أحب تأمّل المناظر وأنا أقود سيارتي، تستهويني الحدائق والمسطحات الخضراء بشكلٍ كبير، لا أعلم سببًا لهذا ولكن يبدو أنها موروثات جينية، وأوضح دليل هو أن مطاعم الكباب والباكه لا تخلو أبدًا من صورة لمنظر طبيعي لحدائق غنّاء (!)، شاهدت العديد من مداخل الحدائق لكن يلفت نظري بشكل عام تلك البوابات المكونة من الكونوكاربس وكيف يشذبها أصحابها لتكوّن جسرًا معلقًا يمر من تحته الداخلون. حبلٌ رفيع يربط في نهاية الشجرة الأولى أوّل ما تُزرع، ويُشدُّ بنهاية الشجرة الثانية المزروعة للتو، ومع مرور الأيًام تلتحم الشجرتان لتكوّنا مدخلاً كما أراده وتصوره صاحب الحديقة.
شهر نوفمبر من كل عام، تتجدد فيه مناسبتان الأولى أنه الشهر الذي أفقد فيه عامًا إضافيًا من عُمري، والثاني أنه الذي يذكرني بزيارتي للمعرض مع والدي رحمه الله. كان يفعل بي مثلما يفعل أولئك بالكونوكاربس، يربطني بحبل في كتب معينة لا يستخسر بها مالاً أبدًا، وفي نفس الوقت يرفض شراء بعض الكتب لي رغم أنّها كانت أرخص ثمنًا فاضطر لشرائها من مصروفي الشخصي. اليوم أقف شاهدًا وأنا أرى الحصيلة [1] على اللوحة التي أراد - رحمه الله - رسمها لي.
.
ممرات معرض الكتاب تعيد ذلك العبق لي، في بعض الأحيان القيمة الجمالية التي تملكها اللحظة في الذهن أكبر من آلاف اللحظات الجمالية التي يمكن أن نقتنصها في الواقع، لا زلت أشتري الكتب من المعرض، ولكنه شراءٌ لـ"تبرئة الذمة"، أصبح كأنه ديوانية رمضانية، تفتح أبوابها مرة بالسنة نسلّم ونستفسر عن الأصحاب الذين شغلتنا الحياة عنهم، ونستقصي أخبار من نفتقدهم أو فقدناهم.
هذه السنة، فقدت عدّة منهم، لم أشاهد الجناح الإيراني، هذه خسارة إضافية لمعرض الكتاب، عرجت على من أعرفهم في باقي الأجنحة، بطريقي أبصرت أحدهم، يا الله! عرفته قارئًا نهمًا، في مكتبته تجد كتبًا لا تجدها في أيِّ مكانٍ آخر، تأملت الشعيرات البيضاء التي غزت لحيته الخفيفة، وقطار الأبناء خلفه، وهو يحاول استرضاء هذه، ومتابعة ذاك، مَسح فم ابنته الصغرى من بقايا "البوظة" ..
- يقولون ما خليت لنا شي بالمعرض :)
أمسك رواية هي أشبه بـ (سوالف منتدياتية) اشتراها لابنته الكبرى، ملوحًا بها تجاه وجهي:
- آخر عمري اشتري هالخرابيط!
- ما عليه، المهم يقرون، إنتَ شخذيت؟
- ولاشي!
عرفت أن الكتب عنده صارت كأنها أكوام حجارة بجانب قسيمة انتهت للتو من البناء، مجرد تجمعات غير منتظمة الشكل في غرف المنزل، همّ البورصة اتعب قلبه، وبنيان البيت أخلى جيوبه، ومتطلبّات الأولاد جعلته يحمد الله إن استطاع أن ينهي قراءة جريدة.
حين عدت للبيت مع كتبي كانت أختي تزور أمي، سمعتُ التعليق المميز:
- فـراغة!
هذا التعليق إمّا أن يجري على لسان كل من يشاهد كتابًا بيدي، أو أنّه يفضل الإطلال برأسه من خلال تعابير وجه من (يخزني). أن تجلس بالقهوة لساعات وتدخن الشيشة فانت تملئ وقتك، أو تتابع فلمًا تلو الآخر فأنت تستفيد من وقتك، أو أن تقضي الساعات تتابع أخبار اللاعبين أو الممثلين أو أبناء وبنات العائلة والجيران والكويت والكرة الأرضية كلها، الأحياء منهم والأموات، فأنت تستغل وقتك، أما أن تمسك كتابًا وتقرأ فهذا إما أنه من زود الفضاوة أو فـراغة!
لا يهم، بتُّ أملك مناعة مكتسبة الآن تجاه هذه التعليقات، ومع هذا لا زلت أفكر من الفارغ، أنا أم النّاس؟
هل أقدم على ما أقدم عليه الملك وأشرب من نهر الجنون حتى لا أصبح العاقل الوحيد بينهم؟ هل يُعقل أن توفيق الحكيم اكتشفَ الحل المثالي؟ أن نصبح كلنا مجانين؟
أم لا، أحتفظ بعقلانيتي و إن كلفتني منصبي، على الأقل لستُ ملكًا لأخاف من إزاحتي، وهذه من فوائد كونك من الطبقة الكادحة.
من جانب آخر، ألا يُمكن أن أكون أنا المجنون وأولئك هم العُقّال؟ لا يوجد ما يمنع ذلك، المجانين دائمًا يتصورون أنهم أعقل النّاس، وأنّ العوام أقل من أن يفهموا كلماتهم، كان بهلول يدّعي الجنون، يضحك عليه الناس في زمنه، لكنّهم اليوم يقفون احترامًا لحكمته، ونفاذ بصيرته.. لو كان المجانين كلهم بهاليل، لكنّا نعيش في عالم جميـل.. بعيدًا عن زين العقلاء!
تذكرت الشيخ بهلول رحمه الله، وصفه والده بأنّه (بهلول) أمام قائد الشرطة ليخلص نفسه من تبعات أفعاله، نسى الناس اسمه وتذكروا لقبه، رغم أنه قاد ثورة لازال التاريخ يذكرها بإجلال.
« إنني أحب الشجعان، ولكن لا يكفي أن تكون مقاتلاً شجاعًا يستخدم السيف القاطع، عليك كذلك أن تعرف من تقطعه بسيفك!» [3]
.
وللحديث - إن شاء الله - بقيّة ..
_____________
[1] ما ترونه في الصورة من كتب مستلقية على سطح المكتب.



