10 أبريل 2011

الطائفية الإيجابية

الإنسان كالبصلة من كثرة قشورها لا تعلم ما هو لُبّها، فكُلما أزحت قشرة رقيقة ظهرت تحتها قشرة أسمك منها حتى آيس البشر وباتوا يسمون ويصنفون البصل على حسب ألوان قشرته، وأرض منبته. كذلك هم البشر، لا يمكن الإشارة لهم إلا بهوياتهم ولا نستطيع الوصول إلى لُبهم، فذاتهم مجهوله، وأثوابهم معلومة، وعليه بات من المتعارف تصنيف الناس بحسب أفكارهم: شيوعيين، ليبراليين، أو أديانهم: مسلمين، مسيحيين، أو أعراقهم: قوقازيين أو صينيين. فهذا «الإنسان» ليس صورة مادية كالبدن ولا جنبة روحية فقط بل هو كيان متميّز ناتج من اختلاط الإثنين ما يعطي له التفرد في وسط هذا العالم الذي يموج بالبشر ويضفي عليه هويته، ودونها فلن يكون إلا نسخة كربونية مكررة عن الآخرين.

لا يمكن لأي إنسان أن يعيش في أي محيط إذا فقد هويته وتنازل عنها، فهو بذلك يتنازل عن «إنسانيته» التي يُشار لها من خلالهما، ومصيبة أن تكون المطالبة هي بمسخ الهوية أو فقد الذات، ومصيبة أكبر منها هو إضاعفها لحساب تقوية هويّة أخرى، فأكبر خطأ في مسألة الوطن و الوطنية هو أن تتنازل مكونات هذا الوطن عن ذواتهم ، لايوجد شيء «يَضعُف» ليقوى شيء آخر إلا في المفاهيم البائدة ، هذا الضعف تعريفه الوحيد هو الهزيمة، و من ينهزم في وطنه و أرضه ومجتمعه، ما هي فائدته؟

تمثل الطائفة أو الفئة التي ينتمي لها الإنسان إحدى أهم هوياته، إلا أنّ مفهومها تعرّض لضربات عديدة بالتفسير وفق رؤى شخصية غالبها هي رؤى إقصائية ترى فيها طرفًا يقف في مقابل الوطن أو ندًا للوطنية بمعنى الإنتماء أو الولاء كما هو دارج على الألسن، وفي خضم ذلك يتم اهمال أهم نقطة في هذه المسألة وهي أن المجتمع الذي يقصي مكوناته يفقد هويته وفقدانها يعني تحوله لمسخ لا يملك قيمة بين باقي المجتمعات. فالطائفية قيمة إيجابية في معناها الصحيح، أما حين يتم تفسيرها سلبيًا فإن القيمة التي تُعطى لها نابعة من هذا التفسير لا منها هي ذاتها.

الطائفية التي تُطرح هي أن يصبح ميزان الحكم بناء على «الفئة / الطائفة/ الأصل» ، حين يتم إدخال هذه التصنيفات المذكورة في إطلاق أحكامٍ على الآخرين تُعتبر مبررًا لإقصائهم، أو إبعادهم طالما انتموا لها، أو بجعل التقييم لأي شخص نابع من النظرة الخاصة بهذه الفئة بغض النظر عن فكره و عمله و أثره الإيجابي. هذا المفهوم المطروح يختزل السلبية في كلمة الطائفة وهي لا تتحملها، كما أنّ الوطنية ذاتها يمكن اعتبارها طائفية بهذا المعنى إذا كانت لا تقوم إلا على عزل وإضعاف كل إنتماءٍ آخر يشارك الوطن، بتصورهم.

الوطن لا يتعارض مع الطائفة ، و لا خدمة الوطن تتعارض مع الطائفة احتفاظ كل فئة بتفردها هو الذي يعطي القوة للمجتمع لأنه يثبت أنه مجتمع قادر على احتواء الجميـع دون أن يحارب طرف أو يقصي طرف ، هذا يعني أنه مجتمع حي قادر على مواجهة كل عقبة أمامه و ليس مجتمعًا جامدًا ميتًا، فاعتزاز كل فرد بهويته طبيعة إنسانية، لماذا نحول هذه الجنبة إلى رمح نتصوره يطعن بظهر الوطن؟

حين تصبح الطائفة فوق الوطن لا معه، أو حين يكون الوطن مجرد أرض نمارس عليها إقصائنا و نحارب مكونات المجتمع باسمه حينها تتحول لرمح أما دونها فلا.

