10 مارس 2010

الذي فشلنا فيه


في مقابل الوطنية يقف الوطن، وبمدى قدرة الوطن على تمثيل المبادئ والقيم ونقلها لأبنائه، يتعاظم شعور الوطنية ويخرج من دائرة الشعارات إلى ساحة الأفعال، بغض النظر عن مدى صوابية هذه المبادئ والقيم. فالإنسان من حيث كونه مواطنًا يميل إلى أن يجعل تحركاته تعبيرًا عمّا يمثله هذا الوطن له، وكلما استطاع الوطن أن يخلق عند نفوس أبنائه الإيمان بأنه بما يمثلّه قادر على مواجهة التحديات استطاع أن يحرك الإمكانات ويشحذ الهمم عند أبنائه نحو العمل الجاد والمستمر، فيتحول شعور المواطنية إلى سلوك فعلي ظاهر متزامن مع الشعار، بدلاً من حبسه في قمقم الشعارات والأغاني والهتافات فقط.
.
هذا الشيء فطن إليه كل من أراد أن يقيم وطنًا بسواعد أبنائه. استطاع هتلر بإيمانه العميق بالنازية وطرحه لهذه الآيدلوجية أمام شعبه على أنها المخلّصة والموحدة لهم، أن يخرج أبناء ألمانيا من شعور التفرّد والتمزق إلى العمل الجمعي، فأضحى العمل لأجل ألمانيا هو الهدف عند الجميع، لا العمل لأجل المصلحة الشخصية. على هذا النسق استطاع الشيوعيون بناء دولهم، وهي وللمفارقة، قامت في أكبر الدول مساحة وشعبًا وتنوعًا إثنيًا وعقائديًا كما في الصين والإتحاد السوفييتي، كما استطاع «الآباء المؤسسون» في الولايات المتحدة أن يصنعوا وطنًا من لاشيء ويرجع الفضل بذلك إلى صياغتهم لهدف وهو «الحريّة»، وهذا الهدف جعلوا استمراره وتواجده مشروطًا بدوام الدولة الحامية له، التي أسسوها، فارتبط الوطن بقيمة إنسانية سامية، وأصبح العمل لأجل الوطن هو نفسه العمل لأجل هذه القيمة لضمانها لهم، ولأبنائهم، وللعالم أجمع، وبقاؤه ومنعته من بقاء هذه القيمة ومِنعتها.
.
من هذه الأهداف، تكتسب الوطنية صبغتها، وتمتلك المظهر الذي يعكس صورتها عند أبناء الوطن. بمعنى أنّ الوطنية تتحول إلى سلوك يحافظ، وفي نفس الوقت، يعبّر عن كيان الوطن الذي تنتسب إليه، فالهدف هو الذي يضمن، بحسب تعبير د.البيطار: أن لا يخسر الإنسان تطلعاته المستقبلية التي تعطي معنى للتاريخ الذي يعيشه. والسبب هو لأنه لكي يُمكن للشعب أن يواجه التحديات المستقبلية أمامه عليه أن يؤمن بهدف أكبر من أهدافه الشخصية، ومشاغله اليومية، لذلك يعتبر اليوم الوطني هو يوم إحياء لما يمثله هذا الوطن، ولما يريد التبشير به، باختصار شديد اليوم الوطني هو تبشير بالرسـالة التي تريد البلاد إرسالها لثقافات ودول العالم أجمع. وأسلوب الإحتفال به هو صيغة الخطاب الذي توجهه هذه البلاد للناس كافة.
.
وعلى قدر فراغ الرسالة، يكون فراغ التعبير عنها. فعندما يكتشف المواطن (أو ما يُطلق عليه كذلك) أنّ الرسالة التي يُطلب منه أن يؤمن بها، وأن الأمن والطمأنينة والرفاه الذي يتوقعه من الوطن، غير متوفران يشعر بالفراغ، فيرى نفسه، مجددًا بحسب ما ينقله د. نديم البيطار، «واقفًا في وسط من الفوضى الذي يقترن باضطراب خارجي في مجتمعه»[1]، هذا الفراغ يحدث عند أفراد المجتمع حين لا يتمكنون من اثبات معرفتهم بالأشياء، وهذه الأشياء يمكن القول هنا بأنها: الوطن، فلا يملكون رؤية مستقبلية تعطيهم تباشيرًا تجعل الإحساس بالأمن والديمومة متواجدًا عندهم، ولا يتمكنون من ايجاد الإجابة عن: ما هو هذا الوطن؟ وما هو تأثيره، ودوره؟ وما هي رسالة شعبه للعالم، والإنسانية؟
.
وتنعكس عدم القدرة على اجابة هذه الأسئلة بآثار نفسية وأخلاقية سيئة، ويبدو أثرها واضحًا فيما جرى قبل أسابيع قليلة.
سنة بعد سنة، بدء الإحتفال بالعيد الوطني ويوم التحرير يتحول إلى مناسبة تعبّر بوضوح عمّا يشكلانه في وجدان الشعب، حيث لم تعد هناك قناعة داخلية بوجود رسالة، وهدف، ولم تعد هناك رؤية لمستقبل هذا الوطن، لا يوجد شيء ما يعطي أملاً، ولو زائفًا، بأن ما هو قادم سيكون أفضل حالاً، وأنّ هذا (الأفضل) مرهون بمدى جديّة العمل لأجله. بل تحولا إلى مناسبة تعطي الذريعة لأن يتحول البشر فيها إلى كتلة تمارس همجيتها بأبلغ صورها.
.
لقد كانت رسالتنا هذه السنة، إحدى عشر قتيلاً[2]، وكان التعبير عنها بفوضى أخلاقية، وسلوكية، وقانونية.

أنا لا أستطيع لوم المشاركين بها، لأن الفرد المنخرط بمثل هذه الجموع يقترب كثيرًا من الكائنات البدائية التي تتصرف وفق غريزة (الخوف) من الوحدة فتلجأ إلى البحث عن تكوين علاقات مع أفراد آخرين تحاول باجتماعها معهم الوصول إلى الإحساس بأنها لم تعد وحيدة، حتى ولو كان ذلك على حساب إنسانيتها، فالخوف من «اللا إنسانية» أقل من الخوف من العزلة. ما حدث، قابلٌ لمزيد من التطور في السنوات القادمة، لأن العبثية التي يتم ممارستها هي نوع من أنواع التعبير عن انعدام الوعي، والخواء، وعدم الشعور بالطمأنينة. ولا يفقد الإنسان وعيه إلا إذا أراد الهروب من الواقع المر الذي يعيشه، الواقع الذي بدلاً من الإشارة إليه ومعالجته نندفع إلى فرض المزيد من القوانين والمطالبة باستعمال القوة لمنع هذه المظاهر، فكأننا نعالج ثمرة الشجرة المريضة لا جذورها.
.
المشكلة هي أننا لا نملك رسالة، ولا قناعات، ولا إيمان بالوطن، أو إيمان بأننا نشكل شيئًا مفيدًا لا عبئًا على العالم، ولم ننجح في أن نربط هذا الوطن بقيم يعبّر –بوجوده- عنها، وهذا هو الفشل الذريع، أننا إلى اليوم لم ننجح في زرع الثقة بدوام الوطن، أو نوجد التطلع عند أبنائه نحو المستقبل المشرق.
ما حدث كان ولا زال رسالة للآخرين، ولنا، بأننا فشلنا في تحقيق الدافع للعمل على تحقيق ما نريده لمستقبلنا، وفضلنا الجلوس على مقاعدنا حتى تحولت الطاقات المكبوتة عندنا إلى حالات مَرَضية.

لقد تحول مفهوم الوطن إلى شيء شبيه بالـ«مضارب» التي ننتظر أن ينتهي الماء والكلأ فيها حتى نرحل عنها.

_________________
[1] الحزب الثوري، ص144.
[2] انظر:
جريدة الرؤية.

4 مارس 2010

من هو النبي؟ وما الذي حققه؟



يمثل اليوم انقلابًا في تاريخ البشرية، حيث أصبح رمزًا، وذكرى لحدث هزّ الإنسانية على صعيد المعرفة، والحضارة، والأهم من ذلك على صعيد فهم الإنسان لذاته، والغاية من وجوده.


اليوم هو ذكرى ولادة خاتم الأنبياء، وسيد الرسل، محمد صلى الله عليه وآله.


كان يدور في ذهني موضوع عن قاعدة فلسفية جميلة، تقدم إجابات كثيرة عن هذه الشخصية العظيمة، ولكن قلة الوقت، وإزدحام الأعمال سلبا كل الإمكانيات للكتابة، وهو شيء على قدر الإحباط الذي أوجده في نفسي، أسعدني في أن أستخلص كلمات مقتضبة تتناول شيئًا مما يتعلق بصاحب هذه المناسبة صلى الله عليه وآله وسلم، أراها تمس، وإن كان بشكل غير معمق، قضية مصيرية يتفاعل معها كل شخص.


تكون الكتابات تارة عميقة، مدعمة بالشواهد والأدلة، فتنعدم معها كل الحاجة لاعمال العقل البشري في البحث والتنقيب، والتساؤل، وتارة أخرى تكون بسيطة، ولشدة بساطتها تشكل وخزات تحفز الذهن لأن ينطلق في البحث والتدبر حتى يقف على الحقيقة، وهذا هو المرجو، ويخيّل إليّ أن هذه الكلمات منها.


قد تختلف المناسبة التي قيلت بسببها هذه الكلمات، مع المناسبة الآن، ولكن كما يقول الأصوليون (ملاكهما) واحد، أي أنهما يدوران حول نفس المحور.


أسعد الله أيامكم بمولد النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.


ويتزامن معه، مولد حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.


وبهذه المناسبة، أهديكم هذا المقتطف البسيط:


اضغط هنا للحصول عليه

23 فبراير 2010

الجلسة الثانية: نهاية الاستجواب

ما هو الطول وما هو العرض؟
حين نرى مجسمًا للكرة الأرضية، نشاهد خطوطًا طولية وأخرى عرضية تغطي جميع المناطق، بحيث لو أردنا الوصول لمنطقة ما فإن مطابقة رقم خط الطول مع رقم خط العرض سيوصلنا لها. الطول والعرض اللذان أتحدث عنهما هنا، مشتركان في اللفظ ومتشابهان في العمل الذي هو الوصول إلى الغاية، لكن يختلفان بالمعنى.
.
فما معناهما إذًا؟
يحمل العرفانيون معنى (العرض) على المعيّة، ومعنى (الطول) على التقدم[1]، وإذا أضفنا الصفة اللاحقة لكل منهما سيصبح معنى (الطول الغيبي) بأنه الإمداد، أو التأييد، أو المشيئة الإلهية، ومعنى (العرض المادي) بأنه كل ما يختص بأفعال، وسلوكيات، وأعمال، ودوافع الإنسان وبواعثه.
.
هلاّ فصّلت في العرض المادي؟
برأيي، العرض المادي هو كل المجهود الذي ينبثق من الإنسان في سبيل الوصول، أو تحقيق، غاية ما، بما في ذلك متعلقات هذا الوصول كرغباته، أمنياته، طبائعه، صفاته، ولأنها ترتبط به جميعها، فهي محمولة (مع بعضها البعض) ضمن ما يشكل ماديته، أي وجوده المحسوس، ولذا أطلق على العرض بأنه المعية، أي ما يحمل معه جميع ما يشكل الوجود المادي للإنسان.
.
وما هو الطول الغيبي؟
تكاد تتفق جميع الفلسفات الروحانية والأخلاقية والدينية، طبعًا باستثناء الحسية والتجريبية، على أنّ هذا العالم تشكل جميع الموجودات فيه نظامًا متلائمًا ومتسلسلاً، بحيث لو تأثرت احدى قطع هذه السلسلة، فإن الإختلال سيكون من نصيب العالم ككل، ومنها انبثقت نظرية تأثير الفراشة[2].
هذا التناغم في العالم، يدفع إلى الإيمان بمفهوم الغيب، ما سمّاه كانط بـ«الخطة السرية» التي تقود البشرية رغمًا عنها، ولأنه يعني التقدم فهو يأتي بمعنى الإمداد، أو المشيئة الإلهية في تتويج الفعل المادي لتحقيق ما يصبو إليه لحكمة ما، ومقتضى هذه الحكمة وإن كان يظهر بأنه داعم لـ اللا أخلاقيات، إلا أنه يقود في النهاية لنتيجة أخرى.
.
كيف ذلك؟
في رؤيته للتاريخ، يرى كانط، أن «الطبيعة» قد وضعت قابليّات معينة في البشر وضمنت تحقيق تلك القابليات عن طريق تلك الميول التي يراها بالمجمل تنافسية لا اجتماعية، ولا اخلاقية[3].
.
وما الهدف من ذلك؟
الهدف من ذلك، كما يراه، هو منع الجمود عن المجتمع البشري من خلال الصراع، الذي يؤدي بدوره إلى تحقيق المسيرة التاريخية في تطور البشرية حتى الوصول إلى العالم الأخلاقي التام.
.
هل من مزيد من التفصيل؟
يمكن أن يُقال، بكلمات أخرى، أنّ الإنسان الخيّر بكل كيانه المادي، والشرير بكيانه المادي يلعبان دورًا مهمًا في التنافس والصراع[4]، لنصل إلى نتيجة محققة وهي أن الخير دائمًا ينتصر، وإذا استمرت مسيرة البشرية في تأكيد هذه الحقيقة فإن المساوئ تقل حقبة بعد أخرى، حتى نصل إلى العالم المثالي، العالم الموعود في «نهاية الزمان». فوجود الخير مساوق لوجود الشر وذلك لتأكيد حقيقة أن معرفتنا بالشر تؤدي بالضرورة إلى المعرفة بالخير.
.
وهل هذا يبرر وصول من تصفهم باللصوص إلى مثل هذه المراتب؟
عِبر التاريخ كثيرة، وأكثر من أن تحصى في بيان مصير الطغاة، وموقف البشرية منهم، وأن كل ما يحوزونه يتحول في النهاية إلى لعنات تلاحقهم تجبر البشرية على تفادي وجودهم مستقبلاً.
هؤلاء، اللصوص أو ما شئت فسمّهم، يعتقدون أنهم يسيرون بمقتضى خطة وضعوها، بينما هم الحقيقة كما في التراث الهندوسي: دمى تحركها «الطبيعة» لتحقيق خطة وضعتها.
.
هل لك أن تلخص بعد هذا، علاقة الطول الغيبي بالعرض المادي؟
باختصار مخلٍّ أستطيع القول: أن الطول الغيبي والعرض المادي مثل خطوط الطول والعرض على الخرائط، متى ما إلتقيا في نقطة أعطانا إحداثيات، استطعنا الإستدلال للنقطة من خلالها وإيجادها، إنما الهدف هنا ليس «مكانًا» بل «قيمة بشرية» مما يضفي عمقًا إضافيًا هو:الغاية.
بمعنى أن من له قابلية أن يشكل «قيمة لا أخلاقية» بأفعاله يتم إمداده ليستمر في طغيانه ليشكل طرفًا مضادًا لمن يمثل «القيمة الأخلاقية». فالوجود الشرير إلتقى فيه الخطان فأوجداه، والوجود الخيّر نفس الأمر، إنما الغاية من كل منهما تختلف، فالطول والعرض العاديين يبحثان في جماد، والغيبي والمادي متعلقان بكائن حيّ.
.
وما هو محل الحظ في هذا الأمر؟
حين قال تعالى «وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم» فإحدى التوجيهات هي أن الله سبحانه وتعالى أعطى لصاحبه خير الدنيا، واستغله صاحبه للحصول على خير الآخرة فكان مثالاً خيّرًا، وهذا هو المحظوظ. بينما خسر الآخر ذلك، وأضحى مثالاً للخسة والدناءة بسبب ضعف مطلوبيته، وسوء قرارته.
فالحظ ليس مخلوقًا خرافيًا يعمل بلا أسباب، إنما هو «تمامية الأسباب».
.
هل لك أن توضح؟
حين ذكرت الحديث سابقًا عن جنود العقل والجهل[5] أردت أن أُوصل نقطة مهمة، وهي أن التخلص من جنود الجهل يؤدي إلى «الدرجات العُليا» التي خلدت الأنبياء والأوصياء، بينما التمسك بها يؤدي إلى النزول في دركات السوء، ومن يعتقد أنه بممارساته الدنيئة، وتمريره ذلك تحت غطاء من الشعارات البراقة هو فوز فهو قطعًا مخطئ.
.
عفوًا، ولكن بماذا تفسر نجاحه في الحصول على ما فشل به الآخرون الخيّرون؟
أفسره بأنه لم يستوعب أن نجاحه لا يعود إلى ما قام به فقط بل يعود إلى أنه يؤدي دورًا لا يشعر به، فهو قطعة شطرنج بحماقته يشكل جزءًا من سجل البشرية المملوء بالحماقات التي تدفع في النهاية إلى البحث عن النظام الأمثل الذي يمنع أمثال هؤلاء من الاستمرار في طغيانهم.
إن النجاح الحقيقي، والتوفيق الواقعي هو الذي يجعل صاحبه علامة فارقة، وكلما تمسك بجنود العقل وصل لها من باب «عبدي أطعني تكن مثلي..»
.
وما علاقة آية «إنك لن تخرق الأرض ..» بالموضوع؟
علاقتها غاية في الأهمية، فهي توضح أن الإنسان بذاته ضعيف جدًا وليس باستطاعته تحقيق شيء دون الطول الغيبي، وهو له طريقين: الأول، أن تكون خيّرًا في الحقيقة، والثاني، أن تكون سيئًا .. وكما أثبتها سجل البشر فإن العاقبة للمتقين.

.....

كلمة أخيرة:
عدة سنوات الآن، وأنا أطلع على كلمات وآراء وأقوال الكثير من الفلاسفة والعلماء ومعظم نظرياتهم كما هي آراء كانط أعلاه، أرى لها وجودًا واضحًا في الروايات والحقائق القرآنية، وقد توصلت ببحث قاصر وبجهد ضعيف متواضع إلى الكثير من التطابقات التي تثبت عظم بضاعة ما لقيت، وضعف بضاعة أولئك، ولكن يحز في نفسي أن أرى التعظيم لآراء كانط، وحين اذكر رواية للإمام الصادق عليه السلام أعمق منها فكرًا وأفضل قولاً تتقاذفني أمواج الإتهامات!
فتأمل رعاك الله، بهذه المفارقة، وفي النفس أكثر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!


________________
[1] من الخلق إلى الحق، ص68.
[2] Butterfly effect لـ Philip Merilees
[3] أوراق في علم التأريخ، ص126.
[4] «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ»قرآن كريم
[5] راجع: إنك لن تخرق الأرض.

17 فبراير 2010

الجلسة الأولى: بداية الاستجواب

حين تكتب في مدونة، فانت لا تكتب كتابًا، بل مقالة، وفي بيئة ترى القراءة 'مضيعة' للوقت أكثر من مشاهدة مسلسل أو فيلم سينمائي فهذا يعني أن طول المقالة يتناسب طرديًا مع ضعف قراءتها فتكون الأفكار هي الضحية لانها تكبس كبسًا حتى لا يبقى منها سوى الرائحة فيما هو مكتوب.
.
تعقيبين لم يُنشرا هنا، مع بعض أشباههما جعلاني أتوقف قليلاً لأقرأ ما كتبته حتى أستوعب وجهات النظر تلك، بتأملي توصلت لنتيجة مطابقة لما ذكره أحد المعقبين في هذه المدونة مرة بأن لكل شخص زاويته التي يقرأ منها، وبحسب تغير الزاوية يتغير الفهم! البساطة أحيانًا توازي العمق، وهذا هو تصنيفي لهذه العبارة.
.
أفكارٌ كثيرة أدرجتها، أو حاولت إيصالها في الموضوع السابق* ولكن كما يظهر أن جهودي فشلت في التعبير عنها بتمامها، فصارت عرجاء تمشي على رجلٍ واحدة، وهذا التشبيه البلاغي يعني أنها أصبحت تبرز فكرة واحدة 'فقـط' لكل قارئ، لذلك قررت أن أعيد صياغة الموضوع على هيئة سؤال وجواب، أختصر فيه الكثير، وأتجنب التوسع قدر ما أستطيع. وعذري في ذلك أن المقالة السابقة كانت مدرجة للنشر آليًا، ولم أراجعها جيدًا، وأنّ ثقتي –التي تمسي في بعض الأحيان نصلاً بلا مقبض في يدي– قد خانتني في إيضاح قولي وعلّة هذا أنه في تلك اللحظات، كنت خارج الكويت، فلم أتمكن من الإستدراك عليها وتوضيحها.
******




