7 نوفمبر 2009

2- بـوحُ العتاب في معرض الكتاب

.
في الجناح اللبناني قررت المرور على أحد الأصدقاء، حين وصلت باركت له مقدمًا الـ 15 عنوانًا الممنوعين، فنظر لي مشدوهًا: شو ما عرفت، صاروا 17 وأضاف مبتسمًا: بيظلوا يمنعوا حتى يمنعونا نحنا كمان!
.
لم أستغرب هذه الزيادة في عدد العناوين الممنوعة، لكنّي استغربت من منع كتاب لمؤلف والسماح لكتاب آخر لنفس المؤلف يُعتبر من وجهة نظر الرقيب أشد وأنكى من الأوّل. هذا السر لا زال يحيّرني فطريقة اختيار العناوين الممنوعة من التي يتم الافساح لها، مبهمة ولا تعتمد على ركائز معينة يصح اعتمادها.
.
أنا أعرف أنّ الإنسان كائن معياري، فهو حتى يضمن وجوده واستمراريته بحاجة لمعايير تحكم مسيرته، وهذه المعايير تتخذ صورًا متعددة لتعابير مختلفة في كل مجال يرتبط بحياة هذا الكائن، وعلى وفق هذه المعايير يتم إصدار الحكم واتخاذ المواقف القيميّة من كل الأشياء، وبطبيعة الحال يُعتبر المنع أو الحظر هو نوع من هذه التعابير المستندة إلى معايير خاصة أقرّها المشرّع أو المجتمع للحفاظ – من وجهة نظره – على اتجاه القيم عند أبناء المجتمع.
.
غير أنّ هذه المعايير بحاجة لأن تكون واضحة، وقادرة على أن تقدم إجابة صريحة على الأسئلة التي يطرحها المرء حين يواجه هذا الموقف من قبيل: لماذا المنع؟ وما هي أسس المنع؟ وأين تقف حدودي في فرض مثل هذا المنع؟ وغيرها من الأسئلة التي ترتبط بهذا الموضوع.
.
في الكويت، لا زالت الإجابة على مثل هذه الأسئلة مبهمة، وحتى المسؤولين عن الرقابة والمنع لا يستطيعون تقديم إجابة مباشرة يُمكن لها أن تقدم تبريرًا مقبولاً على الأقل لما يجري في المعرض. من غير المعقول مثلاً أن تمنع مذكرات الدكتور أحمد الخطيب بجزئها الثاني، وهي التي نُشرت على صفحات جريدة الجريدة قبل عام داخل الكويت. كما أنّه من المُستغرب أن يُمنع كتاب عبقرية الإمام للعقاد من البيع، ولكن في نفس الوقت يُسمح لعدة مجلدات تحتوي على تأليفات العقاد كلها بالبيع في نفس المعرض. لن أطيل أكثر بذكر الامثلة، فالرسالة قد وصلت بأنّ قرار المنع في العادة هو قرار إرتجالي وإعتباطي بالدرجة الأولى.
.
أحد أصحاب دور النشر، وأثناء تجاذب أطراف الحديث معه ذكر أنّه قام بعملية (رقابة ذاتية) واستخلص لائحة بها 42 عنوانًا قدمها للجنة، ليُفاجئ بعد ذلك بانهم سمحوا له بـ22 عنوانًا فقط! ولأجل هذا لم أستغرب وأنا أشاهد مكتبة بيسان تشارك بالمعرض برفيّن وطاولة، وهي أشهر المكتبات في الحمراء ببيروت.
.
كمحاولة لفهم ما يجري، طرحت سؤالاً على نفسي: ما هي فلسفة المنع؟
فكرة الحفاظ على قيم المجتمع، أو منع أسباب الخلاف بهذه الصيغة العامة رائعة، ولكنها تظل كذلك في دائرة كونها "فكرة"، أما إذا تحولت لفعل فإنها بحاجة لميزان منطقي، يتخذ القبول العام لأحكامه مبررًا له بذريعة أنّ هذا الأمر هو أفضل ما يمكن أن نقوم به، إلا أنّه إذا كان التطبيق للمنع في حقيقته يهدف إلى هذا الشيء، فما هو سبب هذا التخبط في قرارات المنع؟
.
الجمود على هيئة فكرية معينة، ومحاربة كل ما من شانه أن يؤثر عليها، أو يخالفها، يعني بقاء الفكر أو القيم في محلها، لأنها حتى تتغير فهي بحاجة لتدافع أو صراع يهيئ الأرضية لإزاحة الأفكار القديمة ويحل محلها الأفكار الجديدة، وطالما أن هذه العملية لا تحدث بسبب محاربة الرقابة لها، فما هو الداعي إلى تبدّل موقفها من السماح إلى المنع لكتب معينة، أو العكس في تارة أخرى؟
.
يبقى السؤال يبحث عن إجابة، بعيدًا عن اسطوانة المصلحة العامة التي يقولونها. المصلحة مشتقة من الصلاح، وهي بحاجة لتشخيص مواردها بدقة حتى ينطبق عنوانها على مصداقها، الأمثلة التي تفيد في إيضاح هذه الصورة كثيرة، مريض السكر على سبيل المثال فإن من المصلحة منعه من الحلويات، المصلحة هنا مشخصة بحدوث الضرر الواقعي، ولكن هذا المنع لا يجوز أو يصح تطبيقه على جميع النّاس، حسنًا، الكتب لا تختلف كثيرًا عن هذا المثال.
.
فلسفة المنع تقوم على الصيغة الأخلاقية، أو الأوامر الأخلاقية التي تهدف إلى تصنيف الأشياء بالخير أو الشر ومن ثم نطلق الأحكام عليها، بناءً على عواقبها وتداعياتها ونتائجها، إلا أنّ الأوامر الأخلاقية ليست كالأخلاق، فأن (لا تسرق) هي قاعدة أخلاقية تملك تفسيرًا موحدًا، ولكن حتى نطلق على عمل ما (سرقة) نحن بحاجة إلى تحديد دقيق، يكشف لنا إن كان هذا الفعل سرقة أم لا. وهذا ما تفتقده لجنة الرقابة عمومًا في الكويت، وفي أغلب بلداننا بطبيعة الحال.
.
سبب التخبط هو ضبابية هذه المعايير، ورجوعها إلى المزاج الشخصي للرقيب، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات، فنائب مجلس الأمة يملك السلطة بالمنع من خلال تصريح صحفي، وعضو لجنة الراقبة يملك نفس الصلاحية، وفي ظل عدم وجود مستند يحدد بدقة مهام كلٍ منهما، فإن التخبّط يكون سيد الموقف.
.
من المؤسف أن يُصبح الكتاب بضاعة تُصرف في سوق المكاسب السياسية، حين وصل الشيخ أحمد الفهد لوزارة الإعلام شهد معرض الكتاب انفراجًا واضحًا، لم يكن السبب هو تغيّر اللعبة، ولكن كان تغيّر اللاعب، وهذا ما أثبتته الأيام بعد تدويره، شخصية اللاعب فرضت إيقاعها، ولم تحصل حفلات الزار التي نراها مع كل معرض كتاب، حتى أصبح هاجس الرقيب لا القيام بمهام عمله بدقة، إنما هو ترضية الجميع دون وعي بأن الخلاف طبيعة بشرية، وأن محاولة حجب هذه الطبيعة أو تغطيتها هو ضحك على الذقون، ونتيجة لذلك أصبحنا نرى كتبًا تُباع وتُشارك في معارض دول مجاورة، وتمنع في الكويت بحجة إساءتها لتلك البلدان، غدونا ملكيين أكثر من الملك!
.
حين انتهت زيارتي للمعرض، وخرجت صادفت جموع المعتصمين، ابتسمت ومضيت بطريقي، لم أشأ ان أشاركهم اعتصامهم، فهم ليسوا – من وجهة نظري – سوى وجه آخر للرقيب، هم يفتقدون للضابطة التي تحدد مطالبهم، كما افتقد الرقيب للضابطة التي تحدد مهام عمله، لا أختلف معهم بمدى صحة مدعاهم ومطالبتهم ولكن العبرة هو في خدمتها لهدف صحيح، و إلا فلا عبرة لأي كلمة حتى و إن كانت (صحيحة) في ذاتها طالما انها موضوعة أو موجهة لخدمة هدف خاطئ .
.
الرقابة، والمنع أشياء يتحتم اللجوء إليها، فهي بذاتها مطلوبة، فالحرية المبالغ بها لا تقل ضررًا عن التضييق الشديد، وكليهما بحاجة لقواعد واضحة وصريحة تكفل العودة إلى النظام الذي يحافظ على بنية المجتمع متى ما تم خرقها، وهذه القواعد تساهم بشكل كبير في «إيجاد الحلول للمواقف بل و للإحراجات الأخلاقية التي قد تنشأ بسبب الصراع بين الموجبات المهنية وبين المطالب العامة التي يُنادى بها»*، ومن المؤسف أننا لا زلنا نتعامل بمنطلق ردّات الفعل على الأفعال، دون أن يستطيع أن يقدم الطرفين خلاصة منطقية لما يدعو له بعيدًا عن الشعارات التي يرفعها.
.
انتهى.
ــــــــــــــــــــــــــ
*مونيك كانتو :الفلسفة الأخلاقية.

هناك 11 تعليقًا:

ريانة العود يقول...

صباح الخير

لا كلام بعد كلامك ..



متابعه دائمة وان لم ارد ..
واصل نجاحك في جذبنا الى هنا..

غير معرف يقول...

هل أنت بوحسين؟

الحــــر يقول...

هذا ما يجعلنا نخصص من سفرنا وقتا لتبضع الكتب

للأسف لا قانون يحمي وفي نفس الوقت لا قانون يحدد ما هو مقياس المنع

دمت بخير وصح لسانك
:)

secret يقول...

ذهلت حين قرأت مقالة جاسم بودي و موضوع منع كتاب "عبقرية الإمام" للعقاد!!

في الحقيقة الكتاب موجود و انا شاريه من احدى المكتبات بالكويت ..

عموما .. انا ضد منع اي كتاب .. ايا كان محتواه، دع الحكم للقارئ و قف ضد حجب العقول ..

ففي النهاية، سيتبين الحق و يتبع كل ذي عقل عقله

او كما قال الإمام علي عليه السلام:

(من صارع الحق صرعه)

Safeed يقول...

ريانة العود،،

أهلا،
حياكم الله،
وشكرا على المتابعة.

=========

غير معرف،،

إن شاء الله لين تزوجت وياني ولد، بسميه حسين عشانك :)

==========

الحــــر،،

وهذه هي العاده الجارية في ظل تحكم "المزاج" في الممنوع والمسموح.
شكرا

=========

secret ،،

هناك كتب تعتبر إساءة للعقول،
المنع ليس سيئا على إطلاقه، إنما هو بحاجة لمعايير تضبطه، وهذا ما نفتقده نحن.

فلسفة تشريع القانون هي منع المجتمع مما يضره، ولكنها في الكتب عندنا هي منع المجتمع من كل شيء، كمن يريد أن يجوع فيموت من التخمة!

شكرا

Ahmed.K.A يقول...

السلام عليكم ..

الإستاذ الكبير سفيد ..

تعليقي هنا لا يمت بالموضوع المعين بصلة ..

و لكن فقط .. لتسجيل إعجابي و شكري لك اخي العزيز .. بعد قرائتي لبعض مشاركاتك في مدونة state of failecha و ردك على الإستهزاء الذي قام به صاحب المدونة لمجلس من مجالس الشيخ المهاجر ..

هنيئاً لك إستاذي هذا الوعي الديني الخالص من الشوائب و تسربات الجهل ..

حقاً انت من من يفتخر فيهم بين شبابنا الواعي في الكويت ..

اغناك الله من فضله ...

و السلام :)

بو محمد يقول...

سلمت يداك أبا البيض

أعجبتني ردة فعلك على الجموع، و طريقة تحليلك الوصفي لها "صورة أخرى للرقيب"
بالضبط تماما كما تفضلت، واحد يصر الإفراط في الرقابة و الآخر يريد التفريط بها، و الإثنين دون يحتجان بإثباتين لا يعتمدان على أسس علمية
عندما يختار دكتور الجامعة كتابا لكي يدرسه لتلامذته فإنه يمر بأكثر من كتاب يعرض نفس الفكر العلمية مثلا و لكن خياره ينتهي إلى أحدهم، لماذا؟ لأنه الأسهل في توصيل المعلومة و الأكثر توضيحا لها حتى يتمكن من يحاول تعلم أبجدياتها من هضمها و يرفض الكتب الأخرى لأنها تفتقر لذالك، طبعا هذا وفق اجتهاده الشخصي و هذا مقبول علميا لانه من أهل التخصص
و لكن ان يأتي شخص لا ناقة له و لا جمل في حقل ما و يمنع مجموعة من الكتب فيه من العرض ليس لسبب إلا أنه يوجس منها خيفة؟؟؟ هذا الكلام يخلو من حجة عقلية، أو ياتي آخر و يترك الحبل على القارب لعرض ما يقرض ليس لسبب إلا جمع المال و دغدغة الجانب الحيواني السلوك الفكري و الفطري للإنسان أيضا يرفضه العقل و أهله و ترفضه الأخلاقن و عملية الفلترة موجودة حتى هنا في العالم الغربي، لا خلط في العرض، و لكن الجماعة يريدون الخلط بحجة حرية الإختيار

ما أدري و الله يا أيا البيض، تعقيدات إضافية في الحياة و الله نحن بغنى عناه

جعل الله لحظاتك و أيامك بيضا دوما كما تبيض بكتاباتك عقلي و نظري

دمت و الاهل و الأحبة برعاية الله

..pen seldom يقول...

المشكلة أننا ..

حتى في إنتقاء الكتب محصورين .. !

بالرغم من أننا بمقدورنا أن نبتاع ما نشاء من خارج دولتنا , إلا أن الشعور الداخلي للنفس بأنها لا تستطيع أن تحصل على حرية شراء كتاب وقراءته - لعدم توفره - في البلاد يصيب بالغيض ..

.. أترانا إن نادينا ..

أعطونا حريتنا في ما نقرأ .. سيجيبنا أحد ؟!

ربما تكون أجابتهم :

كل هذا لمصالح الشعب والمجتمع !!!

wara8mu5a6a6 يقول...

اللحين فهمت

يقولون الأهداف الأميركية لا تتغير بتغير الفرد - اي الرئيس - لأن الحكم قائم على مؤسسة اكثر منها فرد.. اعتقد هاي من الأشيا اللي محتاجين نستوردها عشان نكون ارتب و اكثر منطقية

تشكر على الطرح

Safeed يقول...

Ahmed.K.A ،،

وعليكم السلام ورحمة الله،

ما قلته هو أقل من الواجب تجاه الشيخ المهاجر حفظه الله.
المشكلة لا تكمن فيما قاله، إنما في مزاجية "أحكام" من يخالفه، وكما ظهر فإن المنطق برئ من قولهم كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
شكرا.

=======

بو محمد،،

الله يسلمك :)
هو كما تفضلت، "إفراط" من طرف و تفريط من آخر، واحنا اللي نضيع بالنص.
لا الرقيب فاهم، ولا المُعارض عارف بما يريد، وكلاهما يتحارب مع الآخر كما حارب دونكيشوت طواحين الهواء.
شكرا.

========

..pen seldom،،

هو السؤال: من يحدد مصلحتي؟
وكيف يحددها؟

يظل هذا السؤال - خصوصا الثاني - بلا اجابة منطقية عند الرقيب.

شكرا

=========

wara8mu5a6a6 ،،

وليش ما ننتجها بدلا من استيرادها :) ؟

شكرا :)

alia يقول...

الوضع صراحه غمته ! :)