9 يناير 2009

ثمرة من ثمار الأفكار .

وجد هشام بن الحكم رضوان الله عليه المشهور بمناظراته و بأبحاثه مع شتى الأصناف من الملحدين إلى المخالفين نفسه في أحيانًا كثيرة وحيدًا بفكره و بفهمه وسط قطعان البشر الذين يشكلون الغالبية ، كان يرى الناس يتناولون الجهالات و يحاربونه على أساسها لعدم رغبتهم في تغيير وضعهم الحالي ، فهم كانوا كمن قال فيهم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله : يدعوهم إلى الجنة ، و يدعونه إلى النار [1] ، كان يدعوهم للعقل و المنطق ، فيدعونه للهوى و يعيبون عليه فكره المغاير لسائر المجتمع ، كانت وصمة عاره بنظرهم أنه من ( الأقلية ) ، تلك الأقلية المجهولة التي ما عرفوا عنها إلا ما خطته يدُ الخؤون .
.
مخالفة الحق رغبة بالهوى ، و طاعة لإمرة السوء بالنفس أصلٌ أصيل في الإنسان ، فالهوى ملذات ، و مجاهدة اللذات مجهدة و مكروهة لاستبدالها اللذة بالمشقة ، لذلك قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله : حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات .
.
الحُسن لا يعرف طعمه إلا بتذوق طعم الكراهة ، و قلة من هم سائرون على الكراهة طمعًا بحسن الآخرة ، في كتاب الله عز و جل مدحٌ كثير للقلة { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } ، و في كلمة أمير المؤمنين عليه السلام : لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه ... .
.
فالحقيقة هي شمس ساطعة لكن لا ينعم بنورها إلا من يتعرض لها ، و قلة من هم كذلك لهذا تخاصمهم الأغلبية.
.
عانى هشام من هؤلاء الكثير جرّاء حربهم النفسية و البدنية الشعواء ، دخل يومًا على الإمام موسى الكاظم عليه السلام يشكو له ذلك و ما يمر به من مضايقة .. فكان مما قاله الإمام عليه السلام في وصيته و هو يبين حجية العقل التي رفضها معظم الناس في إحدى روائع محاسن الكلام [2] : " يا هشام : لو كان في يدك جوزة ، وقال الناس : لؤلؤة ما كان ينفعك ، وأنت تعلم أنّها جوزة ، ولو كان في يدك لؤلؤة ، وقال الناس : أنّها جوزة ، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة ".
.
أهم الدروس التي خطتها كربلاء و أحداثها ، هي ثبات الفكرة و المعتقد رغم كل المضايقات ، و الاستعداد للتضحية في سبيلها دون التنازل عنها ، لكل منّا معتقده و فكره و لكنّ المهم ليس امتلاك هذا الفكر أو إدعائه ، الأهم هو مدى قابلية المرء للتعبير عن فكره و دفاعه عنه و قناعته به ، القناعة التي تنبع من داخل وجدانه حتى يعتبر وجودها وجودًا له في حد ذاته ، و إلا فإن التنظير أسهل من سلق البيض !
.
يوم عاشوراء وقف الحسين عليه السلام و قال أمام جموع الأعداء : ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، الا واني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر [3].
.
هكذا كان الحسين عليه السلام و أهل بيته و صحبه ، آمنوا بأحقيتهم فلم يرهبهم عدوهم بل مضوا في سبيلها ليثبتوا أن كيانهم مرتبط بهذا الحق و لولاه لا معنى لهذا الكيان و وجوده ، الاستشهاد لم يكن بعيدًا عن أنظارهم و لكنه ثمن قليل مقابل المثمن الأعلى و هو نقش الاعتقاد في عرش القلوب الواعية .
.
