26 يناير 2009

أنا أقول و أنت تقول !

سفيد الطائفي [ 3 ]



يقولون بأن النتيجة عيال المقدمة و بصيغة قواعد الأصول يُعبر عن هذا المعنى بقولهم ( الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره ) ، و معناه أن أي نتيجة نراها لا يمكننا الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب دون أن ننظر للمقدمة أو الآثار التي أُخذت في الاعتبار حتى تركبت لتصل إلى هذه النتيجة ، و بمعنى القاعدة الأصولية يُمكن التعبير بالقول أن أحكامنا في الغالب هي نابعة من فهمنا الشخصي و بحسب ما نتصوره عن هذا الشيء و اللازم أنها يجب أن تنطلق منظور فهم الأدلة التي بُنيت عليها قبل إدخال تصورنا و ذائقتنا الشخصية في الحكم .

الأحكام الفقهية و كذلك مبادئ الأفكار سواء الروحانية أو المادية و من ضمنها السياسية أيضًا لا يجب الحكم عليها من خلال استحساننا أو استقباحنا منها و على مبنى البغض أو المحبة لها و هذا ما ينفي صفة العلمية عن أغلب النقاشات الدائرة لأنها تنضوي تحت إطار الاستحسان الشخصي و الانتصار الذاتي و ليست من باب النقاش العلمي ، الذي ينظر للمسألة من ناحية علمية مجردة و بحثية صرفة ، يمكن تقريب القضية للذهن في بيان أنه من النادر أن يصدر أحدهم حكمًا على ثمرة ما لشجرة ما بناءً على ما تغذته من جذورها بدلا من الحكم عليها مباشرة بالحموضة أو المرورة ، فالأسهل دائما عندنا هو إطلاق الحكم على الذائقة لذلك يشير أبو الفرج الأصفهاني إلى أنه مع الأيام يكتشف الإنسان نقصان حكمه !

أمران يجب الإلتفات لهما في مثل هذه النقاشات و الحوارات :

1) اختلاف المسلمات .

و معناه أن لكل طرف قواعد و نُظم أصولية يبني عليها اعتقاداته ، هذه النظم تتفرع من قواعد مُسلّم بها أي أنها الأصل الذي عليه تبنى باقي النتائج ، لكل طرف مسلماته أو ما يمكن أن يطلق عليه ( قوالبه ) لا يمكن لأي شخص أن يدخل نقاشًا أو حوارًا و هو غير مطلع على المسلمات عند الطرف الآخر و غير آخذٍ لها بالاعتبار ، لا يمكن لأي حوار أن يكون منتجًا إذا كل طرف يُصر على أن مسلماته هو فقط هي الأرضية الوحيدة التي يجب أن يبنى عليها كل الحوار و ما ينتج عنه .


2) تباين الإلزامات .


و هو يُشير إلى أن الحجة في الحوار حتى تكون ملزمة للطرف الآخر يجب أن تكون مبنية وفق قواعده و أصوله بحيث أنها تصبح مقبولة عند الطرف الآخر و العكس صحيح ، من ثمة يُمكن لهذا الإلزام أن يقوم بدوره ، و لا يصح أن أحاول إلزام غيري بما أؤمن به أنا و بناءً على نظرتي الشخصية ، لاختلاف المسلمات كما سبق و أن ذكرت .


مثلاً : قضية الإلحاد و الإيمان في الغالب مباني الملحدين الغربيين قائمة على ما توصلت له الفلسفات الإنسانية و نظرياتها مع اجتذابها لبعض النظريات العلمية الأخرى ، لا يمكن أن يتم اثبات الخالق سبحانه في حوار مع هذا الشخص بأن يتم الاستشهاد عليه بنصوص دينية هو لا يراها سوى كتابات غيبية لا اعتبار لها ، هذا الإلزام قد يفيد مع المؤمن بديانة سماوية أخرى لأنه يعتبر الألوهية أصلاً موجودًا فالنقاش يكون في عرضه لا جوهره .


أما هذا الشخص الملحد فهو لا يرى الألوهية لذلك يكون إلزامه من نفس الباب الذي اعتقد به و هو باب العلوم العقلية و الطبيعية و أدلتها استقراءً حتى الوصول للنتيجة النهائية ، فما يصح عندي قد لا يصح عند غيري فلا يجوز أن أحاكمه على أساسه [1].


....


هذا المثال الأخير ضربته حتى أبين من خلاله أنه لو تنزّلنا إلى ما دون مباحث الخلق و الألوهية ، إلى ما يندرج تحتها فإن القواعد العلمية لمثل هذه الحوارات تظل ثابتة فهي بمثابة مقاييس متعارف عليها ، لذلك تكون نقاشات أهل العلم مثمرة لأنها قائمة على هذه المقاييس ، بينما ما يحدث للأسف بين العوام هو ( خوارات ) تقوم على مبادئ التعصب [2] لما نشأ عليه و اعتبره أصلاً لا يرتضي عنه بديلا و إن كان يحاور من لا يعتقد به بالأساس و هذا ما يدخله في باب الفضول الذي هو ضياعٌ للعقول .


مسائل الإعتقادات و الأفكار هي مسائل عقلية بحتة لا تخلو من جانب عاطفي فمناقشتها على غير هذا المحمل هو إساءة لها و للعقول و بالتالي إساءة لمن يؤمن بها و لمن يناقش فيها كلٌ على حدة ، صحيح أنه من الواجب أحيانا على الإنسان أن يتنزل لهذه المدارك حتى يزيح بعض الشوائب إلا أن هذا لا يعني إعطاءها صبغة ( الحوار ) فضلا عن الفائدة و العلمية فهي ستظل إن لم تكن مبنية على الأصلين السابقين مجرد معارك طفولية تبين عدم ' وعي ' أصحابها .



يتبع إن شاء الله ..



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] كيف نفهم ما يريده الطرف الآخر ؟


الإجابة في الحلقة القادمة إن شاء الله :)


[2] لماذا يتعصب الناس لعقائدهم ؟


الإجابة لكونها احدى الأضلاع التي تشكلهم كـ"ـبشر" ، أما كيف هذا ؟


فستكون إجابته في حلقة أخرى إن شاء الله .



21 يناير 2009

صـوتُ الثـورة .

وحي عاشوراء [ 12]

كل ثورة ، بل كل حركة إن لم يتبعها موقف و صوتٌ يظهرها لانتهت دون أثر ، فلا يبقى لها ذكر و لا اعتبار بعد ذلك ، و كذا كانت حادثة الطف حين استشهد الحسين عليه السلام ، صوته و صوت أصحابه و مبادئهم التي أرادوا إظهارها و سقوها بدمائهم لكي تغدو نامية أمام الناس يلتفتون لها لم تكن لتصبح كذلك لو انتهت تلك الثورة في كربلاء ، و هذا من لطف الله سبحانه و تعالى و من دقائق فعله بأن جعل لها جناحًا آخر يُكملها ، و هو لسان الصدق الذي نطق بالحق فأزاح ما أراد الأعداء إلباسه على هذه الثورة من شبهات .



يذكر التاريخ أن ثورة الحسين عليه السلام تعرضت لتشويه كبير منذ بدايتها و لازالت إلى هذا اليوم كذلك ، و أهم ما تعرض فيها للتشويه هو شخوصها فالحال أنه لولا ظهور صوتها و وصوله لما أمكن أبدًا تحديد السقيم من الصحيح فيها ، هذا الصوت دوره لا يقل أبدًا عمن بذل روحه و نفسه في سبيل تلك المبادئ العظيمة التي زلزلت كيان الظالمين ، و مثلت الإتجاه المعارض للتسلط و الطغيان ، في أغلب المنازل التي نزل بها السبايا في رحلتهم من كربلاء إلى الشام كان الناس يخرجون ليستقبلوا سبايا ( الخوارج ) فالدعاية الأموية حينها قد قامت بواجبها على أكمل وجه في تشويه المبادئ النقية التي خرج لأجلها الإمام الحسين عليه السلام ، و ما أوضح من ذلك إلا موقفهم في الشام حين طلب الإمام زين العابدين عليه السلام صعود ( الأعواد ) و لم يسمها منبرًا لأنها كانت موضوعة لمن اشترى مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فلما أُذن له صعد عليها و أول ما ابتدأ خطابه بعد الحمد و الثناء على الله و الصلاة على النبي الأكرم و آله الأطهار أن بدأ بتعريف نفسه بقوله : " أيها الناس أعطينا ستا و فضّلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين وفضّلنا بأن منّا النبيّ المختار ومنّا الصدّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسد الله وأسد رسوله ومنّا سيّدة النساء ومنّا سبطا هذه الأمة .
أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى ...
" ، و أكمل بالخطاب حتى وصل لتفاصيل ما جرى و حدث في كربلاء ، يروي الشيخ بهاء الدين العاملي رضوان الله عليه في الكامل أنه ما أكمل الخطبة حتى ضج الناس بالبكاء بعد أن عرفوا هويّة السبايا و حقيقة ما جرى على الحسين عليه السلام في كربلاء بعيدًا عن تزييف الدعاية الاموية التي أضلتهم ، ثم يكمل رحمه الله باقي تفاصيل ما حدث في كتابه .


محل الشاهد أنه عليه السلام إنما بدأ بالتعريف بنفسه ليبين للناس هويته و هويّة والده الشهيد و أصحابه حتى يؤسس بمكانتهم المعلومة الأرضية التي سيُلقي فيها الحجة البالغة على الناس و ليهيء لهم ما يمكنه فيه استيعاب مبادئ الحسين عليه السلام التي صاغها يوم عاشوراء في خطابه : " .. و إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه و آله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر .. " ، و هذا ما كان .

أخرج الإمام زين العابدين عليه السلام عاشـوراء من صيغتها الفعلية إلى صيغتها المبدئية فصاغ مبادئها بأقواله و أفعاله و نشرها بين الناس مُبينًا في ذلك أسبابها و مسبباتها ، في مؤلفاته رسم عليه السلام مكنونات عاشوراء بحروف الأدب ليحفظ تراث كربلاء بكل جوانبه واضعًا بذلك دستورًا تُقاس به حقوق الأفراد و نظم الثورات و أهداف الدعوات ، وضع ذلك كله في واحدة من أكثر المراحل حرجًا بتاريخ الامة الإسلامية بعد أن توسعت لتنفتح على ثقافات الإغريق و الفرس و غيرهم و مزاحمة هذه الثقافات للأفكار الإسلامية الأصيلة و ما تدعو إليه فكان دوره عظيمًا في اثباتها بل و مجابهة ما شذ منها ، كان تأصيله لـ " رسالة الحقوق " دليلاً على المبادئ السامية التي مثلت نبراس النور في عهود الظلام و اثباتًا لعظمة الدعوة و ترسيخها لنظام حقوقي يندر مثيله .


أما " زبور آل محمد " كما أُطلق على صحيفته السجادية فهو الأثر الواضح على مراعاته للجانب الروحاني الذي يفوق في الأثر الجانب العقلي ، العقل الذي قد يرى في الشجاعة تهورًا و لكن القلب يرى فيها تساميًا و لا أدل من موقف عابس بن شبيب في عاشوراء ، إن شعور القلب كما يقول جان جاك روسو هو فوق منطق العقل ، فلا عقل دون قلب ، لذلك كانت الصحيفة السجادية ملاذ الباحثين عن اليقين في تغذيتها لأرواح المؤمنين فهي تمثل " المعرفة المستقلة بعيدًا عن معرفة التجربة و الحواس الخارجية " كما وصفها كانط ، و هذا ما مثل جدارًا منيعًا أمام الأفكار التي بدأت تغزو العالم الإسلامي بعد الرخاء الكبير الذي حدث في تلك الفتوحات ، فكانت تذكرة للمسلمين لروحانيتهم و إعادة ربط لصلتهم بخالقهم عز و جل بأدعية و مناجاة عالية المضامين لا يوجد لها مثيل ، هذا الدور العظيم الذي أنيط به في اكمال مسيرة عاشوراء لم يكن ليقوم به أحدٌ سواه لأنه يحتاج لرجل بمواصفات أسبغها الله عز و جل على شخص واحد في زمانه كان هو زين العابدين عليه السلام .

