12 يونيو 2009

لمّـا باقـوا نعـالـي


هذه الدنيا غريبة بمقدار التشابه الهائل بين مكوناتها،تمتلك وجوهًا و وجودات كثيرة لكنها في الحقيقة واحدة، العرفانيون يقولون بأن (الواحد لا يصدر منه إلا واحد) قاعدة أشعلت حربًا بين العلماء بين من يؤمن فيها و بين من وصل به التطرف لتكفير القائل بها،أنا شخصيًا يهمني أحد مصاديقها و هو أن في كل شيء وُجد أو تواجد أو يوجد الآن دليل و مفتاح على أن صانعه هو (واحـد) سبحانه.
.
في وصيته لهشام يقول الكاظم عليه السلام : إن لله على الناس حجتين حجّة ظاهرة وحجة باطنة ... وأما الباطنة فالعقول[1] .
على أساس هذه الرواية العظيمة يكون لكل شيء وجودان وجود ظاهري نراه و نتعامل معه كما هو و يُمثل الحجة الظاهرة و وجود باطني مختبئ لا نلتفت له إلا نادرًا و هو الحجة الباطنة التي عُرفت بالعقل ، ،وجود يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّه مهما اختلفت صورنا فنحن حين نتأمل جوهرنا نجده واحد ،القرد في الغابون الذي يأكل من شجرة تُسقى بماء المطر لا يختلف في دافعه لهذا الفعل عن الجالس في مطعم ماكسيم يأكل أرجل الضفادع بإحدى ضواحي باريس، المغزى و الفعل واحد و إن اختلف الاتيكيت و البرستيج و الديكور، فعلهما واحد و هو مجرد فعل غرائزي تهذب الثاني في فعله بسبب ما تفرضه الأحكام العقلائـية عليه.
.
قبل عدة أسابيع دعيت للعشاء قررت أن أصلي المغرب في المسجد لانطلق بعدها للموعد، وصلت و وضعت نعالي- أجلكم الله- على الرف خارج المسجد ،كان النعال جديدًا و غاليًا و دخلت للصلاة حين انتهيت قابلت عند باب الخروج أحد أصدقائي الأعزاء ممن رافقني بمشوار الدراسة التعيس أخذتنا الأحاديث لأخرج بعدها وأجد أن نعالي اختفى و وُضع مكانه نعال آخر قديم و متهالك لا يصلح لأن يُلمس فما بالكم بأن يُلبس !
.
هكذا يتراءى الباطن لي، على الرغم من أن العلم لا يفصح الكثير عن هويّة الإنسان إلا أنّ التأمل بباقي المخلوقات و الأحداث التي تجري عليها سيعطيك رؤية أشد اتساعًا لحقيقته أو على الأقل سيقودك من خلال ربط القرائن إلى فهم أفضل لأفعاله و تصرفاته و ما يقوم به ، لا بد و أن يوجد له شبيه في الأشياء الموجودة بهذه الدنيا هذه التشبيهات تثبت أنّ كل التعدد الموجود في العالم يتناغم و يتوافق ليُثبت أنه من مصدر واحد حتى الحوادث التي تمر علينا و نخوض غمارها تملك في تفاصيلها ما يمكن تفسير الكثير مما يمر علينا بها.
.
لا يفصل باب ساحة الصلاة عن السور الخارجي للمسجد إلا عدة خطوات، خطوات قليلة تحدد لنا الفارق بين (البـشر) ، تحدده بصورة يُمكن تعميمها على كل الحوادث الأخرى، في الوقت الذي يدخل به المتطهرون ليُصلوا يأتي الآخرون لنفس المكان و لكن لـ'يسرقوا' النعـل!
عجيب أن يرى الشخص أمامه محلاً للتقديس فيفضل أن يستهلك طاقته في التدنيس، أن يترك الفضيلة ليمارس الرذيلة ، كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها في توصيف الحال.
.
لا أكتب حزنًا على نعالي الذي لم أتهنى به ، و لكن أكتب لأنني أرى أن الموقف مشابه جدًا للكثير مما يجري حولنا و يفسره بأفضل طريقة، في السياسة و في الإجتماع و في المنزل و في العمل و في قاعات الدراسة و في أي مكان يجتمع به الناس كلها أماكن تتوافر و تختلط بها المناهج و التيارات و المسالك بحسب الموجودين بها فيها الطيب و الرديء و فيها الحسن و القبيح و غيرهم رؤيتنا هي التي تحدد ما الذي نريد استلهامه منهم؟
.
دائمًا ما نوضع أمام خيارين أمام شيئين حين نتخذ قراراتنا ، كما كان هذا "المستعير" أمام شيئين أن يستفيد من محضره ليُصلي أو ليسرق هكذا نحن نملك الخيار بين الجيد و السيء في أحيانٍ كثيرة نختار السيء لأننا نحكم عليه بالظاهر ،و ظاهر الأمر أن المصلحة فيه أكبر ،الذي يصلي لا يرى ثواب عمله بل 'يرجوه' و الرجاء ليس مثل الاستحواذ ،هذا "المستعير" رأى استفادته من "النعال" استحواذ بينما الصلاة عنده كانت "رجاء للثواب" فقط، غياب الجوهر الباطني عنده و عدم احساسه به دفعه لمثل هذا العمل ،قد لا نسرق النعل من عند المساجد و لكننا [كـ بشر] نقارب باختياراتنا في حياتنا اليومية هذا الفعل كثيرًا.
.
الكثيرون يعيبون على سارقي النعل من أمام المساجد ،ولكنهم يغمضون العين عمّن يسرق (حقائق الإنسانية) من البشر على الأرض، لم أعد أتعجب و أنا أرى يوميًا تناقضات كثيرة بالمواقف و الكلمات تعيب على طرف و هي ترتمي بأحضان طرف آخر و لا ترى نفسها كيف تقع بتناقض صارخ بين ما تمارسه و ما تدعو إليه، في كل المجالات :السياسة و الإجتماع و الأدب و الفن.
.
من يُـنـّظر للحريّة أو الكرامة و حين الإختبار يدوس عليها و يطبّل لمن هو ضدها ،و من يعيب على غيره مسألة الشرف و الطهارة ثم ينقلب عليها و يختار أبعد الناس عنها ، و من يدعي الإستقامة و هو لا يعرفها ، و من يدعي الديمقراطية و هو 'فرعون' مصغر ،و من يحلم بالمساواة ثم يكرس التفرقة و غيرهم- ما شئت فعبّر- أولئك كلهم كمن يصل إلى باب المسجد ليسرق نعالاً ،هؤلاء اقتربوا من هذه المعاني السامية (الحرية/الكرامة/المساواة/العدالة/الموضوعية..إلخ) و لكنهم فشلوا في معرفة كنهها ، مثل هذا السارق الذي وصل للمسجد و اتجه للسرقة!
.
سقطوا بالإختبار ، وقعوا بالتناقض ، و مارسوا أقصى درجات التلون ،لمـاذا؟
.
لأنهم (خافـوا) من الإفتراض .. خافوا من افتراض تحقق هذه الشعارات لأنهم يجهلونها و لا يعرفون التعامل معها،خوفهم قادهم .. لا يقينهم لا فكرهم لا مبدأهم لا إيمانهم ، كالسارق .. مُسلم يصل إلى باب المسجد لكنه يخاف من الفقر و بدلاً من أن يسأل الرازق سبحانه الذي يؤمن به قاده خوفه إلى تجاوزه ليضمن عشاء ليلته بسرقته لـ "نعال" –أجلكم الله-!
.
في الغابات الضباع و الأسود يأكلون اللحوم ظاهريًا و لكن الأسود يمثلون معنى القوة و الضباع مصداق للخسة ،لأن الأسود لا تأكل الميتة بينما تبحث عنها الضباع، أن تموت جوعًا في الغابات عند الأسود هو أفضل من أن تتخلى عن طبيعتها و كينونتها لتشابه الضباع، مَلكت الأسود الغابات بسبب هذا الشيء لا غيره.
.
فضلت الرجوع للمنزل حافيًا على أن آخذ النعال المهترئ فربما كان هو مسروقًا بدوره، هكذا تعلمت أن الشيء إذا كان في محل الشبهة فتركه أولى ، و أن من أدخل نفسه في موضع الشبهة فلا يلومن من أساء به الظن ، و أن المبدأ لا يتجزأ و الحقيقة لا تنقسم و الطهارة لا تتحول ، أرجع حافيًا و أتأخر على موعدي أفضل عندي من أن أدّعي إلتزامًا بمبدأ أمام الناس و أنا في واقعي أنقضه 'باستعمال' فضلة السارق المهترئة بحجة أن الواقع يرغمني على ذلك ..
.
أنا من أرغم الواقع ، لا هو من يرغمني !


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم ( اضغط )

7 يونيو 2009

[ صـور ] - متحف الفن الإسلامي

فضلاً انتظر حتى تظهر كل الصور.


في السفرة الأخيرة قمت بزيارة خاطفة لمتحف الفن الإسلامي في العاصمة القطرية - الدوحة.
المتحف قطعًا يستحق الزيارة بسبب ما فيه من كنوز و جواهر فنيّة إسلامية نفيسة ، هذا إلى جانب معماره الرائع و توسطه لمياه الخليج التي تحيط به من كل جانب.
المعروضات في المتحف كثيرة جدًا ( صورتُ أكثر من 180 صورة ، و هذا المعروض جزء قليل جدًا منها ) ، و تمتد المعروضات على مدار طابقين كبيرين ، يحتوي كل طابق على عدة أقسام تتناول جانبًا معينًا من التاريخ الإسلامي و تتناول جزءًا محددًا من المعروضات .



أنا شخصيًا أعجبت كثيرًا بالمخطوطات و الكتب النفيسة الموجودة فيه ، بينما الذي كان معي ( مهندس ) 'بط' راسي بحديثه المتواصل عن الإبداع في الأعمدة و نقوش السجادات الموجودة! .. و يبدو أنه لم يستوعب للآن أن للناس فيما يعشقون مذاهب .


اسم المتحف على أمام المدخل الرئيسي له المتحف يمثل جزيرة في وسط البحر ، و الرابط الوحيد بينه و بين اليابسة هو جسر
منه تشاهد الدوحة القديمة ( الموجودة في الصورة )

هذه الردهة مقابلة لباب الدخول مباشرة

من هذه النوافذ بإمكانك مشاهدة (الدوحة الجديدة) و هي المنطقة التي تقع في الطرف المقابل

و تتركز بها ناطحات السحاب التي تبنى هناك الآن
لم أستطع منع نفسي من الضحك على تعابير الوجهين المرسومين داخل "الطاسة" !

اتوقع أن صانعها بدأ العمل بها بعد الإنتهاء من راس "ترياك" !

من كثرة "المواعين" الموجودة بالمتحف توصلت إلى استنتاج أن الشعوب الإسلامية شعوب "بطينية" بالفطرة
حيث أن معظم ما بقي من آثارها هو "مواعين الأكل" !
إلى الآن قاعد أحاول أتخيل حجم رقعة الشطرنج إذا كانت أحجارها بهذا الحجم !
إما إنهم كانوا عمالقة أو إنهم كانوا يلعبونها و هم فوق أحصنتهم !
هالخوذة ذكرتني بفيلم " وا إسلاماه " لأحمد مظهر لمّا مثل دور سيف الدين قطز !
الذي هزم المغول بـ"عين جالوت"
كل ما تمعنت بالصورة أكثر كل ما توصلت إلى الإقتناع أكثر بأنها أشبه بوجه "بوكيمون" منها للخريطة!قارورة من الذهب الخالص و بالنهاية داخلها "ماي ورد"!هذا المجسم يملك هيبة كبيرة! أعتقد أن الصورة لا توفيه حقهفي هذه الصورة يشرح الكاتب منازل القمر ، و في هذه الصفحة وصل للمنزل الخامس عشر المعروف بـ"الغفرة" جامي شاعر فارسي قديم له قصائد عديدة تتعلق بالعرفان و التصوف و الحكمة
رغم أنه ليس ذو شهرة واسعة إلا أن ديوانه معروف عند المهتمين بهذا المجال
و قد ذكره العلامة الطهراني في موسوعته النفيسة ( الذريعة ).
شدتني طريقة إذابة العقيق و صبه على الحجر على شكل صورة شاه جهان زوج ممتاز محل الذي بنى "تاج محل" تكريمًا لها!
غمد الخنجر مصنوع من المخمل الأحمر و مطرز بالذهب و الياقوت !
لمّا شفت المقلمتين .. تذكرت مقلمة أحد أصدقائي في الثانوية ، كانت 'متروسة' بكل أنواع الأقلام و المساطر
احدى الذكريات الجميلة معها ، في ثانية ثانوي و بمختبر الكيمياء كنت جالس على الطاولة الأولى و خلفي بطاولتين كان صديقي صاحب المقلمة و لأنني أكره الكيمياء و ما " أبلع " شرح الأستاذ حذفت " محاية " على صديقي - من باب التحرش و تضييع الوقت - و هو يكتب الدرس فكانت إصابة مباشرة لرأسه! و ردًا على هذا الهجوم المباغت مسك مقلمته "الضخمة" و حذفها بكل قوة و "حقد" باتجاهي، و بلطف من الله و حسن التقدير أزحت رأسي بمقدار 45 درجة لتمر المقلمة من جانب رأسي و تتوجه بسرعة الصاروخ لتضرب ظهر الاستاذ و هو يكتب على السبورة!
ما في داعي لذكر باقي التفاصيل .. لأنها بقدر ما كانت 'مؤلمة' للاستاذ بقدر ما هي مضحـكة لنا بسبب الذي حدث و بسبب تصرف الأستاذ .. و لكن تخيلت لو أن المقلمة كانت مثل اللي بالصورة! شنو اللي راح يصير !!
اللوحة مرسومة بالأصباغ و "منقشة" بالذهب ، و كما ذكر العلامة آغا بزرگ الطهراني في الذريعة ج 19 أن عنوانها هو "فرس نامه" و تعني تاريخ الفرس.
و كان الشاهات يطلبون صنع نسخة من هذا الكتاب ربطًا لأنفسهم بتاريخ إيران ، و تعد شاهنامة (تاريخ ملوك فارس) الشاه طهماسب الصفوي أروع و أجمل الشاهنامات التي نُظمت في التاريخ الإيراني.

أعتقد أن الصورة تعود لعهد الشاه عباس الصفوي الكبير ، ففي عهده اصبحت اصفهان عاصمة للدولة و حاضرة كبيرة من حواضر العالم الإسلامي ، و كانت وفود الأوروبيين من السياح و الرحالة و السياسيين تأتي لها بحيث أصبح وجودهم مألوفًا في أصفهان ذلك الوقت.
و لكن ما لفت انتباهي في الصورة هو رسم ( الكلب ) أجلكم الله خلف الرجل الأوروبي ! و في هذا إشارة لاستحقار الرسّام للأوروبيين لأن الكلب - أجلكم الله - في المفهوم العام يشير للتحقير و النجاسة! و هو عكس المعنى الذي يشير له عند الأوربيين .. أعتقد أن وجوده في اللوحة أضفى ( طباقا ) جميلا لها.
جزء من نقش جداري كبير موجود في المتحف ، و هي أسماء كتبت باللغة العربية في الهند المغولية
منقوشة على أحجار مصنوعة من الطين الأحمر.


لوحتان تمثلان حسن علي ميرزا و الشيخ علي ميرزا من الشاهات القاجاريين ، و هم آذريين ينحدرون من القبائل الآذرية في شمال إيران ، و تأسست الدولة القاجارية على يد نادر الدين شاه قاجار الذي انقلب على الدولة الصفوية و أسس الامبراطورية القاجارية في إيران قبل أن تنتهي و تسقط على يد رضان خان بهلوي ( والد آخر الشاهات محمد رضا بهلوي ).

بخط محمد بن سيف الدين النقاش - بغداد

اللوحة مرسومة في حدود عام 1644 م

يُعتقد أن هذا الرأس يعود لتمثال يمثل أحد أمراء السلاجقة لمدينة الري و هو مصنوع بالكامل من الجص المطلي.


صورة أخرى من شاهنامة طهماسب و تمثل قصة عبور " فريدون " لنهر دجلة بالعراق.

.....

و هنـاك صور أخرى عديدة لا يسع المجال لنشرها كلها.

أعتقد أن المتحف من الأماكن القليلة التي تستحق التفكير الجدي بزيارتها من كل شخص.

موقع المتحف على الإنترنت : متحف الفن الإسلامي .