هويّة الإنسان لا تشكلها ملامحه الخارجية فهو متشابه بها مع باقي أقرانه ، إن اختلفت أشكالها فإن مهامها واحدة قائمة بلا فرق بينها ، هويّته يشكلها مذهبه الفكري و عمله الإعتقادي المبني على هذا الفكر أو ما يسمى بباعثه للعمل، الشخص الذي يستحي من معتقده أو يستجدي من غيره أن يعطيه صكوك القبول به هو شخصٌ مذبذب و فكره أكثر تذبذبا بحيث أنه غير قادر على اثبات نفسه و أحقيته داخل المؤمن به فما بالك باثباته قبال باقي المدارس و المشارب ؟
.
من يعتقد أنّ تمام عمله يكون بطيّ هذا الأمر و تلطيف ذلك الأمور يعني أنه ليس سوى نسخة ممن قالوا ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) فهو يخجل من معتقده و فكره و يحاول تبريره لغيره ، لأنه بالأصل استورثه دون أن يستقرأه ، إن أردت لغيرك أن يحترم فكرك فاحترمه أنت أولاً ، و لا تستجدي احترامه طمعًا بكلمة عرفان هنا أو شكر هناك أو بضع مجاملات تصدر لذر الرماد ، يروى عن أبي ذر رضوان الله عليه قوله : ما ترك لي الحق من صديق .
.
و ما هذا إلا لأن هويته كانت ( ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء .. أصدق لهجة من أبي ذر) [4] و الناس يانفون من الحق فتركوه وحيدًا يجابه الباطل ، وقف يومًا أمام أحد قصور معاوية فصاح : يا معاوية ! إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الاسراف [5] ، إذن مكانته هذه استحقها لأنه آثر الجهر بما يراه حقًا و لم يخش شيئًا في إعلان اعتقاده حتى مات وحيدًا في الربذة بعد أن نُفي إليها .
.
إنّ قناعات و اعتقادات الناس تجاهي و تجاه فكري -مثلاً - لن تؤثر به طالما أن هذا الإعتقاد وصلت له بفكري و بحثي و استقصائي ، كل ما يقولونه بعد ذلك في باب التهجم و الاستهزاء موعوز لجهلهم به و قلة اطلاعهم عليه أو لتأثرهم بمحيطهم السائد ، و التاريخ يشهد أنّ من أثّروا فيه هم من آثروا تحدّي السائد ؛ لا أدعي أنني أغيّر مسار التاريخ و لكني على الأقل لا أجامل فيما أعتقد كرامة لمن لا يستحق و في هذا كفايتي.
.
خلاصة الكلام من ثمار الأفكار: اليقين بالشيء عند المرء ضمانٌ له ألا يضره كل ما يُقال حوله ، فاللؤلؤة لن يغير كُنهها اللؤلؤي وصف الناس لها بأنها جوزة .
.
هذا اليقين بذرته البحث و منبته العقل و منزله الإطمئنان ، ثلاثة أضلاع تشكل الهويّة التي يريدها الإنسان لنفسه ، دونها لن تكون هناك هويّة إنما علبٌ فارغة تملأ في الصباح و ترمى فارغة في الليل ، دورة حياتها مقتصرة على حمل ما بداخلها و متى ما انتهى .. انتهت .
.
الجاذبة لما كتبت هو حالة الهستيريا التي حدثت في الأيام الماضية فدفعتني لأن أعود للماضي قليلاً أستحضر منه بعض ما تعلمته ، لأهيء بذلك لما هو قادم إن شاء الله .
_____________
[1] ورد الحديث الشريف في عمار بن ياسر رضي الله عنه ، و مقاتلته للبغاة .
و قد استشهد رضوان الله عليه في صفيّن .
[2] من محاسن كلام أهل البيت عليهم السلام ، و كلامهم كله نور .
لقراءة باقي الوصية : اضغـط .
[3] معالم المدرستين ج 3 ، السيد مرتضى العسكري .
[4] من حديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في أبي ذر رضي الله عنه.
[5] أنساب الأشراف ، البلاذري .

هناك 10 تعليقات:

سيدة التنبيب يقول...

ما شاء الله لا إاله إلا الله

كأني أستمع لخطبة من على منبر الحسين ..

واصل و نحن من المتابعين إن شاء الله ..

يعطيك العافية

Manal يقول...

لك بصمة خاصة يا اخ سفيد في عالم المعرفة والثقافة ماشاء الله
والاسلوب الذي تنفرد فيه

احسنت
وجعله الله في ميزان حسناتك

فعلا الوضع كان مزري

اشواك وليس كلام كان ما يطرح في كتابات البعض وفي اغلب التعليقات

الحمد لله على كل هال
والله يجمعنا ولا يفرقنا على دين محمد ص وآله

تحياتي لك اخي الكريم
وبانتظار البقية

بو محمد يقول...

أتعلم أخي الفاضل
تكهربت بكل فقرة من فقرات المقال و كأنني استمع لحيث شخص امتثل ببدنه أمامي، أنا من شديدي الإعجاب بهشام رضوان الله تعالى عليه و بما تطرح عزيزي
بارك الله لك بعقلك و عملك

أحيانا يكون الترفع عن الخوض في جدال سمته الحماقة في أي قضية كانت سياسية أم شرعية أم اجتماعية أم أخلاقية و غيرها سواءا مسلم لها أم مختلف عليها منجاة للعاقل من الإهانة و حفظا لاحترامه و قدره تأسيا بما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حين قال
"ما جادلني عالم إلا وغلبته ، وما جادلني جاهل إلا وغلبني"
فتجنب الحوار غير المتجرد و غير العقلائي أفضل من الخوض به حسبما يرى شخصنا المتواضع، الإحترام سمة للكرام إن ورد عن سمو و ارتقاء أخلاقي و ليس ضعفا أو عيره، و لي في حادثة الشامي مع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مثال عظيم حين وجد إن إساءته استقبلت بكرم أخلاق و عطاء السبطين عليهما السلام، و لو كان غيرهما في ذالك المقام لهاج و ماج
نحن بمحل المتعلم يا سفيد دوما ف"الحكمة ضالة المؤمن" و التقلب بين سنون عجلة الزمن أحيانا يفرض على الإنسان الرجوع إلى ارشيفه الفكري و ينظم مستقبله بمقتظى ذالك الأرشيف
عزيزي
صقل الفكر أمر ضروري عندنا فلا من آرائك النيرة
دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

مطعم باكه يقول...

سفيد ايها العزيز ..

ومن جهة أخرى فإن الكثيرين يرفضون التغيير بدعوى التمسك بافكارهم , فاحيانا يكون الإنسان على ضلال ويرى الهدى لكنه ينكره , لا لجهله به , بل خوفا من محيطه الضاغط عليه ..!

الأكيد - بالنسبة لي - ان فهمنا للأمور الدينية والشعائر الدينية , كله فهم نسبي وناقص يختلف فيه الإنسان عن اخيه , فكيف بك بطائفة او بدين كامل , فإن قام شخص برفض شعائر معينة تقوم بها طائفته , فليس بالضرورة يكون هذا الشخص منقادا مع التيار الكبير الرافض لهذا الأمر , بل ربما يكون لديه فهم خاص اوصله لرفض هذه الشعائر .

ولك في التطبير مثال , التطبير الذي مورس بسببه ارهاب فكري بين تيارات شيعية , وكان ارهابا فكريا متبادلا ..!

دمت كريما اخي الكريم ..

Safeed يقول...

سيدة التنبيب ،،

الله يعافيكم ،
أنا أقل من خدمة منبر الحسين عليه السلام .
نتشرف بمتابعتكم .

.
.

Manal ،،

و أنتم من المحسنين إن شاء الله .
ما حدث في الأيام الماضية يذكرني بما مضى في بدايات الانترنت .
أهم ما يمكن الاستفاده منه هو ألا يخجل الإنسان من معتقده ، أو يحاول " تسهيله " للبلع .. فمعنى القيام بهذا الأمر أن هذه العقيدة غير قابلة للتعاطي مع الآخر و هذا أول الأخطاء .
لم يكن هؤلاء ليتمادون لولا بعض من سهل لهم هذا الطريق بصمته المطبق .

Safeed يقول...

بو محمد ،،

أهلا و سهلا
كلامك صحيح حين يتوجه نحو الجدال و الحوار ، و لكن أحيانا يجب أن ننزل بانفسنا لمستوى ( الخوار ) حتى يعلم كل شخص قدره .
هذا الترفع يكون مع المستحق له ، لا لكل من هب و دب و هذا ما سأحاول بيانه لاحقا إن شاء الله .

.
.

