17 أغسطس، 2008

لماذا باولو كويليو ؟

في كل الأديان و المذاهب و الأفكار هناك شيء مشترك وهي أنها وضعت أو نزلت للـ " إنسان " بصفة رئيسية ، فالإنسان هو محورها و محل اهتمامها ، هذا الشيء صنع منه اتجاهًا رئيسيًا واحدًا مشتركًا يُسمى بالإتجاه " الإنساني " ، هذا الإتجاه لا يناقش خصوصية علاقة الإنسان بخالقه أو يهتم بتفاصيل عبادته ، بل يركز بشكل أساسي على الإنسان كإنسان .. حياته ، كفاحه ، صراعه مع نفسه و مع بيئته ، توقه للحرية ، رفضه للديكتاتورية ، بحثه عن الذات ، ترك الملذات ، و تحليل المشكلات .. التي تواجهه طوال سنين حياته .

الكثيرون من بداية حياتهم يكون تركيزهم على الأشياء المادية في حياتهم ، شهادة .. مال .. منصب .. بيت .. مركز .. شهرة .. اسم .. عائلة .. أولاد .. إلخ ، حتى و إن كان بحثهم عن هذه الأشياء مقترن بالعبادات فعباداتهم يمكن أن تسمى بعبادات " قشرية " فهي صلاة و صيام و طاعة لله سبحانه ، و لكنها ليست صلاة يصح أن تندرج تحت ما قاله سبحانه و تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر) ولا صيام يؤدي إلى هدف الصيام الحقيقي (لعلكم تتقون) ، يمكن أن تكون هذه العبادات من الناحية الفقهية صحيـحة ، في أركانها و شروطها و لكنها من ناحية الروحانية بعيدة جدًا عن هدفها لأن المادية طغت عليها و صبغتها بأصباغها .

بعد سنوات طويلة من الممارسة الصورية لهذه العبادات ، و من السعي نحو الأهداف الدنيوية ، يمسك الإنسان كتابًا يتكلم عن الروحانية و عن الإنسان كإنسان .. مشاعره و أحاسيسه .. تساؤلاته و استغراباته .. كل هذا بعيدا عن الدنيا و ما فيها ، بعيدا عن همِّ جمع المال و تربية الأولاد و السعي نحو المناصب و مطاردة الشهرة و العيش في بروج عاجية ، فيتفاجئ بأشياء لم يفكر بها سابقا و لم تسمح له طموحاته بأن يتفكر بها أو يبحث عن إجاباتٍ شافية لها فيتأثر بما هو مكتوب و يتأثر بالكاتب الذي كتب هذه الكلمات ، و لضيق وقته و لأن اهتماماته الدنيوية لا تزال تزاحم حياته فهو يكتفي بالإعتقاد بما قرأ و يترك البحث عن المزيد .

باولو كويليو هو أحد الكتاب الذين تأثروا بهذا " الإتجاه الإنساني " بصورة كبيرة و كلماته و تعبيراته جدا مؤثرة و جميلـة ، و الكثيرون أصبحوا ينظرون له بنظرة تعظيم و إكبار و إجلال لانه في غمرة حياتهم الدنيوية أشار إلى أنفسهم و إلى ضرورة أن ينظروا داخلها بتجرد بعيدا عن كل شيء آخر ، نظرات الإكبار و الإجلال هذه جعلت الكثيرين يتأثرون بباولو كويليو الذي استمد روحانيته من ( الإتجاه الإنساني ) و من فكره المسيحي اللاهوتي ، و لكنهم لو أتعبوا أنفسهم قليلاً ، فقرؤوا و بحثوا لوجدوا أن الإسلام زاخر بالكثير مما يتعلق بهذا الإتجاه الإنساني ، هناك علوم كثيرة تتعلق بها و على رأسها علم الأخلاق و مسالك العرفانيين و الصوفيين .

لو أنهم قرؤوا لعرفوا أن الإسلام ليس دين اهتم بعبادات و معاملات فقط ، و لا بحلال و حرام فقط ، بل هو دين أعظم من ذلك دين يملك خاصية أنه قادر على سبر أغوار كل شيء و تحليله من الإنسان إلى هذا الكون الفسيح بأكمله ، فالإعجاب بكتابات كويليو لا يجب أن تعني أكثر من الإعجاب و لا يجب أن تصل لدرجة أن تُجعل كلماته هي المحور الوحيد الذي ينهل منه الناس الروحانيات و أن يُعطى فوق مكانته الطبيعية ، لو أنهم قرؤوا لعرفوا أن كتابات كويليو هي أشياء سبق و أن تم نقاشها بالإسلام ، و لكن كويليو أعاد كتابتها بصياغة جديدة و معاصرة .

كل الناس يعرفون أن السفن في العصور القديمة بحاجة للرياح لكي تسير في البحار ، و لكن الصياغة التي أتى بها المتنبي في شعره جعلت من هذه الحقيقة البسيطة مثلاً يضرب إلى اليوم ، عندما قال :

ما كل ما يتمناه المرء يدركه .. تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ


و حالة كويليو لا تختلف عن حالة المتنبي كثيرًا فهو مجرد أعاد صياغة البديهيات التي يصادفها كل إنسان و لكنه بسبب انشغالاته لا يتوقف عندها و يتساءل عنها و عن كنهها ، بصياغة و أسلوب جديد يمثل هزة للقارئ لها تعيده إلى واقعه و حيثياته ، الاعجاب بباولو كويليو هو لأنه يكتب عن شيء مشترك بين كل الناس في العالم و هو الجانب المنسي من أنفسـهم ، و أن الإعجاب سببه هو صياغته الجميـلة لهذا الشيء، و هذا لا ينفي وجود غيره في هذا الباب إنما يؤكد تميزه فيه مع بعض التحفظ .

أعتقد أنّ من يقرأ في المؤلفات الأخلاقية و الروحانية الإسلامية للعُلماء المسلمين أو حتى يراقب ما يمضي إليه العرفاء و الصوفيين سيرى بوضوح ذلك الإهتمام الإنساني الواضح المؤطر بإطار شرعي ، وفق قواعد و أصول متينة .

الدين الواقعي هو فكر مهذب للنفس بالدرجة الأولى ، و هذا شيء ملاحظ ، من يقرأ شرح الإمام الخميني رضوان الله عليه لحديث جنود العقل و جنود الجهل أو تاج الكتب الأخلاقية له وهو الأربعون حديثًا ، أو من يقرأ الآراء الفلسفية الجميلة للعلامة الطباطبائي في سفره النفيس " الميزان " ، أو من يطلع على المؤلفات الأخلاقية العرفانية لغيرهم الكثير يرى بوضوح علو المضامين ، و بلاغة النص ، سمو المعاني في كلماتهم المتولدة من مفاهيم العترة الطاهرة عليهم السلام ، أو حتى رسائل إخوان الصفا و غيرهم من باقي المدارس الإسلامية.

لكنّ المشكلة ليست في وجود هذه الكتب و تناول هذه القضايا ، المشكلة تكمن بالصورة الأساسية في النص الذي لا يُلاقي قبولاً عند الأغلبية ، باولو كويليو نجح في جعل هذه المضامين مغلفة بأطر قصصية تشد القارئين ، فقدمها لهم بصورة السهل الممتنع ، حيث لا تعقيد و لا مبالغة في التسهيل ، بينما أمثال تلك الأبحاث العالية أصبحت أسيرة لكلمات و جمل ثقيلة لا تتعودها إذن الإنسان اللاهي بامور حياته ، الساعي خلف موارد رزقه و طموحه ، فما نجح فيه باولو كويليو بجدارة هو قدرته على إعادة صياغة المضامين العالية بأبسط صورة تناسب عقول الجميع .

و لكن مع هذا تبقى هناك تحفظات عليه ، و تبقى هناك نقاط مضيئة لا وجود لها إلا في الفكر الإسلامي الذي أوجد هذه المضامين و وضعها في قوالب رفيعة تناسبها ، و إن شابتها بعض الزخارف القولية ، فالإسلام مثل النهر يمر في البلاد و ما بعدها و لا يهمه إن كانتا متحاربتين أو متصادقتين ، فالمنهل العذب يظل عذبا و إن تلوثت بعض تفرعاته بفعل فاعل .

