6 نوفمبر 2014

29: عن اليوم الضائع


كم مرة قرأت أو سمعت لمن يشتكي بذل نفسه للآخرين وحين يحتاجهم يصدّون عنه؟ شخصيًا، ربما مئات المرات ولا أبالغ إن عددتها بالآلاف! ومع هذا في كل مرة نُصدم حين يتجدد نفس الأمر معنا! وليست المشكلة في أننا لا نتوقع قدوم ذلك ولكن في أننا نعتبر الأماني بالتغير حقيقة، والحقيقة مجرد حدث شاذ لا يتكرر، ثم يتكرر ويتكرر!

أنا أعلم أن دائرة الزمن تدور وأن الأحداث والوقائع تكرر نفسها وأن الإنسان - كما قال هيغل في العبارة التي سئمت من قراءتها - تعلّم من التاريخ أنه لا يتعلم أبدًا من التاريخ ولكن كل هذه المسلّيات لا تفلح في صرف النظر عن الإحساس بالألم في كل مرة يتم صدّنا بها، ونعود بعدها لنشتكي من بذل أنفسنا لمن يسترخصنا! يبدو أن ذلك التشّكي والتذمر طبع إنساني أصيل فينا كبشر، وهو شيء بمثابة جزء لا ينفصم عن الفطرة البشرية التي هي الأرضية المشتركة بيننا كأبناءٍ لآدم وحواء، ولهذا لا نستطيع أن نتعلم كيفية تجاوز ألم الاسترخاص والصدّ بل نظل نشتكي، كما فعل الماضون وعلى سيرتهم سيكون القادمون، أما المعاصرين فها نحن نشتكي ونشتكي إلى ما لا نهاية!

إنك لا ترى أحدًا يستطيع أن يعلّم نفسه الصمت بعد أن ينطق لأنه بذلك ينعزل عن الناس والعزلة عند كائن واع واجتماعي ومدرك للعلاقات هي باعثة لخوف يفوق في درجته الخوف من الموت، فالموت مغادرة الناس والعزلة حبسٌ بين الناس! حتى ما يقوم به كهنة البوذ وسالكي طرق تهذيب النفس من نُذِر الصمت هي مجاهدة لترويض النفس، والجهاد هو صبر على ألم شديد، فكل ما فعله هؤلاء هو أن علّموا أنفسهم الصبر  وقاسوا ألمه وتقبلوه بدلاً من ألم اللذة المؤقتة الراحلة، ولم يزيلوا الألم كليًّا، ربما ذلك لأن الإنسان كائن متألم، يولد بآلام، ويحيا بالآلام، ويموت مخلفًا وراءه آلام! في تعلّمه يمارس الألم: ألم بطء قدوم المعرفة وممارستها، في عمله يتاجر بالألم: ألم حرمان النفس الذي يجعله يبيعها وهي أغلى ما يملك مقابل أرخص ما أبدعه الإنسان: ورق المال!، في نومه يغالب آلام التفكير باليوم، وفي يقظته يكابد آلام جهل ما هو قادم، في راحته يعاني ألم ترقب انتهاء الراحة وبدء المشقة، حتى في نُطقه يقع في ألم تحمّل الضوضاء حوله وهو ألم أهون من ألم الصمت والتفكر وضوضاءها داخله.

يريد الناس أبطالاً خارقين من صنف البشر العاديين حتى يكذبوا على أنفسهم ويوهموها بأنها تحتوي في داخلها كائنات خارقة لكنها تنتظر فرصتها! ثم تنتظر فرصتها كـ"غودو" الذي لا يأتي أبدًا!

 ليس ألم الانتظار -كما يقولون- هو المؤلم حقًا ولكنه الإحساس بأن الانتظار خدعة وأن الفرصة مجرد وهم ومع هذا نلبث في انتظار المعجزة، معجزة أن نجد شيئًا بلا ألم في هذا الوجود المحدود.

ليس عند الإنسان ما يعالج به ألمه، كل ما اخترعه وابتدعه هي ملهيات عن هذا الألم، لكن الملهيات تُوَلّد المفاجأة، لأنها تصفع بضربات استباقية، تستطيع أن تتغلب على ألم تتوقعه لكن الألم المفاجىء يطيح بصاحبه، لهذا السبب ربما في كل قرن ينجح الإنسان بأن يخترع أسلحة تفوق أسلحة خصمه ومع هذا قد يغلبه شرذمة لا يملكون سلاحًا ولكنهم يملكون قدرة المباغتة.

هو، هذا، ملخص التاريخ، الإنسان السوبرمان كما حلم به نيتشه يتغلب على كل شيء إلا على موت الإنسان، يميت كل شيء، وهو نفسه يموت، مقهورٌ في وجوده، وإن قهر الموجودات غيره!

انظر وإلتفت ‏إلى فطرة عشق الراحة التي يقاسي الإنسان الآلام لأجلها نيلها، ويتحمل الصدمات تلو الأخرى ليُثّبت لنفسه فطرة عشق الحرية ثم إلتفت وتأمل ما عليه هذا العالم من ضيق وموانع تحول دون نيل العاشق لمعشوقه، وستقطع بعدم وجود هذا المعشوق الذي فيه حرية بلا صدمة العائق وراحة بلا ألم في عالمنا الدنيوي.

إننا مخلوقات من جنس الآخرة، {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}، نلبس أثوابًا منسوجة من خيوط الدنيا، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ}، ولشدة عشقنا لهذا الثوب نعمل كل ما يمكن لنقول أنه لا بدن لنا سواه! فهل رأيت مخلوقًا أتعس من الإنسان؟ حيث يمضي يومه في حفر الدركات خوفًا من ألم صعود الدرجات؟

ثم يحتفل بذلك اليوم!

عن الصادق عليه السلام: مَنْ تَعلَّقَ قَلبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا تَعَلَّقَ مِنْ ضَرَرِهَا بِثَلاثِ خِصَال : هَمٌّ لا يُفْنَى ، وأمَلٌ لا يُدْرَكُ ، وَرَجَاءٌ لا يُنَالُ.

ليست هناك تعليقات: