11 يناير، 2009

لكم مذهب و لي مذهب .

سفيد الطائفي [1]
بداية لسلسلة من الأحاديث .. لا أعلم كم ستستمر أو كم ستطول فهي قابلة لأن تتمدد أو تتقلص على حسب المزاج " الكتابي " .

.

في الموضوع السابق ( اضغط ) تعمدت أن آتي على ذكر هشام بن الحكم رضوان الله عليه لسبب ، فهو يعتبر أحد أجلاء الطائفة الشيعية و من ثقات الأئمة عليهم السلام و الرواة عنهم ، و كان مرجعًا للشيعة في زمنه يرجعون له بالمسائل إن أغلقت السلطات الطريق أمامهم عن ورود المنهل الطاهر للأئمة عليهم السلام ، إلى جانب هذا كان مناظرًا و مناقشًا سمعته مشتهرة في الآفاق من مناظراته مع أبي حنيفة إلى أبي شاكر الديصاني الملحد و زملائه إلى غيرهم في كل المواضيع و المذاهب و الأديان .

.

ما لا يعرفه الكثيرون عنه أنه لم يكن شيعيًا منذ الولادة ، بل كان جهميًا مجسمًا من أتباع جهم بن صفوان [1] لكنه تشيّع بعد مقدمه على الإمام جعفر الصادق عليه السلام و صار من خُلص أصحابه و من معتمديه ، و كذا كان مع ابنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، فهو ممن امتلك يقينًا بصحة اعتقاده و آمن بتمام الحجة عليه فاتبعه اقتناعًا و ليس اتباعًا.

.

رغم ولائه الشديد و عظم مكانته و جدالاته مع رجال باقي المدارس الاسلامية و غير الاسلامية ، رأيت في سيرة حياته أمرًا يثير العجب ، كما أثار عجب أهل الكوفة في زمنه ، فهشام رضوان الله عليه كان خرازًا له دكان يشترك فيه مع عبد الله بن يزيد الإباضي و هو أحد علماء و كبار الإباضية [2] ، و كان الناس يأتون لهشام يسألونه و عبد الله يسمع و لا يتدخل ، و العكس معه ، و رغم اختلافهما لم تنفض شراكتهما أو يؤثر اختلاف مذاهبهما الشديد على علاقتهما الشخصية و التجارية .

.

الإختلاف طبيعة بشرية ، و الناس على دين ملوكهم في الغالب ، فتغير مذاهب الدول غيّر مذاهب شعوبها ، إيران لم تعرف هذا التشيّع إلا في عهد الصفويين و مع مقدم العلامة حسين بن عبد الصمد العاملي من لبنان بدأ بالإنتشار بشكل واسع ، بينما مصر الشيعية تحولت لدولة سنية مع قفز الأيوبيين على السلطة هناك ، بل العجيب أنه في أحد الأيام و أثناء بحثي وجدت نصًا لأحد العلماء القدماء في بدايات العهد الصفوي يقول بأنهم كانوا يتعجبون عندما يمرون بروايات الأئمة عليهم السلام و التي تذكر تحول بلاد الفرس لمناصرتهم لشدة عداوتهم للشيعة و يعتقدون أنّ هذا ربما هو من علامات الساعة أو أنّ هذه الروايات غير تامة و لكنها تحققت أمامهم و في أيامهم فأسقطت ما بأيديهم .

.

شخصيًا جذوري تنحدر من منطقة تقع الآن على حدود روسيا مع آذربيجان المستقلة و عائلتي كانت سنية المذهب تشيعت بعد نزولها إلى تراكمة على مشارف شيراز الحديثة بفضل الصفويين رحمهم الله ، فالتحول و التبدل من صفات الأحياء في هذه الدنيا و راجع للانتخاب الذي يقوم به الإنسان على الأساس الذي يُحكّمه سواء كان عقله أم قلبه أم خلافهما ، و لا أظن أنه دار في بالهم بيوم من الأيام أن يكون ابناؤهم " روافضا " و أن سفيد هذا سيكون حفيدهم !

.

الدين ينبع من القناعة الشخصية للإنسان و كذا الفكر ، و ليس لباسًا يرتديه أو حلة يخلعها بل منهج يؤطر حياته بأكملها و يلتزم به برغبته و إرادته ، اختلاف المذاهب و الأديان لم يكن يومًا مورد خلاف بحد ذاته فهو اختلاف في استيعاب الحقائق و ليس اختلافًا فيها ، المشكلة تكمن حين تستغل هذه الخلافات في تغذية صراع سياسي / إثني / اجتماعي معين ، و هذه الصراعات إنما تقوم بالأساس لسببين الأول هو العلو[3-أ] عند الإنسان و الثاني هو الجهل [3-ب] ، و تجد في الحمقى و المغفلين غايتها لتوافر عنصري العلو و الجهل فيهم فيعملون بإرادتهم كحطيبات تنفذ تلك المخططات [4] ، يعني أنهم مستعدون لإلغاء دورهم في الحياة و الإكتفاء بكونهم رؤوس حِرب بيد غيرهم .
لم يجد هشام رحمه الله مشكلة في التعامل مع عبد الله بن يزيد فهو صديقه و زميله و شريكه من باب التعايش لم يدعوه إلى التوحد معه تحت إطار الشعارات و الإستجداءات و التنازلات و لا اعتبر خلافه العقائدي معه حربًا و تهديدًا على معتقده ، بل عمد إلى التعايش معه وفق متطلبات هذه الدنيا و ما تفرضه على الإنسان أما المعتقد و الحكم عليه فهو كائنٌ يوم الحساب أو إلى الاستقراء العلمي لها ، لذلك لم يزجا به في شؤونهم .

.

لم يرغب ابن يزيد بالمناظرة و لم يناظره هشام رغم مجالسه الشهيرة ، و السبب أنها لا تكون إلا لإثبات الشيء أو توضيحه و بما أنّ كلاهما جازمٌ بصوابية اعتقاده فلا حاجة للمناظرة لذلك لم يتعرض لها أحدهما ، و فضلا التعايش و قبول الاختلاف كما هو ، فلن ينام أحدهما في قبرِ الآخر .

.

ما يعاني منه البعض هو أنهم آمنوا لا بالإعتقاد و لكن بالوراثة ، فمكمنهم الاعتقادي غير ثابت و أساسه هش ، لذلك عمدوا إلى الضحك و الاستهزاء و المسخرة تارة و إلى التلون و التذبذب تارة أخرى ، فبصراخهم هذا يعتقدون أنهم يمكن أن يغيروا من واقع الإعتقادات أو أن يسجلوا نقاطا لصالحهم كما اعتقد المشركون أن سد آذانهم عن دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ستجعل دعوته تتلاشى ، أو أن مكاءهم و تصديتهم عند الكعبة ستغطي على صلاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله عندها ، و لكنهم نسوا أن هذا كان هو توقيعهم على صك جهالتهم و ضعفهم.

.


يتبع إن شاء الله ..

___________________

[1] مرآة العقول ج 2 - العلامة المجلسي قدس سره

[2] مذهب إسلامي منبثق من فكر الخوارج ، أسسه عبد الله بن أباض

و يعتبر عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليه السلام ، أحد أئمة المسلمين عندهم .

راجع ( السير و الجوابات ) لأبي مؤثر الصلت بن خميس الإباضي ج 2 .

[3-أ/ب] ستكون هناك وقفة مختصة بهم إن شاء الله .

[4] مالك بن نبي المفكر الجزائري ناقش هذه القضية و لكن من منظور الاستعمار

و خدمته و أسماها بقابلية الإستعمار ، و لكن أظن أن قاعدته يمكن استعمالها أيضًا في هذا المجال.

و لنا فيها وقفة أخرى إن شاء الله

هناك 24 تعليقًا:

Yang يقول...

متابع ...

Manal يقول...

رحم الله والديك على المضمون
باتظار البقية

ma6goog يقول...

خوش كلام

سيدة التنبيب يقول...

صياغة رائعة لفكرة استهلكناها حديثا دون أن نجد فائدة : أدب الاختلاف

تابع قواك الله عسى كلامك يكون خفيف عليهم :)

مطعم باكه يقول...

سفيد .. ايها العزيز ..

والله موضوع جدا ممتع , رحم الله والديك واجدادك سنتهم وشيعتهم ..

اتمنى ان تجد كتاباتك قلوبا وعقولا منفتحة ..

Yin يقول...

كلام شيق
ومضمون عميق

قواك الله

متابعة...

Salah يقول...

أحسنت وبارك الله فيك

استفدنا وايد

بو محمد يقول...

و منكم دوما نستفيد يا سفيد
متابع
دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

أحمد الحيدر يقول...

طرح جدا عميق وموسع ..

الله يعطيك العافية ..

نتوق لقراءة المزيد .. طالما لهم مذهبهم ولك مذهبك دون استهزاء أو استصغار :)


إلى الأمام دائما :)

غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

الى الباحثين في اسباب وجواز اللعن على بني امية..تمعن في القران الكريم وافهم :

" إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً "سورة الاحزاب اية (57)

وعن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم
"فاطمة بضعة مني من أذاها فقد أذاني "

اذا اللعن على من أذوا اهل البيت وقتلوا ابن فاطمة الزهراء سلام الله عليها وحفيد الرسول صلي الله عليه واله سلم جائز كما هو مشار اليه في سورة الاحزاب " إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً "

وشكرا

فريج سعود يقول...

اظنك لامردياً خالصاً

:)

قواك الله

الفكرة التي تريد ايصالها ستصل إن شاء الله دام تستخدم الاسلوب الراقي الذي لا يتعرض لمعتقدات احد

bahama mama,WV يقول...

يعطيك العافيه و جان زين الي كاتبين تعليقات يطبقون كلامهم لأن لمه تقول احترموا مذاهب الناس وكل شخص حر فيما يعتقد لازم يكون الاحترام والحريه بشرط عدم التطاول على رموز وركائز المذهب الاخر
يعني (مع فارق التشبيه) لمه الدنماركي استهزأ الرسول ليش الكل وقف ضده واستنكر!!؟ لان هذا مساس بالرسول الكريم الي نقل الدين وكلام الله وبالنالي مساس بالدين نفسه (وقسها على المذاهب)

Safeed يقول...

