19 أغسطس، 2011

لأنك .. علي


أن يعطيك أحدهم بكفه شيئًا، فتقطعها طمعًا بما في جيبه، هي حادثة تختزل في ثناياها طبائع الناس منذ الأزل، كانوا ولا زالوا متحركين بالأطماع، ناقمين على الأوضاع. وما أسهل أن تبكِ على شجرة قُطعت ثم تمسح عينيك بمنديلٍ صُنع من جذعها المقطوع!
تلّون الأيام الجارية النفوس بأصباغها، تارة تنيرها بإشراقاتٌ من ضيائها وأطوارٌ أخرى تضفي عليها ظِلال ظُلماتها. وفي أرض لم تعد سوى مسرح تُعاد عليه أحداث البشر باتت النجوم المتلألئة فيه تَفِلُ واحدة بعد أخرى متيقنة أنّ نفسًا ترتدي حواجب عن حقائقها لا تستحق إلا أن تجابه مصيرها الذي تختاره بيدها .. مصير الظُلمة.
الإنسان ليس شرًا، وفي داخله جذوة الخير دائمًا مشتعلة، لكنه غالبًا لا يعرف كيف يُخرج هذه الشعلة .. فيُطفؤها، كما عرف ابليس وفرعون ما همّ عليه من قدرة وطاقة وقوة لكنهم لم يعرفوا تصويرها والاستفادة منها. كمجرى ماء عذب غَلَبَه عنفوانه فانحاز في مساره ليصُبَّ في مستنقعٍ آسن، فلا عاد الماء عذبًا، ولا صار المستنقع نَضبًا.
يجد الإنسانُ نفسه مقذوفًا في هذه الأرض، يصارع نفسه، ومحيطه، تدفعه الرغبة للبقاء إلى المزيد من الإستئثار والسعي خلف المصلحة التي يتلّمس منها بقاءه، ويتصوّر فيها نجاته واستمراره. تمزّقه نزعات تجذبه بعضها نحو ذلك المطلق الذي يراه متمثلاً بروحيته ومخيلته وعقله غير المكبل بقيود الواقع، وأخرى تسحبه نحو أبعاد ذلك المحدود المتمثل بفقاعة «الوجود» الدنيوي، في صراعاته ونزعاته ومخالفاته ، وكلمّا انغمس فيها أكثر، واندفع نحوها كلمّا تغرّبت حياته بصورة أكبر.
يعيش ضمن نطاق الأفكار التي تطرح نفسها كتأكيد لحريّة الإنسان، فيقاتل ويكتب ويتحرك محطمًا القيود في سبيل الدعوة لهذه الأفكار، يريد أن يفرضها بالقوّة لأنه يعلم أنّ الإنسان منطقه منطق القوة والمغالبة ولا يختلف كثيرًا عن سائر المخلوقات إلا بقدرته على جعل الجريمة تبدو مبررة وكأنها «غنيمة» لابد منها لحياة أفضل، وهو في الواقع لا يؤكد في فعله ودعوته المبطنة إلا الحاجة إلى استغلال الإنسان تحت عباءة إطلاق حريّاته وإثبات وجوديّته، للاستمرار في حالة الفوضى وحرب الجميع مع الجميع.
ومن دلالات الخوف الذي يسيطر عليه، يخلق أفعاله وتصرفاته وميوله. خوفه من الطبيعة القاسية التي تضيّق خناقها عليه، وخوفه من الإنسان بما يثيره من دمار وهلاك في طريقه للاستحواذ، وخوفه من شهواته التي تحرّك سلوكياته. لا يخاف من وجوداتها فقط إنما خوفه الأكبر ممّا يتوقع حدوثه منها فيظل محبوسًا في سجن التوتر والقلق، يرى كل شيء بعين الريبة، ويتصرف مع كل شيء من باب المصلحة، ويُقيّم كل شيء بناء على الحاجة.
يلتزم بمظاهر الأخلاق لأنه يحتاج للنّاس، فلا قدرة له على مجابهة الكون وحده، ولكنه في قرارة نفسه يحتقرها لأنها تكبله بآدابها التي توّلدها عن الاعتداء على غيره تحت ضوء النهار. يعشق الدين لأنه يعطيه هويّة أمام الناس، ويكره الإلتزام به لأنه يحجبه عن تقديم الـ أنا الخاصة بذاته على مشاركيه، وهكذا يعيش حربًا لا تقل هوادة عن حروب الإنسان مع بني جنسه في داخل نفسه التي لا يشغل باله في معرفتها رغم أنها سبب وجوده، حربٌ بين تلك النشأة «الملكوتية» التي تبحث عن الجمال والكمال وبين هذه النشأة «المُلكية» التي تريد السيطرة والمنفعة سعيًا خلف الهويّات الزائفة.
كان «علي» نقيضًا لهذه الصفات والطبائع، ضِدًا لهذه الرغبات والصنائع، كان «قد أحيا عقله وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظة وبرق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق وسلك به السبيل وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى ربه»*.
ومثله في هذه الأرض يزيد من خوف النّاس، يتحول لعدوٍّ لمَلَكاتهم الباطنيّة التي تتجسد في صورهم الظاهرية، يُعيد لهم التذكرة بأنّ كمال الإنسان في نفسه لا في استحواذه، وأنّ معنى الإنسانية كامن في وجودهم لا في وجودات غيرهم. خوفهم منه هو خوف من الإنجذاب نحوه فيسقط ما بذلوا لأجله كل ما يملكون من أيديهم، خوفٌ يتحول إلى قوّة دافعة تجعلهم لا يحاربونه شخصأ فقط بل تمتد حربهم لتاريخه لطمسه، ولوجوده لتقليله حتى لا يجدوا لهم عذرًا في استمرار ولعهم بالظلم والاعتداء والإنحياز نحو ما فيه تدعيم لاستغلاليتهم.
إنّ البشر في وجودهم الدنيوي إنما يقيّمون العظماء كما يقيّمون الشمس من شعاعها، وحدودهم غير قادرة على سبر ما هو أعمق من هذا الشعاع، وبدلاً من الاستفادة منه، يُحجب ويُصدّ حتى لا تنقشع ظلمة النفس، فتستمر الحرب التي تعطيهم المسوغ لعيشهم في حلقة التاريخ الذي يكرر نفسه.
ينجذبون بروحهم إليه لأنه يخاطبها، ويقاتلونه بأبدانهم، ووجوداتهم لأنه يعارض مساعيها، وفي ظِلِّ «جمع الأضداد» هذا، وقف وحيدًا يُنادي: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأُبْرِدَ برؤوسهم إلى الفجرة؟» فقد أعاد التاريخ نفسه، وانحاز الناس مجددًا إلى طمس نجوم الهداية تحت سُتَرِ الضلالة والغواية لأنهم على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل.
إين چهان كوه است وفعل ما ندا
بــاز آيـد سـوى ما از كُـه صـدا**
كان، ولا يزال البشر يكتبون مصائرهم بأيديهم ويخطون مقاديرهم بأقلامهم، وكان ولا يزال التاريخ يعيد نفسه معهم، ضاحكًا مستهزءًا بهم لأنهم في اللحظة التي يدعون بها حبّ هذا «المثال» يزاحمونه بكره كل ما أرساه هذا «المثال». وفي اللحظة التي ينجذبون بها إليه، يغطون أعينهم عن النظر إليه، فلا عجب أنّنا ندنو أمام التاريخ، ويعلو هو عليه .. لأنّه «علي».
__________________________
* شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج11
** البيت لجلال الدين الرومي، وترجمته: العالم كالجبل وأفعالنا أصواتنا تجاهه، كما نطلقها يعود صداها لنا.

هناك 5 تعليقات:

ترانيم العشق يقول...

يضيء لنا ليالينا الأخيرة من هذا الشهر بنوره
علّنا نأوب ونعود للصراط المستقيم
يضيئها رحمةً بنا.. لأنه علي
دمت في ظلال علي دنيا وآخره
مأجورين

غير معرف يقول...

احسنت ، لكن "علي" حاف ازعجتني،،

وان امكن ترجمة الشعر الفارسي ، اشكرك

غير معرف يقول...

"لا زال" خطأ شائع جدا، أما أن تستخدم "ما زال" أو "لا يزال"

فآطِمه يقول...

و من مثلُ عليّ ؟!!!
عظم الله لكم الأجر ..

Safeed يقول...

ترانيم العشق،،

عليه سلام الله وصلواته،
آجركم الله.

====

غير معرف،،

علي في العنوان والخاتمة مقصود بها صفة العلو، لا ذات الاسم.
ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام أجل من أن يوصف بكلمة أو تقلل من شأنه الرفيع كلمة.

وترجمة الشعر موجودة في هامش الموضوع.

شكرًا، وآجركم الله.

====

غير معرف،،

شكرًا للتصحيح،
وسيتم التعديل.

====

فاطمة،،

لا أحد ..

جمعت في صفاتك الأضدادُ
فلهذا عـزّت لك الأندادُ

آجركم الله