كلمات أبي العلاء ، و رسائل اخوان الصفا ، و تصوف ابن عربي ، و أشعار مولوي و حافظ و سعدي ، و كتابات العرفاء كالعلامة القاضي و الطباطبائي ، أو أبحاث العلماء كالشهيد مطهري و الشهيد دستغيب و غيرهم ممن لا يسع المكان لذكرهم ، كلها سبقت كويليو و تفوقت عليه ، لكنّ اسم كويليو تغلب على مشكلة مهمة أخرى واجهتهم بجانب النص ، و هي أن اسم كويليو امتص الحساسية من هؤلاء فوصل للكل .

حاول أن تعطي كتاب جنود العقل و جنود الجهل مثلاً لأحد السلفيين و ستراه يركز همه على مؤلف الكتاب لا نصه ، و حاول أن تعطي ديوان المثنوي لأحدهم و سترى اللعنات تصب عليه من كل حدب و صوب ، فكلهم ينطلق من موقفه المبني على خلفيته الثقافية و صورته النمطية لهذه الشخصيات ، فتكونت لديه حساسية مبالغ بها تجاههم انسحبت على كل ما كتبوه و لو كان في الواقع يناقش قضية إنسانية بحتة ، تهم الإنسان بحد ذاته بغض النظر على انتمائه الفكري و إيمانه الاعتقادي .

اسم كويليو ككاتب آتٍ من الغرب ، يعني لهم أنّ لا مشكلة في قراءة ما يكتب ، فهو بعيد عن المحيط الضيق الذي ينظرون فيه للامور و يقسمون العالم على أساسه ، بينما اسم كالسيد الخميني رحمه الله يعني أن قارئ كلماته زنديق اتى بنواقض الإسلام !

لذلك حرموا نفسهم من هذه الثمار الإلهية ، و جعلوا يعظمون كويليو لدرجة فاقت الخيال.

هناك تعليقان (2):

Yin يقول...

صراحة قواك الله
الإسلام هو الإنسانية والديموقراطية الحقة والحرية ويحتاج علماء وكتاب بإمكانهم ترجمة معانيه السامية لتفهمه عقول العامة, والمشكلة ليست في عدم وجود أمثال هؤلاء الكتاب الرائعين.
بل في عدم تقبل عامة الناس القراءة لهم.لأنهم علماء دين ومن المذهب الآخر

للأسف

يعطيك العافية

Safeed يقول...

عندما كان الشهيد مرتضى مطهري - قدس سره - يكتب مؤلفاته و ينشرها ، و يذيع محاضراته ، و يناقش في الجوانب السياسية من منطلق ديني يحاكم ما ذهب إليه الشاه محمد بهلوي وقتها ، و يناظر أصحاب الأفكار المادية بمؤلفاته العالية .. هوجم من بعض أبناء جلدته لأنه يستشهد بكلام الشاعر الفارسي مولوي الذي كان في القرون الماضية سنيا متعصبا لمذهبه .

و مثل هذه الحالة تتكرر كثيرا في تاريخنا الإسلامي ، تماما كما هوجم ابن أبي الحديد المعتزلي لأنه لازم الشريف الرضي الشيعي و درس على يده رغم أنه لم يصبح شيعيا بل كان سنيا معتزليا حتى النخاع .

هناك حالة من اللا فهم لواقع " الحكمة " ، فالحكمة نور تقذف في قلوب الناس المؤمن و المنافق ، الصالح و الطالح ، و كلهم تخرج من ألسنتهم حكمة بما في ذلك المجانين ، الفارق أن العاقل يستمع لهذه الحكمة و يستوعبها و يطبقها ، و غير العاقل يكتفي بإلقائها .

لسنا بحاجة لمزيد من المعارك ، إلتفتوا لتراثكم قليلا و كفوا عن ثقافة التعليب ، و سترون أن هذا الإرث العظيم لا يوجد في هذا الكون ما يوازيه .. فأين المتدبر ؟