في الخامس و العشرين من شهر المحرم تمر ذكرى استشهاده عليه السلام ، بعد خمس و ثلاثين سنة من محضره في كربلاء ليحمل أمانة نقلها و بث رسالتها للعالم أجمع .. فسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يُبعث حيا .



على هامش هذه الذكرى ، في الثالث و العشرين من شهر محرم الحرام مرت ذكرى ' فاجعة سامراء الأولى ' الثالثة .

مدللة على بعض ما جرى عليهم حال حياتهم عليهم السلام و امتد لبعد وفاتهم .

19 يناير 2009

غزة .. شيء من السياسة و التعاسة .





أسوء ما في التاريخ أن أحداثه لا تُكتب إلا بأحبار حمراء من دماء الأبرياء ، منذ قتل قابيل أخاه فأهلك ثلث البشرية إلى اليوم ، لا زال الإنسان يرسم ملامح قوته و يثبتها بقدرته على سفك الدماء ، هكذا يحقق مطالبه ، لم يتعلم طوال هذا التاريخ أن تاريخه دون البشر لا معنى له ، و أن الدماء التي يسفكها ستكون أول اسفين يدق في نعش ما يحاول بناءه ، كلهم يقتلون ليبنوا مجدهم فيتحول هذا المجد إلى لعنات تنصب عليهم بعد سنوات لأنه مجدٍ بني على عظام الموتى الهشة .


على رغم كل هذا التطور المادي و الإرتفاع في المستوى العقلي لا زالت سنن البشرية كما هي " و لو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى ، غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الإجتماع ، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقة الفنية " [1] ، هكذا تحول القتل من وسيلة في عصر قابيل إلى غاية و هدف في عصرنا الحالي كل ما اختلف بينهما هو أنّ قابيل لم يعطي المبررات و لم يغلف ما فعله بالحجج و البراهين حتى يغسل الدماء من يده بتلك الحجة ، و هذا ما لا يحدث الآن ، تحول القتل إلى غاية تساق له المبررات و تصفق له الجموع البشرية و تنطرب لأصوات أزيز الطائرات و المدافع لأنها تظهر عنصر التجبر و الاستكبار الكامن في نفسه ، يندفعون لتأييد القاتل و يصفقون له لأنهم أجبن من أن يقتلوا بأيديهم و قام القاتل بما عجزوا عنه .


سألوا يوما الإمام الرضا عليه السلام عن ثأر القائم عليه السلام من أبناء قتلة الحسين عليه السلام فكان جوابه : و من رضى شيئا كان كمن أتاه و لو أن رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل [2] .


هذه هي الحقيقة البديهية التي لا يريدون استيعابها ، لو لم يجد القاتل من يعطيه القابلية لعمله ما استمر بفعله ، فكل فعاليته هي نابعة من قابلية من يمهد له الطريق ، و يسبغ عليه الثناء ، و يعطيه المبررات ، و يكتب له التأويلات ، بل و يعتبر نفسه ناطقًا باسمه قائمًا بفعله لأنه في داخل نفسه أجبن من أن يتخذ موقفًا يثبت فيه استقلاليته و حريته ، مثل ما كان في الحرب الأهلية الأمريكية حين وقف بعض العبيد ضد القوات الإتحادية لأنهم لم يتصوروا أن يتمكنوا من الحياة دون أسيادهم.


الهجمة الصهيونية على غزة و ما يحدث فيها لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي المزري الذي وصلت له الأمة ، و لا يمكن فهمها بدون استقراء واضح للتاريخ حتى وصولنا لهذه اللحظة و لكن لا يمكن اختزال تاريخ أمة ببضعة سطور للأسف .


بتجريدٍ بحت حين ننظر لقضية غزة بعيدًا عن شقها المأساوي ، نرى أنها قضية مفصلية لرسم واقع المنطقة خلال السنوات القادمة ، السياسيون لا يهتمون بمقدار التضحيات و المقدمات بل تهمهم النتائج و ما يُبنى عليها ، بداية ما حدث لغزة يعود لنهاية عهد كلينتون حين تم القرار بإنهاء القضية الفلسطينية و تسويتها و لكن كان لياسر عرفات موقف خالف فيه التوجه الذي أرادته الإدارة الصهيونية بسلب حقوق الشعب الفلسطيني على رغم كل مواقفه وسلبياته إلا أنه استوعب أن أوسلو لم تكن سوى ألعوبة ، لذلك رمى كلينتون تبعية عدم انهاء القضية على رأسه عند انتهاء ولايته ، و قرروا التخلص منه كعقبة موجودة في طريق طي ملف هذه القضية .


انتهوا من عرفات و ظلت سوريا و إيران و حزب الله و الفصائل الفلسطينية في المرصاد ، حاول الصهاينة كسر حزب الله عام 2006 فكانت هزيمة ساحقة لهم و لمخططهم الذي أبلغوه لدول الاعتدال العربية [3] قبل إعلان الحرب على لبنان ، هذه الحرب التي حدثت تحت مبرر " الطائفية " كما عبر ذلك شيمون بيريز : " حزب الله سيكون أداة لبسط النفوذ الفارسي لإيران الشيعية على الشرق الاوسط المعروف بغالبيته العربية السنية، ومن ثم من حق الدول السنية الكبرى في المنطقة أن تشعر بالقلق. " ، و هي الحرب التي وصفتها رايس بأنها المخاض للشرق الأوسط الجديد ، إن أسوء ما الحروب ليس بشاعتها و دمويتها و لكن تبريرها لهذه البشاعة و الدموية تحت ذريعة الخوف من ( هويّة ) الطرف المقابل .


تحت هذه الذريعة برروا حرب لبنان ، و برروا همجية الصهاينة في غزة ، و برروا كل المواقف الدوليّة المتخاذلة و فضلوا أن يرموا بتبعات الدماء على رقبة الضحيّة ، لأنها أضعف من الجلاد و لأن التبعية له أهون على نفوسهم من الإقرار بـ " هويّة " الضحية ، دماء هؤلاء الأبرياء سيتشارك فيها كل آثر أن يقبع بزاويته مبررًا و مدافعًا عن السفاحين و لو بكلمة بحجة أنّ فأسهم أكبر من سكين الضحايا ، و كأن على الناس أن يقبلوا شرب الهيم من الحميم لأنهم لا يجدون الماء المعين !


و الآن برغبة و إرادة الدول العربية المعتدلة تم شن الحرب الأخيرة على غزة كخطة بديلة عن الفشل في لبنان لمحاولة إعادة إحياء عملية طي الملف الإسرائيلي الفلسطيني نهائيًا برغبة عربية وفق الشروط الإسرائيلية، و لكنهم صدموا بالهزيمة تتكرر مجددًا لتضع بصمة جديدة على درب الفشل الصهيوني في العهد الجديد ، فهذه المرة لا بارود فاروق و لا ماكو أوامر غلوب باشا هي من تحاربهم ، و رجعت نفس المبررات مجددًا .


الصراع الآن هو صراع بقاء إسرائيل لذلك هي تتوحش في كل يوم أكثر بهجومها على غزة قبل الهدنة و بعد سقوطها كما توحشت في هجومها على لبنان لأنها تعلم أن القوى الكبرى لا يمكن لها أن تغفر لها انكسارين بعد هذا الغطاء الدولي المفتوح ، و هي تعلم يقينا أن فشلها يعني انفاذ المطالب التي تريدها إيران و سوريا رغما عنها بموافقة أمريكية ، لأن أمريكا الحالية بانتظار النتائج لما يحدث في غزة و بناء عليها سيرسم أوباما السياسة التي دعا إليها بالمفاوضات ، طبيعي انه يريد أن يفرض شروطه في تلك المفاوضات و لكن ما يحصل على أرض الواقع لا يبشر بهذا الشيء ، و ايقاف إطلاق النار هو شهادة وفاة جديدة للعسكرية الصهيونية الهمجية ، إيذان بفشل جديد يضاف لسجلات الفشل العربي في المراهنة الخاطئة على البيدق الخاطئ.


النتائج التي ستترتب على ما حدث في غزة ، و ما حدث في لبنان قبل ثلاث سنوات ستأتي أكلها قريبًا ، و قريبًا جدًا .


و ستبقى دماء الأبرياء شاهدًا على همجية الإنسان الكامنة فيه ، و إن تمظهر بالتمدن و التحضر .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] من كلمات العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان ج 4.


[2] الرواية كما رواها الشيخ الجليل الصدوق قدس سره في " علل الشرائع " ج1 :


عبد السلام بن صالح الهروي قال : قلت لأبي الحسن علي ابن موسى الرضا " عليه السلام " يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال : إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين " ع " بفعال آبائها ؟


فقال " ع " : هو كذلك.


فقلت : فقول الله عز وجل ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ما معناه ؟


فقال: صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضى شيئا كان كمن أتاه ولو أن رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.


[3] BBC- طائفية" حزب الله بين إسرائيل ولبنان"

  • تحديث لا علاقة له بأصل الموضوع:

تم اليوم الحكم ببراءة سماحة السيد الفالي من التهم المنسوبة له :

- لقراءة التفاصيل : اضغط .

- لقراءة ما يتعلق بالموضوع : اضغط .

15 يناير 2009

شـو بيـو .

سفيد الطائفي [ 2 ]


في موضوعي :


كان الخطاب يتوجه تقرير حال هؤلاء الذين الذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام بـ الهمج الرعاع ، بوصف الجمع بينما أركز العالم الرباني و المتعلم على سبيل النجاة بوصف الإفراد ليُظهر أن الصفة الغالبة هي النعيق مع كل ناعق عند الناس و أن القلة هم الذين يبحثون أو يحاولون البحث عن الأهداف السامية لوجودهم و علة إيجادهم في هذه الحياة .


من الدروس اللطيفة التي تعلمتها من والدي - رحمه الله - أن أسأل نفسي قبل كل عمل : و بعدين ؟

ما هي النتيجة التي أريد الوصول إليها أو الغاية التي أريد تحقيقها من عملي لهذا الفعل أو ابتدائي لذاك الفعل ، معرفة خط النهاية تحدد لي طريقة البداية ، في الفورميلا 1 تُعزى أغلب الهزائم إلى : الإنطلاقة الخاطئة ، حياتنا و أهدافنا و غاياتنا هي مشابهة لهذا السباق كلها تعتمد نفس المبادئ و لكن بصور مختلفة ، تبقى الروح واحدة و تختلف الأجساد كما يقول أصحاب تناسخ الأرواح .

ما يحدث في ساحات ما يفترض أنها حوار من تراشق و تقاتل طائفي يعود إلى سببين برأيي الخاص الاول هو العلو و الثاني هو الجهل و لكل منهما تعريفه و تصانيفه .

لان الإنسان هو مجموعة نقائص متراكبة و مع هذا يتسيد الكون و يوظفه في خدمته فإنه يُصاب بالعلو و الكبر ، فرعون عندما طغى لم ينكر الألوهية و وجود الآلهة و لكنه وصف نفسه بانه ( ربكم الأعلى ) فهو رب مع الأرباب - و العياذ بالله - و لكنه أعلى منهم ، في علم الأخلاق يقولون بأن كل إنسان يوجد في داخله فرعـون ، كل ما يحتاجه هو الأرضية القابلة لنموه حتى يظهر ، هذه الأرضية يشكلها الجهل ، فالعلو و الجهل متصلان لا يمكن فصل انفكاكهما لسبب و هو أن كلاهما مكمل للآخر .

و لا يُنسب الجهل إلا للإنسان " خاصَّة لأنَّه يمتلك قابليَّة التعلّم ومن شأنه أن يكون عالماً. " [1] ، و رغم تقسيم المناطقة لهذا الجهل تحت صنوف البسيط و المركب إلا أن هناك تقسيمًا آخر أفضل استعماله لأنه يخدم هذا الموضوع و هو تقسيم ثلاثي غير مشهور :

- جهل القصور : و هو من يبحث و يحاول الوصول إلا أنه لضعف أدواته يتيه دون أن يضع ركابه على الدرب السليم ، يمكن تمثيله بالتائه في الصحراء الذي يعتمد على تحديد موقعه بجهة شروق الشمس و لكنه مهما يسير لا يصل لمقصده لضعف درايته و قصور إدراكه عن الإحاطة بالدرب الصحيح .

- جهل التقصير : و هو الجهل النابع من الشخص ذاته لعدم رغبته في البحث و التعلم ، و اكتفائه بما تلقاه و اكتسبه فآمن به كمسلمات ، دون أن يعرف مقدمات هذه المسلمات و على ماذا بُنيت ، و لا يهتم بمعرفة هذا، فهو يحاول و لكن لا تهمه نتيجة المحاولة إنما يقوم بها إبراءً للذمة . .

- جهل العناد : و هذا من أسوء أنواع الجهل ، فهو يأتي بالإنكار رغم العلم { وجحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما وعلوا } استكبارًا منهم على الحقيقة و المعرفة ، و هذه من أسوء المصائب و الطامات .

فالجهل لا يعني عدم المعرفة فقط ، بل هو في معناه يتعدى هذا الأفق إلى الإشارة لعدم إدراك الحقيقة ، أو العلم بها و محاربتها ، أو عدم الاستيعاب التام لمفاهيمها ، كلها يصطلح عليها لفظ الجهل بالشيء ، لأن صورة هذا الشيء إما أنها غير حاضرة عنده أو حاضرة و لا تعجبه لأنها لا تناسب ما يريد الإيمان به من فكر يناسبُ هواه ، و يحقق مصالحه الذاتية .

المجتمعات المنغلقة التي ترى في الثقافات الأخرى ثقافات معادية لها ، لأنها تقدم تفسيرات بعيدًا عن القوالب التي تريد الإعتقاد بها و لأفرادها أن يؤمنوا بها تشكل عقلاً جمعيًا لا يحترم النظرة الفردية و لا يقيم لها وزنًا و لا تدرك بديهياتها ، هذا العقل الجمعي هو الذي يشكل الغوغاء و هم النسبة الأكبر قياسا بالمجتمعات .

لذلك لا أتعجب عندما أرى الكثير ممن يحاول أن يناطح الأفكار الإعتقادية بأساليبه الطفولية و " المسخرية " لأنه بطبيعة الحال وليد بيئة لا تحترم التعدد و لا تعترف بالإختلاف لكونها بيئة أحادية تخشى أن تقوم أي مفاهيم أخرى من خارج محيطها بتهشيم أساستها ، و تخشى من عدم قدرتها على مجابهتها ، فهي ترى في التعدد إفناءً لمنظورها الذي رسمته لهذا العقل الجمعي البائس لذا تعاند في جهلها و طغيانها .

في قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلتفاته رائعة ، هناك أشخاص ( يشترون ) => ( لهو الحديث ) .. لماذا ؟

( ليضل عن سبيل الله و يتخذها هزوا ) .هناك اشارة عميقة في الآية إلى استعداد البشر ليبذلوا الغالي و النفيس في سبيل خلق مضادات فكرية و كلامية تؤيد فكرهم الباطل لتغطي على الفكر الصحيح .. لأنهم لا يملكون الإرادة أو الرغبة في أن يتركوا ما تربوا عليه و اعتادوا عليه تماما كما هو حال معظم الناس في زمننا هذا الذين لا يتوافقون مع ما يخالفهم و لا يريدون حتى مجرد الاستماع إليه و لا يمانعون في بذل كل شيء لاخماد اصواتهم حتى لا يعلو صوت سواهم [2] .

