1 نوفمبر 2009

1- بـوحُ العتاب في معرض الكتاب

.
.
أحب تأمّل المناظر وأنا أقود سيارتي، تستهويني الحدائق والمسطحات الخضراء بشكلٍ كبير، لا أعلم سببًا لهذا ولكن يبدو أنها موروثات جينية، وأوضح دليل هو أن مطاعم الكباب والباكه لا تخلو أبدًا من صورة لمنظر طبيعي لحدائق غنّاء (!)، شاهدت العديد من مداخل الحدائق لكن يلفت نظري بشكل عام تلك البوابات المكونة من الكونوكاربس وكيف يشذبها أصحابها لتكوّن جسرًا معلقًا يمر من تحته الداخلون. حبلٌ رفيع يربط في نهاية الشجرة الأولى أوّل ما تُزرع، ويُشدُّ بنهاية الشجرة الثانية المزروعة للتو، ومع مرور الأيًام تلتحم الشجرتان لتكوّنا مدخلاً كما أراده وتصوره صاحب الحديقة.
.
شهر نوفمبر من كل عام، تتجدد فيه مناسبتان الأولى أنه الشهر الذي أفقد فيه عامًا إضافيًا من عُمري، والثاني أنه الذي يذكرني بزيارتي للمعرض مع والدي رحمه الله. كان يفعل بي مثلما يفعل أولئك بالكونوكاربس، يربطني بحبل في كتب معينة لا يستخسر بها مالاً أبدًا، وفي نفس الوقت يرفض شراء بعض الكتب لي رغم أنّها كانت أرخص ثمنًا فاضطر لشرائها من مصروفي الشخصي. اليوم أقف شاهدًا وأنا أرى الحصيلة [1] على اللوحة التي أراد - رحمه الله - رسمها لي.
.
يبدو أنّه كلما زادت الأرقام التي تشير لعمر الإنسان، زاد (سأمه) أو نفوره مما كان يتصور به المتعة حين طفولته، كما يشمئز المرء من حليب أمه اليوم، كان يترقب اللحظة التي يحين موعد شربه له في طفولته. لم تعد اللهفة موجودة، واستبدلت بالترّفع والاشمئزاز لمجرد أن معدته تطوّرت وبدأت تفضّل ألبان البقر ولحوم الخرفان، هكذا لم تعد متعة معرض الكتاب، كما كانت في الصغر، بالنسبة لي.
.
ارتباطي بالمعرض بات ارتباطًا وجدانيًا أكثر من كونه ارتباطًا ثقافيًا، بالنسبة لشخص عليه - غالبًا - أن يأتي بكتبه من الخارج لأن القائمين على المعرض (والرقابة عمومًا) يحكّمون أمزجتهم فيمنعون كتابًا تارة، وأخرى يسمحون به، وفق أهوائهم فهذا يعني أنه عليّ أن أتآلف مع المكتبات في بيروت ومشهد وقم، وهذه الأخيرة كلما تذكرت حال «باساج قدس»[2] فيها، ضحكت من تظاهرة تُسمّى زورًا ثقافية عندنا متمثلة بمعرض الكتاب!
.
ممرات معرض الكتاب تعيد ذلك العبق لي، في بعض الأحيان القيمة الجمالية التي تملكها اللحظة في الذهن أكبر من آلاف اللحظات الجمالية التي يمكن أن نقتنصها في الواقع، لا زلت أشتري الكتب من المعرض، ولكنه شراءٌ لـ"تبرئة الذمة"، أصبح كأنه ديوانية رمضانية، تفتح أبوابها مرة بالسنة نسلّم ونستفسر عن الأصحاب الذين شغلتنا الحياة عنهم، ونستقصي أخبار من نفتقدهم أو فقدناهم.
.
