2 يناير 2009

سـفــير الحسـين عليه السلام.



وحي عاشوراء [ 5 ]

مرقد الشهيد مُسلم بن عقيل عليه السلام في الكوفة - العراق

من تصويري



يُقال بأن أعرابيًا وقف يومًا على باب كسرى ، فدخل الحاجب على كسرى يستأذنه لدخول الرجل و قال :


- رجلٌ من العرب على بابك يستأذنك الدخول .


فأذن كسرى له بأن يدخل ، و حالما وطأت رجلاه الليوان سأله كسرى : من أنت ؟


فقال : عظيم العرب !


قال كسرى : و كيف تكون عظيم العرب ، و قد قلت للحاجب بانك رجل منهم ؟


فقال الأعرابي : إنما كنت رجل من العرب قبل أن أدخل على عظيم العجم .


فالعظمة صفة اكتسابية ، يفرضها محضر الشخص ، و كان العرب يطلقون على من يختلف على مجالس البطالين بالبطال و الصعاليك بالصعلوك و الأدباء بالأديب ، فهذه الصفات رغم عموميتها إلا أنها انسحبت على كل من إلتمس منها شيئًا ، فكيف بمن تربى في محضر العظمة ، و شرب من ماءها و غرس فكره بيدها ؟

و ما بالك لو اقتبس هذا الإنسان مشعلا من نور العظمة ذاتها ، و أي عظمة أعظم من الحسين عليه السلام ؟


هذا هو مُسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام ، سفير الحسين عليه السلام و ابن عمه و ثقته ، بعثه للكوفة بعد أن وصلته كتبها بأن الجناب قد اخضر و أن الثمار قد أينعت و أن الإقبال على جنودٍ مجندة .


كتبت سابقًا عن " بهائـم البـشر " و هم الذين آثروا جنبتهم الحيوانية على جنبتهم الإنسانية ، لأنهم أضعف من التمسك بالنظم الأخلاقية و أوهن من الإلتزام بالآداب الإسلامية و ما فيها من مسحة مهذبة للنفس ، مرتقية بها إلى مدارج العلو ، و لكني اليوم أكتب عن علية البشر ، عن أرقى مفاهيم الإنسانية حين تتمثل بشخص لا تخرج من دائرة الشهيد مُسلم بن عقيل سلام الله عليه .


كان شريك الأعور صديقًا لمُسلم بن عقيل ، نزل الكوفة بدار هانئ بن عروة ، معروفًا لدى كبارها ، مميزًا عند عقلائها ، فلما ورد مُسلم الكوفة و نزل بعده موفد يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد فيها ، تمارض شريك حتى لا يزور ابن زياد أو يلتقيه سيما و أنه بالظاهر كان من الموالين ليزيد و بني أمية ، و بالباطن كان مسلمًا أمره لمُسلم ، و حين سمع بذلك ابن زياد عزم على زيارته ، فما كان من شريك إلا أن بعث لمُسلم و أتى به للدار و طلب منه أن يختبئ خلف الباب حتى إذا انفرد بابن زياد قتله ، و انهى بذلك فتنة أهل الكوفة التي أحدثها هذا الدعي .


فلما دخل ابن زياد استبطأ شريك مُسلم فأخذ عمامته من على رأسه و وضعها على الأرض ثم وضعها على رأسه و فعل ذلك مرارًا ونادى بصوت عال حتى يُسمع مُسلمًا :


ما الانتظار بسلمى لا تحييوهـــا .. حيوا سليمى وحيوا من يحييها


هل شربة عذبة أسقى على ظمأٍ .. و لو تلفت و كان منيّتي فيهـا


وأن تخشيت من سلمى مراقبـة .. فلست تأمن يوماً من دواهيهـا


وما زال يكرره وعينه واقعة على الباب ، ثم صاح بصوت رفيع : اسقنيها ولو كان فيها حتفي .


فالتفت عبيد الله إلى هانيء وقال : إن ابن عمك يخلط في علته !


فقال هانيء : إن شريكا يهجر منذ وقع في علته وأنه ليتكلم بما لا يعلم .


فلما ذهب ابن زياد وخرج مسلم قال له شريك: ما منعك منه؟


قال : منعتني خلتان:


الأولى حديث علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتكُ المؤمن.


والثانية: إمرأة هانيء فإنها تعلقت بي وأقسمت علي بالله أن لا أفعل هذا في دارها وبكت في وجهي.


كان من الممكن لمُسلم بن عقيل أن يكتب شهادة النجاح المادي للثورة الحسينية الخالدة بضربة سيفٍ واحدة يُنهي فيها ابن زياد و مؤامرته في الكوفة ، و ما تبعها بعد ذلك من مآسي لا تزال تجر الويلات على أمم المسلمين ، إلا أن عظمة مُسلم تمثلت في أن نفسه علت حتى أصبح الإنفصال بينها و بين الرغبات الحيوانية التي تثيرها دوافع الغدر و الغيلة منفصلة تمامًا ، و هذه هي حقيقة الإنسانية في أسمى صورها ، و هذا ما يكفل الخلود لصاحبها ، فانظر لسيرة مُسلم اليوم و قسها بسيرة أعدائه ترى الفرق بين النجوم الساطعة و حبات الثرى المظلمة .


الزميل مطعم باكه في تعليقه على ذلك الموضوع قال : لكن لو كان في مرحلة ونقصت حاجة من حاجات المرحلة السابقة لها فإنه يتحول لحيوان جارح في سبيل تحقيقها ..!


مثال على ذلك الإنسان حين يكون مكتفيا من ناحية الغذاء , وفجأة يفقد هذا الإكتفاء , فإنه يضرب بكل القيم المجتمعية عرض الحائط إن لم تحقق له رغبته بالغذاء ..!


فكان الجواب : سيرة مُسلم بن عقيل نفسه ، فإن نفسه تجنبت النزول لمدارك الحيوانية ، هناك فرق بين من يتلزم بهذه النظم الإنسانية إيمانًا منه بها ، و بين من يلتزم بها خشية القانون أو خوفًا من قيم المجتمع المفروضة .


كان مُسلم رحمه الله يعلم بأن الفارق بينه و بين ابن زياد ، فارق بالأخلاق قبل كل شيء فإن السيف أمره سهل و لكن القدرة هي من تحدد قيمة هذا السيف ، حين بعث ابن زياد محمد بن الأشعث لقتال مُسلم في أزقة الكوفة و قد كان وحيدًا فريدًا فيها ، كتب ابن الاشعت لعبيد الله : أتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقيًا من جرامقة الحيرة , وإنما بعثتني إلى أسد سيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام .


في حادثة أخرى تؤكد هذا السمو النفسي لمُسلم بن عقيل أنه حين دخل دار الإمارة بعد أن اثخن بالجراح و كسرت رباعيته طلب شيئًا من الماء يروي به عطشه قبل أن يقطع رأسه ، فلما أُتيَ له بالقدح قربه من فمه فاختلط الماء بالدم الجاري منه ، فأبعد القدح و رفض الشرب ، فمثل هذا الماء لا يجوز شربه ، ليلقى ربه عطشانًا ثمنًا لإنسانيته ، التي فضل أن يموت مدافعًا عنها على أن يحيى حياةً كبهيمة الأنعام ، هكذا هم رجال المبادئ لا يتنازلون عن مبادئهم لأن حياتهم دونها لا معنى لها .. فهم كمن قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام : الموت في حياتكم مقهورين والموت في حياتكم قاهرين.


السلام على مُسلم بن عقيل ، ثقة الحسين عليه السلام و أخيه و ابن عمه ، و على أولاده الشهداء عبد الله و محمد و إبراهيم .

  • كلمة :

في صحيفة النور ، ج 8 .. يقول الإمام الخميني رحمه الله :

" لو كان الأمر منحصراً بشخص مقدِّس جالس في الغرفة و البيت، يقرأ لنفسه زيارة عاشوراء و يسبّح، لَمَا بقي شيء.

كل مدرسة تحتاج إلى الضجيج، يجب أن تضرب عندها الصدور.

و كل مدرسة لا يوجد عنها لاطِموا الصدور و لا يوجد عندها البكاؤون و لا يوجد عندها الضاربون على الرأس و الصدر، فإنها لا تُحفظ"

هناك 11 تعليقًا:

YouSTaN يقول...