1 يونيو 2009

الـحُـب الأنـانـي


الإنسان مجبول على حب ذاته [1]، هذه قاعدة أخلاقية إن امكن التعبير عنها بذلك ثابتة عند معظم علماء الأخلاق، ويصف هذا الحب المولى النراقي على أنه حبٌ لدوام الوجود، فهو يحب البقاء و يحب الاستمرار و يكره العدم الذي يتصوره بالموت و يكره الألم لانه يعني انعدام الراحة و يحب الشبع لأنه يعني انعدام الجوع، فهذا الحب هو الذي يجذب الفائدة و المنفعة للإنسان لأنه من خلاله يفعل كل ما بإمكانه لضمان استمرارية وجوده أو إطالة بقائه و في نفس الوقت هذا الحب هو الذي يدفع المفسدة و المضرة عنه.
.
فالحب[2] هو غريزة أساسية في كل إنسان جُبل عليها ،تختلف أنواعها و تتعدد و لكن تظل أقواها محبته لنفسه لأنها التي تعطيه الدافعية للعمل " المصلحي" ليستمر وجوده، و لأنها موجودة فيه فهذا يعني أنها موجودة عند غيره، من هنا يظهر أن كل عمل يقوم به الإنسان هو عمل مصلحي بالدرجة الاولى ينبع من الأنانية (الـ أنا)،أنانية الاستئثار بما يحقق للفرد المصلحة التي يبتغيها.
.
و لكن هناك مسألة أخرى تتداخل و هي مسألة الثواب و العقاب على الأعمال ،إذا كانت أعمالنا تنطلق من دافعية غريزة الحب ،و هذه الغريزة قائمة على مبدأ جلب المنفعة و درء المفسدة،فلماذا نحن محاسبون على ما يجلب المنفعة و يطرد المفسدة؟
.
الواقع أن الإجابة تكمن في ضرورة تهذيب هذا الحب،الثواب و العقاب ليسا سوى نوع من تهذيب المصلحة و الإرتقاء بها لدرجة أعلى، لكون الحب هو فطرة تدعو صاحبها لحب ذاته و ما يمت لها بصلة فهي تتطرف في جلب المنفعة على حساب الآخرين،يمكن ملاحظة هذا الشيء بدرجة كبيرة عند المصابين بداء العظمة أو النرجسية و ما يُطلق عليهم 'الديكتاتوريين' فأعمالهم كلها من وجهة نظرهم مبررة لأنها قائمة على جلب مصلحة لهم و دفع المضرة عنهم،فالقاتل يقتل لمصلحة و السارق يسرق لمصلحة و هذه كلها متولدة من شعور حب الذات، و ما يحيّد هذه التصرفات و يقمعها في النفوس السليمة هو إيمانها بواقع الثواب و العقاب لأنها بذلك تكبح جماح "حب الذات" من التعدي على الآخرين خوفًا من العقاب لأن أثر العقاب و ألمه سيكون أكبر من الفائدة المرجوة من التعدي على الآخرين أو تتوقف عن التعدي طمعًا بالثواب الذي يحقق مصلحة أكبر و أفضل من تجاوز حقوق الآخرين و بذلك يتهذب هذا الشعور.
.
يقول العلامة الطباطبائي :
« ومن المعلوم أنّ الاَخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة [3]لم يبق للاِنسان همّ إلاّ مراقبة رضاه تعالى في أعماله ، وكانت التقوى رادعًا داخليًا له عن ارتكاب الجرم ، ولولا ارتضاع الاَخلاق من ثدي هذه العقيدة ـ عقيدة التوحيد ـ لم يبق للاِنسان غاية في أعماله الحيوية إلاّ التمتع بمتاع الدنيا الفانية والتلذذ بلذائذ الحياة المادية»[4]
.
وجود الحب وحده و الإعتماد عليه لا يكفي لأنه بحاجة لمَسلك يرسم له الطريق الصحيح الذي يجب أن يسير عليه، الحب هو طاقة هائلة مندفعة كالسيارة المسرعة في السباق إذا لم يُحدد لها المسار ضاعت سرعتها دون أن يفوز صاحبها،فكما أن السيارة بحاجة لطريق مخطط عليه الإتجاه كذلك الحب بحاجة لمسلك أو بالأحرى فعل 'مهذب' يترجم هذا الشعور الطاغي و يحوله من شيء باطني داخل نفس الإنسان إلى ظاهري يتمثل بالخارج.
.
