19 أبريل، 2012

التدّين في زمن الإنحطاط


 «أَي بُنَيّ، إنّي ـ وإن لم أكن عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كان قَبلي ـ فقد نظرتُ في أعمالهم، وفكّرتُ في أخبارهم، وسِرتُ في آثارهم، حتّى عُدّتُ كأحدِهم، بل كأنّي ـ بِما آنتهى إليّ مِن أُمورِهم ـ قد عُمِّرتُ مع أوّلهم إلى آخِرِهم، فعَرَفتُ صَفْوَ ذلك مِن كَدَرِه، ونفعَه مِن ضَررِه»
 أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

المتتبع لسير التاريخ لا يلحظ اختلافًا جوهريًا بين ماضٍ سحيق أو حاضر قريب، إننا في قراءتنا للتاريخ غالبًا ننظر للعامل المتحرك ونعتبره المقياس وننسى العامل الثابت، نُثبت الزمان وتغيراته وتطوراته وننسى الإنسان وثبوته، بذاته وحاجاته ورغباته. نرى ارتفاع البنيان وتفرّع العلوم وتطوّر الأدوات ونغفل عن رؤية أنها كلها أشياء مرتبطة بعامل واحد لا يتغيّر ولا يتطوّر وهو الإنسان، وأن ما يعتريه ممّا نعتبره تطورًا هو إعادة تكيّف مع الواقع، كما يتكيّف المرء مع البرد بإثقال ملابسه وإلاّ فإنه إن نقلته من القطب الشمالي إلى الربع الخالي ظل كما هو لا يطرأ عليه تغيير بداخله ولا يعتريه تبدّلٌ بجوهره.

إن صحّ القول، أمكن أن نقول بأن التاريخ البشري بأكمله هو كالممثلين الثانويين في المسارح، طوال العرض لا يتغير فيهم شيء سوى مظهرهم ليناسب المشهد الذي يكونون فيه، فهم مجرد عِيال على الواقع. لابد من الإلتفات إلى هذه الحقيقة البديهية المغفل عنها حتى نفهم أن مسألة إعادة التاريخ لنفسه ليست لأننا محكومون بثوابت من حولنا لا يمكن لها أن تتغير، بل لأننا نحن الثابتون الذين لا نتغير، إنّ التاريخ لا يعيد نفسه لكننا نحن نعيد الإلتفات لأنفسنا في كل حين لنتفاجئ أننا كمثل الماكث على رمال متحركة مهما أعمل رجله في الأرض حتى ينهكه التعب يكتشف أنه لم ينجح إلا بإثارة الغبار وتضييق الرؤية وزيادة الغرق!

لستَ بحاجة لأن تعيش كافة التجارب حتى تكتسب ما فيها، ما يُقال عن ضرورة ذلك هو نوع من الفذلكة يستخدمها الناس ليقنعوا الآخرين بضرورة الخطأ وليبرروا لأنفسهم أخطاءهم بأن حتى الآخرون يرتكبونها. لا تحتاج لأن تحرق نفسك حتى تعرف أن النار محرقة، إنما الواقع الإنساني المؤسف يقول أننا كبشر نعيد إحراق أنفسنا مرة تلو الأخرى بذريعة التعلّم، ولكن ما فائدة تعلّم الدرس بعد أن رسبت فيه؟ أقرأ التاريخ، وأرى حالات الرسوب تتكرر لا لضعف الأستاذ إنما لبلادة الطالب. أذكر كلمة للشهيد الصدر الأول وهو يشرح سنن التاريخ: العقاب الأخروي دائمًا ينصب على العامل مباشرة، وأما العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.

لكن ما هو العقاب الدنيوي؟ هو أن تستوعب أنك لا زلت بمكانك، بدلاً من أن تقضي على الحروب تضع القوانين التي تنظمها، وبدلاً من أن تستند لأبنائك لتشارك الآخرين، تغرر بهم لينضموا إليك بعد أن تجد لهم هوية جامعة جديدة، لتغزو المقابلين لك وتسجل انتصاراتك عليهم. أنك لا تختلف عن جدك الذي كان يعيش في كهف الظلمات وأنّ جلّ من فعلته هو أنك أنرت هذا الكهف بالكهرباء. باختصار أنك نميّت ما تسميه بالحضارة لا لترتفع بواسطتها نحو الإنسانية التي هي بحقيقتها أفضل من الملائكة ولكن لتستغل ما ينتج منها في الاستقواء والاستعلاء على الآخر ومن ثم النزول إلى درك البهيمية أكثر! .. ما أبشع أن تكون «الدرر تحت أقدام الخنازير»، كما يصرّح إنجيل متّى، هذا هو أسوأ عقاب يمكن تصوّره.

ليس من السهل أن تعترف بقصورك، فما بالك أن تعترف بجهلك؟ إنّ الإنسان عليه أن يقاوم نزعة الاستعلاء الكامنة فيه، ونزعة الشعور بالأفضلية على باقي المخلوقات حتى يمكن أن يعترف بجهله، وهاتان النزعتان ليس من السهل مقاومتهما لأنهما تتسلحان برغبة وهوى الإنسان وتتدرعان بذاكرة تاريخية عميقة من المبررات التي يصيغها الإنسان لإعطاء معاني رفيعة لسلوكياته المنحطة. ولهذا دائمًا يتصور أنّ الحلول موجودة عنده وما عليه إلا تنفيذها، وليست الحلول في الواقع إلا ردّات فعلٍ لا أكثر.

إنّ التاريخ البشري تحكمه نمطية ظاهرة للعيان، لا تحدث هذه النمطية بسبب تشابه المعطيات ولكنها تحدث بسبب غباء الفعل الإنساني المتكرر، إنّ أي سلوك هو في الواقع علة لسلوك آخر يقع على الطرف الآخر المقابل له. ظهر التبتل المسيحي كردة فعل على الإنحلال الأخلاقي في عهد كومودوس، كما ظهر التصوّف كحلٍّ لشيوع الفجور والترف في المجتمع الإسلامي، وصورة الدين هذه التي ولدت في الحالتين هي تعبير لإعتراض الناس على واقعهم ورفضهم إيّاه وليست قبولاً واقعيًا بالدين وأحكامه، تمامًا كما سجلت المجتمعات الفقيرة اعتراضها على سحقها من قِبل الأغنياء بالإيمان بالشيوعية والإشتراكية حتى إذا وصل أفرادها للسلطة سحقوا كل من طالبهم بالشياع والمشاركة!

يذكر التاريخ أن «الطاو أو التاو»، الصراط –الصيني- المستقيم هو  ردة فعل لاو تسي على تطواف الرجال والنساء عرايا في مملكة تشو شين بالصين القديمة، هكذا، تسير نمطية المجتمع الإنساني، نزاع بين إنحلالٍ وإنغلاق، يلجأ للدين ليعترض على الترف والإباحية، لكنه لا يؤمن واقعًا بالدين لأنه إنما يريد منه وصاياه في الزهد، وأوامره في الإعتدال، وطريقته في تطهير النفس من أدران المجتمع، أمّا الدين كإيمانٍ حقيقي، ومنهج واقعي، ونظام إلهي فإنه مرفوض لأنه يسلب من هؤلاء الذين يدّعونه أهم ما يمتلكونه وهو الإدعاء بالإرتفاع عن مشاركة المجتمع في تفاهاته، والواقع هو أنهم يمارسون هذه التفاهات كأقرانهم لكنهم يريدون التميّز عنهم بصورة الورع والتقوى. فلا عجب أن تقرأ في التاريخ عن أحدهم أنه كان ورعًا فقيهًا قاضيًا للقضاة .. لوطيًا! فهو يمارس ملذات مجتمعه وينغمس فيها كغيره لكنه يتصور بأن إدعائه القضاء باسم الله هو تطهير له من هذا العيب، وغريب هو كيف أنّ من كان منغسمًا في ملذاته حتى المباح منها عادة ينقلب ليصبح الأكثر تزمتًا في ظاهره، فهو في كلا الحالتين واحد إنما ثوبه الذي يرتديه أثناء تزمته اختلف فقط .

عصور البشرية إلى اليوم هي عصور إنحطاط مستمر، تخللتها قمم ارتفعت عن هذا الإنحطاط، لكنها كانت قمم فردية مثّلها الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، بينما ظل باقي الناس يمارسون إنحطاطهم حتى إذا وصلوا مرحلة لم تعد فيها الأوضاع تطاق تصوروا الحل بالإنقلاب عليها، وهم واهمون لأنهم ظلوا يمارسون نفس سلوكياتهم وبنفس الدرجة إنما هذه المرة من الطرف المقابل مثلهم كمثل الفايكنج حين كانوا يضعون الصليب على صدورهم ثم يصلون له كما كانوا يصلون للإله "ثـور" قبل معاركهم!. إنّ الإحساس بثقل الذنب ومدى الإنحطاط يدفع الناس إلى الرغبة بالتطهر من دنس المشاركة فيه فيلجؤون إلى إدّعاء الدين، الصراط الربّاني القويم، لا رغبة بالوصول من خلاله إلى الرب جل وعلا إنما رغبة بالهروب من المسؤولية عن الواقع لذالك كلما طال زمن الإنحطاط كلما زادت مظاهر الدين القشرية ظهورًا، وإزداد الناس تزمتًا بها وتكالبًا عليها.

موجات التدّين الظاهري والتزمت الأخلاقي دائمًا تأتي متزامنة مع الشعور الطاغي بضرورة التطهر للتخلص من تبعات الفساد المنتشر الذي لا يطاق، فكلما زاد الفساد إزدادت القيود الأخلاقية والمظاهر الدينية حتى إذا وصلت لدرجة الإختناق عاد الإنحلال والفجور أسوأ مما كان عليه، وهكذا يعيش البشر إنحاطاطتهم على مدى التاريخ ما بين المطالبة بالحرية للتخلص من قيود التزمت الديني، وما بين المناداة بضرورة الإنضباط الأخلاقي لإخلاء المسؤولية من فلتان الحرية الواسعة وخطرها، وما بين هذه المتوالية المستمرة يظل الدين وحيدًا يعاني في غربته من إستئكال الناس باسمه، ما بين ذامٍ له للتخلص من ضوابطه أو مادحٍ له للوصول إلى غاياته الخاصة، فانحياز الإنسان لمشروع الشيطان كان ولا يزال، وهكذا «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»