31 يناير، 2011

السلب والنهب كواقع

الحضارات تقدّم تاريخًا وأفكارًا، والأفكار لا تعلّم الأمم بقدر ما تعلمهم الآلام. فهي بالنهاية تشكل جزءًا من ثقافة الأفراد المنحدرون منها، لكنها لا تضع طبيعة موّحدة لهم. فتجارب الحضارات تقدّم مخزونًا ثريًا لشعوبها في حال استمرار توارثها والحفاظ عليها، وحيث تتوالى التجارب يزداد تأثيرها في تشكيل الهويّة الشخصية لأبنائها.

إلاّ أن محاولة تأسيس حضارة جديدة تلغي كل تجارب الحضارة السابقة يمثل قطعًا في طريق تدفق هذه الخبرات بما تحتويه من أعراف اجتماعية وآداب أخلاقية تشكل بمجملها هويّة لأفراد هذه الحضارة. اليابان على سبيل المثال التي تمتلك حضارة ممتدة من أكثر من ألفي عام إلى الآن، لا تزال ترفد شعبها بخلاصة هذه الحضارة مشكلة هويّة مميزة لهم، لم ينفصل حاضرها عن ماضيها.

بينما باتت الحضارة التي يتم التغزّل بها في بلداننا العربية مجرد كلمات مسطورة في كتب التاريخ، لم تعد تملك تأثيرًا أو امتدادًا مع الحاضر في ظل التقافز عليها، ولا ينفع استمرار التغني بها وبانجازاتها لإدّعاء لبس أثوابها. فالحضارة المندثرة لا تملك عصا سحرية تنثر من خلالها مفاهيم الحرية والعدالة والتحضر على شعوب تسكن أرضها، ودورها أصبح مقصورًا على استدعاء أسماء حكامها في دروس التاريخ، والأعياد الوطنية.

الشعوب لا تصيغ طبيعتها الحضارات، إنما الأنظمة الحاكمة، والناس على دين ملوكهم [ لا على شاكلة حضاراتهم!] إن شاؤوا التحضر أنتجوا شعبًا متحضرًا، وإن شاؤوا التخلف فلن يتركوا خلفهم إلا التخلّف. فالمحصلة هي أنه في ظل تأسيس دول جديدة بمفاهيم جديدة في كل عقد بدولنا العربية، وكلما اعتلت أمة منصة السلطة نسفت تاريخ ما قبلها، فإنه لا يحق لها التبجح بتراث قطعت كل صلتها معه، ولم تأخذ في يوم من الأيام العبرة منه.

هذه المقدمة مهمة حتى أوّضح أن جذور الشعوب مهما توغلت بالقدم وأنتجت من آثار، فهذا لا يعني أنها تملك ضمانة من العبث، ومانعًا من الإنزلاق نحو العودة إلى تصرفات الإنسان الأول التي وصفها (وِلْ ديورانت) بالاستجابة التامة للغريزة، والميل إلى القتال، والولع بالاكتساب.

هذه الجذور يهذبها النظام، فالأنظمة بالبيئة التي تخلقها توّفر مجالات النمّو لطبائع شعوبها، وتعيد تشكيل مفاهميهم تجاه الأخلاقيّات، وفي ظلّ نظام يحكم باسم قانون الطوارئ، وبشريعة الحزب الواحد، وباقتصاد رجال (أو لصوص) الأعمال، وبأمية وصلت إلى قرابة 28% من تعداد الشعب، ونسبة فقر تخطت 52% منه، وتطورها العمراني هو بالعشوائيات التي غزت المدن المكتظة، وبقبضة أمنية مستبدة، وبرأس سلطة هرم، وبدستور أعرج، كلها مجتمعة خلقت بيئة جعلت من الشعب يشعر بالنفور التام من كل الشعارات التي تضعها السلطة حتى وإن كانت تشير لتنظيم المصالح الشعبوية، ومن ثمّ يبدأ بتربية نفسه وفق القواعد التي تتطلبها الحياة القاسية التي تحيط بهم. إنّ نسبة التعليم، وحجم الطبقة الوسطى والنظام الإداري للسلطة هي التي تُشكّل عقلية الفرد بالمجتمع.

سألَ جيجيس أفلاطون: من يَلزَم الاستقامة إذا أمِن الناس ألاّ يراهم أحد؟

يبقى هذا السؤال ما بقي البشر. فكل التصرفات التي يقومون بها إما تنطلق من باعث داخلي تزرعه فيه البيئة التي يحيا فيها، أو تنطلق من «الخشية» من رؤية العين الرقيبة له. فإذا كانت العين هي نظام مترهل يقاتل للبقاء وهو على وشك السقوط، فهذا يفسح المجال للعودة إلى السنن الأول للإنسان القديم، وتبدأ عمليّات السلب والنهب، ولا زلت أتذكر مثل هذه العملّيات بعد اندحار الجيش العراقي من الكويت، ففي الحين الذي يغيب فيه القانون، ويضعف صوت الفطرة، تسود شريعة الغاب التي تديرها الأنانية للحصول على أكبر قدر من المكتسبات بشتّى الذرائع أبرزها تصور الحق بتمّلك ما تركه الآخرون.

