28 نوفمبر، 2009

الأوقـات الـقـذرة


.
في بعض الأحيان قد تغيب أقرب الأشياء لنا عن أنظارنا، لأننا لا نشاء رؤيتها، بل نتمنى وندعو ونرجو في نفس الوقت أن تكون بعيدة، لذا نبحث في ذلك البعيد، ولا نلتفت لما هو قريب. حين تكتشف أن سببًا ما يُعطلك هو من صنعك، وحدث بإرادتك، وأنك أنت من تتحكم به تشعر بالغثيان، في معظم الأحيان يكون غثيانًا معنويًا -نفسيًا- وليس بمعناه المرَضي.
.
أمراض النفس وأعراضها، ليست كأمراض البدن، قد يزول الصداع بحبة بنادول، ولكن من الصعب أن تزول الكآبة أو يختفي الشعور بالاغتراب بقرص اسبرين. الأعراض النفسية هي باطنية يعيش معها الإنسان بكامل كيانه ويتطبّع بها، وفي غالب الأحيان لا يحب الإنسان أن يتوقف ليُعيد تقييم طباعه وتصرفاته ويُطلق عليها أحكامًا: هذه حسنة وتلك سيئة!
.
فهناك جنبة في كل إنسان، أنه «يتقوقع» على ذاته، ويعتبر أن الأطوار التي يمر بها من سعادة وفرح وحزن واكتئاب وأسبابها هي وحدها التي تعطيه المقياس الأفضل لكل شيء، فهو إن شعر بالفرح أراد للناس كلهم أن يشعروا بذلك مثله، و إن حزن لا يستحمل أن يرى أحدًا يفرح أو حتى يبتسم أمامه. لانه حزين أو مكتئب فعلى النّاس كلهم أن يكونوا مثله وإلا فهم قليلي الأدب، ولا يملكون التقدير المناسب.
.
حاولت طوال الأمس أن أعصر ذهني محاولاً الوصول للإجابة، ولم أستطع! كأنّ هناك حاجزًا يمنعني من التقدم أكثر في ذاكرتي، الإجابة التي أبحث عنها مختصة بسؤال: أين قرأت هذا التعريف للاوقات القذرة؟ باءت كل محاولاتي بالفشل، وبدأت ذاكرتي تلعب لعبتها المفضلة معي، لعبة تشبه تلك التي نمارسها مع الأطفال حين نقرب اللقمة من أفواههم فإذا فتحوها ليأكلوها سحبنا اللقمة بعيدًا.
.
قررت أنني وصلت لمرحلة اليأس، لا يهم أين قرأت ذلك، لم تعد هناك من حاجة إلى التذكر طالما أن المعنى لا زال حاضرًا في ذهني، وأنه يشرح إلى حدٍّ ما هذا الجمود والكسل و عدم الرغبة بإنجاز أي شيء الذي تسلل لي منذ فترة حتى بات يتملكني كما تملّك الغبار أجواءنا، لتحررنا أمطار اليومين السابقين من قيود الغبار، وتشرق في نفسي الحاجة إلى البحث عن طريق العودة إلى «أوقاتي النظيفة»، التي افتقدتها منذ مدة، كما افتقدت قطع الأثاث النظافة قبل أن يصدر (الفرمان) بتنظيفها.
.
تمسح الأثاث بمنشفة، يظهر لمعان أسطحها المفقود من جرّاء هجمات الغبار المتوالية، تكتسب المنشفة بعض الغبار، لكنها تستطيع أن تقوم بنفس المهمة مرة أخرى، وأخرى، وأخرى، حتى لا تعود صالحة لمسح المزيد من الغبار بسبب توسخها، وحين تمطر السماء تستخدم المنشفة لتمسح الماء المتسرب، فينتهي عمل المنشفة، لم تعد جافة ليُعاد استخدامها فإنها باتت مبللة لا تصلح لأن تقوم بنفس المهمة مجددًا.
.
نوعًا ما، نحن مثل هذه المنشفة، نظيفة ومستعدة للعمل، كما أننا مستعدون لأن نكتب، ونضحك، و"نتغشمر"، ونتفاعل مع كل الذين حولنا كما يريدون، ونريد، وما أن نبدأ بهذا الشيء حتى نفقد نقاوتنا شيئًا فشيئًا. كلما ازداد احتكاكنا بالناس، وزاد انهماكنا بأعمالنا، واستغرقنا بتفاصيل الحياة المتعبة والمملة، نفقد شيئًا من نظافتنا لصالح ذرات الغبار التي نكتسبها من هذه التفاعلات حتى نصل إلى مرحلة «الوقت القذر» عندها تتعكر قدرتنا على التواصل و التفاعل السليم ونصبح عرضة للاحتقان و الإنزواء و العصبية، قد يصل بعضنا مبكرًا لهذه المرحلة لأنه استعمل لامتصاص الماء، وقد يتأخر البعض الآخر لانه يكتسب الغبار شيئًا فشيئًا، في النهاية جميعنا نصل إلى خط النهاية هذا.
.
هل قلّت مشاكلنا أم زادت؟ لم تقل ولم تزد، عندما أقرأ كتابًا يتناول تاريخ مرحلة معينة بتفاصيلها، لا أجدها تختلف عمّا نعيشه الآن إلا بدرجتها، لكن الذين عاشوا في الماضي افتقدوا وسائل الإعلام التي أصبحت تحاصر المرء بأنبائها في كل لحظة، وكل مكان، كانوا يملكون فسحة يسعون فيها إلى تنقية أنفسهم بينما أصبحت أوقاتنا القذرة لا تقتصر على وقت العمل وضغوطاته المتعبة، ولا على وقت نشرة السابعة والنصف أو التاسعة مساءً، ولا على مواسم الخطابات السياسية وأيامها، بل دارت عجلتها لتوقعنا في شباكها طوال اليوم حتى صارت قدرتنا على امتصاص المزيد منها معدومة، كالمنشفة التي نستعملها لنمسح بقع الدهن .. أو تسرب مياه الأمطار.
.
وهذا الذي نغيبه عامدين عن أنظارنا، وهو أننا نشغل أنفسنا بامتصاص المعارك الكلامية، وبمواقف الآخرين، بشعاراتهم، وجريانهم نحو مصالحهم التي يلونونها بالأصباغ البرّاقة حتى ننخدع بها، ونعيش في دوامة الشعور بالذنب نتيجة التقصير تجاههم، ويأخذنا الهوس الجماعي بأننا لا نفعل شيئًا تجاه تلك التضحيات الجسام التي يقومون بها، أو أننا لا نجازيهم حق جزائهم عليها، وبسبب وسائل الإعلام التي ' تـزن ' على رؤوسنا لا نفرغ من هذه الضجة لنتساءل عن الدافع الحقيقي لهؤلاء؟ أو هل أن المبدء يتجزأ؟ حتى نصفق ونهلك أنفسنا في يوم لمدعي مبدءٍ كان هو أول من أهمله في زمنٍ مضى.
.
في الواقع، نحن لا نبحث ولا نريد البحث عن الإجابة على هذه الأسئلة، لأنها ستصدمنا بمقدار الوهم الذي نوهم به أنفسنا حين نعتقد أنّ مللنا وغثياننا هو من صنع غيرنا، ونتيجة لأفعالهم، ونفضل إلقاء تبعات عدم تقبلنا لحياتنا الاجتماعية، وسوء تصرفنا مع القريبين من حولنا، وعدم قدرتنا على أن نلتفت لمشاكلنا الصغيرة تحت حجة انشغالنا بالدفاع عن القيم والمبادئ و (المشاكل الكبيرة) ولكن: هل هناك فائدة لقيم عظمى توضع لمجتمع يُهمل أفراده قيمه الصغرى؟
.
حسنًا، من الصعب التفكر قليلاً، فهذه العملية تتطلب إعادة تقييم أفعالنا، وتصرفاتنا، فسهولة إطلاق الأحكام على الآخرين لا يقابلها إلا صعوبة إطلاق حكم قاسٍ على أنفسنا.
أصبحت عملية البحث عن «الأوقات النظيفة» نتيجة «التقوقع» تحمل بين طياتها إتهاماتٍ جاهزة لصاحبها بأنه غير متفاعل، ولا يقر الحرية، ولا ينادي بالديمقراطية، ولا يرفع شعارات حقوق الإنسان، رغم أن المسألة باختصار هي: لقد تم إغراقنا بـ«الأوقات القذرة»، وحُرمّ البحث عن «الأوقات النظيفة»علينا.

12 نوفمبر، 2009

الرمز ناصر المحمد


في الأيام الأخيرة تابعت ما يحدث على الساحة بخصوص حملة (إرحل)، وفضلت الوقوف على الحياد، إن كان من شيء قررت الإلتزام به هو أن أغيّر من نفسي قبل مطالبتي بتغيير غيري[1]، لم أشارك سلبًا أو إيجابًا سوى بتساؤلات وخواطر بسيطة في بعض المدونات هنا وهناك. وعلى هذا الأساس لن يكون هذا الموضوع هو دعم لجهة أو تأييد لجهة أخرى، وليس في نيتي ذلك، ما سأتحدث عنه هو شتات لأفكار هي ابنة نظرة اجتماعية لظاهرة أراها امامي اليوم.



* * *
معظم الثورات تفشل بسبب أنها تفقد كل مكاسبها بعد لحظات من تخطيها للعقبة الأولى، لكونها غير قادرة على التعامل مع ما حققته، كانت الجماهير التي هي نواة الثورات تهدف إلى الاعتراض على واقع الحال، فتطوّرت حركتها من الاعتراض إلى الطمع بالسلطة بسبب شعور تلك الجماهير بالقوة. وفي الحقيقة أنّ هذه لعبة سياسية ماكرة مارسها الإستعمار بصورة مذهلة، أعطى السلطة والمكانة لرجال وطنيين ثم سحب رجاله من الواجهة العامة ليثبت للشعب أنّ هؤلاء يملكون شعارات ولكنهم لا يملكون أفعالاً ترقى إلى مستوى تلك الشعارات، والدليل هو فشلهم بإدارة الدولة.

.
قبل سنوات كانت الأوضاع في فرنسا تتجه إلى حالة معبأة ومستعدة لإحداث ثورة، لكنها افتقدت تلك الشرارة التي تقدحها. بينما في إيران وسنة 1979 كانت الثورة قد نضجت بعد أن استوعبت الدرس من ثلاث ثورات سابقة انتهت بالفشل. الدرس الذي تعلمته كان وضع تصوّر لما ستكون عليه الأوضاع بعد انتهاء الثورة، كانت الصورة المرسومة مقسمة بين اثنين الشيوعيين والإسلاميين[2]، وربح الحزب الذي قدّم صورة متكاملة لكيفية التحرّك بعد الإنقلاب وهذا الذي لم يحدث في فرنسا.
.
هذه المقدمة تهدف إلى توضيح أن الثورة هي وسيلة، وليست غاية فإن افتقدت للهدف أو الخطة لن تكون سوى حركة عبثية، كمن يرمي حجرًا بالماء ليتعكر ثم يعود لصفوه المعتاد بعد أن ينتهي تأثير الحجر. التطوّر الإنساني طوّر مفهوم الثورة من القتال على السلطة بالسيف والرمح إلى تغيير ديمقراطي، ومن الرصاصة إلى ورقة الإنتخاب والترشيح ما حدث في الولايات المتحدة مؤخرًا كان ثورة أزاحت حزبًا وأتت بآخر على هرم السلطة، فالثورة الآن تشير إلى إرادة التغيير بالمعنى الواسع، وليس بالمعنى الضيق الذي ارتبط بالأذهان.
.
إلا أنّه من الخطأ فهم الثورة على أنّها تحركٌ لفرد واحد، أو أنّها تقوم على آيدلوجيّة رجل واحد، لأنها نتيجة لعمل جماعي تتقاطع فيه قدرة القيادة للجماهير مع الرغبة العارمة في التغيير، بحيث ينحصر دور القيادة في توجيه هذا التحرك الجماهيري نحو الحفاظ على مكاسبه. معظم الثورات الفاشلة (او ما يتم تصويره بالثورة من قِبل أصحابها فقط!) يكون سبب فشلها هو أنها ثورات قيادية وليست شعبية، بمعنى أن قيادتها حاولت خلق التحرك الجماهيري نحو اهداف خاصة بها لا تمانع باستغلال الجموع لأجلها ، لذلك كانت أشهر كلمات سعد زغلول هي: «مفيش فايدة» لانه حاول صنع ثورة مصطنعة، بينما الثورة الناجحة هي تلك العفوية الناتجة من الرغبة الحقيقية بالتغيير لا الناتجة من الرغبة الخاضعة لحسابات الربح والخسارة «الشخصية».


* * *


من طبيعة البشر ميلهم نحو «النـزوع» الذي هو الإتجاه إلى الفعل، وهذه الطبيعة تقف في قبال الإدراك والوجدان، بمعنى أن الدافع للفعل هو في غالب الأحيان أقوى من الدافع إلى التفكر والتروي في اتخاذ المواقف، وهذه يمكن ملاحظتها في «غباء التفكير الجمعي» لأن الذكاء يُستعاض عنه بالشعور بالقوة أثناء التحرك الجماهيري، إنّ التصرفات التي يتم ارتكابها من الجموع والخطوات التي يقدمون عليها والإجابات التي يقدمونها تبريرًا لأفعالهم في معظمها من المستحيل على الفرد لو كان لوحده أن يرتكبها أو يقدمها.
.
التغذية بالشعارات والإستعاضة بها لرسم الحال لاحقًا لا يمكن لها أن تقدّم وعيًا حقيقيًا، كما أنّ الإنطلاق نحو التغيير أو التبديل دون تشخيص دقيق للهدف، ودون رسم رؤية واقعية لما سيكون عليه الحال هو نوع من العبثية أقرب لأثر الشحنات الكهربائية في الاجساد الميتة، مجرد تحريك للعضلات و الانقباضات.
.
إنّ من شروط التحركات الجماهيرية أنها بحاجة إلى مقاييس تقيس أهدافها المرجوة لتتناسب مع المحيط الذي تتحرك به، وهذا يعني أنها يجب ألاّ تكون مقاييسًا مثالية لا تتواجد إلا بالمدن الفاضلة الأفلاطونية، فهذا يجعلها أقرب للإستحالة في التطبيق، ولن يكون هناك من يناسبها بحكم أنها تبحث عن كمالٍ لا يوجد في المجتمع.
.
كما أنّ المطالبة بالتغيير شيء جميل، ولكن لا يصح أن يكون التغيير لأجل التغيير فقط ودون تقديم البديل، أحد الذين شاركوا – ولا يزال – بفعالية بهذه الحملة أشار إلى أنّ رغبته تنحصر في تغيير رئيس مجلس الوزراء ومن ثم يكون الأمر للأمير كما ينصّ الدستور.
.
قوله هذا يشبه شعار «لا حبًا بعلي ولكن بغضًا بمعاوية»، فالمطالبة هي لتغيير شخص، وليست لتغيير منهج، بينما جميع الاخطاء التي تم الإشارة إليها أصبحت عرفًا وليست بدعًا من الرئيس. فلا ضمانة في حال تم تغيير رئيس مجلس الوزراء أن يأتي مكانه من يغيّر الحالة العامّة السائدة، كما أنّه من الخطأ الإعتقاد بان تغيير (الرأس) سيؤدي إلى تغيير (الكل)، وهذه نظرة مفعمة بالمثالية، الواقع يثبت أن الرئيس أو الرأس هو ابن للمجتمع والبيئة وقوانين المجتمع هي مثل الظواهر الطبيعية لا يغيرها الإنسان إنما يتعايش معها وبتعبير ابن خلدون «يخضع لها».
.
إن رئيس مجلس الوزراء هو تعبير حقيقي عن المجتمع الذي أنتجه، فهو ليس حالة شاذة عن الواقع السياسي السائد من فترة زمنية طويلة على الساحة السياسية الكويتية، هذه المطالبات الأخيرة من وجهة نظري لا تتعدى كونها مطالبات بإزالة شخص وإبقاء الوضع كما هو عليه، وهذا ما يجعلني أتساءل عن سبب الزخم الإعلامي الذي يحاول اخفاء هذه الحقيقة تحت ستار ( إرحـل )!


* * *


المجتمع البشري هو مجتمع رمزي، يستخدم الرموز ليعبر عن جانب اللا وعي عنده بحسب فرويد، وهذا الجانب يشكل الجزء الأكبر من اعتقادات وميول المرء نحو القضايا العامّة. قضية الإنتماء إلى الاحزاب أو الحركات والتيارات السياسيّة هي نوع من التعبير (البليد) عن اللاوعي، كونها تقدّم للمنتمي إليها مواقف جاهزة تجاه أغلب القضايا فلا يحتاج لأن يُشغل فكره في تفكيك أجزاء القضية وتحليلها.
.
اللجوء إلى الترميز يهدف إلى صنع تقييم ثنائي «خيـر» و «شـر»، ومن ثمّ يسهل إطلاق الحكم من باب التمسك بالخير، والبُعد عن الشر. تتنوّع الرموز، ما بين الإشارات، والكلمات، والرسومات، لتصل في النهاية إلى رموز حيّة وهي الشخصيات القياديّة في المجتمع، لكونها تعتبر المؤثر والمحرّك عادةً للجموع الجماهيريّة، فمن خلال تصنيفها يتم تصنيف هذه الجموع ككل.
.
في مجتمع يفتقد إلى معايير دقيقة في تحديد الخير والشر، من الطبيعي أن لا "يُجمع أمره على تقدير زعيم من الزعماء فهو نقّاد من طراز عجيب. فلو عاش مع الأنبياء لوجد فيهم كثيرًا من الهنّات والمعائب"[3]، ثم بعد ذهاب ذلك الزعيم يبدء بتنقية سيرته حتى يُصبح بطلاً من أبطال التاريخ أقرب منه للعصمة والكمال أو أنّه يلجأ إلى وصفه بأقذع الألفاظ ويربط ما بينه وبين كل سيئة حدثت في التاريخ.
.
هذه الحالة تتكرر في معظم المجتمعات البشرية وهي طبيعية جدًا، فهناك أشخاص يُعتبرون كرموز يكتسبون صفة الكمال مع مرور الأيًام وهناك العكس، ولكن حين ندرس سيرتهم الذاتية نكتشف أنهم لا يختلفون بعوائدهم وطبائعهم عن أيّ إنسانٍ آخر، كلهم يخضعون لتكوينهم النفسي/الوجداني ومحيطهم الاجتماعي.
.
ناصر المحمد لا يختلف عن غيره كثيرًا، ولكنه تحوّل اليوم إلى «رمــز» يمثل كل الإخفاقات عند طرف، ويمثل رمزًا للخروج من هذه الإخفاقات عند طرف آخر، وفي كل الأحوال كلا الطرفين يهملان حقيقة أنّ الإخفاق لا يتحمله طرف واحد، بل هو نتيجة تظافر عدة أطراف.
الجنوح نحو إلقاء اللوم على أحدهما هو نوع من الهروب من المسؤولية عن صنع التردّي الحاصل.




_________
[1] راجع: 3- سفيد : .. لكن مختلف !
[2] راجع: 1- عن إيران أتحدث ..
[3] وعاظ السلاطين – د. علي الوردي

7 نوفمبر، 2009

2- بـوحُ العتاب في معرض الكتاب

.
في الجناح اللبناني قررت المرور على أحد الأصدقاء، حين وصلت باركت له مقدمًا الـ 15 عنوانًا الممنوعين، فنظر لي مشدوهًا: شو ما عرفت، صاروا 17 وأضاف مبتسمًا: بيظلوا يمنعوا حتى يمنعونا نحنا كمان!
.
لم أستغرب هذه الزيادة في عدد العناوين الممنوعة، لكنّي استغربت من منع كتاب لمؤلف والسماح لكتاب آخر لنفس المؤلف يُعتبر من وجهة نظر الرقيب أشد وأنكى من الأوّل. هذا السر لا زال يحيّرني فطريقة اختيار العناوين الممنوعة من التي يتم الافساح لها، مبهمة ولا تعتمد على ركائز معينة يصح اعتمادها.
.
أنا أعرف أنّ الإنسان كائن معياري، فهو حتى يضمن وجوده واستمراريته بحاجة لمعايير تحكم مسيرته، وهذه المعايير تتخذ صورًا متعددة لتعابير مختلفة في كل مجال يرتبط بحياة هذا الكائن، وعلى وفق هذه المعايير يتم إصدار الحكم واتخاذ المواقف القيميّة من كل الأشياء، وبطبيعة الحال يُعتبر المنع أو الحظر هو نوع من هذه التعابير المستندة إلى معايير خاصة أقرّها المشرّع أو المجتمع للحفاظ – من وجهة نظره – على اتجاه القيم عند أبناء المجتمع.
.
غير أنّ هذه المعايير بحاجة لأن تكون واضحة، وقادرة على أن تقدم إجابة صريحة على الأسئلة التي يطرحها المرء حين يواجه هذا الموقف من قبيل: لماذا المنع؟ وما هي أسس المنع؟ وأين تقف حدودي في فرض مثل هذا المنع؟ وغيرها من الأسئلة التي ترتبط بهذا الموضوع.
.
في الكويت، لا زالت الإجابة على مثل هذه الأسئلة مبهمة، وحتى المسؤولين عن الرقابة والمنع لا يستطيعون تقديم إجابة مباشرة يُمكن لها أن تقدم تبريرًا مقبولاً على الأقل لما يجري في المعرض. من غير المعقول مثلاً أن تمنع مذكرات الدكتور أحمد الخطيب بجزئها الثاني، وهي التي نُشرت على صفحات جريدة الجريدة قبل عام داخل الكويت. كما أنّه من المُستغرب أن يُمنع كتاب عبقرية الإمام للعقاد من البيع، ولكن في نفس الوقت يُسمح لعدة مجلدات تحتوي على تأليفات العقاد كلها بالبيع في نفس المعرض. لن أطيل أكثر بذكر الامثلة، فالرسالة قد وصلت بأنّ قرار المنع في العادة هو قرار إرتجالي وإعتباطي بالدرجة الأولى.
.
أحد أصحاب دور النشر، وأثناء تجاذب أطراف الحديث معه ذكر أنّه قام بعملية (رقابة ذاتية) واستخلص لائحة بها 42 عنوانًا قدمها للجنة، ليُفاجئ بعد ذلك بانهم سمحوا له بـ22 عنوانًا فقط! ولأجل هذا لم أستغرب وأنا أشاهد مكتبة بيسان تشارك بالمعرض برفيّن وطاولة، وهي أشهر المكتبات في الحمراء ببيروت.
.
كمحاولة لفهم ما يجري، طرحت سؤالاً على نفسي: ما هي فلسفة المنع؟
فكرة الحفاظ على قيم المجتمع، أو منع أسباب الخلاف بهذه الصيغة العامة رائعة، ولكنها تظل كذلك في دائرة كونها "فكرة"، أما إذا تحولت لفعل فإنها بحاجة لميزان منطقي، يتخذ القبول العام لأحكامه مبررًا له بذريعة أنّ هذا الأمر هو أفضل ما يمكن أن نقوم به، إلا أنّه إذا كان التطبيق للمنع في حقيقته يهدف إلى هذا الشيء، فما هو سبب هذا التخبط في قرارات المنع؟
.
الجمود على هيئة فكرية معينة، ومحاربة كل ما من شانه أن يؤثر عليها، أو يخالفها، يعني بقاء الفكر أو القيم في محلها، لأنها حتى تتغير فهي بحاجة لتدافع أو صراع يهيئ الأرضية لإزاحة الأفكار القديمة ويحل محلها الأفكار الجديدة، وطالما أن هذه العملية لا تحدث بسبب محاربة الرقابة لها، فما هو الداعي إلى تبدّل موقفها من السماح إلى المنع لكتب معينة، أو العكس في تارة أخرى؟
.
يبقى السؤال يبحث عن إجابة، بعيدًا عن اسطوانة المصلحة العامة التي يقولونها. المصلحة مشتقة من الصلاح، وهي بحاجة لتشخيص مواردها بدقة حتى ينطبق عنوانها على مصداقها، الأمثلة التي تفيد في إيضاح هذه الصورة كثيرة، مريض السكر على سبيل المثال فإن من المصلحة منعه من الحلويات، المصلحة هنا مشخصة بحدوث الضرر الواقعي، ولكن هذا المنع لا يجوز أو يصح تطبيقه على جميع النّاس، حسنًا، الكتب لا تختلف كثيرًا عن هذا المثال.
.
فلسفة المنع تقوم على الصيغة الأخلاقية، أو الأوامر الأخلاقية التي تهدف إلى تصنيف الأشياء بالخير أو الشر ومن ثم نطلق الأحكام عليها، بناءً على عواقبها وتداعياتها ونتائجها، إلا أنّ الأوامر الأخلاقية ليست كالأخلاق، فأن (لا تسرق) هي قاعدة أخلاقية تملك تفسيرًا موحدًا، ولكن حتى نطلق على عمل ما (سرقة) نحن بحاجة إلى تحديد دقيق، يكشف لنا إن كان هذا الفعل سرقة أم لا. وهذا ما تفتقده لجنة الرقابة عمومًا في الكويت، وفي أغلب بلداننا بطبيعة الحال.
.
سبب التخبط هو ضبابية هذه المعايير، ورجوعها إلى المزاج الشخصي للرقيب، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات، فنائب مجلس الأمة يملك السلطة بالمنع من خلال تصريح صحفي، وعضو لجنة الراقبة يملك نفس الصلاحية، وفي ظل عدم وجود مستند يحدد بدقة مهام كلٍ منهما، فإن التخبّط يكون سيد الموقف.
.
من المؤسف أن يُصبح الكتاب بضاعة تُصرف في سوق المكاسب السياسية، حين وصل الشيخ أحمد الفهد لوزارة الإعلام شهد معرض الكتاب انفراجًا واضحًا، لم يكن السبب هو تغيّر اللعبة، ولكن كان تغيّر اللاعب، وهذا ما أثبتته الأيام بعد تدويره، شخصية اللاعب فرضت إيقاعها، ولم تحصل حفلات الزار التي نراها مع كل معرض كتاب، حتى أصبح هاجس الرقيب لا القيام بمهام عمله بدقة، إنما هو ترضية الجميع دون وعي بأن الخلاف طبيعة بشرية، وأن محاولة حجب هذه الطبيعة أو تغطيتها هو ضحك على الذقون، ونتيجة لذلك أصبحنا نرى كتبًا تُباع وتُشارك في معارض دول مجاورة، وتمنع في الكويت بحجة إساءتها لتلك البلدان، غدونا ملكيين أكثر من الملك!
.
حين انتهت زيارتي للمعرض، وخرجت صادفت جموع المعتصمين، ابتسمت ومضيت بطريقي، لم أشأ ان أشاركهم اعتصامهم، فهم ليسوا – من وجهة نظري – سوى وجه آخر للرقيب، هم يفتقدون للضابطة التي تحدد مطالبهم، كما افتقد الرقيب للضابطة التي تحدد مهام عمله، لا أختلف معهم بمدى صحة مدعاهم ومطالبتهم ولكن العبرة هو في خدمتها لهدف صحيح، و إلا فلا عبرة لأي كلمة حتى و إن كانت (صحيحة) في ذاتها طالما انها موضوعة أو موجهة لخدمة هدف خاطئ .
.
الرقابة، والمنع أشياء يتحتم اللجوء إليها، فهي بذاتها مطلوبة، فالحرية المبالغ بها لا تقل ضررًا عن التضييق الشديد، وكليهما بحاجة لقواعد واضحة وصريحة تكفل العودة إلى النظام الذي يحافظ على بنية المجتمع متى ما تم خرقها، وهذه القواعد تساهم بشكل كبير في «إيجاد الحلول للمواقف بل و للإحراجات الأخلاقية التي قد تنشأ بسبب الصراع بين الموجبات المهنية وبين المطالب العامة التي يُنادى بها»*، ومن المؤسف أننا لا زلنا نتعامل بمنطلق ردّات الفعل على الأفعال، دون أن يستطيع أن يقدم الطرفين خلاصة منطقية لما يدعو له بعيدًا عن الشعارات التي يرفعها.
.
انتهى.
ــــــــــــــــــــــــــ
*مونيك كانتو :الفلسفة الأخلاقية.

1 نوفمبر، 2009

1- بـوحُ العتاب في معرض الكتاب

.
.
أحب تأمّل المناظر وأنا أقود سيارتي، تستهويني الحدائق والمسطحات الخضراء بشكلٍ كبير، لا أعلم سببًا لهذا ولكن يبدو أنها موروثات جينية، وأوضح دليل هو أن مطاعم الكباب والباكه لا تخلو أبدًا من صورة لمنظر طبيعي لحدائق غنّاء (!)، شاهدت العديد من مداخل الحدائق لكن يلفت نظري بشكل عام تلك البوابات المكونة من الكونوكاربس وكيف يشذبها أصحابها لتكوّن جسرًا معلقًا يمر من تحته الداخلون. حبلٌ رفيع يربط في نهاية الشجرة الأولى أوّل ما تُزرع، ويُشدُّ بنهاية الشجرة الثانية المزروعة للتو، ومع مرور الأيًام تلتحم الشجرتان لتكوّنا مدخلاً كما أراده وتصوره صاحب الحديقة.
.
شهر نوفمبر من كل عام، تتجدد فيه مناسبتان الأولى أنه الشهر الذي أفقد فيه عامًا إضافيًا من عُمري، والثاني أنه الذي يذكرني بزيارتي للمعرض مع والدي رحمه الله. كان يفعل بي مثلما يفعل أولئك بالكونوكاربس، يربطني بحبل في كتب معينة لا يستخسر بها مالاً أبدًا، وفي نفس الوقت يرفض شراء بعض الكتب لي رغم أنّها كانت أرخص ثمنًا فاضطر لشرائها من مصروفي الشخصي. اليوم أقف شاهدًا وأنا أرى الحصيلة [1] على اللوحة التي أراد - رحمه الله - رسمها لي.
.
يبدو أنّه كلما زادت الأرقام التي تشير لعمر الإنسان، زاد (سأمه) أو نفوره مما كان يتصور به المتعة حين طفولته، كما يشمئز المرء من حليب أمه اليوم، كان يترقب اللحظة التي يحين موعد شربه له في طفولته. لم تعد اللهفة موجودة، واستبدلت بالترّفع والاشمئزاز لمجرد أن معدته تطوّرت وبدأت تفضّل ألبان البقر ولحوم الخرفان، هكذا لم تعد متعة معرض الكتاب، كما كانت في الصغر، بالنسبة لي.
.
ارتباطي بالمعرض بات ارتباطًا وجدانيًا أكثر من كونه ارتباطًا ثقافيًا، بالنسبة لشخص عليه - غالبًا - أن يأتي بكتبه من الخارج لأن القائمين على المعرض (والرقابة عمومًا) يحكّمون أمزجتهم فيمنعون كتابًا تارة، وأخرى يسمحون به، وفق أهوائهم فهذا يعني أنه عليّ أن أتآلف مع المكتبات في بيروت ومشهد وقم، وهذه الأخيرة كلما تذكرت حال «باساج قدس»[2] فيها، ضحكت من تظاهرة تُسمّى زورًا ثقافية عندنا متمثلة بمعرض الكتاب!
.
ممرات معرض الكتاب تعيد ذلك العبق لي، في بعض الأحيان القيمة الجمالية التي تملكها اللحظة في الذهن أكبر من آلاف اللحظات الجمالية التي يمكن أن نقتنصها في الواقع، لا زلت أشتري الكتب من المعرض، ولكنه شراءٌ لـ"تبرئة الذمة"، أصبح كأنه ديوانية رمضانية، تفتح أبوابها مرة بالسنة نسلّم ونستفسر عن الأصحاب الذين شغلتنا الحياة عنهم، ونستقصي أخبار من نفتقدهم أو فقدناهم.
.
هذه السنة، فقدت عدّة منهم، لم أشاهد الجناح الإيراني، هذه خسارة إضافية لمعرض الكتاب، عرجت على من أعرفهم في باقي الأجنحة، بطريقي أبصرت أحدهم، يا الله! عرفته قارئًا نهمًا، في مكتبته تجد كتبًا لا تجدها في أيِّ مكانٍ آخر، تأملت الشعيرات البيضاء التي غزت لحيته الخفيفة، وقطار الأبناء خلفه، وهو يحاول استرضاء هذه، ومتابعة ذاك، مَسح فم ابنته الصغرى من بقايا "البوظة" ..
.
- يقولون ما خليت لنا شي بالمعرض :)
أمسك رواية هي أشبه بـ (سوالف منتدياتية) اشتراها لابنته الكبرى، ملوحًا بها تجاه وجهي:
- آخر عمري اشتري هالخرابيط!
- ما عليه، المهم يقرون، إنتَ شخذيت؟
- ولاشي!
.
عرفت أن الكتب عنده صارت كأنها أكوام حجارة بجانب قسيمة انتهت للتو من البناء، مجرد تجمعات غير منتظمة الشكل في غرف المنزل، همّ البورصة اتعب قلبه، وبنيان البيت أخلى جيوبه، ومتطلبّات الأولاد جعلته يحمد الله إن استطاع أن ينهي قراءة جريدة.
.
حين عدت للبيت مع كتبي كانت أختي تزور أمي، سمعتُ التعليق المميز:
- فـراغة!
.
هذا التعليق إمّا أن يجري على لسان كل من يشاهد كتابًا بيدي، أو أنّه يفضل الإطلال برأسه من خلال تعابير وجه من (يخزني). أن تجلس بالقهوة لساعات وتدخن الشيشة فانت تملئ وقتك، أو تتابع فلمًا تلو الآخر فأنت تستفيد من وقتك، أو أن تقضي الساعات تتابع أخبار اللاعبين أو الممثلين أو أبناء وبنات العائلة والجيران والكويت والكرة الأرضية كلها، الأحياء منهم والأموات، فأنت تستغل وقتك، أما أن تمسك كتابًا وتقرأ فهذا إما أنه من زود الفضاوة أو فـراغة!
.
لا يهم، بتُّ أملك مناعة مكتسبة الآن تجاه هذه التعليقات، ومع هذا لا زلت أفكر من الفارغ، أنا أم النّاس؟
هل أقدم على ما أقدم عليه الملك وأشرب من نهر الجنون حتى لا أصبح العاقل الوحيد بينهم؟ هل يُعقل أن توفيق الحكيم اكتشفَ الحل المثالي؟ أن نصبح كلنا مجانين؟
أم لا، أحتفظ بعقلانيتي و إن كلفتني منصبي، على الأقل لستُ ملكًا لأخاف من إزاحتي، وهذه من فوائد كونك من الطبقة الكادحة.
.
من جانب آخر، ألا يُمكن أن أكون أنا المجنون وأولئك هم العُقّال؟ لا يوجد ما يمنع ذلك، المجانين دائمًا يتصورون أنهم أعقل النّاس، وأنّ العوام أقل من أن يفهموا كلماتهم، كان بهلول يدّعي الجنون، يضحك عليه الناس في زمنه، لكنّهم اليوم يقفون احترامًا لحكمته، ونفاذ بصيرته.. لو كان المجانين كلهم بهاليل، لكنّا نعيش في عالم جميـل.. بعيدًا عن زين العقلاء!
.
تذكرت الشيخ بهلول رحمه الله، وصفه والده بأنّه (بهلول) أمام قائد الشرطة ليخلص نفسه من تبعات أفعاله، نسى الناس اسمه وتذكروا لقبه، رغم أنه قاد ثورة لازال التاريخ يذكرها بإجلال.
.
« إنني أحب الشجعان، ولكن لا يكفي أن تكون مقاتلاً شجاعًا يستخدم السيف القاطع، عليك كذلك أن تعرف من تقطعه بسيفك!» [3]
.
وللحديث - إن شاء الله - بقيّة ..


_____________
[1] ما ترونه في الصورة من كتب مستلقية على سطح المكتب.
[2] سوق الكتب في قم، كل ما تبحث عنه من كتب – مهما كانت – ستجدها هناك!
[3] القول لـ نيتشه، على لسان زرادشت.