Yang ،،
.
Manal ،،
.
ma6goog ،،
.
سيدة التنبيب ،،
.

شكرا للمتابعة .

Safeed يقول...

مطعم باكه ،،
قال الإمام الصادق عليه السلام : ولايتى لعلى بن أبى طالب أحبّ إليّ من ولادتى منه، لأنّ ولايتى له فرض و ولادتى منه فضل .. :)

.
.
Yin ،،
.
Salah ،،
.
بو محمد ،،
.

شكرا للمتابعة و المرور .

Safeed يقول...

أحمد الحيدر ،،

لا استهزاء و لا استصغار ، و لكن كلمات تعبر عن وجهات نظر .. فليعتبروها بما شاؤوا :)

.
غير معرف ،،

شكرا للإضافة ، سأحاول بإذن الله أن اجعل احدى الحلقات مخصصة لمسألة اللعن و هو فرض إلهي .
.

فريج سعود ،،

و هل لغير " لامرد " تهفو القلوب :) ؟

.

bahama mama,WV ،،

الله يعافيك ، مسألة التعامل مع الرموز تحتاج لتجرد حين النقاش حولها ، سأحاول إن وفقني الله أن اتطرق لها إن شاء الله .

Hussain.M يقول...

أدب التعايش ، أو فن التعايش مارسه العملاق ( هشام بن الحكم ) بأبهى الطرق و الوسائل ، فهذا الفذ كان صديقاً مخلصاُ للإمام الصادق عليه الصلاة و السلام ، فلا أستغرب إن كان من الرائعين في الحياة عموماً ..

شكراً على الطرح المميز أيها الصديق

|:| DUBAI |:| يقول...

جميل جميل سفيد ..

أنا أصور المذهب ك فكر ..
موطنه القلب قبل العقل ..
و ليس العكس ..

متى ما صلح القلب ..صلح العقل و الجسد معا ..

و بخصوص الحكم رضوان الله عليه
هناك عبارة جدا مؤثرة سمعتها
أننا نسأل من الله حسن الخاتمة و التثبيت ..

فاذا نحن وجدنا على فكر و مذهب معين
بسهولة في نهاية الامر يتغير كل شيء

طبعا لا ندري كيف النفوس ستسمر ..

لهذا نسأل الله الثبات و الثبات و الثبات !!

و الأهم من كل ذلك ..

مبدأ التعايش

هذا ما يجب يعيه كل مخالف !!

ZooZ "3grbgr" يقول...

ادام الله احياء قريحتك

متابعه

Ahmed.K.A يقول...

فن التعايش مع الغير .. و أدب الحوار البناء .. هو ما نهفو إليه

و أصحاب الأئمة (ع) هم غير مثال على هذا المطلب ..

أحسنت أخ سفيد .. و ان شاءالله نكون من المتابعين لكتاباتك المميزة ..

يعطيك العافية

The Doctor يقول...

أول مرة أمر على مدونتك الرائعة فعلا
بعد أن كنت قد تهت بين مدونات (كل من هب ودب)لدرجة أنني فقدت الثقة بأهل الكويت وبدأت أفكر أن من مثل هؤلاء قد يكونون منتشرين كما الجرذان في كل مكان ... وبدأت أفكر جديا بفكرة عدم مراعاة الطلبة الكسالى وبأن أضع ال(F)دون سابق إنذار.. ربما أحدهم يكون من هؤلاء الجرذان !! فهم حقا لا يستحقون الشفقه.

سعدت بقراءة مدونتك و سوف أكون من المتابعين لك إن شاء الله ..
يعطيك العافية

Safeed يقول...

Hussain.M ،،

أهلاً و سهلاً بك أيها العزيز و شكرا على إضافتك .

.
.

|:| DUBAI |:| ،،

" إن شعور القلب فوق منطق العقل " - جان جاك روسو .
العقل يتغذى من القلب ، لذلك في وصيته لكميل بن زياد يؤكد أمير المؤمنين عليه السلام على ما يتم تغذية القلب به لأنه ينضح للعقل .
اليقين القلبي من أعلى درجات المعرفة ، و لا يكون اليقين إلا في المكان الذي ينزل به النقاء .
شكرا للمرور .

Safeed يقول...

"ZooZ"3grbgr،،
.
Ahmed.K.A ،،
.
شكرًا للمرور .
.
.
The Doctor ،،

أهلا بكم في مروركم الأول ،
هناك الكثيرون و لكنهم مغمورون ، فالمجتمعات البشرية تملك سطحًا مثل سطح البحر لا يظهر عليه إلا الزبد .
الله يعافيكم .
و شكرا للمرور .

TruTh يقول...

ماشاء الله البوست روعة حده

تسلم ايدك

Safeed يقول...

TruTH ،،

الله يسلمكم ،
و شكرا للمرور .