14 مايو 2009

[ II ] : البحث عن الوطنية



.
هذا الخلل الذي تحدثتُ عنه سابقًا هو تحول فكرة الوطنية إلى "كرة مشتعلة" يحاول كل شخص قذفها على الآخر هربًا من سخونتها و خوفًا من حرقها له ، و السبب هو أنه حين تضعف الدولة أو كما عبر عنه ابن خلدون ( نزل الهرم بالدولة و تقلص ظل الدولة عن القاصية )* فإن الناس يفقدون الثقة بها و بقدرتها على رعاية مصالحهم دون تفرقة فيلجؤون إلى البحث عن سند آخر يكفل لهم حقوقهم هنا "ينتكص"** كل شخص لإنتمائه الذي يقويّه و يعطيه القدرة على مواجهة العقبات التي تظهر في طريقه فالبعض يلجأ لقبيلته و الآخر لعائلته و الثالث لطائفته و الرابع لتيّاره السياسي الذي يملك تأثيرًا على الساحة و كل هذا لحماية أنفسهم و مكتسباتهم أو ينتكصون للصعود على أكتاف الدولة لفرض مكتسباتهم و رغباتهم عليها.
.
و لأنهم يشعرون بهذا الخلل فهم يحاولون ايهام أنفسهم بأن الخلل في الآخرين و ليس فيهم ، بحيث تصبح كل فئة تشعر بانها مهددة من الآخر لذلك يضطر كل منهم إلى الإختباء خلف مصطلح (الوطنية) و يستعمله كفزاعة يخوّف بها أي متحدث عن واقع هذا الخلل ، فنحن جيدون و نحن ملائكة و الله لا يغير علينا و من يتكلم عن وجود طائفية و عنصرية و قبلية هو شخص مستورد لا يريد الخير للبلاد!
.
التعارض الذي يشعر به هؤلاء ما بين ما يمارسونه و ما يعتقدونه في دواخلهم يُظهر عدم انسجامهم مع أنفسهم ،و حتى يبعدوا عن أذهانهم هذه المعاناة يلجؤون لتعيير الأطراف المقابلة بها ، فالراحة تكمن في ابعاد النظر عن المعاناة الشخصية إلى معاناة الغير كما يقول نيتشه ،و لم يعد من المستغرب الآن أن يتسربل بلباس الوطنية كل مارق و سارق ،و أمسوا حتى يبعدوا الشبهة عنهم يلقلقوا ألسنتهم بالأغاني الوطنية كي لا يتهموا بأنهم "لا وطنيون" .
.
التساؤل الذي يُطرح هو لماذا أصبح الحال كذلك؟

.
و جوابه بسيط جدًا ، السُلطة هي صراع و لكنه في الدول الحضارية يُمارس كصراع فكري تكون نتيجته دعامة إضافية لقيم المجتمع بينما تحول عندنا إلى صراع إقصائي و هو أسوء أنواع الصراع ،في مرحلة من مراحل الدولة أصيبت بـ"الشيخوخة المبكرة" كان من نتيجتها أن أصبحت الحكومة خوفًا من أطراف معينة تساند بعضها على حساب الآخر ،أصبحت هي ذاتها طرفًا في الصراع مع مكونات الشعب و بدلاً من أن تقف على مسافة واحدة من الجميع و أن تكون كما المطلوب منها في خدمة الشعب أصبحت تثقل ميزان بعض الأطراف على حسب مصلحتها ليصبح الشعب أو ( نوابه ) في خدمتها! ،هذه الشيخوخة أدت إلى حالة من التفسخ أصبح بموجبها الناس قادرون على التملص من واجباتهم بالرشاوى و الوساطة و غيرها و الحكومة لا تهتم بذلك بل و تشجعه في بعض الأحيان و تسهل أموره طالما أنها تتوهم أنها بذلك تحفظ قوتها.
.
حين تصبح الحكومة في محل اعتقاد شعبي أنها ندٌّ له و أن التعامل على مبادئ الرشوة و المحسوبية و الواسطة و التنفيع و المحاصصة جارٍ بها و لا يكون هناك مجال للكفاءة و المساواة و العدل كما هو المرجو منها أو حتى تطبيق سليم للعهد الموثق ما بينها و بين الشعب و هو الدستور، من الطبيعي أن تبرز نغمات الطائفية و القبلية و الحزبية ، كذلك حينما تدخل الحكومة في طرف المساومة مع بعض مكونات الشعب ،أو تدخل في حرب تضييق شديد عليهم أو توزع المناصب بناءً على الحسابات السياسية لا الكفاءات دون وجود قانون يسوّغ لها أي من ذلك ، بل و حتى في تسترها على النهب المتواصل و سكوتها عن التراجع الرهيب و التهلهل في مفاصل الدولة فإنها تضع نفسها في موضع المحارب لمصالح الشعب و منطقيٌ أن لا تكون هناك ثقة عند الشعب بمن يحاربه.

.
نحن إلى الآن و بعد 48 سنة على الإستقلال لا نعلم إن كنّا سندخل السنة القادمة و نحن نعمل بنصف مواد هذا الدستور أم لا ! و لا زال الشعور السائد هو التخوف من لحظة الإنقلاب عليه، فهو و إن كان لم يدخل حيز التطبيق الكامل إلى اليوم إلا أنه لازال يعطي شعورًا و لو ضمنيًا بالأمان من ناحية كونه ينص بصراحة على الحقوق المكفولة، و أن هناك مستند قانوني في نيل هذه الحقوق من خلال التحاكم إليه في النهاية، هذا الذي يحيي الأمل و الرجاء ببقائه عند الناس فهم بحاجة لمن يوليهم الثقة بكفالة حصولهم على حقوقهم ، و هذه الثقة أصبحت مهزوزة من كثرة الحديث عن تعطيل الدستور مما يعمق الشعور بعدم الأمان و الإطمئنان.

.
هذه الحالة التي نراها اليوم هي نتيجة منطقية و معروفة بعلم الإجتماع فيما يسمى بدائرة الإنحطاط، دائرة تمر بها كل الدول التي تعاني من (ضعف الدولة) و لا أدل من حال العراق في نهاية الدولة العثمانية و غيرها العشرات من الأمثلة على مدار التاريخ البشري ،حينها يشعر الناس بأنهم بحاجة (لشيء آخر) يقوم بالمهام المفترض من الدولة أن تقوم بها.
.

الوطنية هي شعور وجداني و مبدأ عقلاني و ليقر بالنفس فهو بحاجة لأن يتحول وجدان الشخص إلى الإعتقاد بأن الدولة قادرة على ضمان حقوقه كما هي دون الحاجة لتهديدها أو لسلوك الطرق الملتوية، الشعور الوجداني يحتاج لان يكون في الوجدان أي كامنٌ بالنفس و يظهر بسلوك الفرد و اختياراته لخدمة وطنه ،أما ابتذاله بكثرة الحديث المجرد عنه و تحويله لسيف تحاكم به النوايا فهو أمرٌ مستقبح لأنها محاكمة تستمد شرعيتها من محاكم التفتيش سيئة الذكر.

.
البحث عن الوطنية عند الأفراد وحدهم خطأ فهؤلاء تحركهم غريزة الشعور بالأمان و يطلبونها حيثما كانت، البحث عن الوطنية يجب أن يكون في السلطة فهي الوحيدة القادرة على بث الحياة فيه و هي الوحيدة القادرة على إبقائه كغطاء يسحب أي تعالي للطائفة أو القبيلة أو العائلة أو التيّار فوق مصلحة الدولة ،رمي تبعية المواطنة و الوطنية على كاهل الشعب وحده لا يستقيم مع دور الدولة في حفظ مصالح الشعب و رعايته ،تنازلها عن دورها و تسليمه لفئات أو لأشخاص في بعض الموارد و اصطفافها أو رضاها بصراع أطراف ضد الأخرى في سبيل الحفاظ على (وهم القوة) الذي تعتقد أنه بيدها هو الذي يمزق شعار الوطنية ،ويجعلها ملجئًا لكل من يفتقدها لكي يستغلها في محاربة الآخرين ممن يخالفونه بالرأي و التوجه.

.
حب الوطن ليس بالكلمات و لا بالأغاني و لا الشعارات وحدها بل هو بالسلوكيات و الأفعال و من يفتقدها يحاول التعويض عنها بمثل هذه الأشياء ليستر فقدانه لها، إن أرادت الدولة جعل الوطنية سلوكًا فعليًا يؤمن به جميع الشعب كأولوية فعليها قبل كل شيء أن تـُشعر هؤلاء بأنها ضمانهم الوحيد لحقوقهم قولاً و الأهم من ذلك فعلاً و أن الدستور هو المحتكم إليه و أن الكفاءة و العدالة و المساواة هي منهجها الوحيد في التعامل ، دونه فلا عجب أن تكون جميع الإنتماءات الأخرى مصلحتها فوق مصلحة الوطن عند البعض و أن لا تكون الوطنية سوى شعار يتذكرونه في الإنتخابات و في الأعياد الوطنية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الفصل الـ 20من مقدمة ابن خلدون ( الـ21 في النسخة المطبوعة عندي ).

** النكوص : الرجوعُ إِلى وراء وهو القَهْقَرَى. ( لسان العرب )

12 مايو 2009

[ I ] : البحث عن الوطنية

مقدمة :
.

رغم اختلاف البشر الذي هو طبيعة إنسانية بحتة ، فإن هذا الإختلاف يتقلص في سبيل سد الحاجة إلى التعايش و الإجتماع مع الآخرين، هذا الإختلاف بينهم هو الذي يولد الدولة و السلطة لأنهما أساسًا يقومان على الصراع ، الصراع بكافة أشكاله العلمي و الأدبي و الفكري و الديني و غيرها هذه الصراعات تنتج أسئلة و الأسئلة تبحث عن أجوبة تكمن فيها درجات التطور ، و يستحق الذكر أن كونفوشيوس انتبه لهذا الإختلاف و جريانه في الناس منذ زمن بعيد و أقره كشيء يجري في الطبيعة ككل وفق مقولته : لا يمكن للرجل أن ينزل في وسط نفس الماء بالنهر مرتين.
.
نحن كذلك مختلفون و لكننا لا زلنا نصنّف هذا الإختلاف على درجة أقل في سبيل الإجتماع ، نتغاضى عن كثير من الإختلافات حتى نعيش في جماعات تكفل لنا حقوقنا أو "حاجاتنا" البشرية الأمن و الامان و الغذاء و المشاركة و غيرها و هذه الجماعات تحولت في العصر الحديث إلى (دول)،ظهر فيها مفهوم الوطنية ليكون كالحكم العقلي ، شيء ثابت ، بديهي لا يختلف عليه اثنان ليجتمع عليه كل البشر ثم تبقى الخصوصيات المختلفة محفوظة إنما تقع تحت الوطنية ، هناك حادثة ليهودي مع أمير المؤمنين عليه السلام حيث استشكل عليه بإختلاف المسلمين بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مباشرة ، فقال عليه السلام :
«إنّما اختلفنا عنه لا فيه ، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم اجعَلْ لنا إِلهاً كما لهم آلهة، فقال إنّكم قوم تجهلون»[1].
.
النتيجة التي أريد الوصول إليها هي أن (الوطنية) كمفهوم وضعت لتكوّن غطاءً يجمع الناس تحته على اختلاف ألوانهم فهو الأصل الذي يتفقون عليه و ليختلفوا – بحسب طبيعتهم البشرية – بعد ذلك و لا مشكلة إطلاقـًا ، كما اختلف المسلمون في تفسيرهم لما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و لكن ظل اتفاقهم عليه لا يختلفون فيه أبدًا.
.
و حتى تؤدي هذه الوطنية لـ"الحضارة" يذهب د. علي الوردي إلى أنها بحاجة لما يعرف بـ (قوة الدولة)[2]، فالدولة القويّة هي التي بإمكانها زراعة مفهوم الوطنية و اعتباره الأصل الذي لا يعلو عليه شيء لكافة الشعب ، الدولة القويّة و المركزية و العادلة التي تمد كل شخص بالإيمان في أن هناك سندٌ يستند إليه في نيل حقوقه كاملة غير منقوصة دون حاجة لاستعمال أية أساليب ملتوية أو قوة ، و متى ما شعر الفرد بأنه قادر على أن يعيش في ظل سيادة مبدئي المساواة و الكفاءة التي يكفلها الوطن فهو سيصبح تلقائيًا منصهرًا مع باقي المكونات و إن احتفظ بخصوصياته ، و هذا يسحب منه أي ذريعة لإعلاء أي قيمة أخرى فوق قيمة الوطنية.
.
نحن الآن على رغم كل ما يُقال عن انسجام الكويتيين و تعايشهم فإن العين لا يمكن اغماضها عن واقع الحال و هو أن هناك ردة واضحة إلى التذرع بقيم الطائفة و القبيلة و التيّار فـوق الوطنية ،يُقال بان أفضل من يتحدث عن الأمانة هو السارق لأنه يفتقدها ، و الفاقد للشيء هو أفضل من يصفه و يحنّ إليه و يتحدث عنه أو كما يذهب صامويل جونسون إلى أن الوطنية هي ملاذ ' الأوغاد ' الأخير[3] لأن كثرة الحديث عنها من قِبل من يحاربها بسلوكه ينبئ عن افتقاده لها و أنه يستغلها كحجة يبرر بها الممارسات التي يقوم بها ،فحين يتحدث من يسرق الوطن عن الوطنية أو من يتعدى على مفهوم (الدولة) عن الوطنية أو من يحاول دس فكرة أن الوطنية هي مضادة للقبيلة أو الطائفة ثم يطالب غيره بها فهذا كله يشير إلى أنّ هناك خلل واضح بحاجة للإشارة إليه بدلاً من تخبئته تحت السجاد.


.


يـتـبع إن شاء الله ..
نظرًا لطول المقالة ، فضلت نشرها على جزئين.

تحديث : الجـزء الثـاني (اضغط)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] نهج البلاغة - فصل قصار الكلمات.


[2] يقصد بقوة الدولة : مركزية السلطة القوية القادرة على حماية أرواح الناس و ممتلكاتهم و العناية بمصالحهم و خدمتهم.


[3] Patriotism is the last refuge of a scoundrel

2 مايو 2009

ليش معـقـد ؟

" البساطة هي ما تجعل غير المتعلمين أعظم تأثيرًا في الحشود من المتعلمين "
أرسطو
.
لماذا يحب الإنسان التعقيد ؟
.
باعتقادي لأنه مخلوق معقد ، يرى في نفسه الضعف مقابل باقي المخلوقات الأخرى و مع هذا يتفوق عليها بسبب خاصية العقل، الذي يعمل بطريقة غامضة و معقدة في تحليل الأمور، هذا التفاوت الذي يعيش فيه الإنسان يجعله يتصور نفسه فوق الطبيعة فإن كانت الطبيعة بنماذجها الحيّة بسيطة في طريقة عملها و مباشرة و يُمكن التنبؤ بها ، فالإنسان قطعًا متلون يملك القدرة على تغيير المواقف و الآراء ما ظهر منها و ما بطن ، و هذا ما يضفي عليه التعقيد أنه غير قابل لأن يكون في محل تنبؤ دائم بأفعاله و أقواله فكلها عرضة للتغيير و التحول و التبدل وفق ما يراه و يحكم به ذلك العقل (الغامض)، أو وفق ما تميل له روحه (العاطفية) غير المحسوسة، و من البديهي القول بأن كل ما هو غير محسوس يفسره معظم الناس على أنه مركبٌ و معقد لأنه لا يملك أول أساسيات البساطة و هو الظهور و الإحساس.
.
و الإنسان طوال حياته يمر بمراحل و منعطفات لا يمر بها الحيوان أو الأشجار أو أي مخلوقات أخرى تؤدي ما عليها بالحياة ثم تموت فالإنسان كما يقول إريك فروم :" يعيش حياته ، لا يعيش من خلالها " لأنه يفتقد تلك الآلية الغريزية مثل باقي الكائنات الحية الأخرى ،و بالإضافة لكل ذلك يملك غريزة (الإجتماع) أي الأنس مع الغير و يرتبط مع أقربائه بروابط وثيقة أقرتها الحاجة إلى السند و الظهير عند الإنسان البدائي و كذلك النصوص الدينية التي اعتبرت هذا الارتباط نوعًا من أنواع الأخلاق الممدوحة و المستحسنة ، و عقليًا لم يحدث اختلاف طوال تاريخ البشر في هذا الأمر و ضرورته، و لأن قدراته التواصلية تختلف عن الحيوانات كان ارتباطه أوثق بكثير مع أقرانه من ارتباط الحيوانات فهو قد تعدى مرحلة الحاجة للإجتماع للبحث عن الماء و الطعام إلى مرحلة البحث عن المصلحة ،و هذه المصلحة بفعل تطور الحياة و تشابكها تطورت و تشابكت فهناك مصلحة اقتصادية و مصلحة اجتماعية و مصلحة سياسية و مصلحة علمية إلى آخر هذه التقسيمات العديدة التي تقود كلها بالنهاية إلى نتيجة واحدة : أن الحياة الإنسانية ازدادت تعقيدًا ، و أن هذا التعقيد سببه قدرة الإنسان الرهيبة على تكوين أسبابه بعكس باقي المخلوقات.
.
من هنا أصبحت المشاكل و العقبات التي تعترض الإنسان ذو الجنبتين العقلية / النفسية متعددة و تعدت مرحلة عقبة البحث عن الأولويات من طعام و ماء إلى أوليات أخرى كالأمن و الإستقرار و إثبات القوة و العِلم و الإنتماء و غيرها، و لكن ظل عقله مبرمجًا على أن ما ينتج من الشيء المعقد هو معقد بدوره و بسبب هذا أصبح يبرر وقوفه أمام كل عقبة و رفضه لأي حل لها تحت مبررات عديدة ، وقفة مع النفس و استرجاع الذاكرة في أي مشكلة صادفتنا و تدخل الآخرين لحلها سترينا الأمر بصورة واضحة :
.
كم مرة قلنا :
إنت شعرفك ؟
أنا وين ، و إنت وين !
رووح زين ..
و الله إنك على نياتك ..
شلون شايفها بهالبساطة ؟
و غيرها من الألفاظ الدلالية على أن ما نحن به هو أعقد من الحلول المطروحة .
.
هذا العقل يخدعنا في هذه الأمور ، يخدعنا لأننا أجبرناه على أن يفسر كل ما نمر به بصورة معقدة التركيب لأننا كائنات حيّة معقدة بذاتها ، أجبرناه على أن يرى أن البساطة لا تليق بالإنسان و لا تليق بأسلوب حياته و تفكيره ، فكما أنّ مشاكلنا و عقباتنا وُلدت من رحم تعقيدنا فكذلك حلولها يجب ألا تقل تعقيدًا عنها!
.
معظم الأحيان تكون الإجابات و الحلول البسيطة هي التي فيها الحل و لكن لشدة بساطتها و وضوحها لا نراها ،لأننا نبحث في ذلك (البعيد) عنّا و لا نلتفت (للقريب) منّا ، فزامر الحيّ لا يُطرب.
.
إحدى القصص الطريفة و المشهورة عن حرب الفضاء هي قصة القلم الفضائي حين واجه رواد الفضاء الأوائل مشاكل في الكتابة بأقلام الحبر لإنعدام الجاذبية في الفضاء ، بينما خاض الأمريكيون صراعًا رهيبًا في المختبرات حتى اخترعوا قلمًا يكتب دون الحاجة للجاذبية بملايين الدولارات اكتفى الروس بالقلم الرصاص !
.
هذا الوهم الذي صنعه الإنسان بأنّ البساطة هي عدوٌّ له جعله يصنع من كل العقبات و المشاكل التي تواجهه مشاكلَ معقدة حتى لو كانت بسيطة فهو يضفي المزيد من الغموض عليها حتى لا يُظهرها بهذه الصورة أمام الآخرين ليبرر لنفسه خوفه و خشيته من بساطة ما يُعاني أمام الآخرين ، و هكذا يفعل الآخرون فيظلون محصورين بدائرة من الوهم صنعوها بأنفسهم، فيها خاسرون و فيها رابحون سيما أولئك الذين يقتاتون على موائد الذين يُعانون.
.
وحدها الخشية من نفاذ الوقت هي التي تنبههم إلى تفاهة ما أوهموا أنفسهم به ، و هي التي تعطيهم (الطراق) الذي يوقظهم من غفلتهم ، بعض الأشياء لشدة بساطتها لا نلتفت لها و إلى قيمتها في حياتنا و إلى أثرها العظيم عليها، كما أنّ السر وُضع في أضعف المخلوقات كذلك الحلول وضعت في أبسطها ، هناك عقباتٌ كثيرة يمر بها الإنسان و لا يتخطاها و يقف بمكانه حتى ييقفز عليه الزمن لأنه يعتقد أن حلولها أصعب من أن يصل إليها بينما هي تحت سمعه و بصره و هي أسهل و أبسط مما يتوقع و لكن خشيته منعته من النظر إليها.
.
خلاصة الموضوع : لا تعقدوا حياتكم و مشاكلكم ، ابحثوا عن البساطة و عيشوا من خلالها ، و جربوا الأجوبة المباشرة فهي غالبًا صائبة أكثر من المعقدة.
و تذكروا أن الأمور إن كبرتموها تكبر و إن صغرتموها تصغر، و إن عقدتموها تعقد و إن بسطتموها تبسط .
.


