.
هذا الخلل الذي تحدثتُ عنه سابقًا هو تحول فكرة الوطنية إلى "كرة مشتعلة" يحاول كل شخص قذفها على الآخر هربًا من سخونتها و خوفًا من حرقها له ، و السبب هو أنه حين تضعف الدولة أو كما عبر عنه ابن خلدون ( نزل الهرم بالدولة و تقلص ظل الدولة عن القاصية )* فإن الناس يفقدون الثقة بها و بقدرتها على رعاية مصالحهم دون تفرقة فيلجؤون إلى البحث عن سند آخر يكفل لهم حقوقهم هنا "ينتكص"** كل شخص لإنتمائه الذي يقويّه و يعطيه القدرة على مواجهة العقبات التي تظهر في طريقه فالبعض يلجأ لقبيلته و الآخر لعائلته و الثالث لطائفته و الرابع لتيّاره السياسي الذي يملك تأثيرًا على الساحة و كل هذا لحماية أنفسهم و مكتسباتهم أو ينتكصون للصعود على أكتاف الدولة لفرض مكتسباتهم و رغباتهم عليها.
.
و لأنهم يشعرون بهذا الخلل فهم يحاولون ايهام أنفسهم بأن الخلل في الآخرين و ليس فيهم ، بحيث تصبح كل فئة تشعر بانها مهددة من الآخر لذلك يضطر كل منهم إلى الإختباء خلف مصطلح (الوطنية) و يستعمله كفزاعة يخوّف بها أي متحدث عن واقع هذا الخلل ، فنحن جيدون و نحن ملائكة و الله لا يغير علينا و من يتكلم عن وجود طائفية و عنصرية و قبلية هو شخص مستورد لا يريد الخير للبلاد!
.
التعارض الذي يشعر به هؤلاء ما بين ما يمارسونه و ما يعتقدونه في دواخلهم يُظهر عدم انسجامهم مع أنفسهم ،و حتى يبعدوا عن أذهانهم هذه المعاناة يلجؤون لتعيير الأطراف المقابلة بها ، فالراحة تكمن في ابعاد النظر عن المعاناة الشخصية إلى معاناة الغير كما يقول نيتشه ،و لم يعد من المستغرب الآن أن يتسربل بلباس الوطنية كل مارق و سارق ،و أمسوا حتى يبعدوا الشبهة عنهم يلقلقوا ألسنتهم بالأغاني الوطنية كي لا يتهموا بأنهم "لا وطنيون" .
.
التساؤل الذي يُطرح هو لماذا أصبح الحال كذلك؟
.
و جوابه بسيط جدًا ، السُلطة هي صراع و لكنه في الدول الحضارية يُمارس كصراع فكري تكون نتيجته دعامة إضافية لقيم المجتمع بينما تحول عندنا إلى صراع إقصائي و هو أسوء أنواع الصراع ،في مرحلة من مراحل الدولة أصيبت بـ"الشيخوخة المبكرة" كان من نتيجتها أن أصبحت الحكومة خوفًا من أطراف معينة تساند بعضها على حساب الآخر ،أصبحت هي ذاتها طرفًا في الصراع مع مكونات الشعب و بدلاً من أن تقف على مسافة واحدة من الجميع و أن تكون كما المطلوب منها في خدمة الشعب أصبحت تثقل ميزان بعض الأطراف على حسب مصلحتها ليصبح الشعب أو ( نوابه ) في خدمتها! ،هذه الشيخوخة أدت إلى حالة من التفسخ أصبح بموجبها الناس قادرون على التملص من واجباتهم بالرشاوى و الوساطة و غيرها و الحكومة لا تهتم بذلك بل و تشجعه في بعض الأحيان و تسهل أموره طالما أنها تتوهم أنها بذلك تحفظ قوتها.
.
حين تصبح الحكومة في محل اعتقاد شعبي أنها ندٌّ له و أن التعامل على مبادئ الرشوة و المحسوبية و الواسطة و التنفيع و المحاصصة جارٍ بها و لا يكون هناك مجال للكفاءة و المساواة و العدل كما هو المرجو منها أو حتى تطبيق سليم للعهد الموثق ما بينها و بين الشعب و هو الدستور، من الطبيعي أن تبرز نغمات الطائفية و القبلية و الحزبية ، كذلك حينما تدخل الحكومة في طرف المساومة مع بعض مكونات الشعب ،أو تدخل في حرب تضييق شديد عليهم أو توزع المناصب بناءً على الحسابات السياسية لا الكفاءات دون وجود قانون يسوّغ لها أي من ذلك ، بل و حتى في تسترها على النهب المتواصل و سكوتها عن التراجع الرهيب و التهلهل في مفاصل الدولة فإنها تضع نفسها في موضع المحارب لمصالح الشعب و منطقيٌ أن لا تكون هناك ثقة عند الشعب بمن يحاربه.
.
نحن إلى الآن و بعد 48 سنة على الإستقلال لا نعلم إن كنّا سندخل السنة القادمة و نحن نعمل بنصف مواد هذا الدستور أم لا ! و لا زال الشعور السائد هو التخوف من لحظة الإنقلاب عليه، فهو و إن كان لم يدخل حيز التطبيق الكامل إلى اليوم إلا أنه لازال يعطي شعورًا و لو ضمنيًا بالأمان من ناحية كونه ينص بصراحة على الحقوق المكفولة، و أن هناك مستند قانوني في نيل هذه الحقوق من خلال التحاكم إليه في النهاية، هذا الذي يحيي الأمل و الرجاء ببقائه عند الناس فهم بحاجة لمن يوليهم الثقة بكفالة حصولهم على حقوقهم ، و هذه الثقة أصبحت مهزوزة من كثرة الحديث عن تعطيل الدستور مما يعمق الشعور بعدم الأمان و الإطمئنان.
.
هذه الحالة التي نراها اليوم هي نتيجة منطقية و معروفة بعلم الإجتماع فيما يسمى بدائرة الإنحطاط، دائرة تمر بها كل الدول التي تعاني من (ضعف الدولة) و لا أدل من حال العراق في نهاية الدولة العثمانية و غيرها العشرات من الأمثلة على مدار التاريخ البشري ،حينها يشعر الناس بأنهم بحاجة (لشيء آخر) يقوم بالمهام المفترض من الدولة أن تقوم بها.
.
الوطنية هي شعور وجداني و مبدأ عقلاني و ليقر بالنفس فهو بحاجة لأن يتحول وجدان الشخص إلى الإعتقاد بأن الدولة قادرة على ضمان حقوقه كما هي دون الحاجة لتهديدها أو لسلوك الطرق الملتوية، الشعور الوجداني يحتاج لان يكون في الوجدان أي كامنٌ بالنفس و يظهر بسلوك الفرد و اختياراته لخدمة وطنه ،أما ابتذاله بكثرة الحديث المجرد عنه و تحويله لسيف تحاكم به النوايا فهو أمرٌ مستقبح لأنها محاكمة تستمد شرعيتها من محاكم التفتيش سيئة الذكر.
.
البحث عن الوطنية عند الأفراد وحدهم خطأ فهؤلاء تحركهم غريزة الشعور بالأمان و يطلبونها حيثما كانت، البحث عن الوطنية يجب أن يكون في السلطة فهي الوحيدة القادرة على بث الحياة فيه و هي الوحيدة القادرة على إبقائه كغطاء يسحب أي تعالي للطائفة أو القبيلة أو العائلة أو التيّار فوق مصلحة الدولة ،رمي تبعية المواطنة و الوطنية على كاهل الشعب وحده لا يستقيم مع دور الدولة في حفظ مصالح الشعب و رعايته ،تنازلها عن دورها و تسليمه لفئات أو لأشخاص في بعض الموارد و اصطفافها أو رضاها بصراع أطراف ضد الأخرى في سبيل الحفاظ على (وهم القوة) الذي تعتقد أنه بيدها هو الذي يمزق شعار الوطنية ،ويجعلها ملجئًا لكل من يفتقدها لكي يستغلها في محاربة الآخرين ممن يخالفونه بالرأي و التوجه.
.
حب الوطن ليس بالكلمات و لا بالأغاني و لا الشعارات وحدها بل هو بالسلوكيات و الأفعال و من يفتقدها يحاول التعويض عنها بمثل هذه الأشياء ليستر فقدانه لها، إن أرادت الدولة جعل الوطنية سلوكًا فعليًا يؤمن به جميع الشعب كأولوية فعليها قبل كل شيء أن تـُشعر هؤلاء بأنها ضمانهم الوحيد لحقوقهم قولاً و الأهم من ذلك فعلاً و أن الدستور هو المحتكم إليه و أن الكفاءة و العدالة و المساواة هي منهجها الوحيد في التعامل ، دونه فلا عجب أن تكون جميع الإنتماءات الأخرى مصلحتها فوق مصلحة الوطن عند البعض و أن لا تكون الوطنية سوى شعار يتذكرونه في الإنتخابات و في الأعياد الوطنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الفصل الـ 20من مقدمة ابن خلدون ( الـ21 في النسخة المطبوعة عندي ).
** النكوص : الرجوعُ إِلى وراء وهو القَهْقَرَى. ( لسان العرب )