جانب كبير من الهويّة الإنسانية أنها تقوم على مبدأ عدم الإشتراك،يعني أنني أنا أختلف مع غيري ،أملك شيئًا يميزني و يعطيني الإنفراد عن الآخرين،ميولي قد لا تناسب ميول الآخرين،هواياتي كذلك،بل حتى فكري و قلمي و هيأتي الخارجية كلها تجذب بعضًا و تنفر بعضًا آخرين، فالناس لا يفكرون بطريقة واحدة ولا يملكون نفس الأعين لينظروا من خلالها لكل شيء نظرة واحدة،فكل سلوك أو منهج أتخذه و أجعله مؤطرًا لهذه الطاقة التي فيني ستوجد من يختلف معها،الفوز بمحبة جميع الناس هو غاية ينالها منعدم الشخصية أو المنافق المتلون،الذي يعطي لكل جانب الوجه الذي يريده،بينما من يملك هويّة [5] من المستحيل عليه أن يداري باعتقاده في كل الأوقات كل الناس.
.
هذا الإختلاف حالة تدل على طبيعة جريان الحياة و لولاه لما حدث هناك (تدافع اجتماعي) يكون نتيجته تطور المجتمع و ارتقاؤه،فمن صراع المختلفين تنتج الفائدة لهما ،حب الذات هذا قد يكون في قوة جاذبيته للمنفعة عند كل البشر نوع من التدافع و لكنه لا يكتمل إلا إذا تحول هذا الحب في طور من أطواره إلى طارد / دافع للمضرة التي قد يراها طرف آخر مصلحة فيجذبها.
.
نوعية هذا الجذب و الطرد هي التي تحدد الشخصية،من يطرد السيء يجذب الحسن و العكس صحيح فيما يُروى عن الإمام علي عليه السلام : لا يسود الرجل حتى لا يُبالي في أي ثوبيه ظهر.
و معناها أن من يملك قابلية السيادة و فرض النفس على الآخرين بالقبول هو الذي يعتمد على انتهاج منهج واضح لا تعارض فيه بين ما يؤمن به و ما يفعله،فيكون تقييمه على رأيه و شخصه لا على "لبسه و مظهره"،و هكذا يضمن الوصول لأكبر شريحة من الناس ،فخيركم – كما في الرواية – من يألف و يؤلف، الثبـات يعطي الثقة بالنفس و هذه الثقة تنتشر للآخرين فيثقون بك من هنا يتآلفون معك.
.
« إن حب الذات الذي جبل عليه الإنسان لم يُخلق عبثًا لكي يحاول اجتثاثه من دخيلته ، إن صلاح الإنسان و بلوغه الكمال لا يعني أن هناك مجموعة من الامور الزائدة قد عبئت في ذاته فعليه أن يسعى لإزالة تلك الامور الزائدة المذمومة المضرة،و بعبارة أخرى: تكامل الإنسان لا يكون بالحذف منه،بل بالإضافة إليه.
إن الواجب الملقى على كاهل الإنسان هو السير نحو الاكتمال،و هذا يكون بالاستزادة لا بالانتقاص
»[6]
.
اليوم نعيش في زمن انقلبت فيه المفاهيم أصبح الحب يُصور على أنه عطاء بلا حدود و أن الأنانية فيه هي وصمة عار في جبينه،و لكن لاشيء من هذا صحيح، العار هو أن يحول الإنسان نفسه إلى كيس ملاكمة تلتقطه كل يد و تضربه كل كف! كأنه لا قيمة و لا دور سوى العطاء اللامحدود فقط، الصداقة و حسن التعامل مع الآخرين لا يعني التحول إلى 'كائـن' بلا مخالفين له فهذا مستحيل على الأسوياء.
.
العطاء بلاحدود و دون مقابل هو "استغفال" للمعطي،لابد من وجود ثمن و فائدة يجعل لهذا العطاء قيـمة و مكانة، الأنانية ليست شرًا مطلق بل هي خير و لكن بشرط أن تلتزم بمنهج سليم ،منهج يجعل هذه الأنانية أداة لجلب المنفعة للإنسان و بالتالي لمجتمعه، الأنانية تصبح سلبية حين تكون متعلقة بذات واحدة ترى نفسها فوق الجميع،و رغبتها فوق رغبات كل المحيطين بها وترى في نفسها علوًا على الباقين ، و لكنها إيجابية جدًا إذا أمكن استغلالها جيدًا و تهذيبها بتحويل (الـذات) إلى كيان يشترك مع ذوات الآخرين و يتفاعل معهم من خلال إضافة منهج لها يقودها و بالتالي أنت و المجتمع للأفضل.
.
بدلاً من محاربة "حب الذات" و تصويره على أنه خطيئة يجب التطهر منها،حوله لحسنة تجلب النفع لك و لغيرك لأنه طاقة هائلة و جبارة محاربتها ستكلفك و تتعبك أكثر من احتوائها وجعلها أداة ارتقاء لك بتشذيبها.

