
كم أنا في شوق و حنين و لوعة و أنين للجلوس معكم و التسامر في محضركم عمّا إعتلاكم من الطوام و أصابكم من الآلام جراء تسلط اللئام و ابتعاد الكرام عن مزاولة شؤون العوام بما يرضي النفس و الأنام بصنوف الولاء و الإحترام فتنالوا بذلك المرام و تبلغوا الوئام ليحسنُ بعد ذلك الختام.
لذا أكتبُ لك بعد طول الفراق و كثرة المشاق التي غلفت قلبي المشتاق ، و بعد أن صار حديثنا يتم عبر الأوراق عوضًا عن شد الوثاق و ضرب الأعناق دون إشفاق .
صديقي العزيز ،
سمعتُ حديثًا عرفته ، و بيان لمحته ، و مشهدًا انتظم صيته و علا صوته ، بأنكم مجددًا على أبواب الإنتخابات بعد النتائج المثبطات التي غطت سحائبها سماؤكم عن النّجوم السراة فبسَطت على واقعكم بيديها المجذومتين المشكلات، و طرقت في أجنابكم الحسرات، و تركت في سجلكم صفحاتٍ من المنجزاتِ خاليات، حينها تذكرتُ تلك الأحلامُ الحسان عن الأوطان و الجنان التي كان حديثكَ بها يزدان و لكن الأمر بكم شان و أصبح أمَلكم خسران فهل لا زلت تملك الإيمان بأن الجميل في طور الإمكان رغم كل هذا الخذلان ؟
صديقي العزيز ،
قبل أيام و شهور و بضع نهاراتٍ و عصور عمَّ حميرستان السرور و بدا ذلك على محيَا الحضور ، فقد كانت نتائج إنتخاباتنا عظيمةً بلا غرور ، و رائعة بلا فخور ، و الفوز فيها كان من نصيب كلُّ وقورٍ و شريفٍ كريمُ الحضور، في هذا الخطاب مرفق كلمة نائبي بعد نجاحه في الإنتخابات ، نعم نائبي فالناجح لكل الحمير ممثلٌ و ليس لصحبه - وحدهم -مؤصلْ، و لكل القضايا مُعجّلْ و ليس عن همومنا بمَعزلْ و لا بالمواقف مبدلْ و لا بالخطابات مُضللْ، و لا عند التصويت للحمامات براحلْ.
إنّ الحمار يا صديقي رشيد و على الإنحراف شديد و لا يفوته من الحقوق جديد ، قليلُ الكلام عظيمُ الفعال ، صبور على البلاء حليمٌ على الأحياء رؤوف بالضعفاء وفيٌ للشركاء، و هو على عكسكم لا يتحدث إلا قليلاً و لا يحب ترتيل الخطابات ترتيلاً ، و إن واجه الصعوبات أذلها بعزمه تذليلاً ، لا يهوى الشكاية و لا يبحث عن النكاية ، صوته من أنكر الأصوات و شكله من أقبح الأشكال و مع هذا صار كالغيث المنهمرْ و ليس مثلكم أيها البشرْ جمعتم حسن الصوت و جمال المنظر و حلاوة المنطق و ظننتم أن قبح الباطن عندكم يتغير بسحر الخطاب و سوء الفعل لديكم ينقلب بمجرد صلاةٍ في المحراب ، و كنتم بظنكم مخطئين و فيه مغترين.
دعني أخبرك عن مجلسي و أعضائه ،
مجلسنا بناهُ الأشراف لتحقيق الأهداف التي بها يتم الكفاف لحقوق بني الحمير و الأحلاف ، و للإنصاف فهو في زريبة نظيفة على بابها حكمة لطيفة : كل من أظلّـته السقيفة فهو في مهمة شريفة ، و من أخل بها فهو للسوء رهينة و لا يستحق البقاء لدقيقة و حقَّ عليه أن يكون جيفة ، و أن تنسبه أمة الحمير العظيمة بأنه للإنسان وصيفه!
نائبنا الحمار ليس له أعداء ، لأن همّه خدمة الحمير وجعلهم سعداء ، لا يحب الاستهزاء و لا التحزب تحت رايات الأقوياء ، و لا يدعي ما ليس فيه أو أنَّ به تجتمع الآراء ، يعرف طريقه من أول مرة و إذا عرفه لا يكثر عنه الثرثرة .
عندنا نائبٌ اسمه (الورّاد)* كان للماء حاملٌ وفــّادْ يضعُ صاحبه عليه قربة على وشك النفادْ ، يملؤها بنفسه من النهر دون هادْ ثم يعود بها لصاحبه من العبادْ و من مائها على حد السواء من البشر و الحمير جوادْ .
سمعتُ أن عندكم مثله في البلاد ، نائبٌ عزيز الميلادْ و ورث مجد الأجدادْ ثم صارَ نائبًا بذكائه الوقادْ و لكن يا حسرة على العبادْ ما مضى من الوقت قليلٌ إلا و لنفسه الضعيفة عادْ و أصبح لمن كان يعيبهم شادْ و تحولت كلماته لرمادٍ يذرها الهواء في الوادْ!
الحمارُ يا سفيد عن موقفه لا يحيد ، و بدفاعه عن حقوق الحمير عنيد ،لا يبحث عن مجد تليد و لا يحاول صنع نفسه شهيد ، و عزّ على الزمان أن يأتي بمثله وليد و ليس له في الغابرات منكم عهيد و إن كنتم تظنونه من فئـة العبيد لجلوسكم على ظهره بلا سنيد و أن سكوته عنكم هو لأنه سعيد ، و لكنه في الحقيقة بأمثالكم زهيد و أن صمته هو ذكاءٌ فريد ، العبد يا سفيد هو من يعتقد أن الحرية عيشٌ رغيد و أنها شِعار جديد أتى به القادمون من بعيد الذين هم على عروش الغرب قعيد، بينما الحر هو الذي يرى الحريّة أنها القوة ، و ليست القوة بالفتوة بل هي بالمروّة ، إنّ الضعف أمام الإنسان حذوه و حكمة ، احتذاها الحمار خطوة خطوة ،
هكذا يرى الحمار ضرب الإنسان له في الحلوة و المرّة ،
و الصمتُ عنده حكمة لأن فيه جوابُ كل سائل و من لم يكتف به فهو غافلْ .
أما العاقل في تعريفه فهو صاحب الخُلق الفاضل الذي يبتعدُ عن كل مائلْ.
و لا أنسى أن الجسد الناحل عنده خيرٌ من اللسان الجاهلْ.
حمارنا النائب صاحب النيافة الموقرة و الخمائل المنورة لا يُحب السيطرة و عنده في أموره تبصره ، يقوم صباحًا ليشد مئزره و يعملُ مع أصحابه البرره في الحقول المُزهره دون أن يشتكي قيد أنملة أو يرى في نفسه رفعةً على الحمير المَهرة كما أنه لا يحب ركوب العربة لأن خدمته لا تستحق ' الفشخرة ' ، لذلك سُمي عند أدبائكم بالحكيم و عند جهّالكم بالبهيم!
كلُّ حمارٍ عندنا هو حمـارْ ، أبيضٌ كان لونه أو مشوب بالسّمارْ ، ولد في المزرعة أو في إحدى الأمصارْ ، خدم البشر أم عاش كما شاءَت الأقدارْ ، و الحمار لأنه تعود الإيثارْ فهو لا يهتم بالدرهم و الدينارْ بقدر اهتمامه بصديقه و الجارْ و الأعوان و الأنصارْ ، و رغم نشاز صوته إلا أنه يُفصح عن الأسرارْ لأن للجميع الحق في معرفة التاريخ و الآثارْ ، و بهذا تدفع البلدة عن نفسها الأخطارْ و تجعل من أبنائها أخيارْ.
.
هذا هو مجلسنا و ما فيه من نوابٍ أصحابُ الإتقانِ في بلاد العدل و الأحلام المعروفة بحميرستان أبعدها الله عن تدخل الإنسان و طمع السلطان و أشباه الغربان و عشاق التيجان ، و جعلها منارة لسائر الأوطان.
هذا ،
و انجدكم الله من البلاء ، و أذهب عنكم الشقاء ، و رزقكم العلياء ، بتولية الأتقياء ، و تنحية طالبي الثراء، حتى تأخذوا بسيرة الحمير عديمة النظير علكم بذلك ترتقوا الكثير.
و السلام.
بـرعـي من حمــيــرستــــان ،
19 / 4 / 2009 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحمار الورّاد هو الحمار الذي يرد للنهر أو 'الترعة' لوحده و يملأ القرب على ظهره و يرجع لصاحبه دون أن يقوده أحد.
المرفـق : كلمة النائب الفاضل في زريبة حميرستان - مبغضة الإنسان : هــنـا.


