7 يوليو، 2012

الحرب هي الحل!

أكثر ما يخافه الناس ويخشونه هي الحروب، بنظرة إلى أدبيّات الأدباء وانتاجهم في الفترات التي تسبق الحروب حين يلف صمت العاصفة جميع الأنحاء تنبؤك بمدى الإحساس المفزع الذي ينطق على ألسنتهم، وحالة الإنعدام للوزن والطفو وعدم الاستقرار التي تستحوذ على أقلامهم، رغم فزع هذه التجربة إلا أنها في أوقاتٍ كثيرة من تاريخ الإنسانية تصبح هي الحل الوحيد الذي لا بد منه لإعادة رسم العلاقات الإنسانية وبناء منظومات التعايش من جديد، إنّ حالة الحرب بهذه اللحظة تصبح مطلوبة رغم مرارتها لأن الداء قد استفحل ولم يعد علاجه متاحًا إلا بأمّر دواء يمكن أخذه.
إن النّاس ينتجون واقعًا وما يلبثوا أن يصبحوا مأسورين لهذا الواقع، وبدلاً من أن يرسموه هم، يعيد هو رسمهم وتحديد مهامهم بالحياة وما عليهم فعله، ولا يمكنهم الإنعتاق من هذا الواقع إلا بالثورة عليه. إن الظروف التي تجمع الناس على أمر ما هي نفسها تمامًا التي تفرقهم بعد ذلك عنه، حين تتداخل رغباتهم بأمنياتهم مع أهدافهم وتجد أوضاعهم النفسية مجالاً للتعبير عنها خارج دائرة الجموع البشريّة، يُعاد التمترس خلف نفس الأسباب التي خلقت الواقع الأوّل لتبرير إعادته من جديد بعد الثورة عليه.
حين يقول لنا التاريخ بأن «الثورة تأكل أبناءها»، فإنّ الفهم العام هو أن الصراعات تبدأ بالبروز بين أصحابها تبعًا لمطامعهم في السلطة فيصبح بأسهم بينهم، ولكن القراءة الأخرى لهذه المقولة تقول بأن حالة الثورة هي حالة تشكيل عقيدة واحدة لمحاربة عقيدة أخرى، وما أن تنتهي هذه الحرب يرجع الناس لعقائدهم الحقيقية الكامنة في أنفسهم، ولكن لأن شرعيتهم إنما استمدوها من تلك العقيدة الواحدة يبدأ كل طرف بإعادة تأويلها لتناسب العقيدة الكامنة في نفسه،  باختصار هي نوع من إعادة انتاج الذات تحت اسم جديد ليمكن تسويقها مجددًا، كل ما يمكن قوله عن مقولة أنّ «الثورة تأكل أبناءها» هو أنّ بعد الثورة يخرج الثائرون من حالة القطيع إلى حالة الإنسانية، أي من حالة عيش «اللحظة باللحظة» إلى حالة «العودة بالذاكرة» لاستذكار كل المخزون النفسي والمعرفي المختبئ فيهم.

  بعبارات أبسط، يمكن القول بأنّ أي واقع ينتجه الإنسان من خلال النظام الذي ينصاع له يصل في مرحلة ما إلى الاستهلاك التام ولا يعود قادرًا على بعث الحماسة له في الناس، ولا هو قادر على توليد المزيد من التحديات التي تشكل حافزًا لجمهوره لأن يستمر فيه فيصل إلى درجة الإنهيار أو شبه الإنهيار على أقل تقدير. تصبح الحياة رتيبة، روتينية، مملة إلى جانب كونها محملة بالأثقال تسحق البشر بحجم الفساد والصراع اليومي للحصول على لقمة العيش والإحساس بالكرامة الإنسانية ومملوءة بإعادة اجترار ذات القضايا يوميًا في دوامة لا تنتهي، يصبح العيش مرهونًا بمقدار التذمر من المشاكل الحياتية، وبحسب تعبير هوفر «عندما يسرف المحبطون في اتهام الحاضر وانتقاصه فإنهم في حقيقة الأمر يخففون من وطأة إحساسهم بالفشل والعزلة وكأنهم يقولون أن العيب ليس فينا ولكنه موجود عند كل معاصرينا»، وكأن مشاركة الإحساس بالسوء ستقلبه للأفضل!

  إنّ هذا الإحباط بقدر ما يبعث الراحة في نفوس أصحابه عند التشكي بقدر ما يوّلد كراهية شديدة للواقع بحيث لا يُرى في الثورة إلا مخرجًا وحيدًا. إلا أنّ الثورة في حدّ ذاتها تمثل دائمًا قلقًا ملازمًا للإنسان لأنها فعل لا يمكن التكهن بنتائجه، والإنسان جبان بطبعه يفضل العيش متناغمًا مع ألم ما يعرف نتيجته على تحمّل قلق ما لا يعلم نتيجته. هذا التفاوت في الشعور هو العلامة المميزة للمجتمعات البشرية عمومًا، وهو ما يجعل التوتر ملازمًا دائمًا للوضع الإنساني. وهذا ما يشكل الحافز الأكبر للإنسان غالبًا لصنع عوالم جديدة تجعله يمتلك الإحساس باللا محدودية، فينشئ أحزاب ثورية، وجمعيات نفع عام، ويختلق قضايا إنسانية، ويستهلك نفسه في حركات جماهيرية أو تنظيمات سرية يحاول من خلالها إيجاد معنى لحياته بالدعوة لما يعتقده يشكل ثورة على واقعه الحالي.