هذا المجتمع الأمريكي* -كمثال- يستمد قوته من تعدده العرقي و من قدرته على احتواء كل أنواع البشر فيه رغم اختلاف أعراقهم وأديانهم وأفكارهم. يجب علينا أن نتعلم منهم كيف نحول الطائفة إلى عنصر تعزيز للوطن بدلاً من دفعها لخانة العداء له. في سنغافورة هناك 23 لغة تنبئ عن الإختلاف ولم يجبر أحد عن التخلي عنها!، فوجودها ليس المشكلة، إنما جعلها هدفًا لسهام التفرقة هي المشكلة.

من أساسيات مفهوم الوطن أنه غطاء قادر على استيعاب الجميع وهذه هي روحية القانون الذي ينادى بحرية التعبير والبحث العلمي و العقيدة، هذه الحريّة الثمينة التي يريدون انتزاعها بحجة أنها تتحول لخطر على المجتمع ومخطئ من يظن أنّ الحرية خطر، سلبيات الحرية إن وجدت تُعالج بمزيد من الحرية المسؤولة ولا تعالج بالقمع والتضييق والإقصاء وعين الريبة.

الطائفية لا تعني نكران الوطن، والاعتزاز بالمذهب لا يعني محاربة الآخرين، فمحاولة تخويف الناس من هذه الأمور أشد خطرًا من من هذا التخويف لأنه يقوم على الظن والإفتراض المسبق. نحن نقول لدينا هذا التراث العظيم و لدينا هذا الفكر الرائع و لدينا هذه المفاهيم العميقة تعالوا نضيفها لما يملكه الباقون لصنع مفهوم جديد يستوعب الكل دون حاجة لاسكات طرف على حساب طرف آخر.

الشخص الذي لا يملك هوية تميزه هو شخص خاوي من الدخل و حين يريد أن يتحد مع آخر يملك هوية و يدافع عنها سيكون بمثابة توقيع وثيقة الاستسلام له لأن الممتلئ يستولي على الفارغ، الذي يملك شيئا سيغلب الذي لا يملك شيئًا. هذا النوع من الطرح يخلق «توحيدًا» قسري لا «وحدة» وطنية، وما يتم فرضه غالبًا يرفضه الإنسان ولو بعد حين لأنه مجبول على الحرية والاقتناع بالفكر لا بالاجبار على فكر.

وجود التنوع، و وجود هذه المكونات القائمة بذاتها هي التي تدفع لتطور المجتمعات و تقضي على الجمود فيها**.

أما الوطنية فهي أن أربط هذه الأرض و هذا الوطن بهؤلاء جميعا بأن أشعرهم بالإنتماء لها، بان أشعرهم بأنهم فيها وعلى أرضها يملكون ذواتهم، أنهم أحرار وأن لهم وطن يكفل حريتهم هذا ما سيجعلهم يقدسون هذه الأرض و يدافعون عنها ويجعلونها حجر الزاوية في اعتقادهم. الإنسان يقدس قيمة الحرية بصرف النظر عن تعبيره لها، ويعشق ما يشعره بهويته و أنه كيان متميز وليس مجرد رقم مطلوب منه أن يتنازل عن كل ما يمثله لخلق صورة وهمية عن المجتمع.

الوطنية هي أن أشعر الجميع بأنهم سواسيه في المعاملة، وأنّ الفارق بين المواطن و الآخر ليس هويته و ليس مذهبه وليس فكره أو أصله بل هي كفاءته، الكفاءة هي التي تحدد مقامه ودوره في المجتمع المدني وليس شيئ آخر، هكذا يُصنع التعايش، وهكذا يتم زراعة مفهوم الوطنية في نفوس الجميع، أما الشعارات عن «الوحدة» فهي وهمٌ لا يمكن للبشر أن يجعلوه مطبقًا يومًا ما.

« ..إن العودة إلى ثقافتي و الفقه الذي أنتهجه هي التي تمنحني شخصية إنسانية و تبدلني من محلي [أي إنسان عامي] إلى إنسان [بمعنى الكلمة] ومن همجي إلى متحضر، ومن مفتقر إلى صاحب ثقافة، و من مقلد إلى مبتكر، و إلى إنسان أصيل .. »***

ملاحظة: هذه مقالة قديمة لي، أعيد نشرها بعد إعادة صياغة بعض أجزائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*راجع:
نجحوا هم وفشلنا نحن

**راجع:
 البحث عن الوطنية I

البحث عن الوطنية II

*** علي شريعتي

23 مارس 2011

الطبول الفارغة

تبدو الحكمة كالمرآة، ثابتة في مكانها تعكس ما يمر أمامها، تعكس طورًا عمق نظرة قائليها، وطورًا آخر تعكس مدى استعداد مستقبليها لإدراك كنهها، لذا اعتبر الوعي حالة فوق الإدراك، وتمايز العلم عن الفهم. فإدراكك للكلمات المكتوبة التي تراها أمامك، وعلمك بوجودها، حالة منفصلة عن وعيك بما فيها، وفهمك لرسالتها ومغزاها. ومن هذا الباب يمكن استيعاب السؤال:

لماذا لا تموت الحكمة؟

لأنها تبقى حيّة ببقاء العقول، وقادرة على بث اشعاعها بتغاير الزمان، فرسالتها تتعدى الحروف المنظومة التي تشكل كلماتها إلى (الفهم) الذي تغذي به العقول، لتصعد بها إلى درجة الوعي بما هو "وراء المظاهر الخارجية للأشياء" وتقدّم فهمًا يتجاوز العلاقات الظاهرية.

في إحدى قصص «كليلة ودمنة» يصطدم الثعلب الجائع، بأن الطبل الذي سمع صداه، وأطرب صوته العالي أذناه، كان فارغًا حين مزقه بأنيابه بعد طول انتظار وصبر على الجوع، مُمنيًا نفسه باللحم والشحم الذي تصوّره المسؤول عن هذا الصوت العالي له، ليقول قولته الخالدة: «أفشل الأشياء أجهرها صوتًا، وأعظمها جثة»

إن عمق الحكمة لا يقتصر على اختزالها لمعاني كثيرة بكلمات بسيطة، ولكن يتمدد عمقها بالتزامن مع قدرتها على توليد معانٍ جديدة مرة تلو الأخرى، وفي بعض الأحيان بمدى درجة قابليتها لأن تصبح مقياسًا لإنتاج الأحكام بمجرد توافق معناها مع حالة ما.
يُقال بأن العربة الفارغة أكثر جلبة من الممتلئة، كالعادة حقيقة يتم تأكيدها مجددًا بصيغة أخرى، غالبًا الفارغ أعلى ضجيجًا من الآخرين، ولا يقتصر الأمر على الماديات بل يتعداه إلى الإنسان ذاته، الإنسان الذي لا يمكن وصفه – بحسب تعبير الفلاسفة- بـ"ما هوَ، هوَ" بل يوصف دائمًا بالهويّات التي يصبغ نفسه بها كإتجاهه الفكري، وميوله العقائدية، وذوقه الفنّي، وانتهاءً بلباسه ومظهره الخارجي، وممتلكاته. وهذه الأشياء قابلة للتغيّر والتبدّل لكنها غير قابلة للانتزاع، فكيف تستطيع أن تصف إنسانًا متجرّدًا من كل شيء؟ لا يمكن ذلك، لأن التجرّد التام وانتزاع النفس من كل شيء هو في الواقع ضربٌ من الخيال.

وعلى الرغم من ذلك تتقافز دعاوى التجرّد في كل مكان بصورة مقززة مقصية أهم حقيقة إنسانية: أنّ التنازع صفة أصيلة، وليست عارضة عليه.
إن لم تكن بالدين، فـ بالعرق، أو الفكر، وصولاً حتى لِلون القميص الذي يرتديه. هذا طبع بشري نابع من كون الإنسان يرى في نفسه رغم ضآلته القدرة على تطويع الطبيعة حوله لمصلحته، فإنه يميل للتعصب لمواقفه الخاصة وآرائه تبعًا للشعور الذي ينبع من إيمانه بقدراته. ولم يكن ذلك في يوم من الأيام عائقًا –لوحده- فقد استمرت البشرية بالتقدم في ذات الوقت الذي تتنازع به كل فئة مع الأخرى.

