1 يناير 2009

شعائـر الحسـين عليه السلام.

وحي عاشوراء [ 4 ]




عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ قال:

من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب .



  • ما هي الشعائر ؟


تتعدد تعاريفها لغويا و اصطلاحيا و لكن كلها تتفق على أنها " العلامات " الظاهرة الدالة على الشيء ، فشعائر الحزن هي علامات الحزن و شعائر الله هي علامات الإتباع لما فيه دعوةٌ و إثبات لما أمر به الله سبحانه و تعالى ، و يقول العلامة الطباطبائي بالميزان : شعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته ؛ و شعائر الحسين هي كل ما دل على الحسين الشهيد عليه السلام .


إننا نحيي شعائر الحسين لا لأجل الحسين المجرد و إنما لان الحسين إنما امتاز بهذه المرتبة الرفيعة و المقام السامي بعبوديته المخلصة لله سبحانه ، فإحياء شعائره للتدليل على قضيته إنما هو إحياء لأوامر الله و إظهار لـ علاماته الدالة عليه ، فهو إمام مفترض الطاعة لمن آمن بالله ربًا و بمحمدٍ - صلى الله عليه و آله - نبيا مبعوثا بالحق .. لذا استحقت ان تكون من باب { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }.


شعائر العشرة الحسينية ليست وليدة اليوم ، و لا هي من مبتكرات متأخري الشيعة ، بل هي أصل متجذر في عمق التاريخ الإسلامي سنّه الرسول الأكرم - صلى الله عليه و آله - و مضى عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام واحدًا تلو الآخر ، في مستدرك الصحيحين للنيسابوري و مسند أحمد بن حنبل [ 1 ] ما فيه غنى كل محتاج في ذكر مجالس بكاء الرسول الأعظم لمصاب ابنه و حفيده الحسين عليه السلام ، و في مجالس النوح و العزاء التي أقامها موكب السبايا في الشام ، و في مجالس ذكر المصاب عبر سيرة الأئمة عليهم السلام خير دليل.
في أمالي الصدوق رحمه الله عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : كان أبي [ الإمام الكاظم عليه السلام ] إذا دخل شهر المحرم ، لا يُرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول : هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين صلى الله عليه.

بكاؤنا على الحسين و شعائرنا إنما هي إحياء للبُعد الآخر من مصيبته عليه السلام و هو بُعدُ المأساوية و المظلومية إلى جانب بُعد الثورة و القيم العالية ، إن مظلومية الحسين عليه السلام كانت و لا زالت المحرك الأكبر لجموع الناس للفت انتباههم نحو جوهر ثورة المظلومين ، و نحو الطريق الإلهي الذي رسمه لنفوس المؤمنين ، الثورة لم تكن مقتصرة على جوانب الإصلاح و العدل إنما امتدت لجوانب المأساة الخالدة التي تخاطب شعور كل إنسان ذو فطرة سليمة ، لذلك صدر التأكيد على إحيائها بأي صورة كانت ، و بمقتضى أعراف كل مجتمع ، يذكر التاريخ أن المتوكل العباسي منع هذه الشعائر و هدم قبر الحسين عليه السلام و جميع الدور المحيطة به [ 2 ] ، فصدر الأمر بزيارة الحسين عليه السلام و إن تقطعت الأيدي و الأرجل ، و هي الزيارة الوحيدة التي لا يعتبر في تركها الخوف أو عدم الأمن.


كان الإمام الصادق عليه السلام يطلب أبو هارون المكفوف ليقرأ له مصيبة جده الحسين عليه السلام يومًا ، فوقف أبو هارون و بدء نعيه :


امرر على جدث الحسين .. وقل لأعظمة الزكية



يا أعظماً لا زلت من .. وطفاء ساكبة روية



ما لذ عيشك بعد .. رضك بالجياد الأعوجية



و ما تركه الإمام يُكمل ، حتى أوقفه و طلب منه أن يقرأها كما يقرؤها أهل العراق ، أي بصوتهم الشجي و بطورهم الحزين الناعي ، و ما أن بدأ أبو هارون بذلك حتى اشتد البكاء في مجلس الإمام (ع) إلى آخر القضية المفصلة التي ذكرها العلامة القمّي في كتابه النفيس ( نَفسُ المهموم ) .


أساليب التعبير عن الحزن تختلف من بيئة لأخرى و من مجتمع لآخر ، في التقليد الياباني يعتبر الأبيض هو لون الحداد و الحزن بينما هو في مجتمعنا لون الفرح و السرور ، كذلك ضرب أجزاء من البدن بالزنجيل و غيرها من الشعائر هي نوع من أنواع المواساة و اظهار الأحزان في مجتمعات آسيا التي ظلت عصية على الإسلام فدخلها بفضل الصفويين ، و أدخلوا ثقافاتهم في الحزن إلى جانب الثقافة العربية المتمثلة في الصوت الحزين .

أئمتنا عليهم السلام لم يؤطروا الشعائر بصيغة معينة ، كان المهم عندهم الإستذكار و الإستعبار ، عرفوا أن هذا الإختلاف ينبع من الأعراف المجتمعية و أنه لا يحق لأحد أن يحارب أعراف المجتمع غير المتعارضة مع أصل الدين لأنه بذلك يصنف نفسه في خانة العداء معها مما يجعل القائمين بها يؤكدون على هذه الأشياء في صبغتها الجاهلية ، بينما من الأفضل هو احتوائها و إعادة توجيهها توجيهًا سليما لا يخالف الشريعة الإسلامية و هي شريعة يسيرة غير عسيرة .

تبقى الذريعة الحاكمة هي " عدم الضرر " و طالما أن هذا الضرر غير معتد به عقلانيًا فلا اشكال ، و الكثير من هذه الشعائر التي هي في الأصل من عادات الشعوب أصبحت طواعية عناوين لشعائر الحزن على مصاب الإمام الحسين عليه السلام ، و انصرف الذهن لهذا بدلا من الانصراف إلى أصلها الإجتماعي الذي تم تناسيه .

و لا أعتقد أنه من العدل أن نحاول تطبيق رؤيتنا الخاصة للشعائر النابعة من ثقافتنا المحلية على كافة الناس لأن في ذلك قهرٌ على ثقافة واحدة قد تبدو متعارضة في بعض أجزائها مع ثقافات أخرى .

مهما أكتب و أتحدث في هذا الموضوع أظل مقصرًا ، غير قادر على الإلمام بكافة أطرافه، فهذه الشعائر اكتسبت العظمة من اسم الحسين ، و الحسين لا يحيط به بصرُ الباصر .


  • وصيّة :

جاء في وصية المرجع الراحل الميرزا جواد التبريزي - قدس سره - لتلاميذه و لعموم المؤمنين :



" أنا في حال تشييع جنازتي ونقل جثماني إلى قبري على أيدي تلامذتي الأعزاء الذين تعبت في تربيتهم . ولم أعرف التعطيل يوماً ولم أترك النصيحة لهم أبداً ولم أنصح نصيحة قبل أن أعمل بها.

نصيحتي اليوم لجميع المؤمنين الغيارى هي للدفاع عن مسلمات المذهب الحق وأن لايعطوا لأحد مجالاً للتشكيك وإلقاء الشبهات في أذهان العوام خصوصاً في قضية الشعائر الحسينية فإن حفظ المذهب في هذا العصر يتوقف على حفظ الشعائر الحسينية.

أنصحهم أيضاً بالمثابرة على تحصيل العلوم الدينية مقارنا لطلب رضا الله والتقيد بالتقوى ولقد كنت طالب علم طول عمري وصرفت كل أوقاتي وخصوصاً زهره شبابي في الدرس والتدريس وخدمة الحوزة العلمية من أجل أن تبقى آثار خدماتي العلمية في تلامذتي أيها الطلبة الأعزاء إن لواء هداية الناس بأيديكم فلا تتوانوا عن طريق الهداية ولا تقوموا بأي عمل يؤذي صاحب العصر والزمان فإنه ناظر لأعمالنا ومحاسب عليها.

أعزائي المؤمنين لا تنسوني من دعائكم كما كنت أدعولكم فإني أحد خدمة المذهب الحق الذين لم يسأموا يوماً من خدمة طريق أهل البيت (عليهم السلام) طلبا لرضا البارئ عز وجل .

وأخيراً أكرر طلبي وتوصيتي لكم بالمحافظة على الشعائر الحسينية وتأييدها ضمن رجائي منكم الدعاء لي في مواطن الدعاء ومظان الإجابة. "


__________________________

[ 1 ] راجع مثلا : مسند أحمد ج 1 ، مجمع الزوائد ج 9 و غيره .

[ 2 ] الكامل في التاريخ - ابن الأثير .

هناك 12 تعليقًا:

Yin يقول...

أول مرة أقرا موضوع قدر يلخص ماهية ومنشأ شعائر الحسين(ع) ويبسط الإختلافات
!!
تسلم ايدك

لو سمحت بأقتبس كلامك في نقاشات لي مع بعض الأشخاص
:)


جرب تروح حسينية الرشيد!!

مأجور يا رب على البوستات القيمة يا سفيد ...

ma6goog يقول...

اعتقد ان كبار العلماء مقصرين من ناحية توعية العامة في حقيقة اصول هذه الشعائر اللي للأسف ما لها اي معنى

أقصد طبعا التطبير و ملحقاته

فريج سعود يقول...

الله يرحم والديك

موضوع قيّم جدا جدا

مأجور

بو محمد يقول...

مجهود جبار صراحة سا سفيد
آجرك الله عيه أجرا عظيما إن شاء الله
سياق منظم و أفكار واضحة، و الموضوع فعلا عميق و عظيم كما نوهت
أحسنت و أحسن الله إليك

3_STARS يقول...

باللفصحى هذي تسمى حرية ممارسة الشعائر

سيدة التنبيب يقول...

سلمت يداك مجهود رائع كعادة مقالاتك

لكن يبقى السؤال هل من عاقل يعي هذه الكلمات و يكف عن الاتهام و السخرية؟

كبرياء وردة يقول...

كما تفضلت في ردك على تعليقي في البوست السابق
فإن في إقامة هذه الشعائر حفظ لنا
بالإضافة لكونها إحياءً لسنة نبينا وآل بيته الأكارم
ومع ذلك يبقى المصاب أعظم من الشعائر

شعايرنا بهمنا طول الدهر تتألم
وكل ما عظمنا يبقى مصابك أعظم

طبعا كحال جميع مقالاتك، رائع

وبالنسبة للمحاضرة شلون أقدر أوصلها لك

Safeed يقول...

Yin ،،
الله يسلمكم ،
كل ما يُكتب هو رهن تصرفكم ، و لكم مطلق الحرية فيه .. و ما أبي منكم إلا الدعاء .

حسينية الرشيد رحتها قبل ليلتين و كنت تعبان جدا ، و بنص المحاضرة أخذتني غفوة و ما صحيت إلا على صوت .. جك جك .. و لا أحد الاخوة المحترمين ما شاء الله حاط الكاميرة بويهي و مصوريني !

الله لا يسامحهم ، يتموني مرة ثانية بعد ابعاد السيد الفالي فصرت كل يوم في مكان .
.
.
ma6goog ،،

ليس هناك قصور من أي من العلماء ، ليست مهمة العلماء ان يحددوا لك ماهيات الأشياء بل مهمتهم تنحصر في بيان الأحكام العامة .
الشعائر الحسينية لها حكمين مهمين ، لأن الأصل في الأشياء الإباحة :
أولها انطباق عنوان الجزع
ثانيها عدم الضرر
و شعائر مثل التطبير و اللطم هي شعائر بعضها موجود منذ أيام الأئمة عليهم السلام و أقروها و بعضها من عادات الشعوب التي دخلت في الاسلام و التشيع و أصبحت ثقافتها الآن معبرة عن الجزع على الحسين عليه السلام .
عدم وصولك لمعناها ، لا يعني أنها عديمة المعنى بل يعني أن هناك قصورًا أو تقصيرا منك تجاهها ، و مخالفتك لها لا ينفي كونها من شعائر الحسين عليه السلام التي تقام قربة لله سبحانه وفق ما سمح به الشرع و لم يمنعه .
كما أن من عادة الشعوب الشرقية اظهار حزنها و جزعها بلبس السواد و المراثي فإن الشعوب الأخرى يظهر جزعها بمواساة الفقيد في مصيبته و من هذا الباب كان التطبير ، فلا تضيق الواسع رحمك الله لأنك لا تعتقد به ، فلكل شخص عقله يفعل ما يشاء بحدود الضوابط الإسلامية .
و كم للشعوب المختلفة من عادات نضحك منها نحن كما يضحكون هم على بعض عاداتنا ، و كلنا نتناسى أن بيئاتنا هي سبب الاختلاف فقط لا شيء آخر .
ما ادري إذا تفهم الفارسية و لا لأ ، و لكن ستجد محاضرة بالفارسية لسماحة المرجع الخراساني يتحدث فيها عن هذه الشعائر انصحك باستماعها :
http://www.vahid-khorasani.ir/pages/farsi/lectures.html

Safeed يقول...

فريج سعود ،،

والدينا و والديك .
شكرا على المرور .

.
.
بو محمد ،،

و أنتم من المحسنين إن شاء الله ،
هذا قليل من فيض الحسين عليه السلام

Safeed يقول...

3_stars ،،

هي تسمى هكذا ، و لكن ماذا تفعل مع من يحاول فرض رؤيته غصبا على الكل ؟

.
.
سيدة التنبيب ،،
الله يسلمكم.
نحن نكتب للعقلاء ، أما ما دونهم فهؤلاء لا يستحقون حتى الإلتفات ، فهم رضوا بان يكونوا مجرد همجٍ رعاع .
لذلك ذكرهم أمير المؤمنين عليه السلام بالجمع بينما ذكر العالم الرباني و المتعلم على سبيل النجاة بالإفراد .
.
.
كبرياء وردة ،،
هذه الشعائر هي التي تغرس الأفكار النظرية في النفوس ، فلا فكر يبقى دون عمل .

بإمكانكم وضع وصلة المحاضرة في المدونة هنا حتى تعم الفائدة ، و أكون شاكرا جزيل الشكر لكم على هذا التفضل .

ZooZ "3grbgr" يقول...

زينب سلام الله عليها تقول للدعي بن الدعي

"
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين.
"

شعائر الحسين محفوظه من رب العالمين
أدامنا الله في إحياء شعائر مولاي الحسين بن علي سلام الله عليهما

روح عسى الله يفتحها بويهك يا سفيدان وين ما تروح

Safeed يقول...

Zooz ،،

دعاؤكم يغنيني ،
رحم الله والديكم ، و حشركم مع محمد و آله عليهم السلام .