من دروس عاشوراء [3]
حين دخل خولي بن يزيد الأصبحي على عبيد الله بن زياد في الكوفة حاملاً رأس الحسين عليه السلام، أنشد قائلاً:.
إملأ ركابي فضة وذهبا .. إني قتلت السيد المحجبا
قتلتُ خير الناس أمًا وأبا
إملأ ركابي فضة وذهبا .. إني قتلت السيد المحجبا
قتلتُ خير الناس أمًا وأبا
.
هذا الخبر المروي يُصيب الناظر إليه بالقشعريرة، فما بين اعتراف بالجريمة، و الطمع بالجائزة من الذهب والفضة، يكمن التفريق بين الصواب والباطل، وبين الإلتزام والباعث على الإلتزام.
لم يشك خولي بن يزيد للحظة بانه قد ارتكب جريمة يندى لها الجبين، بل إنه قام بارتكابها عالمًا بها، عارفًا بسوئها، ولكن ذلك كله لم يمنعه من الإقدام عليها، فلا الاوامر الدينية ولا الإلتزامات الأخلاقية ولا المشاعر الإنسانية استطاعت أن تقف أمامه لتمنعه من هذا الفعل المشين، الذي ورغم اعترافه بأنه ارتكبه لم يرتد إليه طرفٌ وهو يصف ضحيته بكل مفاخرها وحسناتها، دلالة على براءة ساحتها.
هذا الخبر المروي يُصيب الناظر إليه بالقشعريرة، فما بين اعتراف بالجريمة، و الطمع بالجائزة من الذهب والفضة، يكمن التفريق بين الصواب والباطل، وبين الإلتزام والباعث على الإلتزام.
لم يشك خولي بن يزيد للحظة بانه قد ارتكب جريمة يندى لها الجبين، بل إنه قام بارتكابها عالمًا بها، عارفًا بسوئها، ولكن ذلك كله لم يمنعه من الإقدام عليها، فلا الاوامر الدينية ولا الإلتزامات الأخلاقية ولا المشاعر الإنسانية استطاعت أن تقف أمامه لتمنعه من هذا الفعل المشين، الذي ورغم اعترافه بأنه ارتكبه لم يرتد إليه طرفٌ وهو يصف ضحيته بكل مفاخرها وحسناتها، دلالة على براءة ساحتها.
.
امتلك "خولي" القدرة على تمييز الخطأ من الصواب، وامتلك حرية الاختيار والفعل، ربما لو لم يعده ابن زياد بالمكافأة المالية لكان - ربما - ضمن السبعين الذين استشهدوا مع الحسين عليه السلام في كربلاء ولكتب اسمه في لوحة الخلود، ولكنّ ما حدث كان نوعًا من الإبتلاء، المكر إن صح التعبير الذي يُصّفي النّاس ليُبقي على الخُلّص منهم، فمثلهم من يستحق الخلود والبقاء، أما من يعرف الحق ويدير ظهره له فلا يستحق سوى اقتران اسمه باللعن.
امتلك "خولي" القدرة على تمييز الخطأ من الصواب، وامتلك حرية الاختيار والفعل، ربما لو لم يعده ابن زياد بالمكافأة المالية لكان - ربما - ضمن السبعين الذين استشهدوا مع الحسين عليه السلام في كربلاء ولكتب اسمه في لوحة الخلود، ولكنّ ما حدث كان نوعًا من الإبتلاء، المكر إن صح التعبير الذي يُصّفي النّاس ليُبقي على الخُلّص منهم، فمثلهم من يستحق الخلود والبقاء، أما من يعرف الحق ويدير ظهره له فلا يستحق سوى اقتران اسمه باللعن.
.
الفارق بين خولي وبين هؤلاء كان الباعث على ارتكاب الفعل، من الوجهة الأخرى يمكن أن نعقد مقارنة بسيطة بينه وبين الحر بن يزيد الرياحي الذي كان قائد الجيش الذي جعجع بالحسين عليه السلام إلى كربلاء، ففي صبيحة عاشوراء إنحاز لمعسكر الحسين عليه السلام واستشهد بين يديه، وحجته بذلك كان باعثه الذي هو (إنّي و الله أخيّر نفسي بين الجنّة و النار ، و لا أختار على الجنة شيئًا و لو قطعت و أحرقت)، وهذه هي النقطة الفاصلة، ليس أن تعرف الحق من الباطل، ولكن أن تلتزم بالحق.
الفارق بين خولي وبين هؤلاء كان الباعث على ارتكاب الفعل، من الوجهة الأخرى يمكن أن نعقد مقارنة بسيطة بينه وبين الحر بن يزيد الرياحي الذي كان قائد الجيش الذي جعجع بالحسين عليه السلام إلى كربلاء، ففي صبيحة عاشوراء إنحاز لمعسكر الحسين عليه السلام واستشهد بين يديه، وحجته بذلك كان باعثه الذي هو (إنّي و الله أخيّر نفسي بين الجنّة و النار ، و لا أختار على الجنة شيئًا و لو قطعت و أحرقت)، وهذه هي النقطة الفاصلة، ليس أن تعرف الحق من الباطل، ولكن أن تلتزم بالحق.
.
كحاجات بشرية واضحة، نحتاج ونبحث عن الأمانة والصدق والعدل والحرية، ويسعى معظمنا إلى الإلتزام بها لأقصى درجة حفاظًا على وجوده في المجتمع لكونها سبيل بقائه فاعلاً بها، ولهذا نملك قدرة التمييز بين ما هو صحيح وما هو غير ذلك، ونسعى جاهدين لأن نلتزم بالقوانين التي وضعت حفاظًا على تماسك المجتمع العام، ولكن في نفس الوقت يكون ذلك هو السبب في الإلتزام بهذه القوانين وهذه الأخلاقيات، الباعث على ذلك هو الخوف من عقوبة كسر القانون، أو الخوف من النبذ الاجتماعي، أو الخوف من الإشارة بالسوء إليه، أو الخوف من تضعضع المجتمع ومن ثمّ نفقد أي غطاء يؤمنه لنا بقوته وتماسكه.
كحاجات بشرية واضحة، نحتاج ونبحث عن الأمانة والصدق والعدل والحرية، ويسعى معظمنا إلى الإلتزام بها لأقصى درجة حفاظًا على وجوده في المجتمع لكونها سبيل بقائه فاعلاً بها، ولهذا نملك قدرة التمييز بين ما هو صحيح وما هو غير ذلك، ونسعى جاهدين لأن نلتزم بالقوانين التي وضعت حفاظًا على تماسك المجتمع العام، ولكن في نفس الوقت يكون ذلك هو السبب في الإلتزام بهذه القوانين وهذه الأخلاقيات، الباعث على ذلك هو الخوف من عقوبة كسر القانون، أو الخوف من النبذ الاجتماعي، أو الخوف من الإشارة بالسوء إليه، أو الخوف من تضعضع المجتمع ومن ثمّ نفقد أي غطاء يؤمنه لنا بقوته وتماسكه.
.
هناك فرق بين من يلتزم بالأخلاقيات، والقوانين إيمانًا منه بها، وبين من يلتزم خوفًا من عقوبة كسرها، والفرق يتضح حين تتم إزالة أسباب هذا الخوف، ويتم أخذ الفعل بتجرد تام، كما حدث لـ"خولي بن يزيد" فهو مقدم على ارتكاب جريمة قتل لو كان في ظل حكومة أخرى، وظروف أخرى لما أقدم عليها، ولكنه أعطي باعثًا ساعده على ارتكابها، ويتضح من ذلك أنّه لا يلتزم بالأخلاقيات أو القيم الإنسانية والدينية اعتقادًا منه بها، بقدر خشيته من فقدان أثرها، والذي لو تم تعويضه عنها لما تردد في ارتكاب أبشع المظالم، وعلى العكس كان الحسين عليه السلام يضرب مثلاً في الإلتزام إيمانًا منه بهذا الإلتزام لا خوفًا ولا طمعًا ولا رهبة مما ينتج من عدم الإلتزام.
هناك فرق بين من يلتزم بالأخلاقيات، والقوانين إيمانًا منه بها، وبين من يلتزم خوفًا من عقوبة كسرها، والفرق يتضح حين تتم إزالة أسباب هذا الخوف، ويتم أخذ الفعل بتجرد تام، كما حدث لـ"خولي بن يزيد" فهو مقدم على ارتكاب جريمة قتل لو كان في ظل حكومة أخرى، وظروف أخرى لما أقدم عليها، ولكنه أعطي باعثًا ساعده على ارتكابها، ويتضح من ذلك أنّه لا يلتزم بالأخلاقيات أو القيم الإنسانية والدينية اعتقادًا منه بها، بقدر خشيته من فقدان أثرها، والذي لو تم تعويضه عنها لما تردد في ارتكاب أبشع المظالم، وعلى العكس كان الحسين عليه السلام يضرب مثلاً في الإلتزام إيمانًا منه بهذا الإلتزام لا خوفًا ولا طمعًا ولا رهبة مما ينتج من عدم الإلتزام.
.
إنّ الباعث يختلف باختلاف الموارد فتارة يكون عملاً وتارة يكون ظرفًا وتارة نتيجة وفي كل الأحوال يقدم تبريرًا لمرتكب الفعل، فالعمل بحد ذاته يكون دافعًا لفعل شيء، والظرف الذي يتواجد به المرء قد يولد الباعث، كما أن النتيجة التي يخلُص لها الفاعل في غالب الأحيان تكون هي الباعث الأبرز، فهي إما (علوية) وإما (سفلية)، إما صادرة من الانا العليا أو من السفلى.
إنّ الباعث يختلف باختلاف الموارد فتارة يكون عملاً وتارة يكون ظرفًا وتارة نتيجة وفي كل الأحوال يقدم تبريرًا لمرتكب الفعل، فالعمل بحد ذاته يكون دافعًا لفعل شيء، والظرف الذي يتواجد به المرء قد يولد الباعث، كما أن النتيجة التي يخلُص لها الفاعل في غالب الأحيان تكون هي الباعث الأبرز، فهي إما (علوية) وإما (سفلية)، إما صادرة من الانا العليا أو من السفلى.
.
جوهر الإنسانية يتلألأ حين يوضع في الظلمات، هناك يمكن معرفة الماهيّة الحقيقية لهذا الإنسان، فحين لا يجد أي إجبار على أي إلتزام تظهر بواطنه كما هي دون تورية، ودون مداراة لأنه لا يعود بحاجة للآخرين لإدامة استقراره أو الحفاظ عليه، وهنا تظهر مزيّة الباعث لكونه الذي يحدد الغاية من العمل، أي عمل يقوم به الإنسان، ولا يكفي مجرد كون العمل صحيحًا، بل يجب أن يكون منطلقه ونتيجته وكل ما يرتبط به يقود إلى نفس النتيجة الصحيحة، في حالة خولي بن يزيد هو نفذ أمرًا ميدانيًا بحكم قيادته العسكرية، لإضفاء صفة الصحة والسلامة عليه، وهذا عمل وفق هذا المقياس الضيق صحيح، ولكنه جريمة في حق الإنسانية.
جوهر الإنسانية يتلألأ حين يوضع في الظلمات، هناك يمكن معرفة الماهيّة الحقيقية لهذا الإنسان، فحين لا يجد أي إجبار على أي إلتزام تظهر بواطنه كما هي دون تورية، ودون مداراة لأنه لا يعود بحاجة للآخرين لإدامة استقراره أو الحفاظ عليه، وهنا تظهر مزيّة الباعث لكونه الذي يحدد الغاية من العمل، أي عمل يقوم به الإنسان، ولا يكفي مجرد كون العمل صحيحًا، بل يجب أن يكون منطلقه ونتيجته وكل ما يرتبط به يقود إلى نفس النتيجة الصحيحة، في حالة خولي بن يزيد هو نفذ أمرًا ميدانيًا بحكم قيادته العسكرية، لإضفاء صفة الصحة والسلامة عليه، وهذا عمل وفق هذا المقياس الضيق صحيح، ولكنه جريمة في حق الإنسانية.
.
عندما تصبح الدوافع مجرد مصالح آنية وأرباح عاجلة، ولأجل ذلك تمتلك حركة متغيرة، تبدل جلدها وفق المصلحة وعندها أن الغاية تبرر الوسيلة، لا يعود لمعاني الصدق والأمانة والعدالة وغيرها من المُـثل الإنسانية الرفيعة التي يصرف حياته سعيًا لتحقيقها إلا معاني مشوهة تجعل من معيار المصلحة الشخصية هو الحاكم، تماما كما حدث لـ خولي الذي كانت رغبته منحصرة بالذهب والفضة، وهي مصلحة أنانية تنبع من حب الإستئثار الحيواني في الإنسان. بينما على الطرف الآخر كان الحسين عليه السلام، الذي جعل من الدوافع أسسًا ثابتة، لا تتحول ولا تتغير، وتقوم على أساس كونها حسنة بذاتها، غير خاضعة لمصلحة شخصية، من باب اعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، إن الدين جاء في الحقيقة ليصيغ نظامًا للبواعث والمبادئ يكون الثبات لا التحول، وعلى السمّو والرفعة لا التنّزل، وعلى التأكيد على خضوع الإنسان لها، لا خضوعها لهواه الإنسان، لذلك كان ثبات الحسين عليه السلام على الموقف الصواب الذي اختاره، لم يتزلزل أو يتزحزح عنه أبدًا، إن سلامة الباعث وصحته، هو الذي يميّز بين الأعمال، ويرسم الفارق بين أصحابها، وبقدر سمّو الباعث تكون عصمته لصاحبه من الوقوع بالزلل .
عندما تصبح الدوافع مجرد مصالح آنية وأرباح عاجلة، ولأجل ذلك تمتلك حركة متغيرة، تبدل جلدها وفق المصلحة وعندها أن الغاية تبرر الوسيلة، لا يعود لمعاني الصدق والأمانة والعدالة وغيرها من المُـثل الإنسانية الرفيعة التي يصرف حياته سعيًا لتحقيقها إلا معاني مشوهة تجعل من معيار المصلحة الشخصية هو الحاكم، تماما كما حدث لـ خولي الذي كانت رغبته منحصرة بالذهب والفضة، وهي مصلحة أنانية تنبع من حب الإستئثار الحيواني في الإنسان. بينما على الطرف الآخر كان الحسين عليه السلام، الذي جعل من الدوافع أسسًا ثابتة، لا تتحول ولا تتغير، وتقوم على أساس كونها حسنة بذاتها، غير خاضعة لمصلحة شخصية، من باب اعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، إن الدين جاء في الحقيقة ليصيغ نظامًا للبواعث والمبادئ يكون الثبات لا التحول، وعلى السمّو والرفعة لا التنّزل، وعلى التأكيد على خضوع الإنسان لها، لا خضوعها لهواه الإنسان، لذلك كان ثبات الحسين عليه السلام على الموقف الصواب الذي اختاره، لم يتزلزل أو يتزحزح عنه أبدًا، إن سلامة الباعث وصحته، هو الذي يميّز بين الأعمال، ويرسم الفارق بين أصحابها، وبقدر سمّو الباعث تكون عصمته لصاحبه من الوقوع بالزلل .
.
«طبيعي أن الآيدلوجية الوحيدة التي تستطيع أن تكون ذات ماهية إنسانية تقوم على أساس القيم الإنسانية، هي الآيدلوجية الإنسانية لا الفئوية، هي الآيدلوجية الموحدة لا القائمة على أساس تجزئة الإنسان، هي الآيدلوجية الفطرية لا المصلحية»*
«طبيعي أن الآيدلوجية الوحيدة التي تستطيع أن تكون ذات ماهية إنسانية تقوم على أساس القيم الإنسانية، هي الآيدلوجية الإنسانية لا الفئوية، هي الآيدلوجية الموحدة لا القائمة على أساس تجزئة الإنسان، هي الآيدلوجية الفطرية لا المصلحية»*
- في (كامل الزيارات):عَن أَبِي عُمارة الْمُنشِدِ قَالَ: مَا ذكِرَ الحسَينُ بن عليٍّ عند أَبِي عَبدِ الله [جعفر الصادق] فِي يوم قَطُّ فرُئِيَ أَبو عبد اللهِ عليه السلام مُتبسّمًا فِي ذَلِك الْيوم إِلَى الليلِ، و كانَ أبو عبد الله عليه السلام يقول: الحسينُ عَبْرَةُ كلِّ مُؤمنٍ.
ــــــــــــــــــــــــــ
* من كلمات الشهيد مطهري.