هل مصير الإنسان، متعلق به؟
بلاشك، أنه وحده الذي يقرر الوجهة التي يعتبرها مدرجًا يهبط بواسطته على الأرض التي يريدها.شدة وضوح هذه الحقيقة البديهية قد تجعلنا أحيانًا نقع في فخ عدم إدراك الأسباب المؤثرة بدقة في التحكم بدفة حياتنا. الأسباب التي تقبع في زوايا غير ظاهرة من الشعارات التي تقول أننا بفضل جدنا واجتهادنا أو سهرنا الليالي سنحقق المستحيل.
.
وهل تنكر أن هذه المقولات، برهنت عليها تجارب الحياة؟
التجربة تقدم دليلاً، ولكن البرهان بحاجة لمصداق، والمعنى أن التجربة تعطينا اجزاءً غير مركبة تشكل أدلةً والبرهان يحتاج وقائع ثابتة يصح أن نعتبرها رابطًا صحيحًا لهذه الأجزاء حتى ترتبط مشكلة برهانًا غير قابل للنقض. لقد برهنت تجارب الحياة أن كثرة هطول الأمطار لا تحول الأراضي الواسعة إلى مزارع قمح!
وحدهم الذين يبيعون الوهم، هم الذين يخدعون الآخرين بأن المطر كفيل بتحويل أي أرض إلى جنة زراعية، مثلهم كمثل اللص الذي يخبئ سرقاته تحت ستار مواضبته وجده واجتهاده في عمله.
.
لماذا يختبئ اللصوص خلف شعارات الجد والإجتهاد؟
« لأن مجتمعنا لا يحترم من يعترف بالحقيقة ، و يعشق من يغلف نفسه بالأكاذيب ، و يُحب أن يحكم على الناس بالمظهر و يرفض أن يُصدق الحقيقة إذا خالفت حكمه!»[1].
.
لمَ ينتحل هؤلاء قصص الكفاح والنضال والاجتهاد؟
الإنسان المملوء بالنواقص لا يحب أن يستمع لمن يشير إليها، لذلك يفضل المدح على الذم و إن كان كذبًا لأنه يمثله بصورة الكمال، البعيدة عن نواقصه وسوء طباعه وأفعاله.
.
ما هو مبرر قبول عامة المجتمع لهذه القصص، رغم إدراكهم بأن معظمها غير حقيقي؟
العامة – خصوصًا عندنا – يستعيرون قيمهم وأمثالهم من «النخبة» ولا يضعون قيمًا خاصة بهم.
وهؤلاء – أي النخبة - لا يحترمون الحقيقة ومن ثمّ الصراحة، لأن الحقيقة دائما مؤلمة و لا تلبي تطلعات العوام.
.
لماذا لا تلبي الحقيقة تطلعات العوام؟
الإعتراف بالحقيقة يعني الإقرار بالسرقة، والإحتيال والنصب، وهو ما يعني 'إنهيار المُثل الأخلاقية' في المجتمع، فهم ينكرونها حفظًا -بزعمهم- للمجتمع من الإنهيار.
.
ما علاقة انهيار المُثل الأخلاقية في الاعتراف بالحقيقة؟
المقياس في مجتمعنا أصبح يعتمد معيار الثراء لتقييم الناس.فارتفاع الرصيد البنكي يتناسب طرديًا مع مكانتهم.
وكلما ارتفعت مكانة طبقة ما في المجتمع وأمست من النخبة، كلما أصبحت هي القدوة أو المثال الأعلى لعامة أبناء هذا المجتمع، فإذا كان هؤلاء يقرّون بأنهم سارقون ومحتالون فهذا يعني أنّ ما يتطلع له أبناء المجتمع هي أمثلة على «اللا أخلاقيات» وبالتالي تسقط كل شعارات الجد والإجتهاد والحث على العمل والإلتزام بالقانون، وغيرها. فمن يمنون أنفسهم بالوصول لمستواهم بإلتزامهم بهذه الأشياء، لا يعترفون بها! وإذا سقطت المثل الاخلاقية انهار المجتمع، فالقطيع دائمًا يتبع الخروف الأغبى!
.
الناس يلتزمون بكل هذه الأشياء التي ذكرتها ثم لا يَصِلون لما وصل له هؤلاء، لمَ؟
إنهم حين ينكرون حقيقة هؤلاء، ويعتقدون أن الإدعاء بأن كل شيء على ما يرام كفيل بحل أي مشكلة، تبرز أمامهم إشكالية، وهي انهم يجدون أنفسهم في نفس الخانة في حين ما زال هؤلاء يتقدمون. خشيتهم من الإعتراف بأن الخلل منهم تجعلهم يلجؤون إلى إيقاع ذلك كله برأس ما يسمونه بـ(الحظ).
.
هل معنى هذا أنك لا تعتقد بوجود الحظ؟
أؤمن يقينيًا بالحظ «وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم». ولكن أكفر بما يسمونه حظًا.
.
ما الفرق بين ما تعتقده، وما يسمونه؟
سألوا أحدهم: ما هي وحدة الوجود؟ فقال: إن الله وحده الموجود! وقال آخر: إن الله سبحانه، تتجلى وحدانيته في كل شيء. إنّ المصطلح الواحد قد يكون له أكثر من معنى، تصل في بعض الأحيان إلى درجة أنها تنقض بعضها بعضًا.
لا تقع المشكلة في المصطلح، بقدر ما تقع في المفهوم.
هم يعرفون الحظ على أنه عامل يُسعد أناس، أو يُشقي آخرين اعتباطيًا، بلا مقدمات، وحدها الصدفة التي تقف بصف فلان، وتعادي فلان، وعليها نعلّق كل خيباتنا، وتقصيرنا، وسوء تقييمنا وأحكامنا.
الحظ «هو النصيب من السعادة و البخت»[2]..«وحقيقة الأمر أن مضي الإرادة والظفر بالمراد في نشأة المادة، إلى أسباب طبيعية وأخرى روحية، والإنسان إذا أراد الورود في أمر يهمه وهيّأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج إليه، لم يحل بينه وبين ما يبتغيه إلا اختلال الأسباب الروحية..»[3].
من بين هذين السببين يتوّلد معنى الطول الغيبي والعرض المادي.
.

وللحديث – إن شاء الله – بقية.

.
______________


* انظر: إنك لن تخرق الأرض
[1] راجع:
المفيد من وحي سفيد
[2] الميزان، ج20، ص80.
[3] الميزان، ج4، ص 67.