ولا يوجد ما يعصمهم من هذا التنازع إلا الوعي بالموقف، أما العلم والمعرفة فهي قد تكون أولى أدوات النزاع[1] وأهم أسلحته، وكلما تكاثرت في داخل النفس ازدادت النزعة الإقصائية أكثر وأكثر عند صاحبها ما لم تتزامن مع الوعي بأنّ العلم ليس سوى ثمرة لا تغني عن الشجرة التي هي السعي نحو الكمال عند الإنسان، وهذا السعي يسير بمسارين الأول على الصعيد الشخصي والثاني على الصعيد الاجتماعي. وإذا لم يعمل على كلا المسارين بنفس الوقت فإنّ أي جهد يبذل في أحدهما ليس أكثر من صوت طبل فارغ.

أكثر الطبول ضجة، أكبرها فراغًا. العلم والمعرفة والشهادات ليست سوى ذلك الغشاء الرقيق الذي يمثّل سطح الطبل، أمّا الأهواء وإيحاءات المجتمع، والخلفيات الثقافية والفكرية، وطبيعة الإنسان ذاته هي ذلك التجويف الذي يضفي على هذا الغشاء هذه الضجة. وهي التي تجعل من أصحابها يجمعون المقدمات الصحيحة، ويوظفونها للوصول إلى نتائج مسبّقة كمن يضع العربة أمام الحصان ثم يطلب منه السير. الجزيئات الصحيحة لا تقود بالضرورة إذا جمعت مع بعضها إلى كليّات صحيحة، فهو كمن يقول بأنّ كل معدن هو صلب، والزئبق معدن، إذًا فالزئبق صلب! فالقضايا العقلائية متغايرة، لكنّ العقلّية ثابتة[2].

هذا النوع من المغالطات هو البضاعة الرائجة عند أدعياء المبادئ الشعاراتية لأنها غير مبرهنة عندهم، فهو يقول بأنّ الظلم لا يجوز لكنه لا يحددّ ما هو الظلم؟ وباسم محاربة الظلم، يمارسه وبأبشع صوره! الشعارات والأفكار المبهمة تضلل أكثر مما تهدي، وطالما أنها لم تبنى على يقينيات وقضايا عقلية قطعية واضحة فإنها تتحول لنصلٍ بلا مقبض يضر صاحبه قبل غيره، ويسهل إدعاؤها ومن ثم يتم تغطيتها بأصباغ الرغبات الشخصية، والهواجس النابعة من شعوره بالخواء.

إنّ نغمة الطبل جميلة، كذلك هو حديثهم، مسبوك وجميل ويملك زخمًا إعلاميًا كبيرًا، حديث لا يختلف عن الصعقات الكهربائية تُرعش الجسم لقوتها، وسرعان ما تزول. وهذه الأحاديث حين التعمّق في معناها يظهر خواء باطنها. إنّ مثل هذا الحديث كمن يقول لك بأنّ «العقل هو سيدي»[3] ولكن يسقط السؤال حين تتساءل عمّا هو هذا العقل؟ لا يملك إجابة لهذا السؤال لأنه أتعب نفسه في سبك العبارة وتزيينها وتغافل عن حقيقتها، وهذا هو الفرق ما بين الحكمة واللغو، رغم أن كلاهما ليسا سوى كلمات مجموعة.

كما أنّ الطبول تعتمد على نغمات ضاربها، كذلك هي مبادئ وأفكار هؤلاء، يطوعونها على نغماتهم وما يريدون، ففي موقف تصبح الحريّات هي الغاية العظمى، وفي آخر هي الخطر الداهم، وما هذا إلا بسبب المناهج المتعددة التي يلّفقونها، يطبقون الأشد منها على ما يكرهون، ويجعلون الأيسر منها لما يشتهون. «فقتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر».

تغاير الأحداث في كل مكان، وتبدّل الأحوال يكشف الثابت من المتغير ، ويظهر من يؤمن بمبدأ يعرف ما هو، ومن يدّعيه ويوظف علمه في تأويله. إنّ كل طغاة الأرض كانوا من أصحاب المبادئ التي لم يحيدوا عنها أبدًا، كما أنّ كل المصلحين كانوا كذلك، وثبات الاثنين هو من كتب لهم بقاء الذكر في كتب التاريخ، الفارق بينهما هو في تعريفهم لما هي هذه المبادئ، فالصدق عند الكاذب ليس كالصدق عند المؤتمن، لذا لا يذكر الصادق كالفاجر، وإن كانا من أصحاب المبادئ.

الطبول الفارغة يملكون لسانًا وظهورًا بارزًا لكنهم لا يقدمون «عقلاً» قدر تقديمهم لاستعراض معارفهم المخزونة.

العقل يملأ تجويف الرأس، ولا ضجيج للعقول المفكرة، والطبل يملأ تجويفه الهواء، وما أكثر ضجيج الهواء!



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]« فما اختلفوا حتى جاءهم العلم» يونس/10


« وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم»آل عمران/19


وهذه حقيقة قرآنية بأنّ الجهل يسبب التقاتل، والعلم يبرر هذا التقاتل!


طالما أنّ هذا العلم لم يوضع في نفسٍ سويّة صالحة، فهو مُنّفر كما تُنّفر الجواهر إذا وضعت في أقذر آنية.


[2] راجع: هل كيف عقلك؟


[3] راجع مسألة العقل المجرد في مقدمة هذا الموضوع: شيء عن القراءة


27 فبراير 2011

دولة بعمر رجل واحد

تمثّل الدولة الأموية، وما شاكلها، دولاً بالمعنى المجازي، فهي تختزل كيان الدول برجالاتها، وتفصل ما بين الأرض والشعب وما بين نظام الحكم، وتعتبر الأوليين مجرد كماليّات يُتمم بها أُبهة السلطة، فنشوء وسقوط الأسر الحاكمة لطالما اعتبر نشوءًا وسقوطًا للدولة، وهكذا اعتبر أيّ اختلال واعتلال يمر عليها يستلزم اختلالاً واعتلالاً للدولة بأكلمها، فهي رأس بلا جسد.

هذه الدول كانت تسير بطريق أحادي الإتجاه، تفكيرها، وشعورها، وعملها، وسياستها كلها قائمة على رؤية واحدة لجميع أفراد المجتمع تتبع فيها رأي الحاكم أو القائد، فتمثّل الدولة كُلاًّ كاملاً مصطبغ بصبغة السلطة، بينما تمثّل الدولة الحديثة مجتمعًا متعددًا يمتلك فيه كل شخص آراؤه، وأفكاره، ومشاعره الخاصة به وتتمدد هذه التعددية إلى بنية السلطة نفسها، فتتحول الانتخابات إلى ما يشبه عمليّة ولادة متجددة للمجتمع والدولة، فتضفي عليها مرونة التعامل مع التغيّرات.

يمكن تشبيه الدولة ذات النزعة الأحادية بالأشجار التي تنمو رأسيًا، لا تملك القدرة على تغيير مكانها، ولا المرونة اللازمة لمواجهة الرياح العاتيّة وسلاحها الوحيد في مقاومتها هو غرس وتقوية جذورها، وتثبيت أركانها كحل أخير للتعامل مع ما يواجهها، بينما تحوّلت الدولة التعددية إلى ما يشبه النباتات المتسلقة، تلتف حول العقبة التي تواجهها وتستمر بالنمو متكيفة مع كل ما يحيط بها، فاستبدلت قوة الثبات، بقوة الإلتفاف، يكمن الفارق بين الإثنين في جمود الأولى ومرونة الثانية.

يتمثّل الجمود في الدول بمقاومة أيّة تحديات تراها، سواء داخليّة أو خارجية، ومجابهتها بالقوة، ولا تملك لغة للحوار غيرها لأنّ طبيعة تكوينها قائمة على رأي قاطع يصدره "رأس الدولة" وعلى الجميع الإلتزام به لأن الدولة ككل مختزلة به. هذه الدول تُحكم بواسطة صورة حاكمها أكثر من أفعاله، لذا تصر على زرع صورة القائد الحازم والصلب حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب، والدولة، ومتطلباتهما، لأنّ اهتزاز صورته تعني اهتزاز ثقة الشعب بالدولة وقدرتها على البقاء. بينما باتت الدول التعددية تعتبر القوة قمعًا للشخصية الفردية التي تكوّن بمجموعها عقلاً يعتبر «السلطة» فعلاً يستلزم الممارسة الفعلية لا مجرد صورة.

في المجتمع الأول ينشأ الفرد مستلب الإرادة، يكتسب الثقة من الحاكم الذي لا يملك حق محاسبته أو تغييره، بينما ينشأ في الفرد في المجتمع الثاني حر الإرادة، تنبع ثقته من قدرته على تصحيح المسار متى ما انحرف، فالسلطة في المفهوم الأوّل حق مكتسب للحاكم تعطيه الذريعة للتصرف بما يشاء مثل حق التصرف بحياته دون مساءلة عن اختياراته، ، فالحق لا يمتلك أحد محاسبة صاحبه به. وفي المفهوم الثاني هي وظيفة أعطاها المجتمع بإرادته للحاكم مشروطة بمراقبة مستمّرة. ويتمايز المفهومان في كون الوظيفة محددة السياسات والمهام غير مرتبطة بشخص، وجلّ مهمته هو التنفيذ.

تتمايز الحالتان في «ماهيّـة الدولة»، بينما هي مجرد كيان يمثّل سلطة سياسية تتممن على شعبها في الحالة الأولى أي «كيان سلطوي»، تصبح في الحالة الثانية كيان ينفذ الإرادة العامّة لخدمة الشعب، وبكلمة أخرى «كيان خدماتي» مهمته خمة الشعب ورعاية مصالحه التي أناطها به.

غير أنّ الدمج بين الحالتين، حالة الدولة السلطوية والدولة التعددية (أو الديمقراطية بكلمة أخرى) أنتج كيانًا يستغل الخدمات من أجل فرض وتعزيز السلطة، مستغلاًّ بذلك الذهنية الشعبية التي لم تتطوّر لتواكب مفهوم «الإرادة الحرة» لأفراد الشعب وما توفره للتنوع العقائدي والإثني، كما أنّ النظام بحدّ ذاته توقف تجديده عند المشاركة في السلطة، ولم يرتفع السقف عن ذلك. وما بين قصور المجتمع، وتقصير السلطة برزت إشكالية «المساومة على الدولة».

أبرز مظاهر هذه الإشكالية هو مساومة الحكومة لمشاركيها، بخدماتها مقابل ممارستها لسلطاتها، فيتحوّل النائب إلى مخلّص معاملات حتى تتمكن الحكومة من ممارسة السلطة دون مضايقة، ومن جهة أخرى هو يساوم الحكومة على جزء آخر من الخدمات بعرقلة سلطاتها بواسطة الأدوات التي يمتلكها، حتى يستطيع أن يخلّص معاملاته بمساومته للحكومة. والضحية غالبًا هو القانون الذي ينفذه طرف، ويشرّعه الطرف الآخر لأجل عرقلة عمل كل منهما، واستخدامه كورقة ضغط لتحقيق مآربه ضمن معركة التنازع المستمرة، وعليه تندرس هيبة القانون الذي يوضع للكسر، ويسود الجمود رغم هذا التنازع لكونه يدور في مربع واحد لا يتعدّاه، وتمضي هيبة الدولة في الزوال لأن كل طرف هدفه تسقيط الآخر بما هو مباح، وغير مباح.

قد يقول قائل بأنّ هذه مشكلة السلطة في الأساس، وهذا صحيح حين يُشار لذلك على أنّه رأس الهرم، أما جسم الهرم فهو المجتمع ذاته الذي عجز عن كسر طوقه والأخذ بمسؤولياته فهو يتصرّف من ردّات الفعل، وينتظر الواقع ولا يصنعه. إنّ مثله كمثل الهرّ الذي رآى صورته منعكسة على سطح الماء ففزع وبدأ يضرب سطح الماء بمخالبه بدلاً من أن يشرب، هكذا هو قصور المجتمعات عن إدراك ما بيدها حين تلجأ إلى البحث عن شمّاعات تعلّق عليها عدم قدرتها على التعامل مع ما وُهبت إيّاه من سلطات، تلجأ للتعارك معه بدلاً من الاستفادة منها، لأنها لم تستطع نقل نفسها كليًا من دائرة الإتباع إلى المشاركة، ويكفي الدليل على ذلك هو البحث المستمر عن «شخص واحد» يرمى على كاهله أسباب التراجع أو الفساد، سواء كان وزيرًا أو رئيس حكومة، وكأنه منفرد بلا ضابط في سلطاته.

وصف العقاد الدولة الأموية بأنها عمّرت عمر رجل واحد، حيث لم تستمر إلا لقرابة تسعين سنة، معللاً ذلك بما يشبه «الحوبة» لما ارتكبته من الفضائع التي حسبتها بحسبة التجار الذين «ينحون منحى الحساب والجمع والطرح في الدفاتر»، فهي استمرت بتدعيم أركانها بالقوة، واستمر الناس في الثورة على هذه القوة، حتى هلكت طاقتها مبكرًا وهي تدور داخل المربع الأوّل.
إنّ أعظم خطر يواجه أيّ مجتمع، بسلطته وشعبه، هو ألاّ يعرف ما هو، وما يملك، قبل أن يحاول معرفة ما يريد.

20 فبراير 2011

الوردة التي عرّت الرصاصة

كنّا في جلسة مسائية كعادتنا كل ليلة في بيروت أيّام الدراسة، ومن تحت النافذة كان يصعد لنا صوت شجار تعودنا عليه كل ليلة بين مناصري فئة، ومعارضي الأخرى، أحدهما صاحب بقالة والآخر صاحب محل لتنجيد مقاعد السيّارات، يشربان الشاي صباحًا معًا، وبعد العمل يتشاجران على السياسة الداخلية لواقع متأزم في لبنان، دفع صوتهما المتعالي أحد الأصدقاء من دولة خليجية مجاورة، لسؤال الآخر، الذي كان بحرينيًا، عن الذي ينتظرونه لينتفضوا على الوضع المزري القائم عندهم، بطالة، وفقر، وتقسيم فئوي، وإثني، وتجنيس سياسي، وعنصرية بغيضة، وتفرقة طائفية، وقمع، وعنف، وسجناء رأي بالمئات بما فيهم مراهقين لم يتعدّوا الخامسة عشر من أعمارهم.

ابتسم الصديق البحريني، فهو نفسه كان سجينًا سابقًا، وتعرض لتعذيب في التسعينات أصيب على اثره بأمراض متعددة لازال إلى يومنا هذا يُعاني منها، مرددًا بيتًا من الشعر: لا تكشفنّ مغطـًا .. فلربما كشفت جيفة

ولم يخبرنا بما هي هذه الجيفة، فقد انشغلنا بمتابعة الشجار اليومي الذي كان يدور بالشارع عن اكمال حديثنا قبل الإنصراف.

وأنا أشاهد، وأتابع، وأراقب ما يجري هذه الأيّام عرفت معنى ما أراد إيصاله من هذا البيت. مستذكرًا تمام البيت:
إنّ الجواب لحاضرٌ .. ولكنّي أخفيه خيفة.

خيفة من التصنيف، وخيفة من التنميط، وخيفة من هلامية الشعارات، وخيفة من ازدواجية الفكر، وحولان البصر، وسوء النية، وبئس المنقلب.

خيفة من علمه أنهم لا يحاربون حكومة، إنّما يحاربون موروثًا عجنت فيه الإقصائية، والعنصرية، ويحاربون فكرًا تربى على مياه آسنة سممتها الفئوية والطائفية، ويحاربون نظامًا يستند على أعمدة مستوردة، والأَمَر من ذلك كله يحاربون واقعًا مريرًا تزاوجت فيه كل الأمور المذكورة لتخرج لنا مسخًا متعدد الجبهات يرى في مطالبة ابن الوطن أجندة خارجية، وفي قتله على يد مرتزقة من بلاد الهند والسند، بسلاح غربي، وغطاء فئوي أجندة وطنية، وهذه الرؤية تأتي من الناس حولهم، للأسف!

ولمَ كل هذا؟

الخوف من نفوذ «إيران».