هذه السنة، فقدت عدّة منهم، لم أشاهد الجناح الإيراني، هذه خسارة إضافية لمعرض الكتاب، عرجت على من أعرفهم في باقي الأجنحة، بطريقي أبصرت أحدهم، يا الله! عرفته قارئًا نهمًا، في مكتبته تجد كتبًا لا تجدها في أيِّ مكانٍ آخر، تأملت الشعيرات البيضاء التي غزت لحيته الخفيفة، وقطار الأبناء خلفه، وهو يحاول استرضاء هذه، ومتابعة ذاك، مَسح فم ابنته الصغرى من بقايا "البوظة" ..
.
- يقولون ما خليت لنا شي بالمعرض :)
أمسك رواية هي أشبه بـ (سوالف منتدياتية) اشتراها لابنته الكبرى، ملوحًا بها تجاه وجهي:
- آخر عمري اشتري هالخرابيط!
- ما عليه، المهم يقرون، إنتَ شخذيت؟
- ولاشي!
.
عرفت أن الكتب عنده صارت كأنها أكوام حجارة بجانب قسيمة انتهت للتو من البناء، مجرد تجمعات غير منتظمة الشكل في غرف المنزل، همّ البورصة اتعب قلبه، وبنيان البيت أخلى جيوبه، ومتطلبّات الأولاد جعلته يحمد الله إن استطاع أن ينهي قراءة جريدة.
.
حين عدت للبيت مع كتبي كانت أختي تزور أمي، سمعتُ التعليق المميز:
- فـراغة!
.
هذا التعليق إمّا أن يجري على لسان كل من يشاهد كتابًا بيدي، أو أنّه يفضل الإطلال برأسه من خلال تعابير وجه من (يخزني). أن تجلس بالقهوة لساعات وتدخن الشيشة فانت تملئ وقتك، أو تتابع فلمًا تلو الآخر فأنت تستفيد من وقتك، أو أن تقضي الساعات تتابع أخبار اللاعبين أو الممثلين أو أبناء وبنات العائلة والجيران والكويت والكرة الأرضية كلها، الأحياء منهم والأموات، فأنت تستغل وقتك، أما أن تمسك كتابًا وتقرأ فهذا إما أنه من زود الفضاوة أو فـراغة!
.
لا يهم، بتُّ أملك مناعة مكتسبة الآن تجاه هذه التعليقات، ومع هذا لا زلت أفكر من الفارغ، أنا أم النّاس؟
هل أقدم على ما أقدم عليه الملك وأشرب من نهر الجنون حتى لا أصبح العاقل الوحيد بينهم؟ هل يُعقل أن توفيق الحكيم اكتشفَ الحل المثالي؟ أن نصبح كلنا مجانين؟
أم لا، أحتفظ بعقلانيتي و إن كلفتني منصبي، على الأقل لستُ ملكًا لأخاف من إزاحتي، وهذه من فوائد كونك من الطبقة الكادحة.
.
من جانب آخر، ألا يُمكن أن أكون أنا المجنون وأولئك هم العُقّال؟ لا يوجد ما يمنع ذلك، المجانين دائمًا يتصورون أنهم أعقل النّاس، وأنّ العوام أقل من أن يفهموا كلماتهم، كان بهلول يدّعي الجنون، يضحك عليه الناس في زمنه، لكنّهم اليوم يقفون احترامًا لحكمته، ونفاذ بصيرته.. لو كان المجانين كلهم بهاليل، لكنّا نعيش في عالم جميـل.. بعيدًا عن زين العقلاء!
.
تذكرت الشيخ بهلول رحمه الله، وصفه والده بأنّه (بهلول) أمام قائد الشرطة ليخلص نفسه من تبعات أفعاله، نسى الناس اسمه وتذكروا لقبه، رغم أنه قاد ثورة لازال التاريخ يذكرها بإجلال.
.
« إنني أحب الشجعان، ولكن لا يكفي أن تكون مقاتلاً شجاعًا يستخدم السيف القاطع، عليك كذلك أن تعرف من تقطعه بسيفك!» [3]
.
وللحديث - إن شاء الله - بقيّة ..


_____________
[1] ما ترونه في الصورة من كتب مستلقية على سطح المكتب.
[2] سوق الكتب في قم، كل ما تبحث عنه من كتب – مهما كانت – ستجدها هناك!
[3] القول لـ نيتشه، على لسان زرادشت.

24 أكتوبر 2009

السـعادة بالحـزن




هذا الموضوع بُـدء برسالة، ثم بجملة، ثم تقاطرت الأفكار فأصبح طويلاً ولازال عاجزًا عن لم شمل كل الأفكار .. إن هذا هو مجرد مثال بسيط على ما سيأتي!

.

السعادة مفهوم لازال طريح طاولة التشريح، لا أحد يدعي الوصول إلى المفهوم التام له، كما أنّ الحزن هو متلازم للسعادة و لم يصل أحد إلى المفهوم الشامل له. كل ما أبحر به الإنسان و أنتجه هو مباحث في "عوارض" السعادة والحزن، فنحن نقيس السعادة بآثارها، بالراحة، بالطمأنينة، بالدعة والسكينة، ولكن لا نقيس السعادة بذاتها، وفي نفس الوقت نحن نقيس الحزن بعوارضه لا بذاته، بألمه، وقلقه، و انقباض النفس، وضيق الحال.

.
هذه العوارض التي نقيسها ينطلق منها عامّة الباحثين إلى فهم السعادة والحزن، وماهيتهما، فهم يقولون بأن السعادة هي دفع الألم، كل ألم يحل بالإنسان، ألم الجوع، أو ألم الفقد، أو ألم العطش، أو ألم الحاجة كلها حين يتم دفعها يشعر الإنسان بالسعادة أو أحد مظاهرها. ومن جانب آخر فإن الاحساس المتزايد بهذه الحاجات و هذه الآلام يؤدي إلى الشعور بالحزن، والضيق، حين تلح حاجة ما وتبدو غير قادر على أن تحققها أو تشبعها في نفسك، يسيطر عليك الحزن، ويستبد بك الألم سواء كان الألم المادي، أو الألم المعنوي.

.
غير أنّ تساؤلاً يطرح نفسه، حتى ذلك الإنسان الغني القادر على اشباع كل احتياجاته، أو ما نتصوره من احتياج يشعر بالحزن، لماذا؟ أيضًا، حتى هذا الفقير الذي لا يملك قوت يومه يشعر بالسعادة، لماذا؟

.
لا أحد يمكنه أن يقدم إجابة وافية، لذلك يلجأ البعض إلى حمل القضية على أبسط محاملها، ليقتصر السعادة على أنها «لا تأتي من خارج الإنسان، بل هي تنبعث من داخله»[1] ويكتفي بهذه الإجابة، وفي الواقع هو لم يتعب نفسه في استكشاف لماذا تنبعث من الداخل؟ وكيف يمكن معرفتها؟ أو قياسها؟ أو حتى استيعاب سبب نفي السبب الخارجي في توليد السعادة، أو ماهي ماهيّتها، مما تكون؟ وكيف تكون؟ نحن "نشعر" بها، لكن لا نعرف مما هي، هذه كلها أسئلة يتصادم فيها الحكماء مع الفلاسفة من الروحانيين مع علماء النفس والاجتماع، وتبقى الحقيقة الوحيدة ثابتة، وهي أنّ الإنسان عاجز حتى عن بلوغ ما فيه!

.
اللاجواب الذي يسبح في غمراته الإنسان، يدفعه إلى الشعور بالعزلة في هذا العالم، فهو المخلوق الوحيد (العـالة) على البيئة، والمخلوق الوحيد (غير المنسجم) مع ما حوله، الحيوانات والحشرات وكل المخلوقات تقوم بأدوار دقيقة تكمل فيها حلقة الحياة، وتقوم بجزء يشكل بتكامله مع الآخرين الدورة الطبيعية الكاملة، إلا الإنسان الذي يشعر بأنه (مقذوف) في وسط هذا المحيط المنسجم كغدة 'سرطانية' تنهش فيه، وهو يملك خاصية "التحكم" بمواردهذه الدنيا دون غيره، رغم أنه على عكس الباقين يدمرها أكثر مما يخدمها ليبقيها، ويصبح عالة عليها أكثر من كونه جزءًا منها!

.
في تعقيبه، يذهب إريك فروم[2] إلى أنّ الجنّة، أو مملكة الله باصطلاحه، هي غاية الإنسان، سواء كما يطرحها الفكر الديني من حيث كونها كائنة في نهاية التاريخ، الآخرة، أو من ناحية الفكر ' المادي ' الحديث الذي يراها قابلة للحصول على أرض الواقع دون الحاجة لانتظار نهاية التاريخ / الزمن، وبرزت هذه الفكرة من خلال الحديث المتزايد عن الـ"يوتوبيا" أو المدينة الفاضلة، ويشير إلى أن ذلك بسبب أمل الإنسان بالوصول إلى «الكمال الإنساني على الصعيد الإجتماعي و الفردي».

.
هذا الأمل، يصفه شريعتي[3]، بأنه نتيجة لنقائص البشر، فكل فن من الفنون، هو تعبير عن النقص الذي يعيشه الإنسان في ذلك المجال، لهذا كانت (الجنة) موجودة في كل المذاهب و الأديان في السماء كانت، أم في الأرض. إن الإنسان لا يتحدث عمّا يملكه بقدر حديثه عمّا لا يملكه، و لا يبحث عن الاستزادة بما لديه، كما يبحث عن الاستزادة بما يفتقده، فهو ينجذب للشعر لأنه يختلف عن الحديث الاعتيادي في حياتنا اليومية، ويبحث عن الجمال في البشر و الأدب والفن وغيرها، لأنّ الجمال لا يعتبر حالة عامة في هذه الدنيا، هذا السعي الإنساني نحو (المفتـقد) عنده، في ظل نقصه، وعدم انسجامه، يجعله مقيّدًا ومكبوحًا في دائرة صغيرة تصيبه بتوتر شديد، وتعب طويل. الشيء الوحيد الذي يبقيه ساعيًا، في هذا المجال هو هذا الأمل في «الكمال» الذي ينتظره أو يتأمّله.