معظم هذه الحوارات التي تقوم على قاعدة أفحمني أو أفحمك ، هي حوارات قائمة على مبدأ مصارعة الثيران إما أن ينجو الثور أو أن يغدو وجبة شهية لعشاء اليوم ، بينما الأصول الفكرية و الإعتقادية لا يجب أن يتم التعامل معها على هذا الأساس لأنها أصول تستخدم لتحديد هويّة الوجود في هذه الدنيا و ما بعدها بحسب العقيدة ، و لا تستخدم لبسط مناطق نفوذ على لوحة " المونوبولي " ، المؤسف أنها تصنف تحت باب " في سبيل الله " [3] بينما الواجب أن تتوجه هذه الحوارات إلى باب توسيع المدارك للإنسان حتى ينتخب ما يراه صوابًا مأمورًا به.

موئل هذه المشاكل و التسطيحات الطفولية في التعامل مع هذه القضايا هو فساد الأخلاق ، و إن كان يرتدي ثوب ( العقيدة ) فهذه النقائص مولودة من العناد و المكابرة و العلو و كلها مشاكل أخلاقية تتعلق بنفس الإنسان و إن حاول أصحابها نسبتها إلى الإختلاف العقائدي و أكدوا عليه و حاولوا التمترس خلفه ، فإن هذا الذي يختبئون خلفه لا يعدو كونه ناشئًا من مشكلة أخلاقية أيضًا ، كلها تنبع من هوى النفس و حبها و عدم الرغبة في إصلاحها .


هؤلاء يعانون مشكلة أخلاقية مزمنة ، أثرت على معتقدهم و على حياتهم بل و أضفت أثرها على وجودهم أيضًا لذلك كان التوجيه الإلهي بعدم مجادلتهم و لا مناقشتهم لأن قلوبهم الواعية قد خُتمت ، هذه هي الحقيقة البديهية التي استوعبها صاحبنا العزيز وقتها فلخصها بقوله ( شو بيو ) كما في الحادثة أدناه ، و لم نصل نحن لها إلا متأخرًا و غيرنا لا يزال في غمارها يسبحون تائهين .


ما قصة " شو بيو " ؟


قبل ست سنوات و على كوبري الملك خالد بمنى ، كنا جلوسا ننتظر منتصف الليل الشرعي أخذني الحديث مع أحد الأخوة المصريين المؤمنين أنا و عدة آخرون ، فجأة تناهى لسمعي أحد كبار السن و هو يتناقش مع أحدهم من الجالسين بجنبه في مواضيع خلافية ، و كلما تحدث بشيء أتى ذاك بالأعاجيب حتى صادف وقت الأذان مع سؤال طرحه صاحبنا العزيز على محاوره فأجابه بإجابة مضحكة .. فجأة انتصب واقفا صاحبنا العزيز و هو ينفض الغبار من ملابسه قائلاً مستهزءًا بما قاله من أمامه : صــج ؟ .. شـو بيـو [4] !
و مضى ليُصلي .
تذكرت هذه الحادثة المرتكزة في وجداني لأنني يومها تركت كل شيء و ظللت طوال اليوم أضحك دون قدرة على ايقاف الضحك على هذا الموقف ، كان تعاملاً عفويًا و لكنه في الصميم مع أمثال هؤلاء الذين يخادعون أنفسهم .


يتبع إن شاء الله ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] دروس المنطق للشيخ إبراهيم الأنصاري ، تقرير المحاضرة السادسة " الجهل " .


[2] من تعقيب على استشهاد الفاضلة ZooZ - اضغط .


[3] يقول الإمام الخميني قدس سره في مواضع مختلفة :


- " اذا اردتم ان تصلوا بأعمالكم التي هي في سبيل الله الي نتيجة فيجب ان تتجنبوا الأهواء النفسانية، ان الشيطان لا يترك الانسان. "


- " حاذروا من ان يفسد قلوبكم غرور الانتصارات والشهرة والخيلاء والاعتزاز، فان هذا المرض النفساني من فخاخ الشيطان ليحرف انتباه عبيد الله عن التوجه له ومن مكائد النفس الأمارة بالسوء التي تجر الانسان الي الشرك وعبودية الاصنام وخصوصا الاصنام الذي هو صنم النفس. "

[4] من ألفاظ " العيم " المستخدمة للتعبير عن حالة الاستهزاء بالردود اللامنطقية .