17 فبراير، 2009

فقير و مسكين و أنا و نيتشه و السكين !

فقير و مسكين .. لحظات قبل وداعهما !

فقير و مسكين ضيفان نزلا في منزلنا المتواضع ليكونا قربان الترحيب بالنازلة الجديدة ، مضى عليهما حتى سُفكت دمائهما أسبوع يأكلان من طعامنا و يشربان ماءنا و ينتصبان وقوفا كلما خرجنا او دخلنا من باب المنزل ليشيعونا بنظراتهما المنكسرة.

تولدت حالة عاطفية ربطت أغلب أسرتي بهما ، ربما بسبب شكلهما أو هدوؤهما غير المعتاد أو ربما بسبب تشكيلهما للعبة يفرغ فيها الاطفال نشاطهم بملاحقتهما بعيدًا عن صنع الضوضاء داخل المنزل .

منذ الامس و شعور الذنب يتملكني و نظرات الإتهام تلاحقني من الجميع لأنني اتصلت على " أبو خليل " ليضع حدًا لمكثهما معنا ، فالضيف نزوله ثلاثًا و هؤلاء أخذوها سبعًا ، أحسست بقراري هذا أنني كـ بروتوس حملت خنجر الغدر لأطعن به قيصر في ظهره ليذكرني التاريخ بعد ذلك في خانة الخونة !
.
و مع لمعة السكين و هي تنزل على نحر فقير ، برَق ببالي التساؤل كيف لإنسان أن يتعاطف تارة مع خروفٍ جاوره لأسبوع و يعيش بهذه اللوعة لقتله ، أن يتحول في تارة أخرى لجبار يطغى في الأرض و يقتل أقرانه البشر ؟

كيف يحمل الإنسان عاطفة ترقق الدمع على بهيمة جرت العادة على قتلها ، ثم يحمل غزيرة يسفك بها دماء الآلاف من النساء و الأطفال من البشر ثم ينامُ قرير العين في الليل ..

تذكرت قابيل و قتله لأخيه ،
و نيرون كيف قتل والدته و زوجته ،
و كيف قام سليم الأول بقتل أبنائه و أحفاده ،
و كيف وأد العرب بناتهم في مطامير الصحراء القاحلة ،

و لو عددت جرائم الإنسان في حق الإنسانية لما انتهيت حتى تكف الأرض عن الدوران ،

هنالك حدثت نفسي ، ماذا لـو كان نيتشه يرى ما يحدث .. كيف سيجيب على تساؤلي؟


تخيلته يضيف فصلا لكتابه الذي لم يكتبه لأحد ..


يجعلني فيه ناطقا على لسان زرادشت بشيءٍ من كلماته و كلماتي أحدثُ فيها وجداني :



« الإنسان الخارق لا يكون خارقا حتى يكون خلاقا ،


الخلاق هو الذي يخلق مشاعره بإرادته


.. هناك على الجبل أسخر من ضيفي لان ذبابة صغيرة قادرة
على اجباره لأن يخلق شعورًا !


الجيد هو ان تنظر للأمور كما تنظر الاشجار العملاقة للحشرات ...
ان تخلق صمتك و تخفي حقدك
.. بهذا تكون خارقا ، و خلاقا !


أنتم أيها الناس ! ...


تسمون هذا الخارق شيطانا ، إنني أسير بينكم كما يسير السرطان بين حطام السفن على الشاطئ الصخري


لأن الحطام الجامد وحده يتصور حماية الشيطان للسفن العابرة !


لا تدّعوا الفضل .. إن الفضل بحاجة لقناع خشبي يغطي تعابير الوجه ..


لا تكونوا فضلاء فوق طاقتكم ... فالماء النقي كماء الندى يفسد الخشب .


كلما عايشت الناس قلّت معرفتي بحقيقتهم .. ولكن أعلم ان الجائع وحده من يُصدر أصواتًا !
تلاميذي الأعزاء ! ..


تنتهي مغامرات القمر .. حين يحين النهار ..


و لكنه لا يبكي على مفارقة السمـاء و النزول من عرشه لأجل الشمس ..
.
لأنه يعلم أن الضحك وحده سيكون مصيره إن ظن ..
أن نزوله في أفق البحر سيجعله يفيض !

إنّ الذي يعيش في الأعلى وحده الذي يسخر ..
مما يجري في الأسفل !
.

يا صديقي ! ..


إن الناس ممثلون سيئون ..


يقولون بانهم مستقلون .. و لكن في دواخلهم يدرون انهم مجرد تابعين ..

لا يمكن للأسماك أن تعيش مع القطط البرية .. و لكن يمكنها أن تعيش بجانب أسماك القرش ..

إن القاتل الذي يحمل هويتي .. زلته مغفورة !

هل علمت يا صديقي لماذا يشعر الناس بالذنب لقتلهم نعجة ؟

بينما يشعرون بنشوة النصر ..

و يعزفون موسيقا الفتح لقتلهم البشر ؟

عندما تستيقظ ستعلم أن الإجابة .. هي خارج المغارة التي تنام داخلها ..

حين تخرج ستراها تنتظرك كبستان التفاح .. ينتظر من يقطف ثماره ! »

هكذا تكلم سـفـيد .. زرادشت ..لمكونات وجدانه






هناك 22 تعليقًا:

أحمد الحيدر يقول...

الله يرحمهم ..

ويهنيكم بلحمهم :)


والإضافة اللي أضفتها لنيتشه قيمة ..

أدام الله إبداعك ..

ma6goog يقول...

توني في اول صفحة

فريج سعود يقول...

خروفين جذي يسون فيك ؟

كبرياء وردة يقول...

الله يرحمهم

وعليكم بالعافية

رزقنا الله ما اعطاكم من الحكمة

مركبنا يقول...

رائع

وعجيب مصدر الهام في خرفان

مشاعر صادقة وافكار واضحة

TruTh يقول...

شنوا كل هذي الحِكم ؟ ماشاء الله

:)

يعطيك الف عافية

Salah يقول...

فيلسوف!

علي إسماعيل الشطي يقول...

عليك بالعافية


حقيقه أخي سفيد إنني معجب بإبداعاتك

و بإسلوبك الرائع

تمنياتي لك بالموفقية والنجاح المستمر

مطعم باكه يقول...

كيف حالك سفيد ..

محاورات لطيفة ..

اظن انني فهمت بعضها , اما البعض الآخر فبقيت جالسا مع حطام السفن نراقبه وهو يمضي بعيدا ..!!

الشعور بالذنب على قتل خروف يذهب بعد يوم او يومين من قتله , اما الشعور بالذنب على قتل انسان يبدأ مع ذهاب سكرة الجنون التي قادت لقتله ..!!

وعند بعض البشر تكون هذه السكرة باقية معهم طوال حياتهم ..!!

اقصوصه يقول...

هههههههههه

ما شا الله عليك

صاير فيلسوف

الله يرحمهم

بس ما طرشتولنا

ع الاقل 2 كيلو بفتيك :)

B.A يقول...

لا اعلم ما هو سر محبتي للخراف بشكل خاص !

وموضوعكم شدني خاصه مع شكل الخروفين البريئين ..

ربما لأن الخراف تشع معاني ودروس كما هو الدرس الذي تفضلتم به علينا الآن ..

لا امزح .. فأقل الاشياء تفاهه في اعيننا قد تعلمنا اكبر الدروس ..

اخي سفيد .. منكم نستفيد ..

|:| DUBAI |:| يقول...

حساس سفيد !

why me يقول...

البوست عجيب

انت مبدع

اسمحلي اضيفك في قائمة الاصدقاء
:)

والموت يعشق فجأة مثلي..والموت مثلي لا يحب الإنتظار يقول...

سفيد


!!

هل تكفي؟


فلسفة ... رائعة .. محاورة النفس عمل جبار ...

خطاب العقول بالفلسفة يتطلب عقل غائب عن الوعي ...

فلسلفة الحياة ... تحملني برحلة نحو السماء السابعة !!

مبدع لا تكفي ...

أكمل من فضلك:)

ملحوظة ... طلبت منك شغلة صغنونة في مدونتي اتمنى الرد عليها:))

دمت بخير وسلام

بو محمد يقول...