الاسطوانة التي شغلها الهالك صدام، حامي البوابة الشرقية، حين مزق اتفاقية الجزائر معلنًا حربًا طحنت مليون مسلم امتدت على ثمان سنوات سوداء. نفسها اليوم تتكرر، بلا أي إضافة جديدة أو حتى تعديل على شعاراتها، تحت هذه الذريعة يتم التبرير لسفك الدماء. وكأن دروس الماضي لم تعلمهم، وحضارات اليوم لم توعيّهم بأن الخوف شعور لا يتملك إلا الضعيف، وهذا الضعيف وحده من يتحمّل تبعية هذا الضعف، والتضحية بالناس لا تكفي لتغطية ضعفك. هذه الدعاية المؤلمة، التي تؤكد بثناياها أنّ الوضع الحالي هو من أوصلهم لهذا الضعف ومع ذلك يرفضون إصلاحه أو تعديله، تحت ذرائع شتّى بطريقها توفر الغطاء لكل عمليات القمع والعنف الممارس.

وعليه، تطل الطائفية برأسها، وتمارس لعبة «التقوّل» بأبشع صورها، ويُتّهم كل من يطالب بإصلاح وطنه، وتوفير لقمة العيش، وإزالة كابوس الرعب والقتل بأنه يعمل لأجندة طائفية، ويتم تقويلهم ما لم يقولوا، تختم الصورة بأنّ هؤلاء العزّل الذين جابهوا الرصاص الحي بصدورهم العارية إيرانيون!
اسطوانة تذكرني باسطورة أم السعف والليف المخيفة التي لم تكن سوى النخلة المسكينة .. مطالبات وطنية من أبناء الوطن لم يريدوا بها سوى إصلاح الحال تُقدم على أوراق الورود ليمزقها رصاص مدّعي المبادئ، قبل رصاص البنادق!

لا يوجد أسوء من سلب إنسانية الإنسان من خلال العناوين التي تغلّفه، قد تملك رؤية، اعتقادًا أو فكرة ما تجاه أيّ أحد، لكنّ ذلك لا يعطيك الحق في نفي وجوده، ولا يبرر بأي حال من الأحوال عدم قبوله. هذه تسمّى اقصائية برزت بأشدّ صورها حين تواطأت وسائل الإعلام التي أشعلت الدنيا للتغيير في مصر وتونس على طمس ما يحصل، وسائل الإعلام التي عَبَرت القارات لتنقل الصورة ثم غرقت في شبر ماء يفصلها عن الأحداث الدموية بجانبها، وبرزت أكثر حين قام من يدّعي الديمقراطية، والعدالة، والحرية ويحمل مشاعلها بإعطاء الحق للقمع، والعنف خوفًا من اختيارات الأغلبية أو ميولهم.

ومما يؤسف له، أنه خوف يقوم على افتراضات مسبقة، وعلى نية مبيتة، تتجاهل كل الوقائع الثابتة بأنّ الحقوق للجميع، وليست حكرًا على طائفة أو فئة، وأنّ المطالبة سلمية لم تكن تريد سوى تنفيذ الوعود المقطوعة.
لتكشف لنا أنّ هذه القيم المذكورة هي «قميص عثمان» ترفع متى ما وافقت الهوى، وتنزل متى ما كانت تخالف التوجسات الموهومة، وأنها رائعة حين يتم توظيفها للمصالح الشخصية، وقبيحة حين تتطلب منك ما يتعدى مصلحتك الذاتية.

هكذا بدت في أحداث البحرين، وهكذا تبدو في أحداث البدون، بتغيير بسيط في العناوين العامة، وابقاء الجوهر كما هو، عنصرية مقيتة، وتبريرات واهية للإلتذاذ بالتعامل الإقصائي.

أثبتت الأحداث أن هذه المبادئ التي رفعت فوق كل زاوية هي مجرد كلمات تلوكها الألسنة، تنزلها في غير منازلها تارة حين تجعلها فرقانًا بين الحق والباطل في قضايا لا تحتمل هذا التقسيم، وتدفنها تارة أخرى في قضايا لا تقبل إلا الحق أو الباطل، لتؤكد مجددًا على أنّ الأزمات لا تولد إلا من أرحامٍ متأزمة "مبادئيًا"، هي بحاجة لتحرير هذه المبادئ قبل أن تدعيها، وترفع أشرعتها.