذا ؟
( ليضل عن سبيل الله و يتخذها هزوا ) .هناك اشارة عميقة في الآية إلى استعداد البشر ليبذلوا الغالي و النفيس في سبيل خلق مضادات فكرية و كلامية تؤيد فكرهم الباطل لتغطي على الفكر الصحيح .. لأنهم لا يملكون الإرادة أو الرغبة في أن يتركوا ما تربوا عليه و اعتادوا عليه تماما كما هو حال معظم الناس في زمننا هذا الذين لا يتوافقون مع ما يخالفهم و لا يريدون حتى مجرد الاستماع إليه و لا يمانعون في بذل كل شيء لاخماد اصواتهم حتى لا يعلو صوت سواهم [2] .
معظم هذه الحوارات التي تقوم على قاعدة أفحمني أو أفحمك ، هي حوارات قائمة على مبدأ مصارعة الثيران إما أن ينجو الثور أو أن يغدو وجبة شهية لعشاء اليوم ، بينما الأصول الفكرية و الإعتقادية لا يجب أن يتم التعامل معها على هذا الأساس لأنها أصول تستخدم لتحديد هويّة الوجود في هذه الدنيا و ما بعدها بحسب العقيدة ، و لا تستخدم لبسط مناطق نفوذ على لوحة " المونوبولي " ، المؤسف أنها تصنف تحت باب " في سبيل الله " [3] بينما الواجب أن تتوجه هذه الحوارات إلى باب توسيع المدارك للإنسان حتى ينتخب ما يراه صوابًا مأمورًا به.
موئل هذه المشاكل و التسطيحات الطفولية في التعامل مع هذه القضايا هو فساد الأخلاق ، و إن كان يرتدي ثوب ( العقيدة ) فهذه النقائص مولودة من العناد و المكابرة و العلو و كلها مشاكل أخلاقية تتعلق بنفس الإنسان و إن حاول أصحابها نسبتها إلى الإختلاف العقائدي و أكدوا عليه و حاولوا التمترس خلفه ، فإن هذا الذي يختبئون خلفه لا يعدو كونه ناشئًا من مشكلة أخلاقية أيضًا ، كلها تنبع من هوى النفس و حبها و عدم الرغبة في إصلاحها .
هؤلاء يعانون مشكلة أخلاقية مزمنة ، أثرت على معتقدهم و على حياتهم بل و أضفت أثرها على وجودهم أيضًا لذلك كان التوجيه الإلهي بعدم مجادلتهم و لا مناقشتهم لأن قلوبهم الواعية قد خُتمت ، هذه هي الحقيقة البديهية التي استوعبها صاحبنا العزيز وقتها فلخصها بقوله ( شو بيو ) كما في الحادثة أدناه ، و لم نصل نحن لها إلا متأخرًا و غيرنا لا يزال في غمارها يسبحون تائهين .
ما قصة " شو بيو " ؟
قبل ست سنوات و على كوبري الملك خالد بمنى ، كنا جلوسا ننتظر منتصف الليل الشرعي أخذني الحديث مع أحد الأخوة المصريين المؤمنين أنا و عدة آخرون ، فجأة تناهى لسمعي أحد كبار السن و هو يتناقش مع أحدهم من الجالسين بجنبه في مواضيع خلافية ، و كلما تحدث بشيء أتى ذاك بالأعاجيب حتى صادف وقت الأذان مع سؤال طرحه صاحبنا العزيز على محاوره فأجابه بإجابة مضحكة .. فجأة انتصب واقفا صاحبنا العزيز و هو ينفض الغبار من ملابسه قائلاً مستهزءًا بما قاله من أمامه : صــج ؟ .. شـو بيـو [4] !
و مضى ليُصلي .
تذكرت هذه الحادثة المرتكزة في وجداني لأنني يومها تركت كل شيء و ظللت طوال اليوم أضحك دون قدرة على ايقاف الضحك على هذا الموقف ، كان تعاملاً عفويًا و لكنه في الصميم مع أمثال هؤلاء الذين يخادعون أنفسهم .
يتبع إن شاء الله ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] دروس المنطق للشيخ إبراهيم الأنصاري ، تقرير المحاضرة السادسة " الجهل " .
[2] من تعقيب على استشهاد الفاضلة ZooZ - اضغط .
[3] يقول الإمام الخميني قدس سره في مواضع مختلفة :
- " اذا اردتم ان تصلوا بأعمالكم التي هي في سبيل الله الي نتيجة فيجب ان تتجنبوا الأهواء النفسانية، ان الشيطان لا يترك الانسان. "
- " حاذروا من ان يفسد قلوبكم غرور الانتصارات والشهرة والخيلاء والاعتزاز، فان هذا المرض النفساني من فخاخ الشيطان ليحرف انتباه عبيد الله عن التوجه له ومن مكائد النفس الأمارة بالسوء التي تجر الانسان الي الشرك وعبودية الاصنام وخصوصا الاصنام الذي هو صنم النفس. "
[4] من ألفاظ " العيم " المستخدمة للتعبير عن حالة الاستهزاء بالردود اللامنطقية .