26 يونيو 2009

قبس من نور الهادي







في الثالث من شهر رجب سنة 254 هـ و في سامرّاء بالعراق كانت شهادة الإمام علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا عليهم السلام ، المعروف بأبي الحسن الثالث و دُفن بمنزله هناك و دُفن بجانبه ابنه الإمام الحسن العسكري عليه السلام و ابنه الحسين رضوان الله عليه.

.
و في مثل هذا اليـوم ، من مناسبة الشأن تذكر بعض وصاياه و كلماته النورانية فهو من قومٍ كما قال عنهم في الزيارة الجامعة : «.. كلامكم نور وأمركم رشد ووصيتكم التقوى وفعلكم الخير وعادتكم الإحسان وسجيتكم الكرم وشأنكم الحق والصدق والرفق وقولكم حكم وحتم ورأيكم علم وحلم وحزم ، إنْ ذُكِرَ الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه.. »

.
من كلماته : ( إن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا إذا عوتب قبل).

.
-
و سبب الخير هو عدم المكابرة ، القبول بالخطأ إن حدث و الإعتراف به هو دليل على نزع صفة التكبر من صاحيها و إذا نزعت كان الإستعداد عنده لاستماع القول و اتباع أحسنه أكبر من غيره ، فقبول العتاب سواءٌ كان لخطأ أم لا يدل على سعة نفس الإنسان.

.
و سعة النفس أي قدرتها على قبول جميع الإدراكات و الآراء و الأقوال و احتوائها ، فالنفس من هنا يظهر انها بعكس الأجسام المادية لديها القدرة على التوسع و التمدد دون حد ، و يُمكن أن يُفهم من ذلك أن (سعة النفس) هي من مصاديق الخير الذي يهبه الله سبحانه لعباده ، لأنها بذلك تكون قادرة على الحصول على قبول جميع الناس دون حد ، فصاحب النفس الواسعة يقبل كلام الجميع و متى ما شعر الآخرون بأن لكلامهم و لو من باب الاستماع فقط دون التطبيق قدرة على الوصول للآخرين انجذبوا نحوهم.

.
و هذا شيء نلاحظه في حياتنا اليومية ، نقابل عشرات الناس يوميًا و قلة من ننجذب لهم بحديثنا ، و نوّد لو أن كلامنا معهم يطول حتى و إن كنا نعلم بأنه سيظل في خانة الكلام ، مجرد رؤيتنا لمن يقبل الاستماع لنا يفرحنا و يجعلنا نقبله و نجله ، و هذا من أفضل مصاديق "الخير" التي يتمناها كل شخص لنفسه.

.
و من كلماته عليه السلام أيضًا : (إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه ، و إن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه).

.
-
من هذه الكلمات ، يمكن استنباط عدة مفاهيم عالية القدر منها :
أن الظلم و الحلم يمكن أن يكونا موجودين في الإنسان و لا يتعارضان ، و أن سبب عدم ظلم بعض الجبابرة ليس عدم قدرتهم على ذلك و إنما لأن حلمهم أسبق و أسرع ، فنتصورهم عادلين ، و لكن الواقع أنهم إذا انتهى حلمهم أو نفد بان ظلمهم بأجلى صوره و كانت بطشتهم شديدة.

.
في التاريخ هناك شخصيات عديدة نقرأ عنها و عن حلمها و محبة شعوبها لها ، و مع هذا فهي كانت جبارة ظالمة على أعدائها ، و الواقع أنها ظالمة فالظلم لا يمكن أن يُبرر الظالم لعدوه كالظالم لصديقه لا فرق ، و لكنّ أحباؤه ينسون ظلمه لأعدائه بسبب حلمه بهم و هذا مصداق قوله عليه السلام (يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه) فالتاريخ بعد ذلك يذكر حلمه و عدله و يضفيه صفات أقرب للقداسة لأن ما ذُكر عن حلمه غلب ما ذكر عن ظلمه.

.
أما الشطر الثاني من كلمته فتؤدي إلى معنى لطيف و هو أن الحق حتى يصل للآخرين يعتمد على شخصية قائله و المدافع عنه أكثر من أصل (الحق و الحقيقة) ، فكم من قضية حقة كان لها محامٍ فاشل!

.
السفيه الذي لا يستطيع أن يصيغ أفعاله و كلماته بما يناسب الآخرين يولد النفور منه ، فيبتعدون عنه و لا يقبلون منه الحديث ، و أسوأ من نكران الحقيقة هو أن تكون ظاهرة و لا يقربها أحد لأن حاملها ملوث.

.
من يُريد أن يوصل حقيقة ما ، أو يكون ممثلاً عنها ، فقبل حمل رايتها يجب أن يخلص نفسه من كل ما يتعارض معها.

.
و من كلماته أيضًا : (.. و أنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه و الأوهام أن تناله و الخطرات أن تحده و الأبصار عن الإحاطة به نأى في قربه و قرب في نأيه ..).

.
- في هذه الكلمة المقتطعة من سؤال وجهه له أحد الأصحاب عن وصف الله عز و جل ، إشارة عميقة.
الحواس معلومة و هي لكونها تعتمد البرهان و الحس فهي محدودة لذلك تعجز عن الإحاطة بالله عز و جل ، و لكنّ الأوهام هي ما تفرزه مخيلة الإنسان و المخيلة لا تتقيد بقيود العالم المادي المحدود الذي نعيشه ، نحن لا يمكننا أن نطير في الواقع و لكننا نطير بأوهامنا و مخيلاتنا ، و نصنع عوالمًا غير موجودة و نؤلف قصصًا غير مذكورة كل ذلك بقوة (الوهـم و التخيّـل) ، فهي قدرة غير محدودة و تتفوق على الواقع .

.
لذلك كان وصفه بانه على الرغم من قوة هذا (الوهم) فإنه أقل من أن (يناله) أي أن يتوصل حتى إلى بداية كنه الله عز و جل ، فهو تعالى عن الإحاطة به بحواسنا القاصرة و كذلك بعقولنا العاجزة التي طوعت العالم و وقفت قباله - سبحانه - متحيرة.



و من كلماته عليه السلام التي أختم بها هذه المقالة القاصرة عن نورانيّة جواهره المبثوثة قوله في وصيته الأخيرة :


( .. اتقوا الله و كونوا زينًا و لا تكونوا شينًا ، جروا إلينا كل مودة و ادفعوا عنّا كل قبيح ، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله ، و ما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.


لنا حق في كتاب الله و قرابة من رسول الله و تطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب.


أكثروا ذكر الله و ذكر الموت و تلاوة القرآن و الصلاة على النبي - صلى الله عليه و آله- ، فإن للصلاة على رسول الله عشر حسنات.


احفظوا ما وصيتكم به و أستودعكم الله و أقرأ عليكم السلام. ).


عمامة الإمام الهادي عليه السلام بعد تفجير مرقده الشريف - سامرّاء

22 يونيو 2009

3: عن إيران تحدثتُ !

الحلقة الاولى : عن إيران أتحدث ..
الحلقة الثانية : عن إيران أتحدث ..
.
القوانين الإجتماعية التي تحكم مسير المجتعات في مجال التغيير تحديدًا هي قوانين عرفية أو نسبية خاضعة لمقاييس معينة تناسب مجتمع ما و لا تناسب مجتمع آخر حتى و إن اشتركوا بالقضية ،كان لجلوس روزا باركس في مقدمة حافلة النقل حافزًا للثورة على معاملة "السود" في الولايات المتحدة بينما تكررت هذه الحادثة عشرات و ربما مئات المرات في جنوب أفريقيا و لم تبلغ مثل الأثر في أمريكا، لأن لكل مجتمعه سماته التي يبني التغيير على أساسها.
.
قبل الإنتخابات الإيرانية كانت الذهنية العامة محكومة بالتغيير ما حدث في الولايات المتحدة ثم ما تبعه في الكويت و في غيرها من الدول كوّن رأيًا عامًا في هذه البلدان بأن "الموضة" هي التغيير لأجل التغيير فقط، الكثيرون قاسوا واقعهم على إيران و هذا أول الأخطاء.
.
ثاني الأخطاء أن حملة موسوي الإنتخابية بدأت مبكرة و ركز الإعلام الإيراني و العربي و الغربي أنظاره عليها لكونه العائد من التاريخ و المحسوب على الإصلاحيين و المدعوم من قبل رئيسين سابقين للجمهورية، بدأ موسوي حملته باحتكار اللون الأخضر و بدأت وسائل الإعلام تزيد من تركيزها عليه و على برنامجه الإنتخابي و الاهم من ذلك كله التركيز على هجومه الشديد على (نجاد) غير المرغوب به (غربيًا)، أعطى الإعلام زخمًا مبالغاً به لتيّار موسوي!
.
لقد وظفت وسائل الإعلام المعارضة في الخارج و الغربية دعايات موسوي من باب (لا حبًا بعلي و لكن كرهًا بمعاوية) ،فكلاهما ثوريين و كلاهما مرشحين لرئاسة دولة مصنفة بمحور الشر،و هذا ما تحدثت عنه في الجزء السابق عن كونه الوجه الذي استخدمه المعارضون لمعارضة النظام من (داخله).
.
هذا ناهيك عن الميزانية الضخمة التي رصدها الإصلاحيون للدعاية الإنتخابية بحيث أصبح الإعلام أخضرًا، و في الحقيقة فإن إبراز موسوي كان بسبب أن معظم الناخبين في إيران هم من فئة الشباب (التصويت في الإنتخابات للبالغين 18 سنة) الذين لم يعاصروا الثمانينات و أحداثها و لم يعرفوا موسوي سوى على أنه وجه من الثورة يعارض نجاد "المحافظ"!.
بينما حملة نجاد الإنتخابية بدأت قبل الإنتخابات بأسبوعين و معظمها كانت من المتطوعين لذلك شكل نجاحه صدمة لمن حكم بحتمية التغيير دون أن يلتفت إلى أن أسباب التغيير غير متوافرة و ليس هناك حاجة ماسة له.
.
. لماذا فاز نجاد ؟
.
لا أعتقد أن هذا السؤال يشكل صعوبة حين الإجابة عليه ،فاز نجاد لانه قدم ما يوفر له الفوز في فترة رئاسته الاولى،قام نجاد بتوفير الضمان الصحي لمئالات الآلاف من النسوة العاملات في مجال الحياكة و النسيج (السجاد) و حدّث القطاع الصناعي بقفزات مذهلة و قام بإحياء برنامج الفضاء الإيراني مما أسفر عن إطلاق أول قمر صناعي مصنع بالكامل في إيران عن طريق محطة فضاء داخل الأراضي الإيرانية و على الصعيد العسكري كان مجال التصنيع العسكري يمضي قدمًا بخطوات ثابتة و الاهم من ذلك كله أن نجاد استطاع أن يحول البرنامج النووي الإيراني من وضع "الإيقاف" الذي قام به خاتمي إلى الإستمرار و انتزع الإعتراف الدولي به دون أي شرط من القوى العالمية، و رغم الإنتقاد اليومي الشديد له بسبب سياسته الخارجية على صدر الجرائد الإيرانية فإن حريّة الصحافة المحلية هناك شهدت ارتفاعًا بسقفها تعدى بكثير عهد سلفه السيد خاتمي.
.
هذا لا يعني أنه لم يرتكب أخطاءً أو كان مثاليًا ،فسياسة التخصيص التي قام بها و إن أدت إلى انخفاض كبير في معدل البيروقراطية الحكومية و لكنها قادت إلى تضخم في الإقتصاد الإيراني، و سياسته الخارجية و ما تبعها من فرض قيود اقتصادية على إيران أثرت بشكل واضح على الطبقات العُليا من الميسورين و إن لم يشعر بها الفقراء لارتفاع مداخيلهم و استهداف خطته الإقتصادية لهم بشكل رئيسي و المجال لا يسع للتفصيل هنا أكثر.
.
هذا كله بالإضافة إلى تواضعه و نظافة يده و ما سنه أثناء استلام رئاسته في الدورة الأولى من تخصيصه كل شهر لزيارة مدينة في إيران للوقوف على متطلباتها أعطاه دعمًا كبيرًا بين فئات الشعب،خصوصًا أولئك الذين استشعروا قربه منهم.
لم يكن فوزه يُشكل مفاجأة للمطلعين على أحوال إيران أو مستقرئيها، و لكن شكل مفاجأة لمن تعلق بوهم التغيير فقط.

.
. المظـاهرات
.
"إذا كانت النخب السياسية تريد أن تخترق القانون، فإنهم مسؤولون عن الفوضى والدماء التي قد تراق في هذه العمليات الفوضوية" – السيد الخامنئي.
.
شكل إعلان مير حسين موسوي فوزه بالإنتخابات قبل أن تغلق الصناديق و دون أي مستند رسمي أو إعلان محايد صدمة في الإنتخابات الماضية،و أعتقد اليوم أن هذه المظاهرات لم تكن عفوية إنما كانت معدة مسبقًا كخطة بديلة في حال خسارة موسوي المتوقعة كان هناك أمل بأن تنتقل الإنتخابات للمرحلة الثانية و منها يمكن حصر الأصوات جميعها بموسوي على حساب نجاد و لكن هذا ما لم يحدث،و هذا يذكرني بأول مناظرة من المناظرات الرئاسية حين استهل نجاد كلامه بالحديث عن بعض الشخصيات مشبهًا ما يجري بـ"حرب الجمل"،فكان تعبيرًا موحيًا باستقراء ما يُحاك لما بعد الإنتخابات.
.
لا توجد إنتخابات في العالم لا تشوبها بعض الشوائب، في جميع ديمقراطيات و إنتخابات العالم هناك أخطاء و هنّات و لكنها تُقاس بالمظهر العام لا بالشواذ،و هناك مؤسسات لها الحكم الفصل طالما أن هؤلاء رضوا بها في المقام الأول،دعوى التزوير لا تستقيم مع الأرقام المليونية التي ظهرت،فارق 11 مليون صوت ليس كفارق 100 ألف صوت أو مليون صوت حتى يمكن تزويره،و في ظل غياب أي مستند يدعم هذا الإدعاء و في ظل العجز التام عن إثباته لا يمكن فهم ما يحدث إلا على أن هذه المظاهرات ليست سوى وسيلة في صراع التيّارات لا أكثر، و أن هؤلاء لا يهتمون بالقانون الذي يدّعون الحفاظ عليه، طالما أنهم آثروا الإبتعاد عن المسالك القانونية و الإكتفاء بإشعال فتيل الاضطرابات التي استغلها من يتحينون الفرص.
.
تخلف موسوي و كروبي عن حضور جلسة مجلس صيانة الدستور ،و لم يقدما طعونهم أو اثباتاتهم في نتيجة الإنتخابات بل لجؤوا للشوارع لإلغاء نتيجة الإنتخابات و تخلفوا أيضًا عن حضور صلاة الجمعة التي أمّها المرشد في طهران و هذا يؤيده ما ذكره السيد الخامنئي في خطبته: (المنافسة بين المرشحين الأربعة كانت بين أشخاص وتيارات تؤمن كلها بالحكم الإسلامي،المرشحون من قادة ورجالات النظام. وبالقطع هناك خلافات بينهم. لم تكن المنافسة بينهم منافسة بين الداخل والخارج، بل في إطار النظام.).
.
تزوير الإنتخابات لصالح "نجاد" هو إدعاء مضحك لكونه يخوض هذه الدورة الرئاسية كخاتمة له فهو بنص الدستور لا يستطيع أن يترشح في الإنتخابات القادمة لهذا المنصب، من يعتقد أن يمكن المجازفة بإنجازات الثورة لأجل شخصية أو شخصيتين هو واهم،تعرض رموز الثورة للإغتيال و التصفية،و شنت عليها حرب دموية لعقد من الزمان و انشق عنها بعض من كانوا فيها و اختفى آخرون و مع هذا استمرت دون الحاجة للتزوير و هي - الثورة - من أعطت الرئاسة لخاتمي و قبله رفسنجاني و سلمت رئاسة مجلس الشورى لكروبي فمثل هذه الإدعاءات تعود لقائليها قبل أن تمس غيرهم.
.
مع هذا هناك نقطتان مهمتان أولاً: لا يمكن أبدًا تبرير الدماء المسفوكة ،هذه الدماء مهما كانت فهي محترمة أما ثانيًا: فهو أن التظاهر حق شعبي لا جدال فيه و لكن هناك فرق بين المظاهرة و الشغب ما يحدث في إيران الآن هو شغب استعمل كأداة ضغط ،ما لم تذكره وسائل الإعلام أن معظم القتلى سقطوا أثناء هجومهم على مقرات الشرطة و البسيج.
.
برأيي أن الإعلام الإيراني الرسمي تعامل بشفافية كبيرة مع الأحداث و أثبت مصداقية في قبال وسائل الإعلام الأخرى خصوصًا الغربية منها فهو اعترف بالقتلى و نقل صور ما يحدث هناك ،و أن أنصار نجاد لازالوا بعيدين عن ردة الفعل في الشوارع، رغم أن الإضطرابات حاليًا أصبحت حركة تستهدف المساجد و المحال و قوات الشرطة و المدنيين و ليست مظاهرات سلمية احتجاجية على نتائج الإنتخابات، و هذا ما دفع السيد الخاتمي إلى التبرء من هذه الأفعال بالأمس.
.
استمرار التصاعد في التجاذب السياسي يثبت أن الصراع و إن كان لازال في إطار النظام (و هو ما أكده موسوي بالأمس) و ليس خارجه، إلا أنه صعّد مصلحة التيار السياسي على مصلحة إيران الدولة،و أن الأوان قد حان لقطع أرجل الجمل.
.
انتهى.


20 يونيو 2009

2: عن إيران أتحدث ..


الحلقة الأولى : عن إيران أتحدث ..


في الثمانينات أيّد الإمام الخميني رحمه الله تشكيل الجبهتين "روحانيت و روحانيون مبارز " فقد كان يؤمن بأن الإختلاف واقع و طبيعي و لكن من الضروري أن يتم تأطيره في إطار (الجمهورية الإسلامية) حتى لا يصبح ذراعًا تفتت الدولة من الداخل،كانت رؤيته بأنه يمكن لجبهتين مختلفتين تقومان على أساس الإيمان بـ(السياسة الدينية) كأصل لهما أن يستوعبا كافة وجهات النظر الأخرى،كما أن الحزبين الجمهوري و الديمقراطي أو العمال و المحافظون يحتوون كافة الآراء و إن كانت تتباين مع زعامات الأحزاب أحيانًا إلا أنه يجمعهم كلهم (الخطاب الوطني)،هكذا استطاعت إيران أن تتجنب الكثير من عقبات "الإختلاف" الشديد بين السياسيين.
.
يشكل الإصلاحيون حاليًا جبهة (2خرداد) و هي تكتل سياسي ينضوي تحته العديد من التكتلات الأخرى ذات الصبغة الإسلامية أو الليبرالية من يؤمن بالنظام الإسلامي و من لا يراه بتاتًا، و على الطرف الآخر يشكل المحافظون تباينًا فيما بينهم أيضًا فهناك من يرى فيهم أن منصب ولاية الفقيه (المرشد) لا يجب أن يكون بالإنتخاب عن طريق مجلس الخبراء كما هو حاصل الآن بل يذهبون إلى أن جميع المناصب القيادية في الدولة يجب أن تكون بالتعيين من قِبله،فالفقيه أعلى سلطة في الدولة.
ما بين هؤلاء و هؤلاء تحدث التجاذبات السياسية على الساحة الإيرانية،و تظهر بأبهى صورها في الإنتخابات البرلمانية و الرئاسية.
.
الدستور الإيراني يصرّح بأنه لا يجوز للرئيس الترشح لثلاث دورات رئاسية متواصلة، بمعنى أن التغيير لابد و أن يحدث بعد دورة أو دورتين بحد أقصى و بعده لا يجوز له أن يرشح نفسه إلا بعد دورة رئاسية يتولاها غيره، و هذا ما حدث مع الشيخ رفسنجاني الذي انتهت ولايته الثانية عام 1997 و لم يستطع ترشيح نفسه إلا في الإنتخابات ما قبل الماضية حين وصل إلى المرحلة الثانية لينهزم أمام خصمه الدكتور محمود أحمدي نجاد.
.
.رفسنجاني و نجاد
.
يُعتبر الشيخ رفسنجاني من أعمدة الثورة و رموزها في إيران ، و أدواره و تأثيره السياسي لا يخفى على كل مطلع، و لكن ما يتميز به رفسنجاني عن أقرانه في الثورة أنه ولد لعائلة غنية فهو أحد أبناء الطبقة الإرستقراطية و هذا ما أضفى على سلوكه "براغماتية" على عكس أقرانه الذين آثروا الإلتزام بمسطرة السياسة (الإسلامية)،و لهذا السبب لا يصنف رفسنجاني على أنه من المحافظين و لا من الإصلاحيين بل هو رجل بذاته، اصطدم مع جنرالات حرس الثورة أثناء حرب (الدفاع المقدس)* و أعاد اصطدامه في ولايته الرئاسية الأولى عندما طرح ضرورة التخلي عن شعار الموت لأمريكا، و مواقفه بهذا الخصوص كثيرة، فهو يمتلك منهج قائم على قياس المصالح بعكس المحافظين الذين يتميزون بالوضوح التام في سياستهم، هذه العوامل حفرت في وجدان الطبقات الفقيرة في إيران أن رفسنجاني ليس سوى وجه آخر للإصلاحيين الذين يضعون الفقراء في آخر اهتماماتهم، و بما أن خصمه نجاد ابن الحداد الفقير و الجندي البسيط و أستاذ الجامعة العصامي فلم يشكل فوزه أمرًا غريبًا في انتخاباتٍ صوتُ المستضعفين فيها هو الأقوى.
.
.المناظرات الرئاسية
.
في الإنتخابات الأخيرة حدث أمر جديد و هو المناظرات الرئاسية التي بثت مباشرة في التلفزيون الوطني بين المرشحين لمنصب الرئاسة، هذه المناظرات بإعتقادي لم ينجح فيها إلا نجاد ليثبت مجددًا أن خلف مظهره البسيط ثعلب سياسي ماكر جدًا تغلب على خصومه بضربات قليلة.
.
منذ افتراق الشيخ كروبي عن الإصلاحيين و تشكيله لحزب (اعتماد ملي) فإن شعبيته لم تعد كما كانت، أما الدكتور رضائي فهو أستاذ بالإقتصاد و لكنه رجل عسكري محسوب على المحافظين اليساريين إن صح التعبير و إن كان برنامجه الإنتخابي لا يختلف كثيرًا عن موسوي و كروبي.
