10 أبريل، 2010

تـفـاصـيـل



يقول العرب بأن الشاعر البارع له شيطان يلقي عليه شعره، ويقول الإنجليز بأن الشيطان يكمن في التفاصيل (The demon is in the details)، وأجمل الأشعار هي تلك التي تصف تفاصيل الأحداث، في الغزل، والفرح، والحزن، والحياة. على هذا تكون كلها نتيجة لـ وحي الشيطان وفق القياس الأرسطي !
فالشيطان يوسوس بما يعاكس الحقيقة، وشياطين التفاصيل تكشف لنا سطحية الكثير مما يُنسب للحقيقة دون دليل! إذا كانت الأرض في يوم من الأيام هي مركز الكون، فقد أوصلها السعي الحثيث نحو اكتشاف ذلك إلى جعلها اليوم مجرد جرم حقير بين ملايين الأجرام في الفضاء!
.
في العصر الحديث، ولكون الإنسان بطبيعته لا يحب التعامل مع المجهول، فإنه يلجأ إلى حيلة قديمة يستعمل بها مخيلته ليضفي التفاصيل من عنده، أو ليرسم صورة ما يجهله في ذهنه وفقها، فهو لا يحب الإكتفاء برؤية الأمور من السطح بل يحب رؤية نفسه في موضع العارف والمطلع دائمًا .. حتى ولو كان يعلمُ في قرارة نفسه بجهله!
.
كنت قبل فترة وجيزة أخبر أحدهم عن النقانق، وأنها مثل الكثير من الأشياء في هذه الدنيا، لها طعم لذيذ، ويأكلها معظم الناس بشهية مفتوحة، ولكني منذ شاهدت في إحدى المرات طريقة صنعها، لم أعد أستطيع تحمل مجرد النظر إليها، أو حتى تخيل صورتها في ذهني! لا تزال مكوناتها وطريقة صنعها تعيد إليّ الشعور بالقرف والغثيان، لعل ذلك بسبب أنّ روعة بعض الأشياء هي في بقاء تفاصيلها مجهولة، ومغيّبة.
.
قد تكون كثير من الأشياء أو الكلمات والأفكار جميلة أو لذيذة أو رائعة لا لأنها على هذه الحال في واقعها، إنما لأننا لم نستطع أو نرغب بمعرفة تفاصيلها، وبقدر تعمقنا في التعرف على هذه التفاصيل سنتخلى عن الصورة الجميلة التي نحتفظ بها لهذه الأشياء شيئًا فشيئًا، ونستبدلها بصورة تزيدها قبحًا، وتزيدنا ابتعادًا عنها، ولكن هذا مشروط بكون هذه التفاصيل تلامس واقع هذه الأشياء.
.
هل يمكن للعين أن ترى نفسها؟
في الحقيقة، كان هذا السؤال من الأسئلة القليلة التي جعلتني أتوقف لأحاسب نفسي، كيف لم أنتبه سابقًا لمثل هذا الشيء الذي نمر عليه مرور الكرام، ولا نلتفت إليه؟ ربما يكون ذلك لشدة قربه ووضوحه، فـ غالبًا ما تحت أنوفنا لا تراه عيوننا!
كما لا يمكن للعين أن ترى نفسها، كذلك الكثيرون لا يرون أنفسهم. أحد الأصدقاء دائمًا يذكرني بإحدى حلقات مسلسل كارتوني (Pinky & Brain) حين كان الفأران يخططان لاحتلال العالم، وأولى الخطوات لذلك، كما كانا يأملان، هي بصعودهما لأعلى طاولة المطبخ! بالنسبة لهما يمثل الوصول للأعلى هدفًا استراتيجيًا يستحق التخطيط والعمل لأجله، وبالنسبة لنا هو أمر مضحك، والسبب هو معرفتنا بأن صعود طاولة لا يعني أكثر من ذلك! وفي نفس الوقت نغفل عن حقيقة واضحة: أحلام المرء هي التي تحدد أهدافه، لا قدراته.
