20 ديسمبر، 2009

وألوم نفسي في امتداد بقائها

من دروس عاشوراء [2]

قبل أن يتوجه لمكة ومنها إلى كربلاء، دعا الوليد بن عتبة الحسين عليه السلام إلى دار الإمارة في المدينة بحضور مروان بن الحكم، طالبًا بيعته ليزيد، فكان من قوله : «.. إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمّة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايـع مثله..».
.
لطالما استوقفتني هذه الكلمة الأخيرة، مثلي لا يُبايع مثله، لم يقل أنا الحسين لا أبايع يزيد، لم يكن خلافه شخصيًا، بل خلاف بالحُكم، والمنزلة، وعلى هذا أتى التمهيد قبل إطلاق الكلمة، تمهيد يرصف الطريق ليوضح أنّ التفاضل على أساس العمل، وأن التساوي في قيمة الإنسانية لا يعني التساوي في المنزلة والمكانة.
.
هذا المُثال يُستصعب فهمه على من يرى الإنسان مجرد كائن يعيش وجوده، يراوغ ويناور ويكدح، ويفصل السؤال الأخلاقي عن أفعاله، لكي يحقق مصلحته التي يراها كامنة في استمرارية وجوده فقط ويضمن إزالة العقبات من الدرب الذي يسلكه لذلك، وهذا هو منطق الماديين القاصرين عن فهم حقيقة الوجود الإنساني، فينظرون له بناءً على ما يمتلكه، و يصفون استحقاق وجوده بمدى قدرته على ضمان حياته ولو بأتعس الصور، فهم ينظرون من زاوية ضيقة «هي زاوية العمل الفردي الذي يُراض بأساليب المعيشة اليومية ويدور على النفع العاجل للقائمين به والداعين إليه»[1].
.
لم يكن الحسين عليه السلام كذلك، كان إنسانًا يروم بفعله إلى فهم الوجود، على مستوى المجتمع وعلى مستوى الفرد، ومن ثمّ وضع مثال للبشر يتطلعون إليه ليدركوا معنى (الوجود)، وعلى ذلك كان خطابه يتناول المكانة، ولا يتناول الشخص إلا بما يقوم به من فعل يُحدد المكانة التي يستحقها. فمن أعظم الاخطاء التي ترتكب بإسم الإنسانية هو نفي التمايز بين البشر، وهذه المفاهيم المستحدثة هي مفاهيم مشوهة تخلط ما بين الحقوق وما بين الواجبات، نحن نتساوى بالحقوق، لكننا لا نتساوى بالواجبات، ومهما تعاظمت التنظيرات عن هذا التساوى نرى النزوع واضحًا بخلق الاشتراطات لأي منصب مُتاح، فمن يريد تسلم إدارة مركز عليه تحقيق تلك الشروط، وكلما تعاظم المنصب تصاعدت اشتراطاته، ولو قال قائل: لم لا نضع البقال على رأس الدولة؟ لاستنكر قوله العقلاء، فهو إنسان يمتلك التساوي في إنسانيته، لكنه لا يملك التمايز الذي يعطيه الأهلية لتسلم مثل هذا المنصب.
.
فهم التساوي على أنه «عدم التمييز» صحيح، إلا أنه لا يعني عدم «التمايز»، المخجل أننا نرى من يقف صاغرًا عند هذا القول إذا ظهر من 'مونتسكيو'[2] ويقيم الدنيا ولا يقعدها إذا صدر من غيره، دون أن يتوقف قليلاً مع نفسه ليفهم ما يدور حوله.
.
فماذا أراد الحسين عليه السلام من قوله؟
.
إحدى رؤى ماكس فايبر، رائد علم الإجتماع، أنّ "المصلحة تملك الأولوية على القيم، وأن القيمة مرهونة بمدى المنفعة التي تجلبها على صاحبها"، وهذا القول يملك الآن قبولاً كبيرًا بين طبقات المثقفين إن صح التعبير عنهم بذلك، بحيث أصبح هذا القول قاعدة في العمل السياسي، والعمل الإجتماعي، وحتى على مستوى العمل الفردي. معظم الفلسفات الاجتماعية والاخلاقية الحديثة التي تشكل الأساس للأفكار الحاكمة في الغرب بهذا العصر، تقوم على أرضية «الإنتخاب» هذه للقيم، ومن هنا يتولد الإشكال الذي سعى الكثيرون لإيجاد حلٍّ له وعلى رأسهم "إيمانويل كانط"، فالقسم الأكبر من التصرفات البشرية هو تعبير عن هذه القيم التي يستبطنها داخله، و وضع هذه القيم في دائرة الانتخاب وقبولها بتلك الذريعة يؤدي إلى عدم القدرة على وصف الأفعال البشرية بأنها (خيّرة) أو (شريرة)، وهو إشكال لا يزال يطرح نفسه بقوة على الساحة، فلا يعرف حينها على أي أساس يمكننا أن نطلق أحكامنا على الأفعال! كان ردّ كانط هو رفضٌ لهذه النظرة، وتأكيد على طابع (الأمر) للوصايا الأخلاقية، و (الأمر) ثابت لا نقاش فيه عنده.
.
هذا مثال بسيط على الجدل الدائر الآن لديهم، ولكنه حُسم عندنا منذ سنة 61هـ حين أطلق الحسين عليه السلام تلك الكلمة، ليضع نقطة نهاية السطر. إن التمايز يقوم بناءً على الفعل الأخلاقي، ومدى الإلتزام به، أهل بيت النبوة دلالة على ذلك الاجتباء الذي استحقوه بصفاتهم وأعمالهم لينالوا شرف هذه الرسالة، ومعدن الرسالة هو دلالة على مدى الإرتباط ما بين تلك المبادئ وما بينهم حتى صاروا التمثيل والمصداق الأمثل لها، وإن كل فعل يُضاد هذه الأشياء، في قبوله إهانة للإنسانيّة، وظلم لها، وليس الظلم مقتصر على سلب ما يستحقه الشخص، إنما الظلم الأعظم هو بإعطاء من لا يستحق، هذه القاعدة التي أراد الحسين عليه السلام تأصيلها: مثلي لا يبايع مثله، لانه لو بايع لصار للظالم عونًا، وللظلم مبررًا، وللطغيان مسوغًا، وهذا محال لأن القيمة أولى من المصلحة فنحن بشر، ومن طبيعتنا أننا نتمايز، ولو نفينا هذا الأمر لظلمنا المستحق بجريرة من لا يستحق، وأن أفعالنا يجب أن تقوم على ميزان أخلاقي واضح، لا يرضخ، ولا يتبدل، ولا يتحول، فالعدالة واحدة لا يتغير معناها بتغير الزمن، إلا عند من طمست بصيرته، وأصبح أسيرًا لهواه.
.
كلمة الحسين عليه السلام، درسٌ مفاده أن القيم ثابتة، وأننا نصنع قيمة أنفسنا، وأن القيمة لا تنبع من المصلحة إنما تنبع من المَثل الأعلى، وبقدر إلتزامك بهذه القيمة، يكون مقامك، وحينها تنازلك عن هذا المقام لمن لا يستحق، ليس ظلمًا تعود جريرته عليك فقط، إنما على كل من سار على دربك بإلتزامه بالقيم العالية، ورضاك بالدَون هو خيانة لكل من آمن وإلتزم بها وذا الذي لم يرضَ به الحسين عليه السلام.
.
وعلى هذا يكون «منطق الشهيد، هو منطق الإحتراق والإضاءة، منطق الإنصهار في المجتمع لإحيائه، منطق إحياء القيم الإنسانية، ومنطق خلق البطولات»[3]
  • مما رواه الشيخ الصدوق بسند صحيح، في ثواب الأعمال: كان من دعاء الإمام الصادق عليه السلام في سجوده: "...اللهم أنّ أعدائنا أعابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن النهوض والشخوص إلينا خلافا عليهم ، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس ، وأرحم تلك الخدود التي تقلبت على قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وارحم تلك العيون التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم العطش "، راجع الحديث كاملا ص 122.

______________
[1] عباس محمود العقاد – أبو الشهداء.
[2] إشارة لقوله في (روح القوانين) :" دائما يوجد في الدولة أفراد متميزون ... إلخ".
[3] من مقولات الشهيد مرتضى مطهري.

هناك 4 تعليقات:

عقدة المطر يقول...

كثيرة هي الدروس التي أضائتها شموع الحسين في مسيرته الكربلائية
هي اتضاح لعمق الحياة وتفصيل لمكامن الانسان وتفسير لمباديء الحقيقة
يقال في أحد الأمثال { أن نزرع خير من أن نحصد } وبنظري أن الحسين إجتهد وبذل الكثير ليزرع مبادئه وهو على يقين تام أنه سيحصدها في ضمائرنا وضمير كل انسان حي
ومازلنا على أبواب المعرفة ولازلنا نجهل الكثير ونتعلم الكثير من الملحمة الحسينية ..

متابعة بشغف عزيزي سفيد
وعظم لكم الأجر ومثابين ان شاء الله

نـاقـوس يقول...

مأجور مأجور وعليكَ بالنواح و البكاء و العويل يا صديقي كي تحشر مع الصالحين :)

بو محمد يقول...

أحسنت أبا البيض

و لم أجد ما أضيف على ما أوردت عزيزي سوى أن أكمل الشطر من البيت و أقول

و ألوم نفسي في امتداد بقائها
و ما في البقاء لعمرك من خلود

اشرايك فيني؟

ألست بشاعر؟

طل بعيني

:-)

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

Safeed يقول...

عنوان الموضوع:

شطر بيت من قصيدة للشيح صالح الشمري المشهور بـ(الكواز) رحمه الله، ومنها:

وألوم نفسي في امتداد بقائها.. إذ ليس تفنى قبل يوم فناءِ
ما عذر من ذكر الطفوف فلم يمت..حزنًا بذكر الطاء قبل الفاءِ
إني رضيت من النواظر بالبكا..ومن الحشى بتنفس الصعداءِ

.. إلخ القصيدة.

عقدة المطر،،

كربلاء مدرسة، منها نعرف كيف تنتصر الروح الانسانية بكل مبادئها، وكيف أن الفكر يسمو ويعلو بقدر التضحية لأجله.

كربلاء الحسين دروس، من دماء لا تنضب ..

--

ناقوس،،

سأل أعمى أحد المبصرين قائلاً: ما هو اللون الأبيض؟
فقال له المبصر: لون الإوز!
حاولت أن أعلق، فلم يطرأ على بالي سوى هذه القصة! لذلك أهديك هذا الخبر:اضـغـط

شكرا :)

---

بومحمد،،

محشوم يا بومحمد.
أحسن الله إليكم.