هذا الموضوع كتب من وحي هذا الفيلم : Our Time Is Up

26 أبريل 2009

' هل كيف ' عقلك ؟


« الـعـقـل و الـعـقـلائـيـة »
.
هناك قاعدة تستخدم في الأصول و جرى عليها الفلاسفة و اهل المنطق و المتكلمون حتى في الغرب ما عدا بعض الفلسفات الحديثة التي شذت بقولها و هي ( استحالة اجتماع النقيضين )، بل لابد من ارتفاع أحدهما .
.
معنى القاعدة أن العقل لا يقبل أبدًا أن يكون هناك نقيضان في نفس الوقت ، كأن نقول في نفس البقعة هناك ضوء و ظلام،أو أن الغرفة باردة و حارة، بل لابد من ارتفاع أحدهما حتى يمكن الوصف، هذا الحكم يسمى بالحكم العقلي ، الحكم الذي ينبع من العقل ذاته و يُعتبر بديهيًا لا يتناقض أو ينكره أحد.
.
في نفس الوقت الحكم العقلي لا يعتمد على الظن و الحدس بل على البديهة إن صح التعبير ، و البديهة مشتركة بين جميع البشر لا يختلفون فيها، بينما لو اعتمد على الحدس وحده لما صار هناك مجال للإتفاق بين الناس.
.
حين نقول بأن 1 + 1 =2 فهذا حكم عقلي ، و أن نقول بأن الشمس تشرق من المشرق فهذا حكم عقلي آخر، لن يختلف الشيوعي في بكين مع المسلم في سوريا مع المسيحي في النمسا مع الملحد في كولومبيا فيه، جميعهم رغم كل إختلافاتهم يتفقون بهذه النتائج و المقدمات لأنها عقلية بحتة و يستحيل أن يتحول العقل ليعطي نتيجة يخالف المعروف منها.
.
في نفس الوقت هناك أحكام عقلائية هي عوارض على الجوهر إن جاز القول بذلك، هذه الأحكام تستمد مكانتها اعتمادًا على الحدس و الحس و العرف؛ و العرف يعني العادة التي جرى عليها العقلاء ( المفكرون / المشرعون / الراشدون ) فهي منسوبة للعقل.
.
لمزيد من التوضيح لنأخذ قوانين المرور كمثال ، قوانين المرور أوجدها العقلاء حتى يكون هناك نظام و انتظام في الطرق و بالتالي يحفظ كل شخص حقه في الطريق ، هذه القوانين التي أوجدت من أجل الحفاظ على حقوق مستعملي الطرق هي أحكام عقلائية.
.
هي نفسها التي من خلالها يضع المشرعون القوانين و النظم في مختلف نواحي الحياة ، و حتى في مجال المجتمعات من خلال العادات و الآداب التي تحكم أفراده و تحكمنا نحن كمنتمين لهذه المجتمعات و ما فيها من عقود اجتماعية نسير بمقتضاها هي كلها نواتج من العقل ، أي أحكام عقلائية أوجدها العقلاء و تعارفوا عليها من أجل الحفاظ على نظام و سلامة المجتمع.
.
الأحكام العقلائية تخضع بالعادة للخلفية الفكرية التي تتملك العقلاء و تسيطر على أعرافهم ، هي تنتج من القاعدة التي توفر المنطلقات التي تحدد 'عملية التفكير' عند الإنسان، من القاعدة التي تزوده بالقيم أو بالاحرى المسطرة التي يسير بمقتضاها أثناء أي معالجة عقلية لأي موضوع و يقيس عليها هذه المعالجة أيضًا.
.
ما قبل أرسطو مثلاً كانت عملية التفكير تتولد من العقل الأسطوري ،من حيث ربط أسباب الحوادث بقوى غريبة من شاكلة السحر و الأرواح و الأشباح ،فكل حادثة كان يحكم عليها وفق الخلفية الثقافية / الفكرية بانها من تأثير روح أو شبح أو سحر أسود و غيرها ، بينما منذ القواعد التي أرساها أرسطو بالمنطق ثم بزوغ عصر الفلسفة الإغريقية نزل العقل لمرحلة التجريب العلمي إلى يومنا الحاضر الذي لم يعد يفسر المرض على أنه حادث بسبب غول أو روح بل لسبب فسيلوجي بحت، العقل القديم لم يكن ليصدق أن مرضًا يمكن ان يسببه كائن حي لا يُرى بالعين كالبكتيريا مثلاً بل وفق قواعده لابد و أن يكون السبب هو (تأثير) مباشر من قِبل تلك القوى المذكورة سابقًا و يرى في هذا الأمر غاية العقلانية، بينما نراه نحن اليوم لا يمت للعقل بصلة، رغم أن هذا العقل الذي نمتلكه لا يختلف بالمهمة و الشكل عن عقل الإنسان البدائي.