  الفهم المحدود للثورة على أنها عملية انتزاع نظام حاكم واجتثاثه هو فهم منقوص لا يوفي لكلمة الثورة معناها الحقيقي. هي كلمة تشير إلى الحاجة إلى إحداث تغيير ولو بشكلٍ صوري، بعض علماء الاجتماع يعتبر الانتخابات الرئاسية والنيابية ثورات مصغرة استبدلت الرصاصة بورقة الاقتراع [ولكن هل انتهت ثورات البشر لهذه السلمية؟]، في بلدان أخرى لا صوت للانتخاب فيها تظهر الثورة على شكل تغييرات اجتماعية يلمسها الإنسان في محيطه وحياته اليومية، ولا يرتبط مفهوم الثورة بالإيجاب دومًا بل في كثير من الأحيان تأخذ الثورة صورًا سلبية كما حدث في ثورات الهيبيز بعد الحرب العالمية الثانية واشتدت مع حرب فيتنام، فالثورة هي تعبير عن رفض الواقع لمن يتملكه الإحساس بالندم لكونه يشكل جزءًا من هذا الواقع.
  
 الحلم بواقع أفضل، ومن لا يحلم بذلك؟، والرغبة بتحسينه في المستقبل هي الدافع الأكبر وراء سعي النّاس لإحداث التغيير، ولكن ذلك ليس إلا بالسعي نحو إحداث الكراهية، إن النّاس يعشقون الكُره بقدر ما يتحدثون عن الحب! مهمّة السياسي غالبًا هي أن يزرع فيك كره الحاضر «كأنه أورغ بشري يطلق نفس الدعايات عليك على مدار الساعة المرة تلو الأخرى مكررًا الكره .. الكره .. لنكره أكثر وأكثر حتى تشعر أن شيئًا ما دخل إلى جمجمتك وهو يطرق على دماغك بقوة»، هذا ما كتبته جورج أورويل واصفًا الوضع السياسي في بريطانيا قبل أشهر من بداية الحرب العالمية الثانية! لا يختلف الوضع في أي مكانٍ آخر. تمتزج مشاعر الكراهية مصاحبة لمشاعر الغيرة، ولا بدّ من ترميز كلٍ منهما برمز يشير إليه، بدولة أو شعب أو عرق أو مذهب أو فرد أو سلطة، لاحظ ذلك جيدًا في الخطابات المتصدرة دائمًا ما يقترن ذم الواقع الحاضر بمقارنة مع من هو أفضل، أو بمن اتخذ خطوة عجز الناس عنها هنا لسبب أو آخر، وبتحميل السبب على رمز تختزل فيه كل المساوئ، وثنائية الكره والغيرة هذه تهيء النفوس وتحصرها في قالب يبحث عن التمرد ويطلبه حثيثًا بيد من كان، وبأي صورة يكون. قد لا تتصور قيمة الغيرة إلا حين تعرف أنّ كثير من أفعال الإنسان إنما يُقدم عليها لأنه لا يريد أن يرى نفسه أقل ممن أقدم عليها، إلا أنّ خطورة مثل هذه المشاعر تكمن في أنها تنشيء عقلاً خاصًا بها لا يتحدث بالمنطق إنما يتلاعب بالعاطفة، لذلك تغيب الحلول الواقعية والخطط الواضحة وتحضر بدلاً منها شعارات خطابية ووعود انتخابية وثورية سرعان ما يمحوها الواقع بأول اصطدام معه.
الرغبة العارمة بالوصول إلى الأفضل في المستقبل عند النّاس حين تتحوّل إلى بضاعة سياسية يتم اغفال تحديد معنى الأفضل، لأن تحديده يعني الوصول إلى نقطة نهاية حين لا يعود للمزيد من الحديث عن الأفضل وانتقاد الحاضر التأثير السحري على تحريك الناس، وهذا يُسقط أهم أسلحة الإبتزاز بين السلطة، أي كانت، وبين المتكسبين من أفعالها. لكن دوام هذا الإبتزاز، والحث على المزيد من الكراهية وسوداوية الواقع مع العجز عن تغييره واقعًا، كما نرى في مجمتعات كثيرة، يُلجِئ الناس إلى الحل الأخير: استجداء الحرب.
من الغريب أن ترى الناس يطلبون الحرب بل ويستجدونها لكن ابحث في الخطابات حولك، وفي أحاديث العوام، وسترى أن الخوف من الحرب هو الدافع الأكبر لاستجدائهم وطلبهم إياها، فحين يرتفع سقف خطاب الكراهية والإقصاء ويزداد جبن النّاس عن وضع حدّ لذلك، وحين يصبحوا مجرد محركات يتلاعب بهم «عقل العاطفة» المفعم بالسلبيات التي زرعها السياسيون والمتكسبون من تلك الخطابات، لا يرون أمامهم إلا الحرب لتهدم كل شيء على أمل بمستقبل أفضل يأتي بعد إزالة ذلك التوتر، كما يتوهمون. إن ثورتهم هنا بعد أن عجزوا على تحقيقها في أنفسهم، يطلبونها بغيرهم، إن عطالة واقعهم وكرههم له يجعلهم يطلبون هدمه لأنهم أعجز من إعادة ترميمه، على أمل بمستقبل أفضل يعيدون بنائه بعد تدمير كل شيء .. ولكنّ طول الأمل حماقة، وثمن الحماقة لا يُعرف إلا بعد ارتكابها!