4 سبتمبر، 2011

الـسـؤال

كل يوم في حياتي يعني المزيد من الأسئلة، عنّي وعمّا حولي. طبيعة الحياة أنها مليئة بالتساؤلات ونكهتها تأتي من الغموض الذي تقود إليه هذه الأسئلة، تخيّل رواية بوليسية كُتبت على نسق الأخبار في الصفحات الوسطى من الجريدة، أسلوب إنشائي يكتفي بالوصف وصولاً للنتيجة، من سيقرأها؟

مهما كانت مبدعة في محتواها فإن خلوها من الأسئلة يعني أنها لم تكتب للأذهان بل كتبت للأسماع، شيءٌ نمر عليه مرورًا عابرًا ثم ننساه كما ننسى معظم الأخبار التي نسمعها في الإذاعة ونحن في طريقنا بالسيارة لأي مكان.

والسؤال نفسه في الحياة نوعان، سؤال سطحي وآخر عميق. معظم الناس يكتفون بالسطوح من الأشياء لأنهم يعيشون على سطح الحياة مكتفين بما هو في واقعهم من ارتباطات وأحداث يتفاعلون معها تارة وأخرى يهملونها حتى تأتي لحظة النهاية، وقليل يلتفت إلى الأسئلة العميقة التي لا تريد منك العودة إلى التاريخ لتكتب الحاضر وتستشرف المستقبل، أو تريد منك أن تضع ذهنك في حالة استقبال لكل الآراء والكلمات والمقالات بحجة انتخاب الأحسن، ولا تريد منك في ذات الوقت أن تعيش التوّتر في صراع الذات مع المجتمع، وصراع الـ أنا مع الـ نحن، والوقوف مشدوهًا أمام كل كلمة لأن المعرفة أوسع من أن تحيط بها، واشتمالها كلها يفوق قدرات الإنسان.

إنّ الإجابات، كما يقول أحد الأفاضل، في كل مكان، ومن السهل جدًا الوصول إليها، لكن من الصعب جدًا أن تطرح السؤال الذي يقودك إلى هذه الإجابات المطلوبة. كأنك تملك مكتبة فيها من كل شيء إنما امتلاكك لها لا يعني أنك عرفت كل شيء طالما أنّ هذا الامتلاك لم يتحول إلى استحواذ على ما في بطونها، واقتدارٍ على هضم ما فيها. وهذه هي مشكلة المعرفة في هذا العصر أنّها ركزت على الاجابات أكثر ممّا ركزت على الأسئلة فتحولت المعرفة إلى أغلفة كتب تزيّن الأرفف وإلى مجرّد مصطلحات ومسمّيات تتناقلها الألسنة وعلى قدر ذكرها تباهيًا بها أمام النّاس يكون تقييمك عندهم.

ليس من مهمة السؤال أن يكشف كل المعرفة لك إنما مهمته أن يضعك على الطريق السليم الذي يوصلك لها، فالمعرفة التي تعتمد على حاسة البصر لا يمكن إدراكها بحقيقتها بحاسة السمع فقط فلكل شيء أداته التي تناسبه. قد يفهم الكثيرون من عبارة السؤال العميق هو التساؤل عن الوجود، الأسئلة الثلاثة المشهورة: من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟

من أين أتيت، وفي أين وُضعت، وإلى أين أتجه؟ هذه الأسئلة هي رأس الجبل وما وراءها هو ما يُضفي عليها القيمة وإلا فإنها بذاتها طرحها المؤمن والملحد والمادي والروحاني على حدِّ السواء. السؤال الأهم وراء الأسئلة هو: لماذا أسأل هذه الأسئلة؟ معظم المفكرين والفلاسفة أهملوه وانطلقوا في إجابة الأسئلة الثلاثة السابقة ومنها وصلوا له بينما أرى أن تبدأ منه ومنه تنطلق نحو اجابتهم. لماذا قُدّر لي أن أعيش معاناة طرح الأسئلة؟ ولماذا قُدّر لي أن أكون متسائلاً؟ في جلسة مع أحد الأصدقاء اكتشفت أن جميع الأجوبة التي تتناقل عن امتياز الإنسان بالعقل، ودور الفطرة في حياته، وانجذابه نحو المطلق، وسعيه نحو الكمال، وغيرها صحيحة لكنها اجابات وصفية تصف لك «ماهيّة هذا الإنسان» أي أنها تُبيّن لك أنّ هناك ما يدفعه قهرًا نحو السعي، وأنّ من طبيعته التساؤل لأنه لا يحب أن يتصور نفسه جاهلاً فهذا نقص في حقه، ولا يهمه مدى صحة اجاباته أو معرفته طالما أنه يمتلك اجابة تُسكت الأسئلة عنده، ولو كانت ساذجة .. المهم أنها اجابة وكفى.

الوصف يقدم لك طريقة توّلد السؤال، ولا يقدم لك سبب وجوده في الأساس، كما أن التفسير العلمي يقدّم سبب تحوّل الماء إلى ثلج لكنه لا يقول لك لماذا صار ثلجًا ولم يصبح غازًا تحت نفس الظروف؟ ما أراه أنّ هذا التساؤل في الإنسان إنما وُجد حتى يكون تذكيرًا دائمًا بـ الغاية عند الإنسان، شيء أُجبر عليه الإنسان ولم يوجده هو بنفسه فيه لذلك يتملل معظم النّاس من كثرة الأسئلة في أذهانهم فيجعلونها في خزائن النسيان، وطوايا الإهمال، أتخطر أن نيتشه في «هذا الإنسان» يذكر أنه لم يشغل نفسه يومًا بالبحث عن إجابة لهذه الأسئلة!

التساؤل هو تذكير دائم بالغاية التي هي تذكير دائم لهذا الإنسان لأن يبحث عن مهمته الحقيقية ودوره الواقعي، دون أن يتقمص دور المسؤول عن مهمات الآخرين أو ينفذ  أدوارهم أو ينتظر نقطة ليبدأ فيها الإحساس بوجوده. كالذي يتصوّر أن مسؤولية العالم ملقاة على عاتقه وأن كل ما يجري هو خاطئ وأن الظلام هي محطة النفق الأخير للأرض وكأنّ حكمة الله الذي يؤمن بها لا وجود لها، أو كأنه يريد ازاحته لأن يرى في نفسه الأقدرية –والعياذ بالله- على تصريف أموره وأمور الدنيا التي لا يعجبه جريانها.

إذا كانت الأسئلة السطحية التي تتعلق بأمور المعيشة هي التي يشغل بها الغالبية من البشر أذهانهم عن الأسئلة العميقة خوفًا مما تتطلبه من مجهود في اكتشاف الذات وعلاقتها بما حولها، فإنّ هذا التعريف للأخيرة هو بحد ذاته هروب من تعريف الأسئلة العميقة. سألت أحدهم يومًا وقد عكف كما لم أر أحدًا مثله على كتب التاريخ ليُجيب بواسطتها عن الكيفية التي سيكون عليها المستقبل: وبعدين؟ ولا زلت انتظر اجابته!

لماذا يشغلنا المستقبل بهذه الصورة؟ ببساطة لأن الموظف البسيط يُحب أن يفكر بنفسه وهو على كرسي المدير، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بالمستقبل! يطمع بدور أكبر من دوره حتى يمكن أن يرى لوجوده قيمة، وفائدة. ينتظر نقطة في مكانٍ ما، أو زمانٍ ما حتى يبدأ الإحساس عنده بأنه موجود.

معظم الناس يأتون للدنيا ببكاء، ويغادرونها بنحيب، رغم كل ما اكتسبوه من علوم ومعارف، لأنّ العلم بلا نور القلب* لا يختلف عن العلم بأحوال الحيوانات، قد تأمنك من خطرهم وتُعرفك التعامل معهم لكنه لن يُعرفك أبدًا كيف تعيش حياتك.

التساؤل العميق ليس عن سبب الوجود، ودورك الذي ستلعبه فيه أو أثرك الذي ستتركه بعدك هذه كلها أشياء فرعية من الأهم وهو الغاية من الوجود، والتساؤل هو اثبات لاستمرارية هذه الغاية في كل لحظة وكل مكان. فالغاية ليست في معرفة «كيف تعبد» التي يتيه الناس وهم يتصارعون مع أنفسهم والآخرين لتحقيقها، ويطلبونها في الأشياء والعلوم والناس، إنما الغاية في معرفة «من تعبد؟» .. إذا عرفت اجابة هذا السؤال، سيُعرفك هو كيف تعبد دون تعب.
  السؤال العميق لا يطلب منك إجابة، إنما يطلب منك معرفة .. والمعرفة هي التي ستنجيك من كل صراعاتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن الإمام الصادق عليه السلام: لَيسَ العِلمُ بِكَثرَةِ التَّعَلُّمِ ، إنَّما هُوَ نورٌ يَقَعُ في قَلبِ مَن يُريدُ اللهُ أن يَهدِيَهُ ، فَإِذا أرَدتَ العِلمَ فَاطلُب أوَّلًا في نَفسِكَ حَقيقَةَ العُبودِيَّةِ ، واطلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِهِ واستَفهِمِ اللهَ يُفهِمكَ.