سلمك الله يا سفيد لدي لك قصة
عندما سكنت مكاني الحالي، لم أستطع الحصول على اللحم الحلال و بعد انقضاء نحو العام الكامل قررت أن أذهب لإحدى المزارع و اشتري خروفا لأذكيه بنفسي مع العلم بأنني لم أقم بذالك قط في حباتي، و بعد مراجعة المصادر الشرعية و هضم جميع المعلةمات و القضايا و فتاوى حلية التذكية قمت بتذكية خروف، و كانت أول تجربة في حياتي، لم أنم ليلتها إطلاقا و حزنت حزنا شديدا و لم تفارق مخيلتي صورة الدم و المنحر
فأنا أعرف هذا الإحساس تماما
و ما زلت أتضايق إلى الآن عند تذكية خروف أو عجل
دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

Safeed يقول...

أحمد الحيدر ،،

شكرا للمرور ،
و لكن للأسف " الكل " رفض اللحم ، فتم توزيعه :)

.
.

ma6goog ،،

ضيف هالحجي للصفحة الأخيرة لما توصل لها :)
شكرا للمرور.
.

فريج سعود ،،

شفت شلون ؟
أتوقع لو كنت ذابح بعير جان ألفت كتاب :)
شكرا للمرور.

Safeed يقول...

كبرياء وردة ،،

الله يعافيكم :)

الحكمة لا زالت بعيدة عنّا ، و أنا لا زلت أقل منها :)

.
.

مركبنا ،،

شكرا للمرور :)
للأسف أن المشاعر ما طلعت إلا على دماء الخرفان :)

.
.

TruTh ،،

الله يعافيكم ،
شكرا للمرور :)

Safeed يقول...

Salah ،،

أحد تعريفات " الفيلسوف " هي : رجل يعاني طوال حياته ليُذكر بعد الموت :)
و إن كنت اشك في الجزء الثاني من التعريف :)

شكرا للمرور :)

.
.

علي إسماعيل الشطي ،،

شكرا لمرورك الذي يسعدني ،
و شكرا لتمنياتك .. :)
وفقكم الله .

.
.


مطعم باكه ،،

قبل عدة أيام و مع أحد أصدقائي سألني : قريت النص اللي دزيته لك ؟

- قريته ، و عجبني وايد لكن في جم جملة ما فهمتهم !

- إي هذا المطلوب !

- شلون ؟

- مو مطلوب إنك تفهم كل شي .. أنا بروحي مو فاهمهم لكنهم طلعوا معاي بلحظة تجلي و بس :)

- !!

هذا الحوار أشوف نفسي مضطر لاقتباسه لأنه الوحيد اللي يمكن يبرر سبب وجود الإبهام في مثل هالنصوص :) مجرد كلمات انتقلت من ذهن الكاتب لعيون القارئ دون أن تمر بعقله :)


و لكن هل يشعر الإنسان بالذنب لقتله الإنسان الآخر ؟
ربما ،
و لكن الذنب في الغالب هو كبكاء التماسيح على ضحاياها ، الذي يرتكب جرما بإرادته و رغبته ندمه لن يغير الواقع .
في التاريخ عن بعض أحوال الخوارج أنهم كانوا يقتلون الرجال و النساء و الشيوخ و الأطفال لمجرد أنهم مسلمين مخالفين لهم ، بينما يرأفون بالسباع و وحوش الصحراء بحجة أنها بهائم !
هذا هو انقلاب المفاهيم .
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بنوع من التعاطف مع جميع الأحياء و لكن من غير الطبيعي أن يفوق تعاطفه مع " الحيوانات " تعاطفه مع اخوانه البشر .. الذين يرى و يسمع مقتل المئات منهم كل يوم دون ان يتأثر بمثل هذا التأثر .

شكرا للمرور :)

Safeed يقول...

اقصوصه ،،

ما كان لكم في لحمهم نصيب ، و لكن كان فيما تولد منهم نصيب :)
شكرا للمرور :)

.
.

B.A ،،

كلامكم يطرح سؤالاً : لماذا يحب البشر الخراف ؟ و لماذا تآلفوا معها منذ القدم ؟
ربما سر الإنجذاب أنها كائنات ضعيفة ، و الإنسان بطبعه متكبرٌ جبّار .
لذلك ينجذب للمخلوقات التي تقبل بتجبره عليها و تخضع له .. مثلما خضع " فقير و مسكين " لسكين أبو خليل و تولد عن هذا كلمات كتبت برائحة دمائهم هنا :)

لا يخلو شيء من حكمة و عبرة ، و لكن طريقة اقتناص الناس لها تختلف .

شكرا للمرور :)

.
.

|:| DUBAI |:| ،،

زهير بن أبي سلمى يقول :

لسان الفتى نصف و نصفٌ فؤاده .. فلم يبق سوى صورة اللحم و الدم

و فؤاد الفتى هو عقله الباطني الذي يولد مشاعره و احاسيسه ، فنصف الإنسان هو مشاعر و احاسيس .. قد يغلب حكم العقل المجرد عليها و لكن لابد و أن تظهر في يوم من الأيام :)

و بس :)

شكرا للمرور :)

Safeed يقول...

why me ،،

أهلاً و سهلاً ،

كل ما قمتُ به هو أنني " أعدتُ صياغة " بعض المفاهيم المعلومة سلفا بقالب جديد :)

و من الجيد أنها حازت على اعجابكم .

شكرا للمرور :)
و نتشرف بالمتابعة .

.
.

و الموت يعشق فجأة مثلي .. ،،

أهلاً و سهلاً ..

أعتقد أن الإنسان بحاجة لمعرفة النفس أكثر حتى يخاطبها في الباطن بلغتها ، لذلك في الأثر عن أمير المؤمنين عليه السلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه .

معرفة النفس صعبة ، و لكن في الطريق إليها تبرق بعض التساؤلات فتنتج بعض الفلسفات .. :)

ربما هي حالة غياب عن الوعي .. و لكنه الوعي الظاهري .. اما الوعي الباطني فكل ما ينتج هو منه و إليه .

شكرا للمرور :)

- تم إجابة طلبكم ، و أعتذر عن التقصير :)
و بخدمتكم دائما

.
.

بو محمد ،،

الله يسلمكم :)

أعتقد أن " المخيف " في الأمر هو كيف يرى الإنسان نفسه قادرا على سلب حياة مخلوقٍ آخر ؟
كيف له أن ينهي حياة مخلوق آخر ، لأجل نفسه .

هذا هو سبب الاحساس بمثل ذلك الشعور ،
من تربى على الروحانيات و عظمة النفوس لابد له و أن يتأثر حتى مع الحيوان الذي مصيره أن يموت لبقاء الانسان .. و ربما هذا يقود للسبب الذي لا يشعر فيه الإنسان بالذنب حين يقتل انسانا آخر و يسلب حياته .. غياب الروحانية و بالتالي قيمة الحياة و أخلاقياتها لا يزرعان فيه ثمن الحياة و الحفاظ عليها .

شكرا للمرور :)

Deema يقول...

عجبتني البداية النيتشية اللي انتهت افلاطونية :)

In a movie by Jean-Luc Godard "slow motion" There was a girl reviewing an article she wrote for school with her parents, briefly stating that

The modification of relations between different species like fish, birds, men and plants, is a modification of a higher order than the changes of relations between groups of the same species

أعتقد أن هذا السبب وراء عِظَم حادثة زيارة الخرفان لبيتكم

Safeed يقول...

Deema ،،

الملا صدر المتألهين حين جمع و وفق بين فلسفتي أفلاطون و أرسطو سماها بـ " الحكمة المتعالية " ، أي انها تعالت على خلافاتهم :)

يمكن هالبداية تكون كشف جديد لـ سفيد و أسميها بـ " الحكمة النيتشلاطونية " :)

هناك صحة كبيرة بقول الفتاة ، لاشك بذلك :)

القتلة الذين يكونون من سنخ المقتول دائما ما تُوجد لهم التبريرات لدرجة تجعل جرمهم مقارنة بقتل كبش شيئا لا يُذكر .

شكرا للمرور :)