ملاحظة : هذه المقالة مجدولة للنشر آليًا ،اللي يخاف من العفريت يطلعلو، و لأني أخاف أن اخطو خطوة واحدة دون حسابها،طلعت لي "رحلة سفر" اضطرارية من اللامكان! نراكم بعد أسبوع إن شاء الله :) .
________________
[1] جامع السعادات ، للشيخ محمد مهدي النراقي رحمه الله ج 3 ص 626 / و فيه توسع بحثي جميل من المؤلف في مسألة الحب و الكره.
[2] الحب كما كتبت عنه سابقًا هو مصطلح فضفاض،له تعاريف عديدة، ما أتحدث عنه هنا هو الحب كغريزة لا حب اللذة الشهوية و هو "قاتل الفضيلة" التي تحدثت عنه سابقا : راجع هنا و كذلك راجع هنا
[3] العقيدة المقصودة هي ما شرحها العلامة بقوله : « إن الاخلاق لا تفي بإسعاد المجتمع ولاتسوق الاِنسان إلى صلاح العمل إلاّ إذا اعتمدت على التوحيد ، وهو الاِيمان بأنّ للعالم ـ ومنه الاِنسان ـ إلهًا واحدًا سرمديًا لا يعزب عن علمه شيء ، ولا يُغلَب في قدرته ، خلق الاَشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها وسيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته ثم يخلدون منعّمين أو معذّبين»
[4] الميزان في تفسير القرآن ج 11
[5] راجع موضوع : من أنـا ؟
[6] من كلمات الشهيد د. مرتضى مطهري

22 مايو 2009

صـح النـوم


« قبل سبعين سنة حين نزل – رحمه الله – للدراسة في النجف الأشرف كان على عكس أقرانه يبحث عن الأساتذة الكبار بالسن الذين تذكره رؤيتهم بالله عز و جل ، الذين تكون حركاتهم و سكناتهم امتثالاً لطاعته و استعدادا لملاقاته – سبحانه – بعيدين عن الدنيا و ما فيها ، أحدهم كان يجلس قبيل صلاة المغرب في الصحن الحيدري و يلتف حوله الطلبة الصغار و الجدد كل يوم يعطيهم كلمات بسيطة في ظاهرها عميقة بمعناها عن حقيقة الوجود و صيرورته ، كلمات نورانية فيها العبودية الخالصة لله سبحانه، كانت تصنف على انها مواعظ و ليست دروسا حوزوية ، و لكن كثرتهم حوله حولتها لدروس توقظهم من سبات الدنيا »

.

هذا جزء من كلمة انقلها بالمعنى عن السيد إمام الجزائري سمعتها منه في تأبين المرجع الراحل الشيخ محمد تقي بهجت رحمه الله قبل أيام قليلة، حين وصل لهذه الكلمة توقف ذهني عن متابعته و بدأت أسرح فيما بدأ يطرأ ببالي ، تذكرت قوله تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر.
.
فالله سبحانه و تعالى يُسمي النوم وفاةً ، يعني أن النوم هو ' بروفة ' مصغرة للموت ، تغادر النفس فيها البدن ثم ترجع أو لا ترجع فالروح باقية و البدن ميت[1] و معنى التوفي : قبض الشيء على الإيفاء و الإتمام ، يعني أن زمان بقاء هذه الروح حبيسة الدنيا قد انتهى ، وأن مهمتها قد أُتمّت دون اختيار منّا بل اختيار من قذفنا فيها، لا أعلم و أنا أضع رأسي على الوسادة كل ليلة إن كان ما سأراه طيفًا يمر أمام عيني بروجعها أم واقعًا جديدًا سأستيقظ عليه !
.
هنا بدأ فكري يغوص في هذه الآية على رغم كل المحيطين بي كنتُ كذلك الأعمى بين المبصرين ، هم يبصرون به و هو 'يتبصر' بهم ، و كلٌ بما لديهم فرحون .. لا أذكر الكثير مما قاله السيد بعد ذلك في التأبين لكني أذكر أنني تذكرت كلمة تروى عن أمير المؤمنين عليه السلام تزامنًا مع الآية يقول فيها : « الناس نيّـام ، فإذا ماتوا انتبهوا »[2]
.
و هنا بدأت أضواء الإشراق تتلألأ اما ناظريّ، كيف يُسمي الله سبحانه النوم وفاة و موت و يسميه الإمام – عليه السلام- الإنتباه ، أي اليقظة بعد النوم !
كيف أوفق ما بين نقلين فيهما معنى كبير ..
.
بدأ عقلي يجري معي ، حين ننام تنام عيوننا و تخرج أنفسنا و لكن تظل إدراكاتنا ، أحاسيسنا و أفكارنا حبيسة هذا البدن ، يستمر العقل بالعمل ، و تقوم أجهزة الجسد بوظائفها ، شهيق و زفير ، دورة دموية ، شعري ينمو و أظافري تطول ، و عيني تسبح تحت أجفانها يمينًا تارة و يسارًا تارة أخرى ، عجيب هو كمُّ القضايا التي يحلها عقل الإنسان و هو نائم ؟
و الأعجب منه هو استجابة هذا العقل و الإدراك لرغباته ليغذيه في أحلامه بما افتقده في واقعه، أحلامٌ تصور لنا المستحيل حقيقة ، و حقيقة بسيطة ، و البساطة سعادة!
.
النوم عن الواقع .. هو واقعُ النوم ، النوم ليس غيابًا عن الوعي و لكنه تغييرٌ له[3] يستجيب خلاله الإنسان لكل شيء و يتعامل مع كل الظروف التي تحيط به بلاإرادية ،يحتكم فيها لما سكن بنفسه و استقر بوجدانه، تخرج منه التصرفات على السجية،دون أن يعصف ذهنه وصولاً للفكرة،دون أن يتعب نفسه بتحريك بدنه و يكتفي بإدارة عقله لكامل وجوده و هو مغمض العينين ،و يحاول غالب الأحيان أن يصم أذنيه عن صوت المنبه ،أو يجعله جزءًا من حلمه حتى لا يستيقظ من فراشه الوثير.
.
نحن هكذا،نعيش كما يعيش النائم أحلامه ، نعتقد أننا نتحكم في دنيانا بكل شيء كما نتحكم بأحلامنا و الحلم الذي يرعبنا سينتهي بمجرد أن نفتح أعيننا !
.
نعيش هذه الدنيا كما لو أنها واجب لا نحبه و لكن نحله! نطفو مع أمواجها ،نمارس أعمالنا اليومية بروتين قاتل و نتصور أننا ملكنا أسباب كل شيء و نحن في الحقيقة لا نملك سوى أوهام نخدع بها أنفسنا، نقتل أيامنا بنومنا، و نعطل عقولنا بحجة أننا لسنا بحاجة للوعي طوال اليوم، و ما نمارسه فيه الكفاية لطاقة عقولنا على التحمّل.
.
نعتقد أننا أفضل من أولئك النائمين ، نومة صغرى كانت أو كبرى ،بسبب أننا قادرون على التصرف و الفعل و هؤلاء سُلبوا هذه القدرة و لكن لا نسأل ما فائدة هذه القدرة إذا كانت بلا جدوى؟
أو كانت موجهة لغير مقصدها؟
ما فائدة الفعل إذا كان منحصرًا فيما 'يفرضه' الواقع عليه، لا ما نفرضه على الواقع ؟
فيما يجبرنا عليه لا ما نجبره نحن عليه؟
.
أولئك النائمون يرسمون ما يشاؤون على لوحات أجفانهم، و نحن نكسر أحلامنا على صخرة 'جمودنا' ،اولئك يعلمون أنهم نائمون و لكن نحن غافلون عن هذه النومة، الأسوء من تجاهل الحقيقة بعد معرفتها هو التغافل عن وجودها!
كما يكره النائمون صوت المنبه ،كذلك نحن نكره المنبه الذي يذكرنا بحتمية الرحيل.
.
النائمون حقيقة أرواحهم نشطة ، و النائمون مجازًا أرواحهم مكبلة بقيود الإنخداع باليقظة ،هكذا نعيش حياتنا نمارس روتيننا اليومي و نجابه مصاعب الحياة على أنها مسائل بقاءٍ أو فناء ،ثم بعد أن تنتهي مهمتنا بالدنيا تتجلى الحقيقة أمامنا و هي أننا كنا نائمين و الآن نحن مستيقظون .. و أن الفناء و البقاء لم يكن أبدا متعلقا بأي من مصاعب حياتنا!
.
كنا نائمون لاننا نعتقد أن هذه الدنيا مثل ذلك الفراش نحن عليه كالنائم في حلمه، الذي يصنع ما يريد رؤيته ليشغل نفسه به هربًا من واقعه:الضعيف يتصور نفسه قويًا و الفقير يتصور نفسه غنيًا و الغني يتصور نفسه سعيدًا حتى إذا استيقظوا علموا أن ذلك ما كان إلا حلم من صنعهم.
.
هكذا نحن في حياتنا ،نائمون عن أنها دار عمّرناها لألاّ نمكث فيها ،كالقصور في أحلامنا نبنيها و لا نسكنها، هكذا تجلت عظمة تلك الكلمة عندي ، نحن نائمون عن حال هذه الدنيا و أنها دار ضيقة،و نخدع أنفسنا بأنها (الأجمل) و (الأفضل)، نتصور أن ما يكون بيدنا و نلمسه دائمًا خيرٌ من ذلك البعيد عنّا و نسمع عنه،لذلك هي أحسن على الأقل نحن نعيش بها و تآلفنا معها على عكس ذلك المجهول.
.
و لكن إذا مات الإنسان استيقظ و انتبه إلى أنه كان يعيش في محيط الخداع و الوهم،محيط الدار الضيقة التي سعى لأجلها مقابل الدار الواسعة التي لم يشأ رؤيتها أثناء نومه .
.
الله سبحانه و تعالى يرينا الموت كل يوم في أنفسنا قبل أي أحد آخر ،و مع هذا نحن ' نائمـون' لا ندرك هذه الحقيقة لأن إدراكنا تحول للأحلام و ترك الواقـع .. حتى ننتبه له فجأة .. كما ينتبه النائم على صوت منبه الاستيقاظ معلنًا له نهاية أحلامه!
.

_________________________________

[1] في إحدى دراساته يقول العلامة الطباطبائي :
« الموت بالمعنى الذي ذكر إنما يتصف به الإنسان المركب من الروح و البدن باعتبار بدنه هو الذي يتصف بفقدان الحياة بعد وجدانه ، أما الروح فلم يرد في كلامه تعالى ما ينطق باتصافها بالموت .. »
" ماذا بعد الموت ؟ " للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله – ص 13

[2] رواها العلامة ابن ميثم البحراني في " شرح المئة كلمة " ص 54 و كذلك الميرزا محمد تقي سبهر في ناسخ التواريخ.


مصدر الصورة : اضغط