في الحالة المصرية، من يقوم بهذه الأعمال يرى فيما يسرقه حقًا من حقوقه قام النظام المتسلط بعملية استيلاب منظمة له على مدار عقود من الزمن، وتحت راية الظلم والطغيان الذي حرق بناره هؤلاء، فإنّ مثل هذه الأمور متوقعة جدًا لكونها ردود فعل غريزية تنطلق من خلفية اجتماعية/اقتصادية مليئة بالحرمان والاستبداد وسلب الحقوق أسسها النظام الحاكم. نفس هذه الحالة تكررت في العراق صاحب الحضارة التي انتجت أوّل شريعة في تاريخ البشرية، بعد سقوط نظام البعث المجرم، وهي قابلة للحدوث في أي مجتمع بشري آخر.

لا يمكنك أن تلوم الجائع على عدم إلتزامه بآداب المائدة، كذلك لا يمكن لوم حالات الإنفلات هذه التي تتصرف بنداء الغريزة لا بقانون العقل، لأنها نمت في بيئة تشجع الاستحواذ وتوّقر الوصولية وتحترم القفز على أي أخلاقيات تكفل نظام المجتمع، ووجدت فرصتها في غياب عين الرقيب لارتكاب ممارسات كانت حصرية على النظام ورجاله سابقًا.

إنّ إبراز مثل هذه الصور وتركيز النظر عليها بغض النظر عن الظروف التي تحيط بها هو وصمة عار في جبين النظام الذي يحاول استغلالها لإثبات عبثية المتظاهرين، واتهامهم بالفوضى والسلب والنهب، لأنّ هذه الأعمال هي وليدة سياسة النظام، وابنة شرعية لمنهجيته في إدارة البلاد. إبرازها بهذا الشكل لا يخدم الصورة التي يحاول النظام نشرها، بل يقدّم تبريرًا لجموع المتظاهرين لاستمرار ثورتهم لكونه يشير إلى مدى الحرمان الذي كبّلهم به، ومدى الجوع الذي دفعهم إليه، وإلى أيّ حالة من مسخ الهويّة الحضارية أوصلهم إليه، هذا النظام، وآن أوان التخلّص من من أدرانه النتنة.

هناك 4 تعليقات:

Multi Vitaminz يقول...

على قولة وحدة :
ظاهرة صحية :)

ترانيم العشق يقول...

حقيقة لم أصل قبلاً إلى هذه النقطة في نظرتي للسلب
هذه الأعمال لا تنتظر سقوط النظام حتى تبدأ لكنها تتجلى بوضوح أكثر حينها فكلٌ على حسب مكانته - إن لم يكن له وازع آخر- ينهب ما يستطيع إيماناً منه بأن هذا حق له
بالنسبة لمحاولة استغلال هذا من قبل النظام في مصر ضد المتظاهرين فعموماً كأن هناك قانون ما يقرر نتيجة موحدة في معظم الحالات فالنتيجة لاريب ستكون ضد من حاول استغلاله
كفرعون حين حشد البشر وجمع السحرة ليبطل حقيقة موسى ( عليه السلام ) لكن انتهى الأمر بإيمان السحرة أمام الملأ

أحمد محمدي يقول...

http://sharek.aljazeera.net/node/1726
وثائق تبين حقارة النظام في مصر

Safeed يقول...

Multi Vitaminz،،

كان المفروض تقول: ظاهرة طبيعية :)
جذي يكون الوصف أدق، وأتم بالمعنى.
شكرا

====

ترانيم العشق،،

صحيح،
مجرد الإحساس بضعف السلطة يُسقط أي وازع خوف من القانون.
فالسلب والنهب حالات تعترض الذين لا يملكون حاجزًا عنها سوى الخوف من القانون فقط، في حالة أمانهم من طائلة هذا القانون.
وهذا الشيء يعود بالمسؤولية إلى المربع الأول وهو السلطة.
وأتفق تمامًا بالشطر الثاني من كلامكم، فلابد للسحر أن ينقلب على الساحر.

شكرا

=====

أحمد محمدي،،

هل يحتاج (الحمار) - أجلكم الله - لبطاقة تعريفية على صدره مكتوب عليها (حمار)؟
كذا هو الحال مع هذه الانظمة :)

شكرا