.
العالم الكبير المتواري خلف الطاولة يظل في خانة «اللا معلوم» عندهما وخفاء تفاصيله هو الذي صور سهولة احتلال العالم بمجرد تسلق الطاولة، التي لا يريان عقبة سواها أمامها. في كثير من الأحيان، يكون البعض في نفس الموضع، لا يرى نفسه وأين هي، وعلى أيّة مسافة تقبع من القضية التي يحاكمها، ومع هذا يُصدر الأحكام ويعتبرها مسلّمات دون اخضاعها للاختبار لاثباتها، فحلمه بأنه عالمٌ وصاحب رأي لا تشوبه شائبة، وأنه يقف على الحقيقة المطلقة يجعله لا يبحث عن التفاصيل فهو في غنى عنها، وبحجة أن التفاصيل هي شياطين، يبتعد عنها، ويُبعد الآخرين عنها لعلمه بأنّ الإطلاع عليها يعني نفور الناس من كلامه وهذيانه لوقوفهم
على مدى تفاهة ما أطلقه، فتمسي التفاصيل حينها شيطانًا يشعره بالأسى على نفسه، كما قال الملا هاشم الكعبي -رحمه الله- يومًا: .. وللأسى تفاصيل لا يحصي لهنّ مُفصل!
.
ينسب لإبراهام لنكولن: «أن تصمت ويظن الناس أنك أحمق خير من أن تتحدث وتثبت لهم ذلك».
ثمة نقاشات لم تعد تعطي الدافعية للمشاركة فيها هذه الأيام، وأصبح من الأفضل الإبتعاد عنها لأنها وللأسف- تكشف الكثير من المستويات الضحلة التي تملك ظاهرًا لا يوحي بها. النقاشات السياسية والمعرفية بما في ذلك المذهبية وغيرها في بيئتنا أصبحت محطة للإحباط بما يحدث فيها ولدرجة الحميّة التي تصل لها رغم أن الطرفين يتجادلان بما يجهلون واقعه، فحالهم كحال الفأرين: كلمات عظيمة، ومعرفة ضئيلة!
.
في المدونات، والدواوين، والمجالس الخاصة، وحتى في أماكن العمل تدور نقاشات عديدة كل يوم، تمس الكثير من القضايا، وبعضها حساسة جدًا تتعلق بمصير الإنسان، وتصدر مئات الأحكام ومع هذا فهي بمعظمها قائمة على توهمات وتخيّلات، وقليل منها ما يصدر عن معرفة وعلم. وتكمن المصيبة حين تفضل الصمت على المشاركة بمثل هذه المناقشات لأنك تقع بين نارين: إما أن يفسر صمتك على أنه عجز عن الرد والمشاركة، وإما أن يفسر على أنه تأييد وتأكيد لما قيل!
والواقع أنه صمت للتأمل بمدى قدرة الإنسان على التلفظ بالتفاهات مغلفة بكلمات براقة «تسر الناظرين»!
.
من يرى المنظر من أعلى الجبل ليس كمن يراه من بطن الوادي، وهذه نقمة في بيئة مثل بيئتنا، أن تقف على مرتفع، لأن وقوفك على الكثير من التفاصيل الدقيقة يعني مزاملتك لشيطانٍ يجبرك على أن تغير تقييمك للعديد من الكتاب والمتحدثين، الذين ينخدعون بذواتهم، ويخدعون الناس بكلامهم. وشيطانٌ يجبرك على أن تصمت على تفاهة ما يقولون: الصمت والإبتعاد في أحيانٍ كثيرة يكون في حد ذاته .. موقف وإجابة.

هناك 22 تعليقًا:

غير معرف يقول...

الحمدالله على السلامه عزيزي سفيد المفيد والله يعلم يا سفيد شكثر مدونتك فادتني في امور ما حصلتها عند ناس الشيب تارس راسها

كل الي اقدر اقوله انت انسان مهم بالنسبه لي والله يوفقك

غير معرف يقول...

If anything, poets are angels, not devils.

They go beyond superficiality to seek deep issues and by that, they analyze their surroundings.

And that is a gift, like you mentioned with the thing about the hot dog.

Looking at what's beyond the issue not the issue itself.

It's called awareness. And the level of awareness varies from person to person.

Awareness can also be advanced, honed, and trained.

And that is good since it means that it's not restricted to poets and/or others who have an astute perception of things.

Farmer

بدون تعليق يقول...

اعجبتني هذه المدونة كثيرا .. شكرا لك سفيد ..

احيانا لانملك الا الصمت كأبلغ تعبير عن بعض الامور ..

Deema يقول...

مطول الغيبات جاب الغنايم، و انا أثني رأي المعلق الأول بأنك إنسان مهم، و من القلائل الذين أنتظر و أهتم بمقالاتهم، لست من النوع المادح و لكن غيابك اضطرني

بخصوص ما قلت، إن أول ما ذكرت المثل البريطاني تذكرت مقولة المعماري
Mies Van De Rohe: god is in the details

و إنه لمن أهم ما يميز أسلوبه المعماري هو كيفية تعامله مع السعة و المسافة
void and distance
فهو شيء يتعلق فيما أرى بما قلت عن اللامعلوم و الصمت و الابتعاد، فهو ذات الشخص الذي قال
less is more

إن جمال هذه الفكرة هو في أنها حوت المفارقة التي دائما نحتاجها في تعاملنا مع الأمور و كيف أننا دائما في تردد بين التشتيت التفصيلي و التوحيد المجرد..

إن هناك أحاديث نبوية سمعناها عن النهي عن التصوير، و في ذلك رأيت أنها ربما تكون استحسانا و دعوة للتجريد عندما نرى الأشياء و نستقبلها، و لهذا في حالة الخلق، أو عندما نبني أو ننشئ، تكون لدينا رغبة في التفصيل و التحليل، لترجع تتوحد في عين الآخر.

شكراً

الزين يقول...

:)

نقول الحمدالله على السلامه

وغيابك وايد طول

الحــــر يقول...

الحمد لله على السلامة يالحكيم

دائما عندما أمر على هذه المدونة أستفيد الشيء الكثير لك فلسفة خاصة بالحديث ما شاء الله عليك

تسلم على هذه الكلمات الجميلة وهذا النص الملئ بالحكم

:)

ٵنثے ملآئكيـﮧ ~ يقول...

الحمدالله على سلآمتك أخوي
و أسعدتني عودتك ،
:
و تفسير النآس صآر جذي للصمت و صعب أن يتغير
مع أن أفضل تعبير لـ بعض الموآقف الصمت ، لكن الكبر و الغرور مآخذ دوره
:
موضوعك بـ البدآية حسيته لغز و أو فيه شيء نوع من الغموض ، إلي فهمته أن للصمت دور ، و التدقيق في التفآصيل عآدةً مآ تشوه حدث مآ أو موضوع مآ أو الكآتب نفسه

|:| DUBAI |:| يقول...

حمدلله على سلامتك
:)
عدت قويا ماشاءالله ..

صمتنا فحملونا وزر النوايا !

panadool يقول...

الحمد لله عالسلامه

رهبرى يقول...

منور البلوغ سفيدان

غير معرف يقول...

don’t miss it

عندما يضع الناس صورة وهميّة مختلفة تماماً عن الواقع؛

تبدأ قصة حمد..

http://www.ready4omah.blogspot.com/

يشرفنا حضوركم ودعمكم لإعلام يرقى بعقول الشباب.. :)

MR.PRESIDENT يقول...

يا لك من حكيم .. في وقت .. لم نعد نسمع فيه لصوت الحكمة ,, فكرك من موضوع واحد عاجبني جدا تكرم علي الخبرة

بو ذياب يقول...

الصمت فضيلة لا يتمتع بها المجتمع الكويتي فالجميع يفهم في كل شيئ ويستطيع مناقشتك في اي مجال ...

وعجبتني نقطة ان الانسان يضيف التفاصيل كما يريد هو ان تكون لكي تتناسب مع افكاره ..

تسلم الايادي

فريج سعود يقول...

احسنت واجدت

Safeed يقول...

غير معرف،،
الله يسلمك، وشكرا لحسن ظنك :)
===
Farmer،،
صديقي العزيز، الوعي بحد ذاته مشكلة، فهو مصطلح مجهول، وبالتالي أصبحت له مصاديق متغايرة كلٌ بحسب (فهمه) لهذا الوعي.
وأظن أنه حتى يمكن أن يكون هذا (الوعي) قادر على أن يرى الأمور على حقيقتها كما هي بعيدا عن غلافها الخارجي البراق بحاجة إلى (تبصر).
نحن نعي الكثير من الامور حولنا، بما في ذلك مشاكلنا .. نحددها ونشخصها ومع هذا نستمر في التنازع بها بدلا من حلها، صحيح أننا وعيناها ولكننا أبدا لم نكلف أنفسنا التبصر بها .. التبصر بمعنى الوقوف خارج دائرة الحدث وتقييمه لا كطرف فيه بل طرف خارجه لألا تخدعه الحجب.
اثبات الشيء لا ينفي ما عداه، ربما يكون الشعراء ملائكة، لكن لا ينفي ذلك أن بعضهم أسوء من الشيطان بنفسه.
:)
شكرا
===
بدون تعليق،،
للصمت لغة، لكنها مجهولة عند الكثيرين.
شكرا
===
Deema،،
يروى عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله رواية قمة في الروعة تقول: احثوا في وجه المداحين التراب.
وحشاكم ذلك.
ولكن من نعم الله أن جعل للإنسان على نفسه بصيرة، فيعلم نفسه وشدة تقصيرها وقصورها وإن لم يظهر للناس ذلك.
شكرا لحسن ظنكم :).
أظن أن مقولة "فان دي رو" صحيحة ولكن بصورة نسبية.
أحيانًا تقودنا التفاصيل إلى تكوين (اليقين) بما هو حق، فيكون ذلك طريقا إلى الله سبحانه.
وأحيانا تكون بعض التفاصيل فاتحة لطريق الشيطان.
صحة المقولة تعتمد على النتيجة النهائية التي تجعلنا نفق على الحكم الواقعي للقضية التي نراها.
ملخص كلامكم الباقي هو قريب (بالفكرة العامة) مما أثبته صدر المتألهين في أسفاره الأربعة، في شرح رحلة قوسي الصعود والنزول. وهذا شيء –بالنسبة لي- يؤكد دور الإلهام(الإشراق) في وضع العلم :)
شكرا

Safeed يقول...

الزين،،
الله يسلمكم،
مشاغل الحياة ما ترحم للأسف.
شكرا
===
الحـــــر،،
الله يسلمك ..
يسعدني أن تكون لهذه الكلمات المتواضعة معنى، فائدة ترجى منها.
شكرا.
===
ٵنثے ملآئكيـﮧ ،،
الله يسلمكم،
ربما هو قصور مني في توضيح المغزى في البداية،
ولكن بشكل عام يبدو أن الرسالة وصلت.
وفي الواقع، فإن الصمت في مواطن عدة لا يعبر عن العجز بقدر ما يعبر عن "الترفع" من الخوض
في جدالات مفروغ منها مع معاندين، ومتزمتين مصابون بالجهل المركب.
ليس كل صمت ضعف، بل هو في احيان كثيرة قوة لانه يكون بسبب الالمام بكافة التفاصيل مما يجعل كل جدال يتناول مظاهر القضايا مجرد لغو فارغ.
شكرا
===
|:| DUBAI |:|،،
الله يسلمكم،
شكرا، ومبروك مجددا :)
وكلمة جميلة.
===
panadool،،
الله يسلمك، شكرا.

Safeed يقول...

رهبري،،
منور بوجودك، شكرا.
===
مستعدة،،
ممتـاز.
شكرا للدعوة، وللمجهود المبذول :)
===
MR.PRESIDENT،،
الحكمة .. كنز لا أدعي حصوله.
إنما هي خبرات حياة، و وجهات نظر لا أكثر.
حياك الله،
وشكرا.
:)
===
بوذياب،،
الله يسلمك،
وهذا دليل على خلل في المجتمع، وهي استعجاله واعتقاده التام بصوابيته المطلقة،
فلا يصمت لاعتقاده بان الصمت عجز، وجهل.
شكرا
===
فريج سعود،،
أحسن الله إليكم،
شكرا
:)

Deema يقول...

سفيد

أرى في تعليقك أنك تجعل الشيطان نداً لله أو ضداً له، و ما أراه أن الشيطان تجسيد للشر الذي هو ندٌ للخير. و لابد لنا في هذا التساؤل أن نضعهما في حال التناظر و به نقول أن تفاصيل الخير و الشر متساوية في القدر متعاكسة في الاتجاه (و لكنها غير موزعه بتساوٍ في الأرض و كأنها جبلت على عدم الاستقرار) و لازم بها خدع الحواس، لأن حياتنا على الأرض تركيب ضوئي مصور و لهذا فإن ما تراه شراً قد ينقلب خيراً

أما الإله فإنه حالة أخرى غير مصورة و لكن الانتباه المطول لحركة الصور و تفاصيلها يخلق إيمان بما هو غير موجود أو محسوس. ربما ككرة مربوطة بحبل، تمسك الحبل من طرفه و تدور حول محورك فترة ثم تفلت الكرة و ترحل إلى مكان وقوعها و تعيد الكَرَّة.

الإله عادةً و في الكتب الفلسفية يُقرن بالكون، فإننا لا نستطيع أبداً أن نربط الإله بالخير، لأنه دليل على خير و شر، فهو المضر و النافع. و التفاصيل أبداً لا تقود إلى يقين، هي دائما تقود إلى افتراض (نظنه يقين )لأنها مبنية على براهين مكانية محدودة.. بل التفاصيل أحياناً تحفز توالدها و ما يتوالد لا تنتهي غايته، و أنا أعتقد أن حتى تدرج التفاصيل في الفنون من التصويري المفصل إلى التعبيري إلى المجرد، ليس إخفاء للتفاصيل بقدر ما هو تحفيز لتفاصيل ذهنية غير مرئية فهي تنقل صفة التفصيل عن نفسها إلى الذاكرة أو الخيال.


شكراً

Deema يقول...

هناك إضافة بسيطة على ما ذكرتُ للتو، و هو العامل الزمني لكل من مثال الخير و الشر و فيما نظنه يقين، فالأول كتبتُ أن الخير و الشر غير متساويان مكانياً و كان لازماً أن أقول و زمنياً لأنه لو كان فقط المكان ما يعادلها لتعادلا و لكن الزمن و المكان (أو الفراغ) هما قطبي أقطاب الكون.

أما في اليقين فإننا نستطيع أن نقول أن ما نصل له من يقين ممكن تسميته يقين آني لأنه يقف عند لحظة إيمان معينة، و هي اللحظة التي تفلت فيها منا الكرة، و لكنها سرعان ما تفقد صفتها الإلهية أو اليقينة لترجع إلى الشك التصوري من جديد.

Safeed يقول...

Deema،،
أهلا مجددا.
أود الاعتذار في البداية بسبب التأخير في التعقيب.
قبل عدة أسابيع، وفي محضر أحد الأخوة المدونين الكرام، حدث شبه نقاش بيني وبين أحد الأفاضل، مدار النقاش هل (الظلام) صدّر من الله عز وجل أم لا؟
استمر النقاش قليلاً، وكان في طريقه للتحول إلى جدال لولا أنني اكتشفت أنه يتحدث عن "ظلام" الليل وأنا أتحدث عن مفهوم "الظلمانية" عند العرفانيين!
هذا ما يُطلق عليه بـ(الاشتراك اللفظي) وهو احد الاسباب المهمة للكثير من التبياينات لأن الكلمة لها أكثر من معنى وأكثر من مصداق فتثير الاشتباه.
ما أود الوصول إليه هو أن الله سبحانه لا يقف في قباله شيء، وتصور الفلاسفة هو تصور قاصر بنظري، بل إني أعتقد "يقينا" بان العقل البشري بكل جبروته عاجز في كثير من الأحيان على إدراك هذا الشيء لذا يكون بحاجة للنص لنقله إليه، والنصوص في واقعها لا يزال البحث الفلسفي إلى يومنا هذا قاصر عن مجاراتها.
يقسم العرفاء اليقين لثلاث درجات:علم، وعين، وحق. نحن بمعظمنا لا نرقى لأعلى من درجة (علم اليقين)،والسبب هو أننا نبدأ في صنع معرفتنا الإلاهية من خلال النظر في النظم المبدع لأنفسنا وللكون، ومن خلال العقل القاصر نتوصل إلى الإله. هذا شيء لا بأس به، ولكن تقابلنا إشكالية عندما نرى الشر والسوء فيما حولنا فنسحب ذلك على الإله لان هذا العقل الذي استدللنا به عليه، نفسه الذي رأينا به الشر. وهذا هو الخطأ الأكبر في الفكر الفلسفي، والأفلاطوني تحديدا الذي تسرب بصور عديدة إلى بقية الأفكار، بما فيها ما تفضلتم بذكره.
لذلك أعتقد أن (اليقين) الذي نتوصل له بعقولنا يقوم جانب كبير منه على (الإطمئنان) كما يُطلق عليه العرفاء وهو الركون إلى صحة النتائج وهذا هو حد العقل الأعلى.
في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: (بك عرفتك وأنت دللتني عليك) وفي دعاء أمير المؤمنين عليه السلام (يا من دل على ذاته بذاته) ولخص الإمام الحسين عليه السلام ذلك بقوله (كيف يستدل عليك بمن هو في وجوده مفتقر اليك؟..إلخ)
ما هو الشيطان الذي قصدته؟
في كثير من الأحيان حين ينقب الإنسان عن التفاصيل ويصل إلى درجة عدم القدرة على المزيد، يستعمل حيلة قديمة: يترك كل شيء وينكره من الأساس، وبذلك لا يصدع رأسه :) كما فعل "بيركلي" بنفيه التام للمادة.
مشكلة هؤلاء، كمشلة بعض المناطقة حين ظنوا أن العلم هو المنطق فاستغرقوا به، بينما هو مجرد (آلة) تنظم عملية التفكير لا أكثر.
شكرا

الأوركيدة يقول...

مرحبا سفيد

كل مرة تختزل من الحياة شيئا جديد ومفيد

قرأت معظم الردودوالتعليقات

ولا أراني إلا آخر من يعلم :)

ما أجمل الحوار والنقاش في مثل هذه الأمور الفلسفية

أفضل أحيانا أن أبقى في الزاوية لأنظر للحدث من جميع اتجاهاته دون أن أتحدث في تفاصيله

الخوض في التفاصيل ممل أحيانا

والصمت أجمل وادعى لفهم الأمور

أعجبتني المقولة(( أن تصمت ويظن الناس أنك أحمق خير من أن تتحدث وتثبت لهم ذلك)) إنها مطابقة حقا للواقع.

في جعبتي الكثير ولكني سأكتفي بالصمت
فأنا أحس أني أطلت الحديث بلا داعٍ للإطالة.

وفقت يا سفيد لكل خير...

Safeed يقول...

الأوركيدة،،

فيما يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام:من كمل عقله قل كلامه ..إلخ الرواية.

في الحقيقة، كلما تمعن أحدنا فيما يجري حوله، وازداد اطلاعه على تفاصيل الأمور، أصبح ميله للصمت أكثر، وأكثر.

كثرة المماحكة والمجادلة تؤدي إلى سلب البركة من الوقت، والنفس، سيما إذا كانت مع من يتخذ من السطح شاهدًا، ولا يرى أبعد من أرنبة أنفه، وتحركه "رغباته" الدفينة، أكثر من عقله.

يوما عن يوم، أفهم لماذا جعل الله سبحانه الاذنين مفتوحتين، وأطبق على اللسان بسجانين، أسنان وشفتين.

حياكم الله،
وشكرا :)