10 مارس، 2010

الذي فشلنا فيه


في مقابل الوطنية يقف الوطن، وبمدى قدرة الوطن على تمثيل المبادئ والقيم ونقلها لأبنائه، يتعاظم شعور الوطنية ويخرج من دائرة الشعارات إلى ساحة الأفعال، بغض النظر عن مدى صوابية هذه المبادئ والقيم. فالإنسان من حيث كونه مواطنًا يميل إلى أن يجعل تحركاته تعبيرًا عمّا يمثله هذا الوطن له، وكلما استطاع الوطن أن يخلق عند نفوس أبنائه الإيمان بأنه بما يمثلّه قادر على مواجهة التحديات استطاع أن يحرك الإمكانات ويشحذ الهمم عند أبنائه نحو العمل الجاد والمستمر، فيتحول شعور المواطنية إلى سلوك فعلي ظاهر متزامن مع الشعار، بدلاً من حبسه في قمقم الشعارات والأغاني والهتافات فقط.
.
هذا الشيء فطن إليه كل من أراد أن يقيم وطنًا بسواعد أبنائه. استطاع هتلر بإيمانه العميق بالنازية وطرحه لهذه الآيدلوجية أمام شعبه على أنها المخلّصة والموحدة لهم، أن يخرج أبناء ألمانيا من شعور التفرّد والتمزق إلى العمل الجمعي، فأضحى العمل لأجل ألمانيا هو الهدف عند الجميع، لا العمل لأجل المصلحة الشخصية. على هذا النسق استطاع الشيوعيون بناء دولهم، وهي وللمفارقة، قامت في أكبر الدول مساحة وشعبًا وتنوعًا إثنيًا وعقائديًا كما في الصين والإتحاد السوفييتي، كما استطاع «الآباء المؤسسون» في الولايات المتحدة أن يصنعوا وطنًا من لاشيء ويرجع الفضل بذلك إلى صياغتهم لهدف وهو «الحريّة»، وهذا الهدف جعلوا استمراره وتواجده مشروطًا بدوام الدولة الحامية له، التي أسسوها، فارتبط الوطن بقيمة إنسانية سامية، وأصبح العمل لأجل الوطن هو نفسه العمل لأجل هذه القيمة لضمانها لهم، ولأبنائهم، وللعالم أجمع، وبقاؤه ومنعته من بقاء هذه القيمة ومِنعتها.
.
من هذه الأهداف، تكتسب الوطنية صبغتها، وتمتلك المظهر الذي يعكس صورتها عند أبناء الوطن. بمعنى أنّ الوطنية تتحول إلى سلوك يحافظ، وفي نفس الوقت، يعبّر عن كيان الوطن الذي تنتسب إليه، فالهدف هو الذي يضمن، بحسب تعبير د.البيطار: أن لا يخسر الإنسان تطلعاته المستقبلية التي تعطي معنى للتاريخ الذي يعيشه. والسبب هو لأنه لكي يُمكن للشعب أن يواجه التحديات المستقبلية أمامه عليه أن يؤمن بهدف أكبر من أهدافه الشخصية، ومشاغله اليومية، لذلك يعتبر اليوم الوطني هو يوم إحياء لما يمثله هذا الوطن، ولما يريد التبشير به، باختصار شديد اليوم الوطني هو تبشير بالرسـالة التي تريد البلاد إرسالها لثقافات ودول العالم أجمع. وأسلوب الإحتفال به هو صيغة الخطاب الذي توجهه هذه البلاد للناس كافة.
.
وعلى قدر فراغ الرسالة، يكون فراغ التعبير عنها. فعندما يكتشف المواطن (أو ما يُطلق عليه كذلك) أنّ الرسالة التي يُطلب منه أن يؤمن بها، وأن الأمن والطمأنينة والرفاه الذي يتوقعه من الوطن، غير متوفران يشعر بالفراغ، فيرى نفسه، مجددًا بحسب ما ينقله د. نديم البيطار، «واقفًا في وسط من الفوضى الذي يقترن باضطراب خارجي في مجتمعه»[1]، هذا الفراغ يحدث عند أفراد المجتمع حين لا يتمكنون من اثبات معرفتهم بالأشياء، وهذه الأشياء يمكن القول هنا بأنها: الوطن، فلا يملكون رؤية مستقبلية تعطيهم تباشيرًا تجعل الإحساس بالأمن والديمومة متواجدًا عندهم، ولا يتمكنون من ايجاد الإجابة عن: ما هو هذا الوطن؟ وما هو تأثيره، ودوره؟ وما هي رسالة شعبه للعالم، والإنسانية؟
.
وتنعكس عدم القدرة على اجابة هذه الأسئلة بآثار نفسية وأخلاقية سيئة، ويبدو أثرها واضحًا فيما جرى قبل أسابيع قليلة.
سنة بعد سنة، بدء الإحتفال بالعيد الوطني ويوم التحرير يتحول إلى مناسبة تعبّر بوضوح عمّا يشكلانه في وجدان الشعب، حيث لم تعد هناك قناعة داخلية بوجود رسالة، وهدف، ولم تعد هناك رؤية لمستقبل هذا الوطن، لا يوجد شيء ما يعطي أملاً، ولو زائفًا، بأن ما هو قادم سيكون أفضل حالاً، وأنّ هذا (الأفضل) مرهون بمدى جديّة العمل لأجله. بل تحولا إلى مناسبة تعطي الذريعة لأن يتحول البشر فيها إلى كتلة تمارس همجيتها بأبلغ صورها.
.
لقد كانت رسالتنا هذه السنة، إحدى عشر قتيلاً[2]، وكان التعبير عنها بفوضى أخلاقية، وسلوكية، وقانونية.

أنا لا أستطيع لوم المشاركين بها، لأن الفرد المنخرط بمثل هذه الجموع يقترب كثيرًا من الكائنات البدائية التي تتصرف وفق غريزة (الخوف) من الوحدة فتلجأ إلى البحث عن تكوين علاقات مع أفراد آخرين تحاول باجتماعها معهم الوصول إلى الإحساس بأنها لم تعد وحيدة، حتى ولو كان ذلك على حساب إنسانيتها، فالخوف من «اللا إنسانية» أقل من الخوف من العزلة. ما حدث، قابلٌ لمزيد من التطور في السنوات القادمة، لأن العبثية التي يتم ممارستها هي نوع من أنواع التعبير عن انعدام الوعي، والخواء، وعدم الشعور بالطمأنينة. ولا يفقد الإنسان وعيه إلا إذا أراد الهروب من الواقع المر الذي يعيشه، الواقع الذي بدلاً من الإشارة إليه ومعالجته نندفع إلى فرض المزيد من القوانين والمطالبة باستعمال القوة لمنع هذه المظاهر، فكأننا نعالج ثمرة الشجرة المريضة لا جذورها.
.
المشكلة هي أننا لا نملك رسالة، ولا قناعات، ولا إيمان بالوطن، أو إيمان بأننا نشكل شيئًا مفيدًا لا عبئًا على العالم، ولم ننجح في أن نربط هذا الوطن بقيم يعبّر بوجوده- عنها، وهذا هو الفشل الذريع، أننا إلى اليوم لم ننجح في زرع الثقة بدوام الوطن، أو نوجد التطلع عند أبنائه نحو المستقبل المشرق.
ما حدث كان ولا زال رسالة للآخرين، ولنا، بأننا فشلنا في تحقيق الدافع للعمل على تحقيق ما نريده لمستقبلنا، وفضلنا الجلوس على مقاعدنا حتى تحولت الطاقات المكبوتة عندنا إلى حالات مَرَضية.

لقد تحول مفهوم الوطن إلى شيء شبيه بالـ«مضارب» التي ننتظر أن ينتهي الماء والكلأ فيها حتى نرحل عنها.

_________________
[1] الحزب الثوري، ص144.
[2] انظر:
جريدة الرؤية.

4 مارس، 2010

من هو النبي؟ وما الذي حققه؟



يمثل اليوم انقلابًا في تاريخ البشرية، حيث أصبح رمزًا، وذكرى لحدث هزّ الإنسانية على صعيد المعرفة، والحضارة، والأهم من ذلك على صعيد فهم الإنسان لذاته، والغاية من وجوده.


اليوم هو ذكرى ولادة خاتم الأنبياء، وسيد الرسل، محمد صلى الله عليه وآله.


كان يدور في ذهني موضوع عن قاعدة فلسفية جميلة، تقدم إجابات كثيرة عن هذه الشخصية العظيمة، ولكن قلة الوقت، وإزدحام الأعمال سلبا كل الإمكانيات للكتابة، وهو شيء على قدر الإحباط الذي أوجده في نفسي، أسعدني في أن أستخلص كلمات مقتضبة تتناول شيئًا مما يتعلق بصاحب هذه المناسبة صلى الله عليه وآله وسلم، أراها تمس، وإن كان بشكل غير معمق، قضية مصيرية يتفاعل معها كل شخص.


تكون الكتابات تارة عميقة، مدعمة بالشواهد والأدلة، فتنعدم معها كل الحاجة لاعمال العقل البشري في البحث والتنقيب، والتساؤل، وتارة أخرى تكون بسيطة، ولشدة بساطتها تشكل وخزات تحفز الذهن لأن ينطلق في البحث والتدبر حتى يقف على الحقيقة، وهذا هو المرجو، ويخيّل إليّ أن هذه الكلمات منها.


قد تختلف المناسبة التي قيلت بسببها هذه الكلمات، مع المناسبة الآن، ولكن كما يقول الأصوليون (ملاكهما) واحد، أي أنهما يدوران حول نفس المحور.


أسعد الله أيامكم بمولد النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.


ويتزامن معه، مولد حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.


وبهذه المناسبة، أهديكم هذا المقتطف البسيط:


اضغط هنا للحصول عليه