.
أما مير حسين موسوي فهي الشخصية التي تعلق بها بشكل رئيسي ** من يعارض النظام من (داخل النظام) ، و هنا أعود لأول فقرة عن التحرك من داخل التيارين، جماهير الثورة و من قامت على أكتافهم لم تكن بالأساس جماهير المدن الكبيرة أو الطبقات المرفهة فيها إنما كانت طبقات الفقراء و المحرومين في القرى و الأرياف و الجبال و المدن الصغيرة، نجاح خاتمي لدورتين رئاسيتين و قبله رفسنجاني لمثلهم كان يعتمد على أصوات أولئك الذين لا يجدون حرجًا في معارضة النظام و يعارضونه من خلال إيصال أقطاب (المعارضة) قبال المحافظين و هؤلاء هم الطبقات العُليا من الطبقة المتوسطة و المرفهين و الأغنياء و النخب الثقافية، هؤلاء فيهم من يُعارض النظام و لكن تحت ستار تأييد شخص من النظام.
.
موسوي اعتمد في حملاته الإنتخابية على زوجته في التصريحات الصحافية و على خطب السيد محمد خاتمي في لقاءاته الجماهيرية و على مقالات عطاء الله مهاجراني و السيد محمد علي أبطحي و ماشاء الله شمس الواعظين و غيرهم من رموز 2خرداد، نادرًا ما كان يخطب أو يصرّح بلسانه هو، و هذا الشيء جعل من السهل على نجاد أن ينهيه في المناظرة الأولى، و ظهر عجز موسوي عن متابعة نجاد واضحًا فيها.
.
نجاد استطاع أن يصطاد بحجر واحد عدة عصافير، في هذه الإنتخابات ألقى هاشمي رفسنجاني ثقله كله خلف موسوي ، لذلك في أول مناظرة وصمه نجاد بأنه دمية في يد رفسنجاني ثم بدأ بانتقاد رفسنجاني و سياسته، بهذه الضربة الإستباقية ضمن نجاد "تحييد" رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام فهو أصبح خصمًا مباشرًا لنجاد كما كان في الإنتخابات الماضية و بالتالي لم يعد تدخل رفسنجاني بصفته الحالية مسموحًا بأي طريقة ضد نجاد لأنه سينطلق من باب الانتصار للذات على حقيقة الإنتصار لمبادئ الثورة و هذا هو سبب رسالة رفسنجاني التي وجهها للسيد الخامنئي.
هكذا استطاع نجاد أن يستفرد بالمرشحين الواحد تلو الآخر بعض أن فصلهم عن التأثير المضاد لـ(القوى الداعمة) لهم.
.
.نجاد و موسوي و الإصلاحيون
.
طوال المناظرات و الإنتخابات لم يستطع أحد المرشحين أن يطعن بذمة نجاد،فهو و وزراؤه كلهم قدموا ذممهم المالية، لذلك تركز الهجوم على وصف سياسته الخارجية بـ(الإهانة) لإيران على حد تعبير موسوي، بينما وصفها رضائي بأنها (عبثية) و لم يختلف عنهما كروبي، فالانتقادات كلها توجهت لسياسته على حساب شخصه، و هو ما استطاع نجاد أن يستفيد منه في توجيه اتهاماته لـ(مافيا الفساد) التي اتهمها بدعم خصومه و تعهد بالاستمرار في محاربتها كما فعل طوال فترة رئاسته الاولى، الفساد الذي اعترف السيد الخامنئي بوجوده في خطبته بالأمس، و تعهد بالاستمرار في محاربتها.
نقل نجاد ما يدور بين عموم الشعب في محلاتهم و نطق به أمام مرشحي الرئاسة هكذا نال زخمًا أضاف لرصيده الشعبي الكثير.
.
في أثناء استلام الإصلاحيين للرئاسة في عهد الرئيس خاتمي استطاع أن يجعل لإيران موضوع قبول مجددًا في الساحة الدولية، و لكن على الصعيد الداخلي شهدت إيران تراجعًا اقتصاديًا في الإستثمارات و توقفت التنمية الصناعية، و وصل السيد الخاتمي إلى إيقاف البرنامج النووي لمدة سنتين طمعًا بفتح قنوات جديدة مع الولايات المتحدة، و على الرغم من الحريات التي تم افساح المجال لها فقد فتحت محلات الأغاني في عهده و اختفت الشرطة الدينية من الشوارع و لكن هذا كله لم يشفع له أمام أنصاره و خيبتهم من نتائج الدورتين الرئاسيتين له.
.
لم تكن هناك برامج تناولت شؤون الفقراء أو رفع المستوى المعيشي كان الإهتمام الأكبر منصبًا على السياسة الخارجية و على الصراع (الإصلاحي – المحافظ) في إيران و ضاع الشعب في أتونها.

.
يـتـبـع إن شاء الله ..


- لماذا نجح نجاد ؟

- المظاهرات .. كيف أراها؟
و غيرها.
_____________________
* (حرب الدفاع المقدس) هو الإسم الرسمي للحرب العراقية - الإيرانية ، المستعمل في الجمهورية.
** لا أعمم هنا فالسيد حسين الموسوي يُعتبر من الذين أسهموا في صياغة (الجمهورية) كما هي الآن، و أحد الذين أحدثوا علامات فارقة بها، و كونه شخصية عامة يحتم أن ينجذب إليه المعارض و الموافق كلٌ بحسب مصلحته و رؤيته.

18 يونيو 2009

1: عن إيران أتحدث ..


في أثناء حرب المظاهرات في بيروت برزت جملة (صغـّر الزووم أد ما بدك ، و كبر الزووم أد ما بدك ) لأن كل طرف كان يشير إلى ضخامة جماهيره و كل إعلام يصور تلك الحشود من الزاوية التي يبرز بها هذا الإدعاء ، و لكن فاتهم أن الإعلام ينقل عبر كاميرا تعطي زاوية واحدة إما تضخم و إما تصغر بحسب طريقة إلتقاط الزاوية.

.
ما يحدث في إيران اليوم أعاد لذاكرتي هذه الجملة ، فحمّى المظاهرات و الإندفاع الأعمى في الوقوف مع طرف ضد آخر و تصوير هذه المظاهرات على أنها نهاية للثورة و نقل صورها لا يختلف كثيرًا عن ذلك المصور الذي يجعل زووم الكاميرا على بضعة أفراد متراصصين ليكتب تحتهم "مئات الآلاف يتظاهرون" ؛ الواقع الإيراني ليس في مناطق شمال طهران و لا في ميدان "ولي عصر" و لا في ساحة "آزادي" ، الواقع الإيراني موجود خارج تلك البقع في مدن الأرياف حيث يقبع معظم الشعب ، هناك يمكن أن يُفهم الذي يجري..

.
. إيران بعد الثورة

قبل الثورة الإسلامية كانت معظم القوى السياسية و الفكرية تشارك في مناهضة نظام الشاه ، النظام الدموي الشمولي الذي جابه في أقل من خمسين سنة أربع محاولات انقلاب (شعبية) نجح منها اثنتان الأولى انقلاب مصدق الذي أطاح به الـCIA و الثاني الثورة الإسلامية التي أتت بنظام الجمهورية الإسلامية بعد استفتاء سنة 1980.

.
هذه الثورة لم تنطلق من طهران أو من أصفهان بل انطلقت من قرى جنوب طهران المناطق المدقعة بالفقر (مسقط رأس نجاد)، و كانت شرارتها انطلقت من عبادان مدن تعد مقارنة بالحواضر في ذلك الزمن على هامش الدولة و بلا تأثير و لكن ما نتصوره عديم التأثير يكون هو عامل التغيير غالبًا.

.
حينما أتت الثورة لم يكن على الساحة من يملك مشروعًا و تصورًا لماهيّة الدولة سوى اثنين حزب توده (الشيوعي) و حزب الجمهورية (الإسلامي) و اضطر الباقون إلى المشاركة في مشروع أحد هذين الحزبين قبل أن ينتهي الحزب الشيوعي في إيران بعد سنة 80[1].

.
كان المثقفون و النخب الفكرية في إيران باستثناء القوميين و الشيوعيين ما بين تيارين رئيسين تيار حداثي ليبرالي/علماني و تيار ديني أصولي كان الاول يتزعمه الراحل المهندس مهدي بازرڰان إلى جانب أبو الحسن بني صدر و غيرهم و التيار الثاني كان زعماؤه الشهيد رجائي (ثاني رئيس للجمهورية) و الشهيد باهنر و غيرهم.

.
حين أتى وقت التطبيق انضوى هذين التيارين تحت مسمى الجمهورية لتشكيل جبهتين (روحانيون مبارز) التي تمثل الإصلاحيين في هذا الوقت و (روحانيت مبارز) و تمثل المحافظين في التسمية الجديدة ، تيّار الروحانيون و إن كان مؤمنًا بنظام الجمهورية و مقرًا لنظام ولاية الفقيه الذي يمثل إحدى نظريات الحكم الشيعية و طرحه الإمام الخميني رحمه الله كأسلوب حكم في كتابه (الحكومة الإسلامية) إلا أنهم كانوا يسعون إلى هامش أكبر من "الدولة المدنية" على حساب الدولة الدينية التي يطرحها المحافظون و إن كان فيه الآن من يعترض على أصل الحكومة الإسلامية برمتها و يدعو لدولة علمانية بحتة ، و أبرز مفكريهم هو الشهيد شريعتي[2] الذي خالف والده الشيخ محمد تقي شريعتي و أستاذه الشهيد مطهري في كثير من رؤاهم لدرجة أن الشهيد مطهري (كما في كتاب الإمامة –مثلاً-) يرد على بعض أفكاره بتلميح هو أشبه بالتصريح! إلى جانب خلافه الكبير مع الكثير من علماء الحوزة في قم المقدسة و غيرها و هو شيء اعترف به في رسالته التي بعثها قبيل اغتياله بل و وصل به الأمر للطلب من الشهيد مطهري أن يصوب بعض كتبه و لكنه اغتيل بعده بفترة زمنية يسيرة.

.
كان شريعتي و بازرڰان من محركي الثورة الكبار في إيران و رغم أن الثاني يُعد من رموز الليبراليين في عهد الشاه إلا أنه شارك بفعالية في حكومة الثورة قبل أن ينسحب من الساحة بعد أن انتهت فترة رئاسته للوزراء في عهد الحكومة الإنتقالية، و لكن أثرهم لازال باقيًا في إيران من خلال التيار الإصلاحي الذي يستلهم رؤاهم في معالجة القضايا و إن كان تيارهم مغلفًا بالغلاف الديني.
.
. إيران وقت الإنتخابات

مير حسين موسوي كان رئيس الوزراء في عهد رئاسة السيد علي الخامنئي مرشد الثورة الحالي أثناء الحرب العراقية –الإيرانية ، كان السيد الخامنئي من المحسوبين على "روحانيت مبارز" بينما كان موسوي من المحسوبين على تيار اليسار "روحانيون مبارز" إلا أن وجود الإمام الخميني رحمه الله في ذلك الوقت و ظروف الحرب لم تسمح لظهور الخلاف و التباين كما هو بصورته الحالية .

لا أعتقد أن هناك من يختلف على عقلية موسوي الاقتصادية التي أخرجت إيران من حرب استمرت لثمان سنوات دون أن تكون مدينة بدولار واحد لأي طرف كان، و لكن أعتقد بوجود الكثيرين الذين يجهلون "نكهته السياسية".

.
و هذا يؤيده بُعده عن الساحة و ضعف مناورته السياسية منذ انتهاء الحرب قبل عشرين سنة، الفضل الأكبر في ذلك الوقت سياسيًا كان يعود لرفسنجاني و السيد الخامنئي اللذان قادا العملية السياسية بأكملها على الرغم من تباين (الوجهتين) بينهما، لذلك عندما أتى الشيخ مهدي كروبي في الإنتخابات الماضيةو هو يرجوه أن يرشح نفسه رفض موسوي هذا الأمر فاضطر التيّار أن يرشح كروبي لتبرئة الذمة إن صح التعبير و يدعم رفسنجاني أحد رموز الثورة و رئيس سابق للجمهورية و صاحب ثقل يعادل ثقل المرشد معنويًا هناك إلا أن هزيمته أمام نجاد دقت جرس الإنذار على هبوط التيار الإصلاحي الذي توالى ليشهد في السنوات الأخيرة أسوء أعوامه بعد أن انحسر عدد ممثليه في البرلمان.

.
كانت المعركة الإنتخابية الأخيرة معركة كسر عظم بين تيارات و ليست بين شخوص في المقام الأول ، و أثبتت المناظرات التلفزيونية بين المرشحين أن نجاد استطاع أن يناور خصومه و يوجه لهم ضربات قاضية حولتهم من خانة الهجوم إلى خانة الدفاع المستميت ، كانت محاولة تحجيمه قائمة على قدم و ساق قبل بداية حملته الرسمية التي بدأت متأخرة (قبل الإنتخابات بأسبوعين) و كونه محسوبًا على المحافظين و أسقط أحد رموز الثورة في الإنتخابات الماضية فقد كان رأسه مطلوبًا عند النخب الإيرانية الذين أصبحوا اليوم تلقائيًا في التيار الإصلاحي (النخبوي) على عكس تيار المحافظين الذي يحظى بالقبول الشعبي أكثر.


يـتبــع إن شاء الله ..

ملاحظة : غدًا سُتقام صلاة الجمعة في طهران بإمامة السيد الخامنئي مرشد الثورة الإسلامية، من المتوقع أن تضع الخطبة الكثير من النقاط على الحروف ، لذلك سأؤجل الحلقة الثانية لما بعدها .


____________________________
[1] كانت الشرطة السرية (السافاك) في عهد الشاه تعتقل و تعذب و تعدم الكثيرين من المحسوبين على المعارضين لنظام الشاه،و أثناء اعتقال الشهيد السيد عبدالحسين دستغيب حُبس في زنزانة انفرادية مع أحد أعضاء حزب توده و كان شيوعيًا ملحدًا نكاية به!


[2] في الخطاب الأخير قبيل الإنتخابات لمير حسين موسوي كانت هناك صورة جدارية ضخمة لـ د. علي شريعتي شكلت إحدى الخلفيات لمير حسين !