5 مايو، 2011

مساكين التجارب

يدفع الناس في سبيل التجارب الغالي والنفيس، ويبيعونها بعد ذلك بالرخيص ورغم ذلك لا تجد سوقًا عند الغالبية! فإن عامة الناس تعودوا على أن يرى كل واحد منهم نفسه كحالة متفردة في ذاتها، ليس لها مثيل، ولها خصوصية تمامًا كالخصوصية التي بات يتحدث عنها كل رئيس دولة مهدد في عرشه في البلدان العربية هذه الأيام(!).

يستخسر الناس أن يدفعوا شيئًا لشراء تجارب الآخرين والاستفادة منها ويصرون على المرور بتجاربهم الخاصة ليصلوا بعد معاناة وجهد جهيد لنفس النتائج السابقة، وكأنهم يدورون داخل حلقة واحدة. وما ذلك إلا بسبب غرور هذه النفس التي تحبس في داخلها «صدى عَظمَة» مبنيٌّ من الكِبَر والزهو بالعقل وذكائه الخارق، «الذكاء الملّوث بالجنون» بحسب تعبير إكهارت تول، الذي جعل هذا العقل مختلاً بسبب العلم والتكنولوجيا اللذان أدّى به لتدمير الأرض كما لم يفعل، ولن يفعل، أي كائن من قبله أو من بعده!

بحسب اعتقادي أنّ العلم والتكنولوجيا أشياء فرعيّة نبتا من شجرة أصلية، هي شجرة المبادئ والقيم. قد يطغى أحيانًا الفرع على الشجرة نفسها ويصبح مستقلاً بذاته كما يصبح فسيل النخل، نخلة، إنّما لا يمكن التغافل عن أنّ أصل وجود هذا الفرع هو شيء آخر غيره. بسبب حب البقاء يجتمع النّاس، وبسبب المبادئ يكونون مجتمعًا، وبسبب القيم التي تتولد من الأعراف التي تجمعهم يتحدون للحفاظ على هذا المجتمع ثم تبدأ الأشياء الأخرى بالتوالد: العلم لأجل التطور، التكنولوجيا لأجل الرفاهية، الفن لأجل احتواء الإبداع، والسياسة لإدارة المكتسبات، والاقتصاد لزيادتها، وهكذا تستمر الأشياء بالتوالد والتزاحم لتقود إلى النفس النتيجة السابقة التي توصل لها إكهارت تول.

هذه الأشياء كلها هي عصارة الخبرات البشرية على الصعيد الجمعي، وهي محصلة خبرات فردية تتراكم لتكوّن «ذاكرة» شعبية تستمد منها الشعوب مبادئها التي تتناغم مع مصلحتها الأولى، مصلحة البقاء والاستمرار. لكنّها مع الأيام تنزع نحو المثالية شيئًا فشيئًا لأنها تعجز عن ربط «الوعي» بـ«الواقع» فينفصلان ليسير كل منهما بخطٍّ متواز لا يتقابلان فيه. ومن ثُمَّ يتجه الوعي إلى التنظير باسم المبادئ والقيم ويبدأ مسلسل النقد لكل السلوكيات حتى يصل إلى مرحلة تصبح فيها عالة على البقاء حين تتحول هذه المبادئ والقيم إلى مفاهيم تعطيل وتصل إلى درجة الاصطدام بينها وبين الواقع الذي تطوّر بمعزلٍ عنها.

تمامًا كما حدث مع العلم والأخلاق، ففي ظل التسابق العلمي المحموم والتطور النوعي الذي حصل بسرعة فائقة في القرون الأخيرة فإن هذا التطور لم يتزامن مع تطوّر أخلاقي يتناسب معه، فقد عكف الفلاسفة على الجدال النظري وانشغلوا به تاركين الواقع يتطوّر بالتجربة بعيدًا عنهم ليستيقظوا بعد هذا السبات الطويل متفاجئين من كون العلم قد طغى على الأخلاق، وانصاعت المبادئ والقيم للاقتصاد، وبات الفرع هو الحاكم على الأصل لا العكس، فانهالت سهام النقد على التطور والحداثة لا لذاتها إنما لإيقافها مؤقتًا لإعادة ربط الأخلاق بالواقع المتطور الذي انفصل عنها وسبقها.

هذا التوصيف يمكن تطبيقه على الحالات الفردية أيضًا، فالإنسان له عدة أبعاد تتطور مع بعضها بفعل التجارب والخبرات المكتسبة، وبفعل تأثره وتأثيره بالمجتمع حوله، وبفعل طبيعته التكوينية واستعداداته وقابلياته التي تكّيف النتائج المستخلصة مع الواقع، أمّا حين يعجز الإنسان عن ذلك، فالشعور بالتفرّد والإنعزال عن العالم يتنامى عنده، لِيرى نفسه خارج دائرة البشر والبشرية ويبدأ بانتقاد ومحاربة كل شيء وكأنه لا يرتبط بأي شيء(!).

التجارب الإنسانية تصنع البشرية بما تزودهم به من وسائل تقودهم للغايات العظمى. التجارب الفاشلة تجعل العاجزين عن الوصول إلى الغايات يتمسكون بالوسائل، ويعتبرونها هي الغاية مداراةً لعجزهم في الوصول إليها، كمن يعتبر خريطة الكنز أعظم قيمة من الكنز(!) المبادئ والقيم هي وسائل هدفها خدمة الإنسان، صيغت ووضعت حتى تقوده لصنع حياةٍ أفضل تُبقي وتحافظ على النوع الإنساني على أسس سليمة، هذه التجارب مثل غرف المختبرات مزودة بكل الأدوات اللازمة لكنها لا تحدد الغايات من هذه الأدوات، فذلك يعود لصاحب التجربة نفسها هل يستغلها في الخير أم في الشر؟

من أسوأ ما يمكن أن يمر على الإنسان هو أن يرى نفسه «حقًا» لا أنه «على حق»، ليعدَّ من نفسه فرقانًا ما بين ما هو حق وما هو باطل، حالة الإغترار بالنفس هذه تتولد من التجارب السيئة التي تمرُّ على الإنسان حين يرى نفسه يدفع الثمن غاليًا لإيمانه بمبادئ أو قيم يعتقد صوابيتها لكن جرّاء ما يحدث له يتناسى أن هذه المبادئ وُضعت لقضية أعلى منها، فتتحول في بُعدِه النظري الغايات إلى وسائل والعكس. جميع الإنحرافات هي ناتجة من العقل، نفسه العقل الذي يعتقد أنه كفيل بالوصول والكشف عن الحقيقة مهما كانت، وهو نفسه العقل الذي يقع في فخّ الهوى فيميل بأحكامه، وينحرف لأنه لا يتصور أن الثمن الذي يدفعه هو ثمن يناسب المبادئ لا القضية، لتتحول وتُصبح هي القضية.

فنّ المغالطة بأكمله يقوم على وضع ما ليس بعلّة، علّة لشيءٍ آخر. وغالبًا ما يكون أصحاب المغالطة من أكثر المتصلبين في آرائهم لأنهم لا يعرفون عن ماذا يدافعون وما الذي يتبنون. لا تجد عاقلاً يعتبر الأساس هو البناء، بل هو الأرضية التي تحدد ملامح البناء، والبناء هو الأهم لأنه الغاية النهائية. هؤلاء الذين يمرون بتجارب سيئة، أو يتحملون أثمانًا باهظة، نتيجة مبادئهم التي يؤمنون بها يصبون جل اهتمامهم على الأساس ويهملون البناء حين يتصورون أنّ الدفاع عن المبدأ أهم من الدفاع عن قضيته. حتى كلمة الحق يمكن أن تستخدم في موقف الباطل، تدعيمًا وتدليلاً له، فهل ندافع عن موقف الباطل بحجة كلمة الحق؟

مساكين التجارب، هم الذين لا يعون أنّ تجاربهم سلبتهم أهم ما عندهم وهو «الوعي بالواقع»، فتراهم مزهوين بمقدار تضحيتهم التي كانت فائدتها الوحيدة هي الوصول إلى نفس المربع الذي توصل له الآخرون بتجاربهم، هم نفسهم الذين ينسون أنفسهم ويتصورون أن ما قدموه يعطيهم صك التحدث باسم المبادئ والقيم، والتصرف بها وكل من يُخالفهم في موقفهم فهو جاهل أو متلون أو غير راشد. مساكين التجارب هم الذين يعتبرون أنّ الآخرين منقوصي التجربة والخبرة والمعرفة لأنهم لم يدفعوا ثمنًا كما دفعوه هم، أو لم يرفعوا نفس شعاراتهم ويعتبرون ذلك كفيل بجعلهم ناطقين رسميين باسمها. مساكين التجارب هم الذين لا يستفيدون من تجارب الآخرين، ويؤكدون على تجاربهم الشخصية فقط لتتفاجأ أنهم يبحثون عن «بطولات وهمية» تُمكنّهم من الوقوف موقف انتقاد الجميع لأجل الانتقاد فقط ليبرروا لأنفسهم الثمن الذي دفعوه لأشياء .. أضاعوا بوصلتها!

مساكين التجارب هم الذين يعيشون داخل قوقعة «المبادئ والقيم» وحين تسألهم لماذا؟ يكتفون بالإجابة: لأنها مبادئ وقيم!

فهل فسروا الماء بعد الجهد إلا بالماء!

مساكين التجارب الذين تكون التجارب وبالاً عليهم أكثر من كونها ذات فائدة لهم،
 هم بالمختصر: حالات دونكيشوتية تعيش بيننا.