مطعم باكه ،،

كلامك مهم ، لكنه سابق لأوانه :)
هذا الشخص الذي يرفض التطبير بالمثال الذي ذكرته ، لن ينال الاحترام على فكرته إلا إذا اثبتها و دافع عنها في حدود الاحترام و الاختلاف .
أما إن يعتمد على الذائقة الشخصية ، ثم يحاول أن يجبر الناس على ذائقته فهذا لا يعتبر صاحب فهم خاص ، بل حاله كحال من وصفت .
الفهم الخاص لا يعني الاستهزاء أو الشماتة أو النزول إلى الدرك الأسفل ، بل يعني بنيانا قائما على أساسيات أخرى قد يقبلها المرء أو يرفضها فهي بالنهاية تابعة للقناعة و ليست فرضا .
على كل حال سآتي على ذكر هذه النقطة لاحقا إن شاء الله .
شكرا للمتابعة

سراج يقول...

مأجورين.. الله يجعل هذا الجهد في ميزان حسناتكم
الشيعة هم أكثر الناس زهواً بمذهبهم.. لكنك قد تجده مقصراً لأسباب: أهمها أنه قد يكون قاصراً عن إمتلاك الإسلوب الذي تكتب به.. لا أكثر ولا أقل

Safeed يقول...

سراج ،،

المسألة ليست القدرة على التعبير بقدر ما هي ناظرة للقدرة على اثبات الذات قبال الغير .
هذا التقصير بحاجة للعلاج ، أولى خطواته تشخيصه و الاعتراف به .
الزهو الذاتي لا يمكن أن يعود بفائدة إذا لم يقابله اعتزاز به ، و الثبات عليه .

آجركم الله ، و رزقنا و إياكم شفاعة محمد و آله عليهم السلام .

سراج يقول...

الزهو هو غاية الإعتزاز أي أنه يأتي بعد الثبات
مشكلة التقصير هذه الكل يعترف بها، لكنه المشكلة أنه يريد أن يكتب بطريقة تناسب شأن من يكتب عنهم (عليهم السلام) وأحياناً يريد أن يكتب بأسلوب أرقى.. أي أنه يخجل من التقصير عن أعطاءهم حقهم الذي يستحقونه، مع أنه مقتنع أنه لا يمكن لأحد أن يصل لحيقتهم.. يعني المسألة ليست خجل.. كما تقول

Safeed يقول...

سراج ،،

في الحقيقة أنا أعتبر الموضوع ينظر لجهة اعتقاد الإنسان نفسه ، من لا يملك ثوابتا و حدودا تنظم حياته ، ينتخبها لنفسه و بقناعته هو برأيي لا يزال يعيش في مرحلة البهيمية ( راجعوا موضوع : بهائم البشر ) .
ليس المطلوب منهم أن يكتبوا بحار الأنوار ، أو الاختصاص ، أو الاستبصار و لا حتى أن يقدموا تفسيرًا كتفسير علي بن ابراهيم القمي رضوان الله عليه ، حتى يعتبر خوفهم من النقص من مقام الأئمة عليهم السلام سببا في تقصيرهم .
ليس المطلوب منهم أن يكتبوا في سير الأئمة عليهم السلام ، كل المطلوب منهم أقلاً هو أن يملكوا القدرة على اثبات معتقدهم في وجه من شاؤوا بعيدا عن الصمت المطبق أو المهادنات و التنازلات و الخطابات الاستجدائية.
" ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك " لا تعني أنني أفتح صدري لسكينك ، بل تعني أن حواري و نقاشي سيكون أرقى لرقيي ، دون أن أعمد إلى كسب ودك بصمتي حتى ترضى عني .
تعلمت من الحسين عليه السلام أن لا أضع مبادئي في محل المساومة قربة لفلان أو علان فهذا يعني أنها مبادئ ورقية لا تستحق الاعتقاد بها .
كمثال أضربه و ذكره الأخ مطعم باكه ، هو التطبير .
قبل أيام بدأت موجات عظيمة من الاستهزاء بهذه الشعيرة و للأسف أنها قوبلت إما باصطفاف بجانب هذا الاستهزاء أو بدفاع خجول عنها ، و الواقع أنهم عمدوا إليها كمنفذ لقضية الحسين عليه السلام و لولا هذا الخجل من الدفاع عنها لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من استهزاء .
لا أقول دمروهم و اقتلوهم و العياذ بالله بل أقول جابهوا استهزائهم بدفاعكم المنطقي و العقلاني عن معتقدكم و حقكم و اعتزوا بذلك ، أمير المؤمنين عليه السلام في احدى خطبه كما يرويهاالطبرسي في الاحتجاج : " فالعجب كل العجب، وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم، وتخاذلكم عن حقكم ".
و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم