18 يونيو 2010

شيء عن ومن الذكريات


لا نمتلك لحظة الذكريات، بل تملكنا. لا نستطيع أن نجبر أنفسنا على عدم التذكر حين نمر في مكان كتبت فيه بعض سطور حياتنا. كما تمر على بستان في الخريف فتشم آثار الربيع فيه، كذلك هي تلك الأماكن التي تعيد نشوة زمن مضى، أو أحزانه. لا تملك المشاعر عقلاً تجعلها تعيد تصوير المشاهد كما تريد، لكنها تملك قوة لأن تدس بعض هذه المشاهد في زوايا ضيقة من الذاكرة بحيث لا نستطيع أن نستعيدها إلا بأن نمر في نفس تلك اللحظات مجددًا. كحبات الرمل الناعمة، ينزلق الزمن من بين أصابعنا فلا تبقى إلا خشونته كذلك هو يرسم علاماته، أو يضعها ولا نملك أمامها إلا التسليم، والإذعان.

.

كل البشر يخوضون يوميًا مئات الحروب 'الدونكيشوتية' ليحاربوا طواحين الذكريات، لعلهم يتخلصون من هذه الأحمال التي أثقلت ظهورهم، لكنهم لا يعلمون أن الذكريات لا نعيش معها فقط، بل تعيش فينا، وإذا استطعنا أن نخاصم أنفسنا استطعنا أن نتخلص منها، وحده الموت هو الذي يرسم حدود الهدنة ما بيننا وبين ذكرياتنا. يعتقد الكثيرون أنّه بإمكاننا أن نهزم ذكرياتنا، وإذا فشلوا بذلك آمنوا بأنهم مهزومون، تمثل هذه قمة الأوقات العصيبة عند الإنسان، حرب تخوضها نفسه بالإنابة عن نفسها. ليست كل الحروب قابلة لتحقيق النصر فيها، ثمة حروب يجب أن تخوضها، لمجرد خوضها. «رغم أنني مررت بكل ما أنا فيه الأن، غير أني لستُ نادمًا على أية صعوبات قابلتها، لأنها هي التي جلبتني إلى هذا المكان الذي أردت أن أصله. والآن كل ما أملكه هو هذا السيف، وأنا أعطيه لكل من يرغب مواصلة رحلته. إنني أحمل معي علامات المعركة وندوبها، إنها الشواهد لما عانيت، والمكافآت على ما فتحت».

.

الماضي ليس وقتًا كميًا، ليس ساعاتٍ، أو سنوات، أو أيام. الماضي هو صندوق تدخله من طرفٍ، لتخرج من الطرف الآخر له وأنت معجون بآلاف التأثيرات التي تعطيك الإجابة عمّن أنت؟ .. "من أنا؟ فأنا أنتظر الأكثر جدارة، وأنا لست جديرًا حتى أن أموت من أجله."، بعضنا يعيش هذه الحالة، ينتظر تلاشي الذكريات، وبعضنا يعيد إحيائها في كل لحظة لأنه لم يستطع أن يوجد ما هو أحسن منها، في كل الأحوال تبقى مندسة لتقفز في اللحظة المناسبة، في الوقت الذي يغلب فيه الظن بأنها اختفت وأن الإنتصار على بروزها الدائم قد تم، فالعيش معها هو إنهزامية تضفي الخجل، خجل من الحنين الدائم للماضي، أو من الهروب المتسرع إلى المستقبل.

.

«عليك أن تصبح طفلاً كي لا يزعجك الخجل» هكذا قال الحكيم ذات مرة. الطفولة لا تعود، ولكن الرغبة بها تعود، الطفل لا يعرف المجاملة، ولا الخجل فهو صريح إلى أقصى درجة، ولهذا يحنّ كل إنسان إلى طفولته، إلى تلك البراءة والمباشرة التي افتقدها، إلى عدم الخجل مما يريد، وما يرغب، وما يبحث عنه. لا أعلم ما حدث، لكني أعلم أن تلك اللحظة جرتني إلى الطفولة، لم تعد إليّ مجرد ذكريات حسبتها طويت، بل أحيتها فيّ للحظات.

.

لكل يوم من أيام الأسبوع، طعم وشعور، يوم خفيف وآخر ثقيل، لم يكن الناس يستسيغون الجمعة فهو أثقل أيام الأسبوع، ولكن هل رأيتم يومًا بدايته ثقيلة ونهايته خفيفة؟ على غير العادة، كان الجمعة كذلك عندي. يبدء يومًا ثقيلاً فصباحه آخر صباح في العطلة، وينتهي خفيفًا، يحكى أنّ أحدهم سأل آينشتاين مرة عن النسبية، فكان جوابه: إن الساعة التي تقضيها مع إمراة قبيحة تشعر بها كالدهر، والساعة التي تقضيها مع إمرأة جميلة تمر كدقيقة. ربما، يقدم هذا المثال اجابة سؤال: لماذا ينتهي ذلك اليوم خفيفًا؟ لا زلت أذكر أنني سمعت باسم «محمد بن الحنفية» لأول مرة في ذلك اليوم، ولعل ذلك يرجع لأنها الجملة العربية الوحيدة التي فهمتها، بالنسبة لطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، ليس من اليسير عليه أن يلتقط جملة مفيدة من محاضرة طويلة بلغة غريبة عليه حينها.

.

كان إمام المسجد رحمه الله- شيخًا مسنًا، منبره على يسار المحراب، عدة درجات في نهايتها مقعد صغير من الخشب القديم المغطى بقطعة من القماش الأسود، بينما ظل المحراب أبيض اللون كلون الحيطان التي امتزجت بلون السجادة الخضراء التي بدت وكأن خيوطها قد ألقت بظلالها على الحوائط. الباب من الحديد المصنوع يدويًا عند أحد الحدادين، بعد الدخول منه ستصادفك على اليمين دورات المياه، وخارجها محلات الوضوء، وبظهر المتوضي تبقى إحدى أجمل المكتبات التي ارتبطتُ بها، كانت مساحتها صغيرة لدرجة أن متوليها بالكاد يكفيه المكان داخلها ولكني كنت أراها عظيمة. يُقال بأن أعيننا لا يتغير حجمها منذ الولادة، وهذا صحيح، فإن الأشياء هي التي تكبر وتصغر بقدر تأثيرها، وتأثرنا بها.

.

مغرب كل يوم جمعة هو الموعد الحقيقي لابتدائه، كانت الصلاة بهذا المسجد الصغير المختبئ وسط الشجيرات طقس لا يكتمل هذا اليوم دونه، وثاني الطقوس كنت أحضره متفرجًا لا أفهم معظم الحديث الذي يدور بين الرجال، كل ما أتذكره هو أنه بكل أسبوع كان «خالد خلف» المحامي يلفت ناحيتي قائلاً: "كله من يدّك! قص على أبوي وخلاه يتزوج هندية معاه" ثم يضحك وهو ممسك بسيجاره الكوبي خلف مكتبه، المكتب الذي يقع تحته واحد من أشهر مطاعم الكويت .. (نــوارة)!

.

لا أظنها صدفة أبدًا، أن أقف بالأمس على أطلال ذلك المسجد الصغير في شرق، الذي كان ينتهي مساء كل جمعة بنظرة لمأذنته الصغيرة وهي تتوارى من بعيد خلف الأشجار، بعد أن كان يبتدئ بالصلاة خلف إمامه المسن، وبين مقابلتي اليوم لمؤذن المسجد. أعادت رؤيته لذاكرتي عشرات الأوجه التي جرفتها الدنيا ولم اعد أراها، أو أضحت ضيفة تحت التراب، يبدو الخجل في أعلى درجاته الآن لأني وقفت حائرًا والذكريات تهاجمني من كل ناحية وأجد نفسي عاجزًا عن البوح بها كلها، ليس أسوء من الحديث سوى عدم القدرة عليه! كثيرة هي الأثقال التي تكبل الألسن وتسلب منا سرعة البديهة في الرد أو اتخاذ الموقف، ويهونها أنها أثقال مؤقتة إلا في مثل هذه المواقف حيث تعجز حروف اللغة الثمانية والعشرون عن تكوين كلمات تعبّر عمًا يجيش في الصدر، فنقف صامتين، ومتأملين، نتحسر على زمن الطفولة!

.

لست أدري ما الذي دفعني لأن أقود سيارتي إلى هناك مجددًا، لأقف على أطلال المسجد، ربما الشوق إلى تلك الأيام، أو الحنين إلى شعور الدفء الذي كانت تضفيه جدرانه على المصلين، أو الرغبة بالانعزال والهروب من البشر إلى الخالق عز وجل، أو لعلها الرغبة الجامحة في العودة إلى لحظات كان يجمع فيها المسجد أرواحًا ليست بيننا اليوم، وأفتقدها.

حاولت أن ألملم شتات ما بقي مندسًا بذاكرتي عن تلك الأيام، في بعض الصور، لعلها تعيد إحياء بعضًا من لحظاتي المندسة في جوانب الذاكرة.

غريب هو، كيف أنه بهدم شيء، تبنى صروح الذكريات، وكأنه درس من الحياة يعلمنا أنّ «هناك لحظات على المرء فيها أن يتصرف، ولحظات أخرى عليه فيها أن يتقبل».

.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بين الأقواس مقتبس من:

فارس النور، كويلو.

هكذا تكلم زرادشت، نيتشه.

27 مايو 2010

التكرار يعلم .. الحكمة!

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش .. ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
زهير بن أبي سلمى
.

احتاج زهير لثمانين سنة حتى يشعر بالملل من كل شيء بعد أن ملّ رؤية نفس الأمور تحدث مرارًا وتكرارًا. يُقال بأن ينابيع الحكمة تتفجر بعد الأربعين، لذلك سمي النابغة الذبياني بالنابغة فشعره الشهير بالإعتذاريات ظهر للناس بعد الأربعين من عمره! على هذا، يكون زهير قد عاش أربعين سنة من الحكمة ليكتشف في نهايتها أن الحياة مجرد (تكاليف) تارة تعيد نفسها مثلما هي كما يذهب لذلك بعض المهتمين بالتاريخ، وبعضهم مثل 'هيغل' كان يقول بأن التاريخ حلزوني الحدوث لا دائري، يعني أنّ الأحداث في التاريخ تملك تشابهًا لا بأس به ولكن ظروفها وحيثياتها مختلفة، فتكرارها في ظروفها غير متطابق، وإن كان كذلك في نتائجه، في إشارة إلى كون التاريخ لا يعيد (ذاته)، وهي كلها ترى التاريخ كأحداث، ولا تراها كزمان.
.
الإنفجار الذي أحدثه آينشتاين في هذه المفاهيم حين أتى بنظرية «الزمكان» دمر اعتقاد الإنسان بأنّ الزمن مفهوم كمي، أي أننا –وإلى اليوم- نفهم الزمان على أنه ليس أكثر من 24 ساعة تنتهي الساعة فيها بمجرد انقضائها، وأن الزمان له وجود منفصل لا علاقة له بالمكان. بينما قال هو بأن الزمان بعدٌ رابع يضاف إلى الأبعاد الثلاثة التي نعرفها إنما الزمان هنا كبُعد رابع، لا ينفصل عن المكان، في مثال يطرح لتوضيحها بشكل مبسط، هو لو أنك كنت تقود سيارتك في شارع متعرج وسط الغابات الكثيفة التي تحجب الرؤية، فإنك بعد 5 دقائق سترى أين ستكون، ولكنك لن ترى أبعد من ذلك فالتعرجات تمنع النظر لما بعدها، بينما لو امتلك أحدهم مكانًا للنظر من الأعلى فإنه سيرى الطريق كله، أي أين ستكون بعد 10 دقائق، وأين ستكون بعد 20 دقيقة، لاحظ في هذه الحالات كلها أنك لا تستطيع فصل الزمان عن المكان الذي ستكون به، فـ"الزمكان" اختصار لمفهوم أن الشيء لن يحدث في مكانٍ ما، إلا بزمنه المرتبط بذلك المكان، فالمستقبل مثل نهاية ذلك الشارع، الوصول إليه يتطلب الوصول إلى (زمنٍ) ما في (مكانٍ) ما، ولا وجود للزمن بدون هذا المكان.
.
إلى اليوم، تعتبر هذه النظرية، وما توّلد عنها من نظريات، غاية في التعقيد ومستعصية الفهم على معظم البشر، لكنها من جهة أخرى تقدم إجابات عديدة أنزلت المجهول إلى خانة المعلوم، وقدمت إجابات للعلماء حول الكثير من الظواهر والمحركات ابتداءً من النيوترونات والتيوترونات وانتهاءً بالأجرام السماوية وما أكبر منها. أصبحت كلها قابلة للتكهن بحركتها، ومعلومةٌ طبيعتها، واشتملت بالإضافة لذلك على معرفة (الإنسان).
.
ومن خصائصه أنًه (متفلسف)، والكلمة بمعناها الأولي تعني محب الحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والحكيم هو الذي يرتب الأشياء بترتيبها الصحيح ليصل إلى نتيجة تكشف الواقع الغائب عن أنظار الآخرين، ما يفصل الحكمة عند صاحبها الحقيقي ومدعيها هو أن النوع الأول يلجؤون إلى صياغة نتائجهم وفق ما تقتضيه الأوضاع، ويجعلون آرائهم طوعًا لرغبة الآخرين، فليس من السهل أن تفقد كل ما تملك بسبب رأي، وعلى هذا الأساس يكون ابداء الرأي بما يوافق الآخرين أسلم طريقة للصعود إلى المكانة المرجوة، والشعور بالأمان في وسط المحيط، بل والحصول على الدعم والتأييد منهم، كما قال زهير: ومن لا يصانع في أمور كثيرة.. يضرِّس بأنياب، ويوطأ بمنسم.
.
أضحى التغيير الذي حدث، كما يصفه برهان غليون*، يمس مفهومنا عن أنفسنا ونظرتنا إلى دورنا ومكانتنا كبشر، ونشأت جراء ذلك مفاهيم الفردية والسيادة، وما تشمله من حرية واستبداد وغيرها، وتبعًا لهذا حدث هناك نزوع نحو التفاصيل وباتت النفس، بحسب وصفه، تحت رحمة «الوعي والشعور واللا شعور والأنا والهو، والسلوك والذهان والعصاب والفصام والعظمة والرمز واللغة والمتخيل» وأعطت لكل شيء تأويلات عقلية ومادية، وفككت إلى أبعد ما تستطيع بنية الوعي والعقل والشعور، بحيث افتقدت العفوية، وأهمها عفوية التعبير عن المواقف، التي تحولت من كونها وليدة اللحظة وتعبير عمّا في النفس إلى طقوس هدفها الإستعراض أمام الناس، أي أنها مواقف تُقدّم كمهرٍ في سبيل بلوغ الغاية. إن خسارة الذات في مقابل مواقف مصطنعة يتم ارتكابها لكسب ود الحانقين هو استغفال لهم، لكنهم لا يشعرون.
.
لقد سأم ابن أبي سلمى، لأنه توصل إلى معرفة حقائق الأمور، واستخبر طبيعتها، واستطاع أن يرتب ما يرى، ويربطه بحيث انكشفت الوقائع أمامه، وأضحى يرى «الزمكان» بكل وضوح، فشرح بأبياته حوادث المستقبل بما حدث في زمنه، وأصبح يرى ما حدث بالأمس يتكرر اليوم، في تكرار رتيب للأحداث. وفي مثل زمنه احتاج إلى ثمانين سنة، وبتنا اليوم لا نحتاج لأكثر من أيام معدودات لنرى الأمور. ولذا لا تموت الحكمة، لكونها صالحة لكل زمانٍ ومكان. هناك من يرى التفاصيل ويعلم جيدًا بما تؤول إليه ولكن حقائقه لا تعجب الناس، فهم غالبًا يكرهون الحقيقة وبالتالي الصراحة، لكونها دائما مؤلمة و لا تلبي طموح هذا الإنسان،(وأكثرهم للحق كارهون)، وهناك من يتقافز عليها ليصنع لنفسه مجدًا بدغدغة مشاعر العامّة. الذين يرون، في الحديث عمّا "يريدون الإيمان به" شجاعة لا يملكونها.
.
المؤسف أنّ أصحاب الحقائق تتراجع أصواتهم، في قبال هؤلاء الذي يحولونها إلى سلالم للصعود على أكتاف الآخرين، لأنهم يعلمون أنه بصعودهم ستتوالى عليهم آيات التطهير، والتنزيه ولا بأس من بعض الضريبة. إن الحكمة رأس كل فضيلة، ولذا قرنت بالصمت**، فمن يعلم أنّ حديثه سيجعل الموجة الهادرة للعامة تخنقه، يفضل الصمت لعلمه بأن الأيام، لن تأتي بشيء جديد سوى أنها ستكشف الحقائق للناس، ولكنهم مع هذا لن يكفوا عن السقوط في نفس المطب، فهي سيرورة بشرية، كما قال هيغل: تعلمت من التاريخ : أن الإنسان لا يمكنه أبدًا أن يتعلم من التاريخ!
ومن يرى الأمور تتكرر لن يخالف حاله حال ابن أبي سلمى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*برهان غليون، اغتيال العقل، 146-147.
** روي عن الإمام علي عليه السلام: إن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت ما خلا ذكر الله.

3 مايو 2010

ما هو حلمك؟


على عهد المتوسطة كان معنا طالب، ممن قارب سن التقاعد وهو لا يزال يدرس بنفس المرحلة، لقبه هو «سعود الليمونة» بسبب شكل رأسه البيضاوي كحبة الليمون، وحلم حياته كان يتكون من ثلاثة أشياء 1) الزد 2) الحرس 3) الزواج. انقطعت أخباره لسنوات بعد المتوسطة، ثم شاهدته عند باب الجمعية في أحد الأيام وهو يجمع أحلامه الثلاثة في مكانٍ واحد وقد تحققت. هذه القصة، حسبما أذكر أنني ذكرتها مرة في السابق، إلا أن هذا لا ينفي أنها تختصر الكثير من الحديث حول الأحلام، والأماني التي نمني النفس بها.
.
منذ الطفولة يسألوننا عن الأحلام، ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي نطمح لأن نصبح عليه؟ إلى جانب هذه الأسئلة كانت تصدر الأوامر: كن كذا، ولا تكن هكذا. ولم يكلف أحدهم نفسه ليتوقف لحظات ويقول: أنت كذا! هناك شمائل معينة تميز أبناء بيئتنا منها الميل لإصدار الأوامر حتى فيما يتعلق بالطموحات والآمال، والأحلام.
.
لا أذكر منذ طفولتي أنني سمعت أحدهم يجيب عن السؤال عن حلمه بأنه يرغب بأن يُصبح شاعرًا، أو رسامًا، أو كاتبًا، وأن يحول هذا الحلم إلى وظيفة وهويّة، دائمًا كانت الأحلام ذات سقف عال، مهندس وطبيب وطيار وإن تنازل قليلاً، نزل حلمه إلى ضابط ومحامي! وشيئًا فشيئًا تتحول هذه الأحلام إلى كوابيس تجعل معظم أفراد المجتمع يعيشون تحت غطاء الشعور بالفشل، وانعدام الإحساس بالقيمة، لأنهم لم يستطيعوا تلبية الأوامر التي أصدرها المجتمع لهم بأن يصبحوا من الطبقة المخملية وظيفيًا، الطبقة التي صورها المجتمع بأنها وحدها جنة النعيم وما عداها سقر وبئس المصير، أو إن أصبحوا منها اكتشفوا الواقع المرالذي يرتبط بها.
.
إن المجتمع يفتقد لنظرة واقعية لإمكانات أبنائه، ولا اعتبار عنده لتفاوت قدراتهم وامكانياتهم، وهذا الشيء دارج حتى على لسان الآباء والأمهات، فالمقارنة مع ابن الجيران أو أحد الأقرباء دائمًا حاضرة: شوف فلان؟ وبشنو فلان أحسن منك؟ وكأن السبب يعود لذات الشخص، وكأنه يعيش منفصلاً بلا ظروف تحيط به، ولا إطارات اجتماعية تحده من كل جانب، ولا إمكانات عقلية ترسم الفارق بينه.. وبين أخيه!
.
يعتبر التعود على إصدار الأوامر سمة غالبة، لأن طبيعة المجتمع تضع اعتبارها للشخص بحسب قدرته على إصدار الأوامر وتنفيذها، أو اجبار الآخرين على الخضوع لها، فالفشل في تحقيق مثل هذه الأحلام ينسحب على الاثنين: الحالم، ومن أصدر قرار الحلم! ومعنى الفشل هو عجز الأول وضعف شخصية الثاني!
.
من المضحك أن تسمى الرغبة بما يريد الشخص أن يصبح عليه بـ(الحلم)، وهي لفظة تعتبر مشتركًا لفظيًا مع ما يراه النائم في نومه من أحداث (لا واقعية)، وكأنهم يهيئون الأرضية لنا لأن نقبل الواقع المُر بما سيكون عليه، وقلة هم الذين ينجحون بتحويل هذه الأحلام إلى واقع، قلّة بعدد القلة الذين يرون (منامات صادقة) من خارج دائرة التوهمات وافرازات الفكر الباطن عند البشر.
.
قبل فترة بسيطة، اجتمعت مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين جمعتني معهم مشاوير الدراسة. حين أعود بالذاكرة لما كانوا يرسمونه من أحلام، وأقارنها بما وصلوا إليه الآن، أجد نفسي مضطرًا لأن اعتبر «سعود الليمونة» الناجح الوحيد منّا. إن عظمة الأحلام لا تأتي من صعوبتها، بل من بساطتها، فالناس يهيؤون أنفسهم للفشل حين يربطون أنفسهم بطموحات معقدة، تعتمد على غيرهم وظروفهم وهي أشياء ليست بأيديهم، أكثر من أنفسهم، نحن نملك القدرة على التكيّف مع الظروف، لا على صنعها.
.
معظم ما نسميه فشلاً، يرجع إلى عدم تهيئة النفس لما تريده، ولما تستطيعه، فنحملها أكثر من طاقتها، ونطالبها بأشياء ليست بمقدرتها. ألا ترى كيف أن ثقافة المجتمع تجبر الطفل على أن يختار مهنة عالية منذ طفولته، رغم أنه في معظم الأحيان، لا يعرف عنها شيئًا، ولم ينطق بإسمها إلا بإيحاء ملح من أهله؟ هي ثقافة المصادرة التي يتربى عليها هذا الشخص بحيث تصبح كل رغباته أن ينفذ أحلام الآخرين له، لا أحلامه لنفسه.
.
لقد كان المعتزلة، أفضل حالاً من الكثيرين، فهم يرفضون الإعتراف بالأحلام تحت ذريعة كون الإدراك والوعي –بحسب قولهم- مرتبط باليقظة، ولا يكون الإنسان مدركًا إذا كان نائمًا، لذا يرون الأحلام مجرد تخرصات، ولكنهم لم يقدموا إجابة على ما يُطلق عليه اليوم: أحـلام اليقظة.
.
أحلام اليقظة التي تتمثل بوجود عالم افتراضي، كامل، لا وجود لأي عقبة لا يمكن تعديها فيه، وهو عالم كاسمه لا وجود له. صحيح أن وجود العقبات لا يعني الاستسلام لها، ولكن من الخطأ الإعتقاد بأن كل عقبة قابلة للقفز من فوقها، إن معظم عقبات الحياة الواقعية أقصى ما يمكن عمله معها هو تفاديها أو مناورتها، أمّا حلها وتفكيكها فهذا أمر متروك للزمن.
.
أصدقائي الأعزاء، كانت روائح الفشل تحفهم من كل جانب، واحباطهم مستشر، معظمهم اعتبر ما وصل إليه مقارنة بما أراده فشلاً. لقد تناسوا أهم نقطة وهي أن الحياة لا توجد بها مسارات مستقيمة، وأصغر الحوادث فيها يمكن أن تنتج أكبر الكوارث، كما يمكن لحجر صغير لا يسوى شيئًا أن يدمر جهازًا تكلفته الملايين. لم يكن ما حدث فشلاً لهم، بل فشلاً لهذا المجتمع الذي تعوّد على زرع قيمة الفشل بين جنباته.
.
لقد علمونا أن نحلم، ولكن لم يعلمونا كيف نجعل من الحلم حقيقة، لم يعلمونا أن نعرف ما هو الأمر الواقع، يعتقد الكثيرون أن الأمر الواقع يعني الإستسلام ورفع الراية البيضاء، وليس هذا سوى بسبب ثقافة المصادرة التي يطبقها المجتمع على الأطفال منذ نعومة أظفارهم حتى يشبوا، هذه الثقافة التي لم تجعلهم يكتشفوا أنفسهم أولاً، ثم يجعلوا ما اكتشفوه مقياسًا لأحلامهم : وفي هذا يروى عن الإمام علي عليه السلام «ما هلك امرؤ عرف قدره».

10 أبريل 2010

تـفـاصـيـل



يقول العرب بأن الشاعر البارع له شيطان يلقي عليه شعره، ويقول الإنجليز بأن الشيطان يكمن في التفاصيل (The demon is in the details)، وأجمل الأشعار هي تلك التي تصف تفاصيل الأحداث، في الغزل، والفرح، والحزن، والحياة. على هذا تكون كلها نتيجة لـ وحي الشيطان وفق القياس الأرسطي !
فالشيطان يوسوس بما يعاكس الحقيقة، وشياطين التفاصيل تكشف لنا سطحية الكثير مما يُنسب للحقيقة دون دليل! إذا كانت الأرض في يوم من الأيام هي مركز الكون، فقد أوصلها السعي الحثيث نحو اكتشاف ذلك إلى جعلها اليوم مجرد جرم حقير بين ملايين الأجرام في الفضاء!
.
في العصر الحديث، ولكون الإنسان بطبيعته لا يحب التعامل مع المجهول، فإنه يلجأ إلى حيلة قديمة يستعمل بها مخيلته ليضفي التفاصيل من عنده، أو ليرسم صورة ما يجهله في ذهنه وفقها، فهو لا يحب الإكتفاء برؤية الأمور من السطح بل يحب رؤية نفسه في موضع العارف والمطلع دائمًا .. حتى ولو كان يعلمُ في قرارة نفسه بجهله!
.
كنت قبل فترة وجيزة أخبر أحدهم عن النقانق، وأنها مثل الكثير من الأشياء في هذه الدنيا، لها طعم لذيذ، ويأكلها معظم الناس بشهية مفتوحة، ولكني منذ شاهدت في إحدى المرات طريقة صنعها، لم أعد أستطيع تحمل مجرد النظر إليها، أو حتى تخيل صورتها في ذهني! لا تزال مكوناتها وطريقة صنعها تعيد إليّ الشعور بالقرف والغثيان، لعل ذلك بسبب أنّ روعة بعض الأشياء هي في بقاء تفاصيلها مجهولة، ومغيّبة.
.
قد تكون كثير من الأشياء أو الكلمات والأفكار جميلة أو لذيذة أو رائعة لا لأنها على هذه الحال في واقعها، إنما لأننا لم نستطع أو نرغب بمعرفة تفاصيلها، وبقدر تعمقنا في التعرف على هذه التفاصيل سنتخلى عن الصورة الجميلة التي نحتفظ بها لهذه الأشياء شيئًا فشيئًا، ونستبدلها بصورة تزيدها قبحًا، وتزيدنا ابتعادًا عنها، ولكن هذا مشروط بكون هذه التفاصيل تلامس واقع هذه الأشياء.
.
هل يمكن للعين أن ترى نفسها؟
في الحقيقة، كان هذا السؤال من الأسئلة القليلة التي جعلتني أتوقف لأحاسب نفسي، كيف لم أنتبه سابقًا لمثل هذا الشيء الذي نمر عليه مرور الكرام، ولا نلتفت إليه؟ ربما يكون ذلك لشدة قربه ووضوحه، فـ غالبًا ما تحت أنوفنا لا تراه عيوننا!
كما لا يمكن للعين أن ترى نفسها، كذلك الكثيرون لا يرون أنفسهم. أحد الأصدقاء دائمًا يذكرني بإحدى حلقات مسلسل كارتوني (Pinky & Brain) حين كان الفأران يخططان لاحتلال العالم، وأولى الخطوات لذلك، كما كانا يأملان، هي بصعودهما لأعلى طاولة المطبخ! بالنسبة لهما يمثل الوصول للأعلى هدفًا استراتيجيًا يستحق التخطيط والعمل لأجله، وبالنسبة لنا هو أمر مضحك، والسبب هو معرفتنا بأن صعود طاولة لا يعني أكثر من ذلك! وفي نفس الوقت نغفل عن حقيقة واضحة: أحلام المرء هي التي تحدد أهدافه، لا قدراته.
.
العالم الكبير المتواري خلف الطاولة يظل في خانة «اللا معلوم» عندهما وخفاء تفاصيله هو الذي صور سهولة احتلال العالم بمجرد تسلق الطاولة، التي لا يريان عقبة سواها أمامها. في كثير من الأحيان، يكون البعض في نفس الموضع، لا يرى نفسه وأين هي، وعلى أيّة مسافة تقبع من القضية التي يحاكمها، ومع هذا يُصدر الأحكام ويعتبرها مسلّمات دون اخضاعها للاختبار لاثباتها، فحلمه بأنه عالمٌ وصاحب رأي لا تشوبه شائبة، وأنه يقف على الحقيقة المطلقة يجعله لا يبحث عن التفاصيل فهو في غنى عنها، وبحجة أن التفاصيل هي شياطين، يبتعد عنها، ويُبعد الآخرين عنها لعلمه بأنّ الإطلاع عليها يعني نفور الناس من كلامه وهذيانه لوقوفهم
على مدى تفاهة ما أطلقه، فتمسي التفاصيل حينها شيطانًا يشعره بالأسى على نفسه، كما قال الملا هاشم الكعبي -رحمه الله- يومًا: .. وللأسى تفاصيل لا يحصي لهنّ مُفصل!
.
ينسب لإبراهام لنكولن: «أن تصمت ويظن الناس أنك أحمق خير من أن تتحدث وتثبت لهم ذلك».
ثمة نقاشات لم تعد تعطي الدافعية للمشاركة فيها هذه الأيام، وأصبح من الأفضل الإبتعاد عنها لأنها – وللأسف- تكشف الكثير من المستويات الضحلة التي تملك ظاهرًا لا يوحي بها. النقاشات السياسية والمعرفية بما في ذلك المذهبية وغيرها في بيئتنا أصبحت محطة للإحباط بما يحدث فيها ولدرجة الحميّة التي تصل لها رغم أن الطرفين يتجادلان بما يجهلون واقعه، فحالهم كحال الفأرين: كلمات عظيمة، ومعرفة ضئيلة!
.
في المدونات، والدواوين، والمجالس الخاصة، وحتى في أماكن العمل تدور نقاشات عديدة كل يوم، تمس الكثير من القضايا، وبعضها حساسة جدًا تتعلق بمصير الإنسان، وتصدر مئات الأحكام ومع هذا فهي بمعظمها قائمة على توهمات وتخيّلات، وقليل منها ما يصدر عن معرفة وعلم. وتكمن المصيبة حين تفضل الصمت على المشاركة بمثل هذه المناقشات لأنك تقع بين نارين: إما أن يفسر صمتك على أنه عجز عن الرد والمشاركة، وإما أن يفسر على أنه تأييد وتأكيد لما قيل!
والواقع أنه صمت للتأمل بمدى قدرة الإنسان على التلفظ بالتفاهات مغلفة بكلمات براقة «تسر الناظرين»!
.
من يرى المنظر من أعلى الجبل ليس كمن يراه من بطن الوادي، وهذه نقمة في بيئة مثل بيئتنا، أن تقف على مرتفع، لأن وقوفك على الكثير من التفاصيل الدقيقة يعني مزاملتك لشيطانٍ يجبرك على أن تغير تقييمك للعديد من الكتاب والمتحدثين، الذين ينخدعون بذواتهم، ويخدعون الناس بكلامهم. وشيطانٌ يجبرك على أن تصمت على تفاهة ما يقولون: الصمت والإبتعاد في أحيانٍ كثيرة يكون في حد ذاته .. موقف وإجابة.