.
الإنسان، بصفته وذاته، كما يقول الشيخ الرئيس ابن سينا كائن «متنـاه»[4]، فهو يعيش برهة من الزمن بعد أن وُجد من العدم، لتنتهي مسيرته على الأرض بالموت، يرافقه طوال هذا المسير شعور بـ«اللا محدودية»، فهو لا يحب أن يصدق أو يؤمن بأن الموت يعني نهاية الطريق له، سواء كانت نهاية للوجود في هذه الدنيا كالمؤمنين، أو نهاية عدمية كما هي عند الملحدين وغيرهم.

.

«العقل المتناهي متجذر في اللا تناهي»[5]، لذلك يحمل الإنسان أعماله و آماله ويحاول ربطها بالذي لا ينتهي، حتى يصل هو بنفسه إلى التخلّص من عقدة ضيق الحياة، وقِصر الدنيا، إلى الخلود، وهذا الإحساس ليس عبثيًا، لأن العقل البشري كإمكانات يفوق بكثير الحدود الدنيوية لعمره، وما تمنّي الموت عند بعضهم إلا لأنه لم يعد يطيق ذلك التناقض بين ضيق «الدنيا» وسعة «العقل» حتى يصل لدرجة السأم، كمّا عبّر عنها حكيم الجاهلية زهير بن أبي سلمى.

.
الكمال، حاجة إنسانية، عجز المرء عن سدها يوّلد عنده ألم، وهذا الألم مشابه للألم «السـادي» من حيث اللذة، ومن حيث السعادة التي ينشرها في النفس، قارب «نيتشه» هذا المعنى كثيرًا، لأنه استوعب أن «مشاركة المعاناة» مع الآخرين تبعد النظر عن المعاناة الذاتية، فيتتج الفرح والنشوة أو التسلية، لكنّه حول ذلك إلى «عدمية»[6] بدلاً من تحويلها إلى طريقٍ للتكامل.

.
فلا عجب أن يصبح الحزن، ملاذًا للسعادة، منذ القدم و أن يكون هناك من يتلذذ بالحزن كتلذذه بالسعادة، بل إنّه يستمتع بهذا الحزن، لانه يعطيه الشعور «بالإنسانية»، إنسانيةَ الآمال و الأحلام التي يسعى إليها كل شخص، ويكون محملاً بها ليتصادم مع مرور الأيام بعقبات ومطبات تجعل هذه الأحلام مجرد خربشات على صفحات الذاكرة. الاستمتاع بالحزن هو استمتاع بالمواساة التي تقدمها حقيقة عجز الإنسان عن الوصول إلى الكمال المُطلق، واستمتاع بالتذكير المستمر بقصور هذا الإنسان، وأنّه ليس الوحيد الذي تعلقت أرجله بهذا المحل، انبهارنا بمشاعر الحزن التي تبثها الأفلام، وتلك التي نستوحيها من الصور الكئيبة، وانجذابنا إلى التراجيديا في الأدب هو مجرد شاهد آخر على استمتاعنا بالحزن، لأن هذا هو الشعور الوحيد الذي يخاطبنا كبشر وينفذ لداخلنا، ونحن نرى أنفسنا في هذا العالم الذي نشعر فيه بعدم الإنتماء.

.
_______________
[1] علي الوردي، مقالة: وهم السعادة.
وهذه النظرة، وإن كانت توحي بباطن عميق إلا أنّها عند أصحابها مجرد إجابة تبعد عنهم همّ التفكير بواقع السعادة وماهيّتها وسبب تولدها في النفس وفي محاولة لتبرير حالة القصور عن إدراك ذلك يكون إطلاق مثل هذا الحكم البديهي.
[2] راجع: حلم 1984 الجميل.
والواقع أنّ النظرة المادية الحديثة، ليست سوى نظرة وضعت في قبال النظرة الدينية عن الجنّة، فهي وضعت من باب المقابلة، لكونها فطرة لم يستطع أولئك غض البصر عنها!
[3] علي شريعتي، الإمام علي في محنه الثلاث.
[4] يقول ابن سينا: (لا يجوز أن يكون جسم من الأجسام ولا بُعد من الأبعاد لا خلاء ولا ملاء و لا عدد يترتب في الطبع موجودًا بالفعل بلا نهاية ...).
فهو – أي الإنسان – كائن كانت له بداية، وُجد بالفيض، وله نهاية في كل مرحلة إلاّ ما شاء الله، وليس قديمًا أزليًا.
[5] د.ت. سوزوكي، دراسات في بوذية زن.
[6] المفهوم (العدمي) للحياة، ليس سوى محاولة من اولئك العاجزين للقفز على 'دقائق' النفس الإنسانية في سعيها المطلق نحو الكمال والخلود (الأخلاقي).

11 أكتوبر 2009

ممـا تعلمتـه ..

.

صيرورة العقل البشري، التطوّر. وهذا التطوّر يتفاوت من شخصٍ إلى آخر.
أمامك جبل، وتريد تسلّقه مع جماعة من النّاس .. تارة أحدهم يتوقف في أسفله، ويقرر أنه اكتفى من رؤية الجبل وعلّوه، تارة أخرى احدهم يصل إلى ارتفاع بسيط وينقطع نفسه فيقرر الاكتفاء، و آخرون يصلون إلى القمم العاليّة.

.
الحياة كالجبل، وعقولنا تتمثل فينا، من يتوقف عقله أسفل الجبل، ويثبت في مكانه، نسمّيه مجنونًا!
لقد توقف عقله عند مرحلة ما، ورفض أن يكمل المسير.
وهناك من يتوقف في قمة الجبل، فيسميه الناس عبقريًا! من الملفت أن كلمة عبقري آتية من وادي عبقر المشهور بكونه واديًا للجن، والجنّ اسمه مما جنّ أي استتر عن النظر .. فهل العباقرة بهذه القلّة حتى نشبههم بالجن الذين لا نراهم ؟

.
قابلّيات الناس تتفاوت، كعقولهم .. وأمانيهم، وغاياتهم، وأحلامهم كلها تابعة لهذا التفاوت .. الآن عندما أقف وأرى الكثير من أصدقائي، وأحلامهم، وغيرهم، أزداد اقتناعًا بهذه القاعدة..

.

أُناس يولدون ومهمتهم أن يكونوا كادحين، أن يعيشوا ليعملوا ويتزوجوا ثم ينتهي دورهم في الحياة، وتبقى كل السنوات التي يعيشونها بعد ذلك هي مجرد عمل مستمر للابقاء على الحال كما هو .. بينما هناك من يعيش لأجل هدف أسمى قليلاً، لأن يحدث تغييرًا، لأن يجعل حياة الآخرين أفضـل بفضل حياته، وهناك من يعيش لأجل أن يثبت سطوته، أو يمارس دور الكومبارس على هامش الحياة ..وغيرهم الكثير ممن يعيش حياته حتى يصل إلى مرحلة يعتبر نفسه حاز الكفاية، لتبقى الأيام بعدها جرد حفاظ على ما وصل إليه أو تحسين طفيف ضمن دائرته، على كل حال، كلهم بحاجة لأن يتعلموا، و بحاجة لأن يجعلوا معرفتهم باتساع إمّا لكون ذلك يساعدهم على الوصول إلى هدفهم، أو يجعلهم يحافظون عليه، أو يوفر لهم مجال لتعديل وتحسين وضعهم في "المكان" الذي اختاروه ليمضوا بقية حياتهم فيه.

.
كلهم يبحث عن العلم، و عن المعرفة، وفي سبيلهم يكتسبون خبرات عديدة.. الاستماع لمن مرّوا بتجارب الحياة يعطينا معارف تغنينا عن المرور بالكثير من التجارب المريرة، لقد تعلمت منهم كثيرا[1]، وهذا بعض ما تعلمته:

.
- حين تعجز عن الإجابة، تأكد أن ذلك لسببين:
إما لانك تكلمت بما ليس لك فيه علم، أو أن الطرف المقابل لك ليس عنده علم!


- عدم الاعتراف بالفشل، هو عين الفشل!

- لا تتحدث عن أحلامك أمام أحد، لأنك إن فشلت بتحقيقها سيستهزؤون بك، وإن نجحت فيها سيحسدونك!


- ليس كل تفكير ناتجًا عن العقل، تأكد من ذلك، لأن العقل خيّر، وأحيانا كثيرة يكون الفكر باحثًا عن الشر .. هذا النوع من التفكير ينتج من الرغبة، والشهوة، والنفس.. فالعقل منزه عنه!


- الأسهل من "إدعاء" المبدأ، هو الإعتراف بعدم وجوده!


- كون الفرد يحمل هيئة البشر، لا يعني أنّه إنسان، الإنسانية هي المبادئ والقوى الروحية فيه، فإذا أهملها فإنه بذلك يتنازل عن هذه الانسانية ويكتفي بكونه مجرد كادح لاشباع رغبات متناهية! مثله مثل باقي المخلوقات.


- هناك أشخاص يعتبرون بهائم[2] بأفعالهم، وهناك أشخاص يعتبرون بهائم بأفكارهم!


- الذي يكون معظم كلامه "شـعـارات"، فمعظم أفكاره "هـــراء" !


- الحب هو أن تحب نفسك لغيرك، بمعنى أن تجعل طاقة الحب فيك لمصلحتك ومصلحة الآخرين


- أن تحب يعني أن تكره، هذا الذي يقول أنه "يحب فقط" .. إما أنه كاذب أو أنه لم يتوصل لمعنى الحب حتى الآن!


- عدم الثبوت لا يعني أبدًا ثبوت العدم .. فتأمّل!


- قبل أن تفكر بطعام الغد، اهضم طعام اليوم.


- السيارة والبيت والكمبيوتر وغيرها من الأجهزة و الأدوات تُبلى، وتتغير، وتتجدد .. ولكن هل سمعت يومًا أن الامانة تُبلى؟ أو أن الصدق يتغيّر؟[3]


- عقلك .. إذا لم يكن له منهج يؤطره، فإن أعظم استفادة منه تكمن في قدرته على التذكر فقط!


- الامتحانات المدرسية امتحان أول ثم امتحان ثانٍ ثم الامتحان النهائي و عليه الدرجة الاكبر .. هكذا هي الدنيا والآخرة .. هناك من يخشى الامتحان الاكبر لأنه (زفّـت) بما سبقه لذلك يحاول وضع تصورات أن هذا الامتحان لا فائدة منه و أن الشهادة بكبرها ماله حاجة فيها[4]، بعضهم يقاتل على أمل في الحصول على درجة نهائية تجبر ما قبلها، و بعضهم يوفق في كل الامتحانات و يحصل على العلامة النهائية.


- حين تريد الدخول لسوق أو جمعية ترى هناك بابان، الأول للخروج، والثاني للدخول .. يمكنك أن تدخل من باب الخروج وستصبح بالداخل كما لو أنك دخلت من باب الدخول، ولكنك لا تفعل هذا! وإذا فعلت هذا بطريق الخطأ، فإن نيتك الصافية لا يمكنها أن تبرر هذا الخطأ.. ليس "عملك" أو "نيتك " المهمين، المهم هو أن تترجم النية لفعل .. يحدث بطريقة صحيحة، ولغاية سليمة.. أما إذا كان الأمر عندك سيان: فعفوًا هذه الكلمات ليست لك!


- لا يمكن تحويل القاتل إلى فاضل من خلال المجتمع وحده! .. لذا لا ترمي أخطائك على كاهل الأسرة والمجتمع


- الهزيمة هي أن تفقد ذاتك، والانتصار هو أن تستردها.


- من أجمل الحكم هو ما ورد في الرواية أنه مما أوحى الله عز و جل لعيسى على نبينا و آله و عليه السلام : لا تغرنك اللحى، فإن التيس له لحية .

إحدى مصاديقها أن الكلمات يمكن أن تكون مرصوصة و موزونة و الأسلوب منظم و جميل و فيه حلاوة لكن يظل صاحبه بالنهاية مجرد إنسان مملوء بالنقائص من رأسه لاخمص قدميه، فلا تغرنكم الكلمات، إذا لم تترجم لأفعال.


- حين تجامل الآخرين، فهذا يعني أنك تدني جزءًا من نفسك، ليصعد فوقه هؤلاء


- قبل أن تطلب العلم في الكتب، اطلبه في نفسك

- الفلسفة والمنطق وأصول الاستدلال كلها وسائل للوصول إلى "العلم".. وليست غايات "العلم"

- هل العسل بكمية الورود التي يقف عليها النحل؟ أم هو بكمية ما يستخلصه النحل ولو من وردة واحدة؟

هكذا هي المعرفة والثقافة .. ليست بكمية الكتب التي تقرأها، إنما بكمية "المعالجة" التي تمارسها على ما تقرأ .. في عقلك


- حتى لا تخجل من الآخرين، حاول أن تعرف نفسك[5]، إن أكبر إحراج يقع فيه المرء حين يدعي الانتساب لفكر ما، وهو لا يعرف أي أذنيه أطول فيه .. أو في الأفكار التي تعارضه!

- إذا لم تنسجم مع نفسك، فهذا يعني أنك عدو نفسك![6]


- بعض النّاس، ضررهم بالعلم أكثر من فائدتهم بالجهل [7]
.


العلم أكثر من أن يُحاط به

فخذوا من كل علم أحسنه

الإمام علي عليه السلام .


_______________
[1] راجع: رائحة بطعم الموت
[2] راجع: بهائم البشر
[3] راجع: الأخلاق والفعل الأخلاقي
[4] راجع: الملحدون الجدد
[5] راجع: خاطرة، من أنا؟

وكذلك: العقول المغلقة = كومبارس
[6] راجع: سنفور سفيد

[7] راجع: شــو بيــو

28 سبتمبر 2009

جريمة في مطعم باكه

.

أمـس ..
بعد صلاة الفجر، طالعت الساعة، فقررت أن أغفو قليلاً، فلا زال بالوقت متسع حتى وقت الاستيقاظ لأوّل يوم عمل بعد الإجازة المتعبة جدًا.

رنّ المنبه، طالعت الساعة مجددًا، كانت (30:..)، جيّـد، عندي ما يكفي من الوقت، سخنّت الماء، اتيت بـكوبي، وبدأت بشرب قهوتي الصباحيّة و أنا على جهاز الكمبيوتر.
.
انتهيت من مراجعة الرسائل في "ايميلي"، وقعت عيني على سطح المكتب مجددًا، فخنقتني العبرة! منذ أسبوعين كلمّا شاهدت عدد الكتب و الأوراق على مكتبي تخنقني نفس العبرة، منذ أسبوعين لم أذق طعم النوم الهانئ، منذ أسبوعين و أنا بالي منشغل بـ"مليون" شغلة يجب أن انتهي منها بأسرع وقت، ويبدو أن الوقت دخل في تحدّي بسباق السرعة معي، عشرات الصفحات يجب أن أكتبها و أرسلها قبل الموعد المحدد وبعضها لم أبدء بخطِّ حرفٍ فيها حتى اللحظة، منذ أسبوعين و انا عقلي بإجازة عن كل ما حولي إلى الآن، حتى بدأت صديقتي الثعلبة تزورني مجددًا، لأخفف لحيتي حتى كادت تختفي بعد 6 أشهر من خدمتها على وجهي ..!
.
قررت أن اترك عبرتي تجري بعد أن أعود من العمل! لأقتنص اللحظات الباقية و أراجع بعض المدونات، فتحت مدونة فريج الهيلق، بدأت بالقراءة حتى وصلت لختام التدوينة.. و أنا منصدم!

و لأن المصائب تأتي تباعًا وقعت عيني بالصدفة على ساعة الكمبيوتر لأراها 7.55 صباحًا و أنا الذي كنت أظنها 6.55 دقيقة!
.
هذا يعني أن "التوقيع" انشال، و أن الدوام رسميًا بدأ منذ نصف ساعة! و أنا للحين ببجامتي وقهوتي .. و شعري المنفوش!
شنو لبست؟ شلون طلعت؟ شلون وصلت لمقر عملي خلال 10 دقائق، إلى هذه الساعة لا أعرف!
كل ما أعرفه أن هناك قطعة سوداء في ذاكرتي ما بين الساعة 7.55 صباحًا إلى الساعة 8.15 صباحًا بتوقيت مدينة الكويت و ضواحيها!
.
حين وصلت، صديقي المفترض به أن يكون عزيزًا هناك لفت نظري (ونظر الجالسين كلهم بالأحرى) إلى أنني (لابس ساعتي بالمقلوب)، لولا أنّها هديّة، لكانت اليوم جزءًا من رأسه، فحجمها يساعدها على أن تحفر مكانها جـيـدًا بالجمجمة !
.
أحيانًا كثيرة تكون الإجابة حاضرة عندي و لكن تخونني الكلمات، لا أعرف ما أقـول أو كيف أعبّر بالكلمة عمّا يجيش بصدري، في هذه اللحظات تتمنّى لو أن ريحًا شديدة مغبرة تأتي لتغطيك والجالسين فتختبئ داخلها، لانها الوحيدة التي تجبر الجميع على الصمت و عدم التكلم : فنتساوى كلنا في نفس الموقف.

كانت إحدى تلك اللحظات، عندما قرأت الحلقة الاخيرة لـ مطعم باكه، ثم أتت زميلتها حين وصلت لمقر عملي و أمام مسؤولي .. و لا يفصل بينهما سوى دقائق!

* * * * * * * * *
.
أنا مؤمنٌ بأنّ للنفوس إدبارٌ و إقبال، فهي و أرواحنا مثل البحر و الموج، البحر موجود و لكن مظهره يكون وديعًا إن هدء و مرعبًا إن عصف، هكذا نحن، أرواحنا موجودة، و نفوسنا تهدء تارة و تعصف أخرى، و لأنني آمنت بهذه الحقيقة، فقد قررت أن أجعل كل مظاهري في الحياة مثلها، إن أقبلت نفسي عبّرت عنها، و إن أدبرت صعدتُ إلى الهواء !


ما لم أذكره في "الصعـود إلى الهواء"، أننا في محيط حياتنا نؤمن و نعتقد بأوهامٍ كثيرة، نعتبرها مسلمّات، و أشياء مفروغ منها، لذلك نعتبر الصراع معها أمرٌ لابد منه، ولكن صعودنا للهواء يحررنا من هذا الوهـم، دائمًا أتساءل مع نفسي كما يفعل غيري عن حقيقة وضعي الآن، هل كان من الممكن أن يكون أحسن؟ هل هناك ما أندم عليه؟ هل ارتكبت أخطاءً؟ هل بما أفعله الآن "أخنق" نفسي؟
.
في الواقع، نعم ارتكبت أخطاءً كثيرة، و هناك أشياء عديدة لو رجع بي الزمان لما فعلتها أو أقدمت عليها، وندمت على بعضها، وهناك أشياء كنت أعتقدها ولكني حين صعدت للهواء اكتشفت أنني واهم!
.
لو عدت بالزمن إلى تلك اللحظات التي اتخذت فيها تلك القرارات، لما اختلف اختياري، إنّ خطأ اختياري ذلك الوقت لم يكن معلومًا عندي إلا بعد أن ارتكبته، وبعد أن ازداد وعيي و كبرَ سنّي، لقد عرفت أنه من غير المنطقي أن أحاكم نفسي على مواقف سابقة بناءً على خبرات حاليّة، لولا أنني وقعت في تلك المطبّات، لما عرفت كيف أتجنب غيرها.. ومنها عرفت أنني قادر و مهيأ لأن أتعايش مع نتائج تلك الأخطاء.
.
قبل عدة أسابيع كنت مع أحد أصدقائي، أثناء حديثنا صعقني بسؤال: إنت سفيد،صح؟
.
وانفرطت العقدة بعدها، في موضوع (ســنــة) ذكرتُ أنّ هناك عدة مدونات أنشأتها و الآن أذكر لكم أنني حذفتها لأن هناك من اكتشف شخصيتي الحقيقية بها، كان عندي اعتقاد أو وهـم بأنّ سفيد على أرض الواقع شيء، و خلف الشاشة شيء آخر، سفيد في "المحيط" الإفتراضي يتكلم و يكتب، مثل البحر إن هاج، وسفيد على أرض الواقع يفضّل الصمت أحيانًا كثيرة ، وهذا الصراع بين السفيدين كان لابد و أن ينتهي لمصلحة أحدهما، وهذا هو ما توهمته، و كان الواقعي هو من ينتصر دائمًـا، حتى أتت هذه المرة.
.
لم يعد هناك واقعي، و آخر افتراضي، بدلاً من أن يكونا طرفي نقيض، كان يمكن أن يكونا متكاملين فالبحث عن المشتركات دائمًا أسهل من البحث عن المختلفات، و لكن لأننا بشر فإننا نفضل أن نتصارع دائمًا، فإن لم يقتل أحدنا الآخر بحثنا عن السلام .. بعد أن أنهكنا قوانا في الحرب!
.
وهذا ما حدث.. أو بالأحرى هذا ما استوعبته حين صعودي للهواء. نعم أنـا هو، كانت إجابتي على سؤال صديقي، وعلى غير العادة حين عدت للبيت لم أغلق وأحذف المدونة!
.
لقد قررت أن أعيش معهـا هذه المرّة .. دون أرتكب فيها تلك الجريمة المعتادة!

.

هذه الرسالة موجهة لـ مـطعـم باكـه، الواقع في فريج الهيلـق، و آمل أنّها بحروفها هذه قد وصلت لألاّ يرتكب نفس الجريمة.

.


ملاحظة: البريد الإلكتروني لمطعم باكه، اللي يعني صايد الحركة و شاله من المدونة موجود عندي، لذلك فإن لم أشاهد تراجعًا و إنسحابًا منه عن موقفه خلال 72 ساعة، فإنني سأرتكب جريمة تضاف لسجلّي الإجرامي في "الدعـوة إلى التشاؤم"، بنشر بريده الإلكتروني للجميـع :).


بعد استجابة مطعم باكه لنداءات الشعب، تم سحب التهديد .. ودمتم بخير :)