10 ديسمبر، 2010

لأنهم طغاة، أبغضوه


 
خواطر عاشوراء [2]

هذه الدنيا محل اعتبارات، ومقر اختبارات. لم يُترك الناس فيها سدى، أُعطوا من كل شيء شيئًا وحُتّم عليهم أن يجدوا طريقهم.

حين أقرأ أنّ هناك ما يقارب 124 ألف نبي ومرسل، مقابل هؤلاء المليارات من البشر الذين أنجبوا الطغاة جيلاً بعد آخر، أتعجب، فأتذكر الليل يعمّه السواد، ولا يخترقه إلا ضوء أنجم معدودة. وأحاول أن أفهم ذلك وفق هذه الصورة: سيرة البشر، سوداء إلا من نقاط مضيئة هي هؤلاء العظماء.

أقرا التاريخ فلا أجد مقايسة بين عدد الطغاة الذين لا زال التاريخ يحتفظ بذكراهم وبين من يقابلهم من القديسين. كفة الطغاة دائمًا أرجح. ورد على خاطري التساؤل لماذا؟

القديسون ليست مهمتهم سوى أن يرسموا المُثل للناس، ويضعوا لهم النموذج الأمثل، ويحددوا لهم الطريق، منطقهم كما يقول الشهيد مطهري عليه الرحمة منطق الشمعة التي تحرق نفسها لأجل الآخرين. بينما الطغاة منطقهم منطق القوة التي لا تظهر إلا بقهر الآخرين، يحرقون الآخرين لأجل أنفسهم! 

شاء الله أن تكون حكمته في خلقنا التخيير، بأنفسنا نحدد أي شيء نكون وأي دربٍ نسلك؛ وحتى يكون ذلك لابد من دربين.

في الليل يمكن لنا بسهولة أن نلبس السواد فنتماهى مع ظلامه ونصبح جزءًا منه، لكن لا يمكن لنا كلنا أن نتحول إلى نجوم زاهرة فيه. فهي قضية استعدادات وقدرات لا يملك إرادتها كل شخص، والوصول إلى ما يقربها يحتاج إلى مجاهدة عظيمة و وعي بالذات وهي الاجتهاد بالعفة والسداد، فيما يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام «ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد».

لم يولد الطغاة هكذا! لكنهم فشلوا في أن يميزوا أنفسهم عن ظلام الدنيا، فأصبحوا جزءًا منه، و"المرءُ حيث وضع نفسه"[1]. كانوا أجبن من أن يتخذوا قرارًا فسُلبت الثقة من أنفسهم، وتمّزق حس الهوية عندهم، وتعاظمت الحاجة إلى أن يكونوا موضع الإعجاب والمحبة عند الناس لشكهم بذاتهم، ولمّا فشلوا في سدّ هذه الحاجة عمدوا إلى فرضها على الآخرين بالقهر والقوة. فهذا أسهل من التغلب على النفس الأمارة بالسوء.

مخطئ من يظن أن كون المرء طاغوتًا، يستلزم منه أن يكون حاكمًا ومتصرفًا برقاب الناس. إن مجاوزة الحدَّ، وتضخم الإعتقاد بالذات يمكن أن يحدث عند كل فرد في عمله، في منزله مع زوجته، ومع أولاده، أو من هو أدنى منه وحتى نفسه، وفي أي مكان. و"المرء يُكتب طاغوتاً وليس له إلا أهله"[2].

هذا الوهم الذي يعيشه الطاغوت بعظمة نفسه ونرجسيته يجعله في صراعٍ دائمٍ مع من يمثّل النقيض له. يؤرقه، ودائمًا ما يدس نفسه في مقارنة معه، ويجعل من شخصه طرفًا يحارب مقابله في كل شيء، ويتصور نفسه في معركة مستمرة هو أحد أطرافها ويقابله نقيضه.

هكذا كان الحسين عليه السلام مع الطواغيت على مدى الدهور إلى هذا اليوم. محلاً لسهامهم، ومصبًا لأحقادهم، لا لشيء سوى أنه يكشف زيفهم، وزيف مدعياتهم وسوء دواخلهم. حاربوه بشخصه، ثم حاربوا اسمه، وكل من ارتبط به، و والآن يحاربون كل ما يشير إليه. فجعلوه عدوًا لهم غرسوا مسامير حقدهم في صدره. وفاتهم أن الأشجار الباسقة لا يميتها الخدش.

جعل الله أولياؤه مناراتٍ وسبلاً للهداية، ومرشدين للكرامة. حاربهم الناس في حياتهم لظلمهم وجهلهم. فأبى الله سبحانه أن تندرس آثارهم.

ينقل العميد الركن نجيب الصالحي[3] أن الطاغية الهالك حسين كامل وقف أثناء الانتفاضة الشعبانية سنة 91 أمام قبة الحسين عليه السلام قائلاً: «أنت حسين .. وأنا حسين كامل» وكان الجواب بعد أقل من أربع سنوات قتلاً وسحلاً ورميًا وسوء عاقبة أحاطت به وبمن معه. إشارة ربانية إلى أن هذا الشخص ليس بشرًا فقط إنما طريق هداية به تتم الحجة.

سيرة جرت مع كل من تطاول يومًا على الحسين عليه السلام من يزيد الأموي إلى المتوكل العباسي إلى صدام مرورًا بمن كان بينهم، ناصبوه العداء بغضًا منهم لما يمثله. لم يكفهم ما جرى عليه وأهله وأنصاره، فوجهوا حروبهم تجاه ذكراه، ولكنه كالنجم لاح في قلب السماء، نوره يمزق الظلمات مهما تكالبت حوله، فالله يأبى إلا أن يتم نوره لتكون له الحجة البالغة على خلقه: هل يتلحفون برداء الليل فينضوون بالظلمات، أم يسترشدون بضوء أبى أن تطمسه هذه الظلمات؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مضمون رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام راجع: غرر الحكم. وشرح النهج ج2.

[2] رواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.

[3]رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة في الغزو العراقي، الزلزال ص280.

هناك 8 تعليقات:

المُهاجر يقول...

أحســـنت، وحسبُ الحسين (عليه السلام) أن يكون هو الحُســين! وحسبُنا أن يكون الحُسين حُسيننا!

يُقال أن من يحارب الحُسين بن علي (عليهما السلام) لا يكون هلاكه عاديا ولكن هلاكا ب"فضيحة".. وقد أثبت التاريخ ذلك أيّما إثبات. علمًا بأن محاربة الحسين (ع) تتخذ صورا عديدة، منها محاربة ذكراه، أو شيعته، أو مجالسه، أو خَدَمته، أو شعائره، أو أيامه، أو أو أو، فهلاّ إتعظ نواصب هذا العصر؟!

السلامُ على الأعضاء المقطعات،
وعظّم الله أجوركم وأجورنا،

يا أبا عبدالله..
المُهاجر

نور الهدى يقول...

عظم الله لنا ولكم الأجر

غير معرف يقول...

أحسنت يا سفيد المفيد

اللهم اجعلنا ممن اتعظ بالحسين وسيرة الحسين وممن استنار بنوره .... يـــــا الله

اللهم اخرجنا من الظلمات إلى النور ببركة محمد وآل محمد

الحسين في قلوبنا وقلوب الأحرار لن يطمسوا ذكراه وتضحيته ولن يطفؤا نوره "وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"

السلام عليك يا أبا عبدالله الحسين
وعلى علي بن الحسين
وعلى أولاد الحسين
وعلى أصحاب الحسين
جميعا ورحمة الله وبركاته

Safeed يقول...

المُهاجر،،

أحسن الله إليكم.
من ناصب وليًا لله العذاب، فكأنما ناصبه سبحانه ذلك.
ولكن الإنسان "ظلوم جهول".

شكرا

===

نور الهدى،،
وأجوركم إن شاء الله.

===

غير معرف،،

آمين.
آجركم الله.

Yin مدام يقول...

سامحنا يا سفيد المفيد
ما كنت قادرة أسوي دخول على حساب جوجل فقلت أذيل التعليق باسمي ونسيت

آجركم الله

|:| DUBAI |:| يقول...

السلام على من ناغاه في المهد ميكائيل ..

و ها هي الثورة الاحرار تتجدد

يالثارات الحسين ..

ترانيم العشق يقول...

في راحة الجسد عذاب الروح
ربما نصم أسماعنا عن استغاثتها
وننثر رماد نفوسنا اللاهثة خلف الدنيا فوقها لتسكت
وحسب مانحن عليه يطول بقاؤها أو يقصر حتى تختنق وتموت
ربما تستصعب الأجساد والأنفس الجامحة اتباع العقل والروح
لكن مؤكد في اتباعها راحة وهناء
حتى ولو كان الطريق لذلك دامي مُدمي
وخير دليل على ذلك سيرة النبي وآله الأطهار
تعلم.. المقطع السابع جعلني أشفق على الطغاة
مساكين هم .. ضلوا الطريق
لكن ما يليه جعلني أخشى أن أكون منهم.. طاغية على ذاتي
حسين.. نبراسنا الخالد
ارونا نحن العطاشى الضائعين من نور ذاتك
وفقكم الله بحق من أحببتم و واليتم

Safeed يقول...

مدام Yin،،

أهلا وسهلا.
عاش من شافكم،
وسلامي دايما مبعوث بواسطة الحجي Yang المختفي الله يحفظه.
مسموحين .. ومأجورين إن شاء الله.

====

|:|DUBAI|:|،،

مأجورين إن شاء الله.

شكرا.

====
ترانيم العشق،،

أحسنتم،
اختصرتم الكثير بالقليل.
آمين لدعائكم.
شكرا