13 يناير، 2011

وأصبحت القصة طويلة


لاأعلم ما هو أقبح من أن تُتّهم من قِبل المذنب! ربّما يخفف قباحة ذلك كونه لا يرى نفسه: نستطيع أن نرى وجوه الآخرين ونحدد جمالها وقبحها من خلال معاييرنا الشخصيّة للجمال والقبح، لكن لا نستطيع أن نرى وجوهنا إلا من خلال وسيط خارجي، فماذا يحدث إن غاب هذا الوسيط؟ نستمر في الغيّ، بالاعتقاد بالكمال الذاتي، وإطلاق أحكام النقص على الآخرين.

العقل يعطيك ما أنت تعطيه، كالتربة تُبت ما يُزرع فيها، ربّما لذلك لا تزال قضيّة اليقينيات مثار جدلٍ شديد: هل اليقين حجيته ذاتية أم لا؟ هل كل متيقن بحيث يقطع بما عنده، معذور في أمره؟ أنا شخصيًا أفرق بين اليقين في النتيجة، واليقين في المقدّمة، لذلك لا أحب البحث عن أعذار لمن يرى المقدّمات، ثم يخادع عقله وغيره بالنتيجة. من هنا نستطيع فهم كيف أنّ «فرعون» ليس حالة فريدة من نوعها، بل هو صورة عن حالة بشريّة عامّة، متيقنة من وجود الربّ، لكنّها تصر على «أنا ربّكم الأعلى»!

وقد تتمادى هذه الحالة ليجد صاحبها في الحقيقة التي يعترف بها، نقيضًا له في نفس الوقت، فيكابر عليها، مثل القائل: «قتله من أخرجه»!

حين تتحول الأوهام إلى حقائق يقينية لا تقبل الجدال، يجد المرء نفسه أنه هو «الحقيقة»، لا أنه داعية لها، أو باحث ومدافع عنها، يرى نفسه «مندكًا بالحقيقة»، ويختفي الخط الفاصل بين شخصه، وبين الحقيقة، كحقيقة بحد ذاتها، فيصبح من خالف شخصه غارق في جهالته، ومن وافقها فقد فاز ونجى، وتُسلب كل المعاني لتتحوّل القضية إلى «شخصيّات»، ويُصبح الحق يُعرف بالرجال، ومقياسه الرجال، لا العكس.

من لا يعطي المعذورية لنفسه، له ذلك، ولكنّ ليّ الأعناق لإيجاد عذر له، هو استغباء لا أحب ممارسته، وأمقت الدعوة له، ومجاراته يعني إفساد مؤكد للنفس من خلال الكذب عليها.

لم يكن عندي قرار بأن أكتب المزيد، ولا أرغب بذلك، سيّما وقد انقضت الحاجة، ولكنّ لسبب ما، سأضطر لاكمال ما سبق، من حيث انتهى محدثي.

يقول:

ما أن انتهى من تلك الجملة القصيرة حتى بدأنا نلتفت يمنة ويسرة بأعين ملؤها التساؤل عن الداعي لها؟
كنّا كمن استفاق من نوم عميق على وقع ضربة مؤلمة. في وقت أنت أحوج ما تكون به للدعم والتأييد لمثل هذا التحرك، تسمع فيها جملة تخبطك، كأنها جدار وضع فجأة أمام سيارة مسرعة تقودها.

انتشرت كهرباء السلبية في المكان، وبقينا مشدوهين لفترة. لا ننسى هذا الموقف الصادم.

ومضت الأيّام حتى صار الغزو، ثم التحرير، ومعه ذهبت كل القيود التي كانت مفروضة، وزالت كل تلك المضايقات وتحررنا من كل الضغوط.

ومع أوّل انتخابات لمجلس الأمة، عدنا لوضع ما قبل الثمانينات وأحداثها، بل وفي صورة أسوء بعشرات المرات منها، فقد طلّت رؤوس «الرغبات الشخصية»، وخلطناها بأغلفة زاهيّة من الشعارات، واعتبر أن الخاطئ من يخالفنا (نحن) كأشخاص! فنحن الحق، لا سوانا.

لا زالت كلمته ترنّ بأذني. تحت الضغط الشديد، وحين نصبح كلنا خلف هدف ما كل الفوارق تزول، وكل الاختلافات تتضاءل، ومن كنت أرفض اعطاءه خدي الأيمن بالأمس، أصبحت أدني وجهي بكامله له اليوم، ولكن ما أن ينزاح الضغط، ويصبح الهدف الذي أردناه محققًا، أو هكذا شُبّه لنا، حتى يعود كل منّا لطبيعته، ويعود الأرنب لجحره، والثعلب لصيده، والأسد لعرينه.

في غمرة الإحساس بالقضيّة فقدنا كل شعور بما بعدها، وعميت أبصارنا عمّا فيها. تجاهلنا كل ما يفرقنا، كنّا كالعطاشى نرى الماء في كل شيء، ونغضب إن قيل لنا ليس هناك ماء.

ولكن التجاهل لا يرادفه النسيان! ما أن انتهت تلك الفترة المظلمة، حتى كان أوّل تنازعنا على أثواب البطولة، وكلٌّ يجر النار إلى قرصه، وتمادت النار فأشعلت كل شيء.

أكمل محدثي:

اليوم، حين أعيد تذكر تلك الكلمة، أرى كم كنّا عاجزين عن الرؤية، وكيف أننا عشنا في دائرة من الوهم، يكذب كل منّا على الآخر، ونتظاهر بتصديق هذا الكذب! تجاهلنا طبيعتنا البشرية، ولكن إلى مدى يمكننا السير في هذا التجاهل؟ إلى أي مدى يمكن للأرنب أن يجلس بجانب الثعلب؟

أجابنا الشيخ، ولم نسمع اجابته. فالأذن تسمع ما تريد، والعين ترى ما تشاء، والعقل يكذب علينا بما نرغب، وطالما كان الوعي "مستلبًا" بحجة الإنشغال باللحظة، فإن من يحاول تبصرتنا به سيكون نصيبه نظرات الريبة، وكلمات الاستهزاء، أراد أن يقول لنا: طالما أنّ فيكم ثعالب، وأسود، وأرانب فهذا الموقف الذي تتخذونه مجرد موقف مؤقت، موقف تحتمه المصلحة، القضية الآنية، الضغوطات الهائلة سمّها ما شئت، كما جلست كل هذه المخلوقات وديعة بجانب بعضها البعض حتى انتهى الطوفان.

لا تغرنّكم الحماسة، ولا تأخذكم الحميّة فـ«ما أكثر الضجيج، وأقلّ الحجيج». وما أكثر المبادئ الجميلة، كالنبت الحسن، في المنبت السوء، إنّكم ترون الغاية التي تريدون، ولا ترون الوسيلة التي تستخدمون!

الآن بعد هذا العمر، وكل هذه السنوات وما مرّ فيها، عرفت مغزى كلامه جيّدًا، عرفت كيف كان ينظر لشيء كنّا نتجاهله، اشتمَّ رائحةً سددنا أنوفنا عنها، وادعينا عدم وجودها.

هذا هو الفرق بين من ينظر لطرف أنفه، ولا يرى بعد عبادان قرية، وبين من يجلس في المحمّرة، وهو يرى العالم كلّه منها.

ختم قوله:

هذا مو زمن الكلام، هذا زمن السكوت، النّاس ما يحبون أحد يقولهم: أحلامكم ما تشوفونها إلا إذا كانت عيونكم مغمضة!

=> هذه التدوينة تابعة لـ قصة قصيرة، وألفت الانتباه إلى ضرورة قراءة خاتمة التدوينة السابقة.

هناك 11 تعليقًا:

غير معرف يقول...

ولما تقولهم ان الي تسوونه في حالات الازمات هو تطبيق لمقولة كارل ماركس ان الدين افيون الشعوب يحسسونك ان الدين والايمان عندهم

ولما تقولهم ان الي تسوونه في حالات الازمات هو مشابه لكلام ميكافيلي لما قال الغاية تبرر الوسيله يقولونك استغفر الله العظيم

غير معرف يقول...

نصيحته بوزن الذهب

هذا الزمان يحتاج الى واحد من أثنين :
المختار الثقفي علشان يسوّي اللي يسمّونه العنجليز "to start from scratch"
أو بهلول

وأنا ماني شايف أي مختار حاليا، لا ثقفي ولا دشتي ولا كعبي
:)
فما لك الا تصير بهلول سفيدي ، أمام أهل "الحراك" إنت مجنون ومرفوع عنّك القلم ، فما له داعي تتكلّم ويّاهم ، أما اللي يعرف حقيقة بهلول فسيقدّر كلامه ولو قل بل ويشتري حرف من قلمه بكل حبر مدوّنات وشبكات "الأحرار"

تدري شنو ناقص الصورة اللي في بداية الموضوع؟ كان المفروض خلفية الصورة تكون على البحر : وترسم أربع صبّات خرسانية ، ثم ترسم خط على اليال أقرب ما يكون الى البحر وقت الجزر

وما ني قايلك شنو الترتيب العددي للخط نسبة الى الخرسانات الأربع
:)

Manal يقول...

سلمت يداك على الطرح الرائع
فانت انت
كما عهدناك

سعيدة باني قرات مقالك كاملا
:)


الله يستر من القادم
المستقبل امامنا

ومجرد التفكير فيه يؤرقني
يسلب مني طعم الراحة
الا اننا نحتاج ان نعيشة بما فيه

ولا يوجد اجمل من الصمت
عندما يعج الناس بالصراخ
كل يقول الزين عندي

فهناك ما يخفيه كل منهم

تحياتي لك اخي الكريم
:)

غير معرف يقول...

غير معرف 2

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدت الأمور تأخذ اكثر مجرى ومنها بدأ طريق الأحرار والإعلان الرسمي لمجرى الاحرار كان في كربلاء

اما كلمة الاحرار التي تستخدمها حالها حال البي بي مال البلاك بيري موضه وبتروح

أحمد محمدي يقول...

يقول زين العابدين عليه السلام : يا زرارة، الناس في زماننا على ست طبقات: أسد، وذئب، وثعلب، وكلب، وخنزير، وشاة، فأما الأسد فملوك الدنيا يحب كل واحد مكنهم أن يغلب، ولا يُغلب، وأما الذئب فتجاركم يذمون إذا اشتروا ويمدحون إذا باعوا، وأما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم، وأما الكلب فهو الذي يهر على الناس بلسانه، ويكرمه الناس من شر لسانه، وأما الخنزير فهؤلاء المخنثون وأشباههم لا يدعون إلى فاحشة إلا أجابوا، وأما الشاة فالمؤمنون الذين تجز شعورهم، ويؤكل لحومهم، ويكسر عظمهم، فكيف تصنع الشاة بين أسد، وذئب، وثعلب، وكلب، وخنزير؟

سيدة التنبيب يقول...

نعم

هذا زمان أصبح فيه المذنب هو من يوجه الاتهام .. و هو من يصدر الحكم أيضا.. تماما مثل أيام الطاغية صدام!

OPENBOOK يقول...

السلام عليكم...
لو لم تتحول الاوهام الى حقائق لما راينا هذا الكم الهائل من الاكاذيب والجرائم في العالم!...
دمت بخير...

Safeed يقول...

غير معرف،،

الإنسان الذي تحركه دوافع (أنوية) أوّل ما يضرب هو المنطق السليم، لأنه يعلم
أن المنطق هو الوحيد الذي يعرّي ما يقوم به. فمثل هذا التلوّن سببه هو غياب منطق
الفكر، وحضور منطق الأنا، بما فيه من رغبات شخصية تلوّث كل فعل.. إنما الإنسان
لا يستطيع رؤية تلوّث نفسه، فيكابر كما تقول.
شكرا.

=====

غير معرف،،

قديمًا كان يُقال: النصيحة بجمل.
واليوم للأسف تذروها الرياح بلا معتبر.
يذكر أن جابر لمّا وقف بالكوفة، وقال حدثني باقر علم الأولين والآخرين،
تطاول الناس عليه وقالوا: جنّ جابر، وهو عالمهم بالأمس!
وهكذا يستمر التاريخ بتكرار أحداثه، باختلاف شخوصه، ومقامها.
شكرا .. وصلت الصورة :)

====

Manal،،

الله يسلمكم،
من يصرخ يحاول أن يغطي بصراخه
مواطن عجزه، فعلوّ الصوت غالبا يكون
للتغلب على دنّو المنطق
أحيانا في الصمت تقبع كل الإجابات،
ولكن آذان الناس لا تعرف كيف تستمع للصمت
:)

شكرا

Safeed يقول...

غير معرف،،

حتى أعظم الطغاة، كان يدّعي حفاظه على الحريّة
المسميات (ببلاش)، ولكن الأفعال هي من تتطلب (ثمن)، وهذه
الأفعال ثمنها .. يناسب مثمنها.

شكرا

====

أحمد محمدي،،

وهل يبقى لنا تعليق بعد هذه الدرّة الثمينة؟
سلام الله على قائلها.

====

سيدة التنبيب،،

أصبح الناس بين وبين، وعلى مزاج هؤلاء يصنفون: إن لم تكن معنا فأنت ضدنا.
غريب كيف تخنق (الرغبات الشخصية) منطق الإنصاف والعدل عند الرعية.
شكرا


=====

OPENBOOK،،

عليكم السلام ورحمة الله،

أحسنت، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام
"انما بدء وقوع الفتن اهواء تتبع واحكام تبتدع .. "

شكرا

ترانيم العشق يقول...

قبل بدء القراءة.. أرعبتني الصورة
الشر الغريب في عيون الثعلب.. منبعه ليس نفسه وكأنه تحت تأثير شيء ما
والأرنب يعرف مصيره لكنه مستسلم بلا مقاومة أو حتى حركة واحدة
أتراها أرعبتني لأنها لامست في حقيقة ما!
أثناء القراءة..
إذن من الجميل أن ننافس أنفسنا قبل كل أحد لكن لتكن لنا مرآة خارجية ترينا حقيقتنا.. ولنصغي لها
بعدها.. قد يجد المرء أنه هو الحق والحقيقة.. لكن عندما يراه الآخرون كذلك ماذا نفعل؟
في القصة أرى حقائق حياتية كادت تصير ثوابت مستساغة للأسف
لكن سفينة نوح والقلة المؤمنة وصفوة الحياة التي تهجر أرض الكفر إلى حياة الإيمان لم توحي لي أبدا بهذه النهاية
وكان علي توقع ذلك حيث قلت سابقا أني أرى الحياة من خلال تدويناتك بمنظور مختلف
لكن هذه المرة لم يرقني ما رأيت وإن كان علي تقبله
فهو مؤلم ومر وخانق جداً
وفعلاً أنا لا أحب أن يقال لي أن أحلامي تكمن في الظلام خلف عيوني المغمضة فقط ذلك أن الحلم وإن كان كبيراً فإنه يبدأ مني بجد حتى لو كانت نهايته بعيدة
كالبذرة أزرعها وأعتني بها لكن من سيأكل من ثمار شجرتي هم أحفادي.. هم من سيرون المستقبل الأخضر وأنا من سأبدأه

Safeed يقول...

ترانيم العشق،،

بعض الأحلام يمكن تحويلها لوقائع،
وبعضها يبيت في عالم الأمنيات ومنها، كل حلم يبني نفسه على نقيض الطبيعة البشرية.
الأحلام حتى تصبح حقيقية يجب أن تتحلى بالواقعية، والواقع مر، كما أن استسلام الأرنب للثعلب مر، لكن ما بيدنا فعله أمام الظواهر الطبيعية؟

علينا أن نتعلم من الماضي، حتى لا نضحك على "غبائنا" في المستقبل.

شكرًا :)