.
من هنا يتبين الفارق بين الحكم العقلي و الحكم العقلائي ، الحكم العقلي هو حكم بديهي ثابت و متأصل في كل إنسان و يعني الحكم الذي يستحيل عليه النقض، بينما الحكم العقلائي هو حكم يرجع للإستحسان النابع من تفكير العقل وفق أدواته التي امتلكها الفرد ، و هذه الادوات متطورة مع الزمن.
.
الحكم العقلي هو ثابت بينما الحكم العقلائي متغير و نسبي ، الآراء و الأفكار و القوانين و غيرها من نتاجات عقول البشر هي متكونة نتيجة لطريقة التفكير التي تغذاها هذا الإنسان من مجتمعه و محيطه و بيئته، و يُعتبر ديكارت من أوائل الفلاسفة الذين طرقوا هذا الباب في الغرب مع التأكيد على ريادة فلاسفة الشرق الإشراقيين الذين قالوا بوجوب التخلص من الكدورات (المعوقات) الروحانية و العقلية حتى يصل العقل للحقيقة المطلقة.
.
رينيه ديكارت في منهجه «مسح الطاولة» يؤكد على ضرورة التخلص من التراث الفكري و المنهجية العقلية المكتسبة التي تولد التضارب و التناقض في الأفكار الإنسانية حيث أنه وجد عقله في كتاباته يتقافز بين شتى الأفكار و المنهجيات المتضاربة التي قرأها و اطلع عليها أو تربى عليها و اكتسبها أثناء حياته ،لذلك توصل إلى أن الحل الوحيد هو مسح هذا كله و 'تطهير' عقله من كل ذلك و إعادة بناء أفكاره و مبادئه منهجيًا من خلال الرجوع إلى (الفطرة العقلية)، أي العقل و مبادئه التي يستحيل عليها التناقض.
.
نحن لا زلنا لا نفرق بين الأحكام العقلية الثابتة و الأحكام العقلائية المتغيرة / النسبية، فنجعل من الثابت متغيرًا و من المتغير ثابتًا ثم نشخص نحو محاكمة الآخرين وفق هذه المجعولات المقلوبة، إن أشد ما نحتاجه هو أن نتعلم من 'ديكارت' كيف ننقي عقولنا ، و كيف نفرق ما بين أحكام العقل و أحكام العرف (العقلائية) التي تنتج من الموروث الفكري ،و كيف نختار المنهجية التي نزود بها عقولنا ، المنهجية التي تؤيد الفطرة السليمة الموجودة فيه بدلاً من تسميمه بالمنهجيات المتناقضة و الطرق السيئة التي لا تقود إلا إلى (السقوط في غيابت جب الهوى) كما عبّر عن ذلك الملا صدر المتألهين.
.
شاهد ذلك ما روي في الكافي الشريف ، بحديث طويل عن الإمام الصادق عليه السلام ، منه:
.
« .. قيل له: فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره؟
.
قال: إن العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته، علم أن الله هو الحق، وأنه هو ربه، وعلم أن لخالقه محبة، وأن له كراهية، وأن له طاعة، وأن له معصية، فلم يجد عقله يدله على ذلك ،وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه، وأنه لا ينتفع بعقله، إن لم يصب ذلك بعلمه، فوجب على العاقل طلب العلم والادب الذي لا قوام له إلا به.»
.
و معنى الرواية أن العقل يدل المرء على التوحيد ، و لكنه لا يدله على الفرق ما بين العصيان و الطاعة ، ولا يدله على المنهج أو الطريق الذي يؤدي به العبادة نحو هذا الخالق الواحد،لذلك يجب عليه أن يبحث عن المنهج الذي يدله على الفرق بين ما يحبه هذا الخالق الواحد و بين ما يبغضه ليعطيه القيمة التي من خلالها يفرق الطاعة عن المعصية،و يضعه على الدرب الصحيح للعبادة و لا يكون ذلك إلا بطلب العلم.
.
فانتفاع الإنسان لا يكون بالعقل وحده و لا يمكن له أن ( يستغني بعقله ) إذا لم يضع له منهجية يستعمل من خلالها هذا العقل، من هنا يأتي التأكيد على ضرورة بحث الإنسان عن العلم و الأدب حتى يصل للمنهجية الأسلم التي يكون فيها نجاته.