8 أغسطس، 2012

لأنّك لم تكن للدنيا ولم تكن لك


(فما يحيط المادح وصفك)[1]

إنهم يقولون لنا بأن الدنيا صراع حق مع باطل، ندّ مقابل الندّ يتصارعان، يتطارحان، مرة يكسب هذا وأخرى ذاك وكأن للباطل قوة ودولة وصولة بها يستطيع أن يتغلب على الحق، لكنهم ما عرفوا الدنيا، فكيف لهم أن يعرفوا ما هي؟ ألا ترى تهافتهم واقتتالهم وصراخهم على فتاتها؟ فهل من يعلم حقيقة الحق والباطل يُفني الحقّ لأجل الاستيلاء على الباطل؟ يبكون لياليهم وتمتلئ نهاراتهم بالوعظ عن زيف الدنيا وخداعها وأنها كالحسناء الغانية لا تتجمّل إلا لإيقاع ضحاياها في شباكها لكنهم لا يمانعون أن يبذلوا أرواحهم لأجلها وأن يسطّروا الكلمات في مدح الحق لأنه يكفل لهم جبهة يمارسون بها تكالبهم على باطل الدنيا وسلطانها ولو على أنفارٍ ما أغنى عنهم مالهم وما كسبوا!

الناس، ومن جلس مجالسهم، أحبّوا الدين، لكنّهم نحوّه، عشقوا الله لكنهم كعادة بني البشر حوّلوا العشق إلى ابتذال، عاشوا الدين لكن في أذهانهم، ففصلوا واقعهم عنه، قدّموا حلولهم للمجتمعات وللناس باسم الدين وبذريعة العقل، رفعوا العصيّ على الناس وصاحوا بأن الدين ليس مظهرًا إنما مخبر وجوهر، فما لِلعوام يتدافعون على المظاهر؟ وما لهم وغاية الدين عندهم ذكر وتسبيح؟ أ فللآخرة نترك الدنيا وزخرفها وزبرجدها؟ ولأجل ذِكرٍ على اللسان نترك العلم والتطور ومقارعة الباطل وحزبه؟ وجلسوا كجلوس مشركي قريش يلاعبون لحيّهم الصفراء وينكروا على الضعاف انعدام «عقولهم» لهرولتهم خلف رسولٍ {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}؟ ألم يقولوا للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله {وَمَا نَرَاكَ اتّبَعَكَ إِلاّالّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا}؟ قل لي بربك ألم يأخذوا على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه ليس على الصورة التي رسموها بـ«عقولهم» له {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ}؟ هكذا هم البشر {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا} إن عقولهم لا تملك ضمانة هدايتهم فأمام المصلحة والشهوة والهوى والعلم يضعف العقل، فهل يعطيك الضعيف استمرارًا؟

 إن المعركة بين الحق والباطل ليست صراعًا ولا نزاعًا وليست سيفًا في مقابل سيف ولا رمحًا يريد التكسّر على نصال الآخرين، إنها ليست فروسيّة (يزدان)[2] أمام (أهريمن)[3]، وليس الله عزّ شأنه في مقابل الشيطان، إن الباطل {كَانَ زَهُوقًا} و{وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} فهل ما لا واقع له يكون ندًّا لأصل الوجود والواقعيات؟ تلك إذن قسمة ضيزى! لكنها هي العقول القاصرة تُلبِس الحق بالباطل لتهرب من حقيقة نقصانها و(إن دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة)[4]، إن الحق والباطل، الصواب والخطأ، الخير والشر هي علاقات تجلّي، يتجلّى بها لكل ذي روح سويّة عظمة الحق والخير فيخر له {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}، هي أشياء وُجدت لتُعرف بها أضدادها ولتكون ميزانًا يعرف بها المرأ صفاء نفسه ومدى انصياعه وقبوله لها. إن دور إبليس ليس أكثر من {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} وهو يعلم أنه {لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ}، فليس هناك نزاع، وهل ينازع العالم الجاهل؟ وهل يؤاخذ الكبير صيحة الطفل الصغير؟  إن أرباب العقول على هذا المعنى يقفون، وله يُسلّمون.

الناس عمومًا يريدون دينًا (بشرط لا)، أي مشروطًا بأن لا يمس حياتهم المعاشة وطبيعة علاقاتهم مع أنفسهم ومع النّاس، ومع رؤاهم للعالم حولهم. يريدون دينًا يوجِدون فيه زخمًا بحيث يعتبرون أنفسهم المالكين الحقيقين لجوهره ليتسلطوا بهذه المعرفة الزائفة على غيرهم، دعواهم في الحقيقة تكالب على الدنيا باسم الحق، بحثٌ عن السيطرة والرفعة والعلو فيها، وحزن وألم إن افتقدوها، وكأنّ الدين دون فهمهم له هو عجز وحجز عن حيازتها! هذه الدنيا التي هي مسرح تجلّيات الباطل ومحل تجسّم كلِّ زائل وتَعيّن كل محدودٍ جعلوها ندّا وحولوها إلى وحشٍ كاسر يخوفون الناس من فك الارتباط بها باسم جوهر الدين ليكسبوهم ثم ليتسلطوا فيها عليهم، وغفلوا أنّ {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}.

إن الدنيا على اتساعها ليست سوى غرفة مظلمة تقع في أقاصي أطراف هذا الكون، وإن العلم مهما اتسع وتحَدّث فهو علم لمخلوق ناقص بمخلوقات محدودة يصل تارة إلى نهاية ليس له قدرة على تجاوزها وتارات أخرى يقف في مكانه لينشغل بالتساؤل عن نفسه قبل غيره، فلا طاقة للإنسان بما هو أعلى وأرفع من رأسه! إنك لكي تفهم «علي» عليه السلام عليك أن ترى كيف أن تقادم الزمان لم يزده تجرّدًا بحيث يفقده بريقه، وأن تطور العلوم وحداثة الأفكار لم تنتقص منه شيئًا بل زادته رفعةً وعلوًا، وأن اليوم الذي يمر هو درجة  إضافية نرتقي فيها لنعيد تعريف الشعاع الذي نستفيده من شمسه عليه السلام.

 الناس تفهم أنّ هذه الدنيا محل اختبار وتتوقف هنا، إلا أنه في الاختبار ليس عليك أن تترقب إجابات الآخرين بل أن تبحث عن اجابتك بين متاهاتها ووقوعك بالخطأ ليس لخفاء الحق وإنما لسوء فهمك وتعبيرك عنه. إن «علي» عليه السلام ما كان ينظر للحياة على أنها دار التحدّي كيف ذلك وهو يراها بعينه أهون (من عِراق خنزير في يد مجذوم)[5] لكنه كان يراها موضعًا للتجلّي، مكانًا يكتب فيه الحلول كاملة ولا يرضا فيه بأنصاف الحلول فهو لا يساوم لأجل الانتصار لأنه عليه السلام كان  حريصًا على أن يُظهر أن وجوده ليس معركة مع مخالفيه إنما وجوده هو ظهورٌ تام للحق، وعلى الناس بعد ذلك أن يختاروا إما الإنحياز للحق والتسليم به وإما الاكتفاء بالرغبة فيه وإقصائه .. لأن الكمال يتعارض مع طلبهم وقد تبصّر عليه السلام لذلك فقال: (لمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول {تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتّقين} بلى و اللّه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها)[6].

يسألني الناس لماذا لم ينتفض لحقه المغصوب؟ وكأنهم تناسوا قوله (فسدلت دونها ثوبًا وطويت عنها كشحًا)[7] ليس لأنه لا يرى حقه في ذلك، إنما لأنه لا يرى نفسه في معركة مع الباطل، فما اعترى الريب بالحق يومًا ليُنزله الدهر ويجعله في مقابل الباطل وكأنهما صنوان متساويان ولكن الناس ارتابوا لأنهم تعودوا على الثنائيات والحق واحد! فبحثوا عن «علي» السياسي والمناضل والمكافح والزاهد وغيرها من الصور التي تهواها نفسوهم، بحثوا عن  صورة «علي» التي رسموها بأذهانهم وجعلوها مقياسًا له، عن «علي» الذي يبرر لهم انحيازهم لدنياهم ورغبتهم بالآخرة في نفس الوقت، عن «علي» الذي يصارع الباطل كندّ فينتصر تارة وينهزم أخرى حتى يتخذوا ذلك ذريعة لبكائهم ليلاً خشية من الله وضحكهم من اعتدائهم على حرماته نهارًا.

فما كان قتلُ أمير المؤمنين عليه السلام في المحراب إلا بسبب ذلك، فقد قاسه اللعين ابن ملجم بذهنه وتصوره فلم تعجبه صورته وهكذا قاده عقله إلى أن يكون أشقى الآخرين[8] بضربته، لم يكن علي عليه السلام ليخوض معركة بل ليصنع مثالاً (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعير ما فعلته)، والمثال مترفع عن خوض ما هو دونه، وكان عالمًا بأن الناس إنما يريدون الدَّون دائمًا لذا نعى لهم نفسه بقوله: (غدًا ترون أيامي، ويُكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلوِّ مكاني، وقيام غيري مقامي)[9] لعلّهم يعقلون الحقيقة، ولكنهم لا زالوا يعقلون الباطل .. فسلام عليك يا أوّل مظلوم[10]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] من الزيارة الجامعة المروية عن الامام الهادي عليه السلام
[2] إله الخير في الديانات الثنوية.
[3] إله الشر في الديانات الثنوية.
[4] من رواية طويلة عن الإمام زين العابدين عليه السلام مروية في كتاب(كمال الدين) للشيخ الصدوق
[5] بحار الأنوار، ج70
[6] نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية
[7] نفس المصدر أعلاه
[8] السلسلة الصحيحة للألباني ح 1088
[9] نهج البلاغة، خ 148
[10] من الزيارة الخامسة للإمام علي عليه السلام في مفاتيح الجنان، ورواها الكليني بسنده.

هناك 4 تعليقات:

Fa6oomjourney يقول...

رائع
كنت قبل فترة أفكر بتلك الازدواجية والتنافر في رؤيتنا للحق والباطل في حياتنا اليومية وكيفية نظرنا لهما تبعاً للمصالح البشرية
سمعت مرة من أحد العارفين أن المؤمن الحق يجب أن يكون ميزاناً صحيحاً لا إعوجاج فيه...
كيف يصبح المرء ميزاناً وكل مافي حياته غير متوازن(الأكل،الشرب،مكان العيش) ونتيجة لفقدان التوازن في طبيعة تكوين شخصية وجسم الإنسان...النتيجة خلل في التفكير والتدبر
نتيجة طبيعية لفقدان التوازنات الداخلية مع الكون والحياة...
خلل العقل والرؤية فالحق يكون تارة حقاً وتارة أخري باطلاً والعكس صحيح ليس لأن الحق ليس بحق
ولٰكن من يناظر هذا الحق هو ميزان غير صحيح...
برأيي ورأي ذلك العارف أن مهمة الإنسان تتلخص في البقاء في حالة التوازن والميزان الحق الصواب الذي هو الفيصل بين طرفي مسألة الإختبار هنا كما أشرت أخي.
أحييك علي هذا المقال الموزون وعظم الله لكم الأجر

معارف يقول...

لفتات تجعلني حيران مابين زخمة التحوير بأفهم على صوتها وبين فهما سعى نحو بابك يا علي ..

وكأننا نسينا عنوان البصري وكيف رمى بأريعة وتسعون عاما عرض البحر وأخذ يطهر عقله ونفسه عند أطراف محاريب آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

لازلنا تأهين يامولاي فخذ بأيدنا من سيأت اعمالنا وقبلنا فلقد عجنت طينتنا بحبك رغم ملوثات متاع الغرور..!

علي خذني إليك ومسح على قلبي ..

Safeed يقول...

Fa6oomjourney،،

وأجوركم أعظم إن شاء الله،
شكرًا.

====

معارف،،

اللهم آمين لنا أجمعين.

HH Spirit يقول...

أحسنت يا أخي سفيد

فلا زالت كلماتك النقية تنير عقولنا الفارغة وصدورنا المتأججة وأرواحنا التائهة.

قبسات نورٍ من فيض النور تُجلي عن القلب المكسور هموماً وآلاماً خلفتها ركامات السنين فسلبته النظرة الثاقبة وأفرغته مما احتوى

فسلام الله على أمير النحل وسيد الوصيين
سلام الله عليك يا سيدي ويا مولاي يا أبا الحسن لعن الله الظالمين والمناوئين لكم والشاكين فيكم.