عظم الله اجورنا و اجوركم بمن غدر به و طعن من خلفه و تكسرت عظامه وجر في الاسواق ليخافوا باقي الناس لكي لا يبايعوا ابن بنت رسول الله فلعن الله كل امة ظلمتك يا آل بيت النبوه و الكرامه و الجود

بو محمد يقول...

أحسنت يا سفيد
في موقف مسلم عليه السلام و التزامه بكلام رسول الله صلوات الله عليه و آله و بوعده لزوجة هانئ تجلي لأحد جوانب قضية كربلاء و هو الجانب الأخلاقي الرفيع، و حري بالإنسان التأثر بهكذا أخلاق حتى يسمو بنفسه و أخلاقه و معاملاته
بوركت و بورك مجهودك

سيدة التنبيب يقول...

أول شهداء الثورة الحسينية
باب الحوائج
فخر الشباب الهاشمي
وحيد الكوفة و غريبها ثم قتيلها

السلام على مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة يوم ولدا و يوم استشهدا و يوم يبعثان ..

Ahmed.K.A يقول...

يكفيه فخراً وصف الحسين له بـ " ثقتي من أهل بيتي " ..

السلام على بن أبي طالب ..

حقاً انهم من اهل بيت كبيرهم لا يقاس و صغيرهم جمرة لا تداس ..

مأجورين

ZooZ "3grbgr" يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
ZooZ "3grbgr" يقول...

مسلم بن عقيل

هذا الشهيد العظيم

هل تعلم ما يبكيني في سيرته؟

أقسم بالله بأنني عندما أذكر موقفه عندما بكى قبيل قتله فإنني لا أستطيع حبس دموعي




فلا يزال كذلك يقاتلهم حتى اثخن بالجراح وتعب من القتال وهم خآئفون لا يقتربون منه ، فاسند ظهره الى جنب الجدار . فاخذوا يضربوه بالحجارة والسهام

وهو يقول لهم : لا أم لكم الا ترعون حرمة رسول الله فأنا من أهل بيت نبيكم?

فكرّ عليهم من جديد وهم يفرون من بين يديه فرار المعزى من الاسد حتى وقع في جوف حفرة قد حفروها للايقاع به فجائه رجل وضربه من خلفه على ام رأسه فتكاثروا عليه حتى اسروه وهو مثخن بالجراح

فأخذوا يجرونهم بالحبال وهو يبكي
فقال له رجل : ان الذي يطلب كما تطلب اذا نزل به ما نزل بك لم يبك .

فقال : والله ما على نفسي بكيت ولكني ابكي لأهلي المقبلين ابكي للحسين وآل الحسين .

غير معرف يقول...

ما أحوجنا إلى استذكار آثار العظماء.

للتنويه فقط:

يجب وضع " تحييها" بدل " تحيوها" في قافية البيت الأول.

أيضا يجب حذف " من " من الشطر الأول من البيت الثاني.

السلام على مسلم بن عقيل.

لا جف مدادك.

Safeed يقول...

YouSTaN ،،

آجركم الله .
أحسـنت .
.
.
بو محمد ،،

و أنتم من المحسنين إن شاء الله ،
هذا الجانب الأخلاقي هو أحد أهم المحاور في قضية كربلاء ، محور يوضح لنا أن الثورة هي انتفاضة لإعادة الأخلاقيات قبل أن تكون فعلاً لتغيير الواقع .
شكرا للمرور .

Safeed يقول...

سيدة التنبيب ،،

آجركم الله .

.
.
Ahmed.K.A ،،

آجركم الله .

Safeed يقول...

ZooZ ،،

تلك النفوس علت ، فتعلقت بمظاهر لطف الله سبحانه .
فأين نحن منهم .. إنا لله و إنا إليه راجعون .

.
.

غير معرف ،،

شكرًا أستاذي للتصحيح ،
آجرك الله .

كبرياء وردة يقول...

مسلم ابن عقيل سلام الله عليه، سليل ال بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ابن اخ حيدر الكرار، وذو عصمة صغرى

فلا عجب إن كانت هذه شمائله وخصاله
يكفي ان الحسين (ع) قال فيه : المفضل من أهل بيتي
السلام عليك يا مسلم يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا